لن يجدي ما تفعلونه.. وما فعلتموه..
شقوا الترع والشوارع والطرقات.. شقوا أنفسكم نصفين.. وألقوا بنصف في الجحيم والنصف الآخر في قاع البحر.. احفروا في الأرض ما شئتم.. وحاذروا أن يخرج من بطن الأرض؛ صبية يرجمونكم بالحجارة وبالطين..
أنكم تحفرون قبوركم وفناءكم..
ولقد آن أوان رحيلكم.. وحتفكم..
لن تفصلنا الأسوار، ولن تمنعنا من تعقبكم ورصدكم أينما كنتم.. لن تفصلنا.. بل سوف تفصلكم أنتم، وترجعون رجعتكم الأولي، مشتتين ضائعين لاهثين لا حول لكم ولا قوة.. ولن تقف هذه الأسوار حائلا دون المضي في نضالنا، ومن المرور عبر جثثكم وفوق أشلائكم.. لن تمنع الخرسانات الطيور من أن تسبح في السماء وتغني للأبرار والشهداء وللأمهات ولكل الأحرار في ربوع الوطن الجميل الجريح، الذي ينزف كل يوم بعضا من بقاياه.. لن تمنع هذه الأسوار الهواء من أن ينسم رياحينه فوق تلال وطني، فيختال العلم الأبي يمنة ويسرة.. فتدمي قلوبكم..وتتحسرون..
لن تشل الخطي ولن تعجز وسوف تمارس السير رغم الأغلال والقيود والقوانين وحظر التجوال والإبعاد والنفي الاضطراري والقسري، وإن لم نستطع السير سنركض ونحبو ونزحف، لكننا لن نقف أبدا ولن نستكين..
إن حائط الكراهية الذي تشيدونه.. لن يمحي هويتنا بل هو خير شاهد على أنكم مزيفون مزورون سماسرة ومرابون.. ويؤكد أن الفزع تملك منكم، وأستوطن داخل مستوطنات القطيع التي تؤوونهم، وذهب بعقول الجنرالات السفاحين، الذين يبنون انتصاراتهم على دماء الشهداء ودموع الأمهات.. ويفضح كل إدعاءاتكم المصطنعة في الورش الأمريكية..
ولن تستطيع طلقات الرصاص المجنونة الطائشة إفزاعنا أو تخويفنا أو ترهيبنا.. فأنتم الإرهابيون وأنتم العنصريون، وأنتم الزنادقة وقاتلو الأنبياء..
أنتم لا تبنون أسوارًا تحميكم بل تقيمون سجنًا صغيرًا داخل السجن الكبير..
تحاصروننا داخل الحصار.. ومن داخله تنشرون أسلحتكم لترصد الحلم في عيون الوطن.. وتعلنون في خيبة، أن لكل مواطن زنزانة.. وملفًا أمنيًا ورقمًا سريًا..
«طق.. طق..طق
في زمن.. في بلد لا يملك أي هوية
سيكون مدانا من يملك أي هوية
مزقها.. مزقها يا سجاني
بلند الحيدري»
ها نحن نموت عشرات المرات.. وفي كل مرة نردد الأبيات المجروحة النازفة من قصيدة الشعر المنتحرة.. لم يبق في أرجاء البيت إلا بعض من أنقاض.. ها نحن أصبحنا سطورًا منسية في كتب مجهولة وقصائد ممنوعة، ووطن مسلوب في النور وفي العتمة..
في كل الأوطان يموت الأحرار قسرا وطواعية، ولكننا نعقد اتفاقا مع الوطن بأن نموت نحن، وتخلد حبات ترابه.. نموت وتبقي الأشجار باسقة في الأرض.. لتخبر الريح عن نضالنا وكفاحنا..
تبت أياديكم.. وخربت مخططاتكم..
لستم دعاة سلام..
بل أنتم آلهة الحرب والدمار
أنتم الهكسوس والشياطين والتتار
افعلوا ما شئتم واجمعوا من التوقيعات المزيفة ما يتيح لكم فرض الهيمنة بغير حق..
فهم لا يرون ما تفعلون ولن يروه.. فعيونهم المعصوبة فقدت حاسة النظر.. وباتوا مكفوفين وهم ينظرون..
