يحمل الناس كل صباح جسد شهيد.. أسقطته رصاصة عاهرة غاشمة كافرة.. اخترقت قلبه المتعب من آلاف السنين، أو شطرت رأسه.. تسير المواكب الجنائزية بطول الأرض وعرضها في شوارعنا.. وتفترش المآتم حكاياتنا وحواراتنا، ولأن الكرم صناعة عربية.. فأن الجنازات غالبا ما تكون جماعية.. حتى ضاقت مقابرنا علينا.. لكن رائحة الياسمين تلف المكان.. تشيع جوا من التفاؤل في زمن الحداد والعويل.. وتبعث في النفوس أملا بعيدا.. ربما يبدو يوما في عيون طفلة أو نظرة عجوز تستريح على ذكرى الأيام من عناء الرحلة.. ربما يأتي ذاك الأمل البعيد القريب من السماء في رذاذ المطر أو في عصفرة الريح.. ربما يأتي من الحقول العطشة.. أو ضفائر البنات.. ربما يأتي..
يحمل الناس كل صباح معاناتهم وآلامهم وأولادهم.. فمازالت كوارثنا طريحة الفراش في المستشفيات المجانية، سيئة الخدمة والسمعة، تئن وتتوجع وتصرخ.. وتطلق آهاتها يمينا ويسارا.. مازال صدى دوي الانفجارات في الآذان يقبع مستكينا.. يتردد بين الحين والحين.. لم تصف سماؤنا بعد من الدخان الأسود الكثيف التي عبئت به.. هل نسينا؟.. تخفت حدة انفعالاتنا دائمًا مع مرور الأيام.. تفتر عزيمتنا مع الوقت.. ونبحث عن ملهاة جديدة.. ندمن النسيان.. نصنعه.. نصدره.. نتجرعه.. نتنفسه.. ولا نتعلم..نعشق النسيان وننظم فيه قصائد شعر وحواديت قبل النوم.. ونكره التعلم ونمقته..
ماذا بعد البكاء؟.. بكينا كثيرا حتى جفت الدموع.. وبكينا كثيرا حتى تمزقت الضلوع.. وبكينا كثيرا حتى مل البكاء من عيوننا الكاذبة الناحبة ليل نهار.. ومازلنا نبكي.. حتى أصبح البكاء عادة يومية.. نُكفر بها عن ذنوبنا.. ونخفي وراءها عجزنا وقلة حيلتنا.. ولا نتعلم، ولا نسأل أنفسنا لماذا نبكي؟ وإلي متى نبكي؟ فما أسهل البكاء.. وما أيسره..وما أرخصه.
نحن نحاتو التماثيل وكاسروها.. نحن صناع الفراعين ولاعنوها.. ونحن كتاب التاريخ ومحرفوه.. ونحن الشعوب التي تقيم أفراحها على الأسلاك الشائكة..ونحن نكتب الأشعار على جدران السجون فلا يقرأها الشعب.. بل يقرأها السجان ويحفظها ويرددها كل صباح.. وعندما يكتشف أنها أشعار ثورية تحريضية يلقيها في زنزانات فردية.. فنكتب قصائد أخرى يقرأها السجان مرة أخرى ولا يقرأها الشعب فنعذب ونجلد ونسجن من جديد..
عندما يفتح الصباح عيونه عند الشروق.. يبدأ العداد في عد الموتى..حيث يسقط شهيد عربي كل يوم.. كل يوم.. ويهدم بيت عربي كل يوم.. كل يوم..ويسرق شبر من الأرض العربية كل يوم.. كل يوم.. ويسطر التاريخ هزائمنا المتوالية المتتالية المتعاقبة كل يوم.. كل يوم.. ومازلنا نبكي على الأطلال كل يوم..كل يوم..
