كانَ أبو حامدٍ راعيًا فقيرًا، يعيشُ مع زوجتِه في بيتٍ صغيرٍ منَ الحجرِ، في قريةٍ تَبْعُدُ قليلًا عنِ العريشِ.. وكانَ يجمعُ أغنامَ أهلِ القريةِ كلَّ صباحٍ ويخرجُ بها إلى التلالِ، فيقضِي يومَهُ في تَتَـبُّعِها وحراسَتِها.
وكان يَنْصِبُ الفِخاخَ لصيدِ الطيورِ، لكنه نادرًا ما كان يصطادُ شيئًا.. فيعودُ إلى بيتِهِ في المساءِ فلا يجدُ طعامًا إلا الخُبْزَ والدُقَّةَ، فيأكلُ وهو يستمِعُ إلى ثرثرةِ زوجتِهِ وحكاياتِها.. ثم يحمَدُ ربَّهُ على ما رزقَهُ، وينامُ.
ذاتَ صباحٍ، وجدَ أبو حامدٍ طائرًا صغيرَ الحجمِ غريبَ اللونِ عالقًا في أحدِ الفخاخِ. ففرِحَ به وراحَ يُمنِّي نفسَهُ بعشاءٍ شهيٍّ.. لكنه سَمِعَ صوتَ أنينٍ خافتٍ يصدرُ عنِ الطائرِ كأنه يقولُ:
- أرجوكَ.. حَرِّرْني من الأسْرِ أيُّها الرجلُ الطيبُ.
رقَّ قلب أبو حامدٍ لحالِ الطائرِ، وفكَّرَ أن يُطْلِقَ سراحَهُ.. ثم تذكرَ زوجتَهُ المسكينةَ التي لم تأكلْ غيرَ الخبزِ والدُقَّةِ منذُ شهورٍ، فتردَّدَ قليلًا.. لكنه عادَ وسمِعَ أنينَ الطائرِ كأنَّهُ يقولُ:
- إنني صغيرُ الحجمِ ولن أكفيكَ أنتَ وزوجتَكَ.
غلبتْ شفقةُ أبي حامدٍ على تردُّدِهِ، فخلَّص الطائرَ منَ الفخِّ وتركَهُ يطيرُ حرًّا وهو يقولُ له:
- انطلقْ أيها الصغيرُ إلى أمِّكَ، فلابد أنها تبحثُ عنك في كلِّ مكانٍ.
طارَ الطائرُ ورفرفَ بجناحَيْهِ، ثم حطَّ على غصنٍ قريبٍ.. وسمِعَ أبو حامدٍ صوتًا أقلَّ حزنًا يقولُ له:
- شكرًا أيُّها الرجلُ الطيبُ.. سأحقِّقُ لك ثلاثَ أمنياتٍ، مهما كانَ نوعُها، هديةً لك مقابِلَ حريَّتي.. ولكن كُنْ حريصًا فيما تتمناهُ؛ حتى لا تضيعَ أمنياتُك في الهواءِ.. أو تكونَ سببًا في تعاستِكَ.
حَلَّقَ الطائرُ في الفضاءِ، وتركَهُ حائرًا متعجبًا.
عادَ أبو حامدٍ إلى بيتِهِ في المساءِ، وروَى ما حدثَ لزوجتهِ.. فغضِبَتْ وقالتْ له:
- يا لكَ من رجلٍ ساذجٍ! كيفَ تصدِّقُ أن طائرًا يتحدثُ بلغةِ الإنسانِ، وأنه سوفَ يحقِّقُ لك أمانيكَ؟!.
ثم قامتْ تُعِدُّ المائدةَ وهي تُردِّدُ باستنكارٍ:
- لقد ضاعَ منا عشاءٌ شهيٌّ.. كيفَ تصدِّقُ أمرًا كهذا؟!.
***