فتلك العين التي تري السفاح قاتل الأطفال والنساء ذا اليد الملوثة بالدماء والقناع المخيف رجل سلام.. تستطيع أن تري الأسود ابيض، بل هي قادرة على تزييف الحقيقة.
تري هل تري تلك العين الحقيقة، هل تنصفنا، هل تعيد لنا حقوقنا.. إنها عين مبتورة موتورة، تنقصها الرؤية الموضوعية.
نحن في انتظار لجان التحقيق الأممية.. والتي طال انتظارها.. ربما لم تجد أماكن خالية على خطوط العال الصهيونية مدفوعة الأجر، أو أن حالة الجو تعوق الطيران، نحن ننتظر اللجنة وربما لم تأتها بعد الأوامر من تل أبيب، وربما ضلت الطريق وتاهت وذهبت بالخطأ إلى مجاهل إفريقيا لتنقب عن الفقر والجهل والمرض والصراعات القبلية..
لكننا علينا أن لا نيأس فالتقارير الجاهزة أعدت على أكمل وجه، وأشرف دبلوماسيين صهاينة وتجار البشر.. لا داعي للقلق.. مادام كل شئ جاهز ومعد على أكمل وجه.. علينا الانتظار.. وأن لم يأتوا فربما هناك حادث عارض منعهم من المجيء.. ودعونا ننتظر عدة أشهر أخرى أو عدة سنين أو نصف قرن آخر.. ألم ننتظر نصف قرن..؟!
لقد جاوز الظالمون المدى.. وتجاوزت جرائمهم كل جرائم التاريخ منذ بدء الخليقة وحتى يومنا هذا.. ومازالوا في الصلف يبدعون ويجددون، ويخترعون ما لم يخطر على بال.
إنهم يحولون مدننا الطيبة الجميلة إلى مدن تسكنها الأشباح والفقر والموت، أنهم يحولونها إلى مدن بلا قلب بلا نبض بلا روح بلا مشاعر بلا أطفال معاقين أو زهور مندية، إنهم يحولونها إلى أشباه مدن..
إن هذا السور لم يحجب الرؤى، ولم يحدد الأفق أمامنا، وسوف نتركه للصغار كي «يقرقشونه» بأسنانهم اللبنية، ولم يكون حاجزًا للمرور أو العبور، بل سوف يجعله الصغار.. الصغار حاجزا لمرور الكرة عندما يلعبون ويلهون..
لم نعبأ بأسوار جهنم التي تقيمها جيوش التتار حولنا، فنحن نملك المكان والزمان ونملك الريح والطير والإنسان، ولسوف يترقبهم الصغار عند وصولهم حتى يصطادونهم كالفئران..
مادامت الدنيا تبيت في عيون الوطن
لن تموت فلسطين ولن تبيد..
قد تثقل الأحزان كاهل الرجال، قد تغيب الشمس يوما أو يومين..
ويجف ماء البحر وتنهمر الدموع،
قد يسكن النبض في الأجساد والضلوع
ويفني الزيت في المصباح وتضئ الشموع
لكن أبدا لن تموت فلسطين
وفي موتنا تحيا لأبد الآبدين..
لسنا مغرمين بالموت، ولم تهن الحياة، لكن حبات تراب الوطن أغلى من ضي العيون.
فيا أيها المصلوبون على أعمدة الريح في كل مكان.. أتي الزمن الرديء، وتمرد العصيان..
تصفر الريح في قلب الجروح..وتنبئ بالوحشة والفرقة والحرمان.. ويعوي الذئب السفاح فيخيف القطط والكلاب.. لكننا نؤمن بأن السماء لن تبخل بمواسم المطر لنغسل مدننا النظيفة دوما لاستقبال العائدين.. لن تكون نهاياتنا الانزواء والبكاء على اللبن المسكوب.. فنحن نرعى الأرض ونحلب الأبقار.. ونبني البيوت..
أشهد أننا لم نسرق وطنا من قبل.. أو قطعة أرض.. وأن الحاكم في وطني منتخب بإرادة شعب..وأن الشرطي في وطني متسامح ومثقف لم يصفع يوما امرأة أو كهل.. وأن النبت في الأرض يغني للطير.. والنهر يحضن شاطئيه، والشمس لا تغرب في الليل.. والدنيا محمولة في كف طفل..