إنهم يتعقبون سيرنا.. صحونا ونومنا.. فرحنا وحزننا.. يرصدوننا ويلاحقوننا، يتتبعون أنفاسنا وهمساتنا، يراقبوننا ويحاولون أن يقبضوا على أرواحنا.. ويتهموننا بأننا شعوب تعشق العبودية والاستسلام، لا نؤمن بالحرية والمساواة.. فعندما نعي الدرس جيدا.. ونقيم مظاهرة في الشوارع الخلفية مطالبين بالمساواة يحصدوننا ويرموننا بالرصاصات القاتلة بتهمة إثارة الفوضى والهمجية.. فلا نتعلم.. ونموت.. وندفن.. ويحملوننا على الأكتاف إلى قبورنا التي ضاقت علينا.. ولكن رائحة الياسمين تلف....
في اللحظة التي تنتهك فيها حرياتنا وتستباح فيها عقولنا.. يطرح علينا خيارات جديدة ما بين الموت في أحضان الوطن، أو الخيانة، فنموت في أحضان الوطن.. ويموت القليل في أحضان الخيانة.. وفي تلك الحالتين نموت، وفي تلك الحالتين لا نقيم سرادقات للعزاء.. فلا عزاء لشهيد، ولا عزاء لخائن..
إن الأحاديث الباهتة التافهة أصبحت الآن في صدر نشرات الأخبار تحتل مانشيتات الصحف الكبرى والصغرى.. والناس تصدق أحيانًا.. تصدق رغم أنباء الاغتيالات والقتل والتفريق والتحريم والتعذيب والتشريد والترهيب والترغيب.. تصدق.. لكن التاريخ يكتب الحقيقة، التي سوف نقرأها بعد ألف سنة أو ألفين..فمازلنا نعيش في مواسم الكلام.. والحروف المطاطة التي تخترق كل الحدود والموانع وتتاجر بالمثالية.
نصدق رغم الصفقات المشبوهة.. إنهم يحاولون أن يفرضوا حقوق الإنسان باغتيال الإنسان وتشريده وتجريده وتجويعه وإذلاله وتهميشه وتصفيته وتنحيته وبعثرته.. إنهم ينصبون الشرعية بالوحشية والعنف والبربرية، ويوزعون علينا الزكاة من فوائد أموالنا..
إنهم يحاولون صياغتنا.. إعادة تركيبنا وتفكيكنا، إنهم يريدون تحريكنا بالريموت في اتجاه مصالحهم..
أقفرت الآن شوارع المدينة
وانفض عنك الناس أيها الأمير
فاحمل بقاياك الثمينة
واحمل تماثيل الأميرة السجينة
......
ماذا أصاب الكلمات، لم تعد تهزنا
ولم تعد تسرقنا من يومنا
تثير فينا العطف.. قد
وقد تثير السخرية
لكنها.. تموت تحت الأغطية
أحمد عبد المعطي حجازي
إنها حوارات الجنرالات والعسكريين المشغوفين بالكراسي والمناصب.. المتيمين بحب الظهور وإلقاء البيانات عبر شاشات التليفزيون.. أما الشعوب فلا تعنيها هذه الأشياء.. فهي تأمل العيش في هدوء وسكينة دون صخب أو ضوضاء.. وتتمني على الله حينما يأتي أجلها أن تموت في ستر.. ودون أيضًا ضجة أو صخب..
ضاقت بنا الأمكنة وبأولادنا.. فمن حدود فلسطين النازفة تحت الاحتلال، حتى العراق الجريحة.. نولد الأطفال في الشوارع ويموتون في الشوارع ويأكلون في الشوارع..
تعالوا نرسم حدودا جديدة وبلادا جديدة وملامح جديدة.. تعالوا نرسم وطنا بلا أسلاك أو بوابات أو تأشيرات وطنا يحتمل أحلامنا البسيطة الكبيرة.. وطنا لا تلوثه أطماع الطغاة أو أحلام العملاء.. تعالوا نضع النقط الصحيحة على الكلمات الهاربة.. حتى لا نفاجأ يوما بضيق مقابرنا، رغم رائحة الياسمين التي تلف المكان.