2

جلسَ أبو حامدٍ إلى المائدةِ، فلمْ يجدْ إلا خبزًا ودُقَّةً.. فقالَ:

- الحمدُ للهِ على هذا الطعامِ؟! وإن كنتُ أتمنَّى أن آكلَ دجاجًا محشوًّا بالأُرزِ والزَّبيبِ.

3

وفي لحظةٍ واحدةٍ، رأَى الزوجانِ أمامَهُما صحنًا كبيرًا مملوءًا بالدجاجِ المحشُوِّ، يتوسطُ المائدةَ..

فَرِحَ أبو حامدٍ بالطعامِ وأقبلَ يأكلُ بشهيةٍ، ويدعُو زوجتَهُ لمشاركَتِه.. لكنَّ ذلك زادَ من غضبِها، فانطلقَتْ تلومُهُ قائلةً:

- ها أنتَ قد أضعْتَ إحدَى الأمنياتِ الغاليةِ بهذا الطلبِ السخيفِ.

أمضتْ أمُّ حامدٍ ليلتَها وصباحَ يومِها التالِي وهي تُعيدُ وتُكَرِّرُ:

- كان منَ المفترضِ أنْ تتروَّى؛ حتى لا تُبَدِّدَ هديَّةَ الطائرِ.. ستنتهِي الأمنياتُ الثلاثُ دونَ أنْ نحْصُلَ على ما نحتاجُ إليه فعلاً!!.

وكلما رأتْ زوجَها صامتًا، ازدادَ غيظُها، وزادَتْ في لومِهِ وتأنيبِهِ؛ حتى ظنَّ أبو حامدٍ أنها لن تتوقفَ أبدًا، فصاحَ بها:

- ليتَكِ تفقدينَ القدرةَ على الكلامِ؛ حتى أعيشَ في سلامٍ.

وفي الحالِ، فقدَتْ أمُّ حامدٍ قدرتَها على الكلامِ، وراحَتْ تُحَرِّكُ فَمَها دونَ أنْ يَصْدُرَ عنها صوتٌ.. فابتسمَ أبو حامدٍ في سعادةٍ وقالَ لنفسِهِ: 

- سأرتاحُ أخيرًا من ثرثرَتِها المزعجَةِ..

ثم خرجَ إلى عملهِ، دونَ أن يُجاهرَ بما خطرَ ببالِهِ؛ حتى لا يُؤذيَ مشاعِرَها.

مرتِ الأيامُ، وأمُّ حامدٍ صامتةٌ لا تتكلمُ، وأبو حامدٍ يخرجُ في الصباحِ ويعودُ في المساءِ كعادَتِهِ، فيأكلُ وينامُ في هدوءٍ.. ويُفَكِّرُ طولَ الوقتِ في الأمنيةِ الباقيةِ.. كان يَوَدُّ أن يستشيرَ زوجتَهُ في الأمرِ.. لكنها تجلسُ أمامَهُ صامتَةً لا تَنْطِقُ.

ذاتَ مساءٍ، عادَ أبو حامدٍ من عملِهِ، فقدمَتْ له زوجَتُهُ طعامَهُ المعتادَ، وجلسَا يأكلانِ في صمتٍ.. وبعدَ فترةٍ، رفعَ أبو حامدٍ رأسَهُ عن طعامِهِ وقالَ لزوجَتِهِ:

- يا أمَّ حامدٍ.. لقد فكرْتُ كثيرًا في أمرِنا وأمرِ الأمنيةِ الباقيةِ.. كنتُ مترددًا بين أن أتمنَّى بيتًا كبيرًا نعيشُ فيه، أو أرضًا خصبةً نزرعُها، أو أغنامًا كثِيرةً نرعَاها.. لكني وجدتُ أنَّ الأمنيةَ الوحيدةَ التي تحقِّقُ لنا السعادةَ والهناءَ هي أن تعودَ لكِ القدرةُ على الكلامِ.. فهذه هي أمنيتِي الثالثةُ؛ لأنني أحبُّكِ وأَفْتَقِدُ حديثَكِ وثرثرتَكِ.

وفي الحالِ.. عادتْ قدرةُ الزوجةِ على الكلامِ.. فراحتْ تُثَرْثِرُ وتروِي له كلَّ ما لم تتمكَّنْ من حكايتِهِ أيامَ صمتِها.. حتى انتهتْ من رواياتِها..

عادتْ وتذكرتِ الطائرَ والأمنياتِ الثلاثَ.. فانطلقَتْ تعاتِبُ أبا حامدٍ وتلومُهُ؛ لأنه أضاعَ هديةَ الطائرِ في أمنياتٍ تافهةٍ لا نفعَ فيها.. بينما تمدَّدَ أبو حامدٍ وأغمَضَ عينَيْهِ، وراحَ يستمِعُ إليها مبتسمًا.. مرتاحَ البالِ.

4