تمضي الحياة بسرعة.. نلتفت يمينا ويسارا.. فنري الأيام تجري مهرولة مسرعة، وكأنها تخشي شيئا ما يعدو خلفها.. قليلون ينتبهون إليها ويسابقون الزمن ليرسموا حكاوي في الذاكرة، لا تنضب ولا تجف.. تمضي الحياة سريعة، دون توقف، إلا في محطات رئيسية لا تستطيع تجاوزها.. لقد كان إدوار سعيد محطة من محطات الوطن.. وقفت عندها الحياة لتنحني في احترام ووقار.. إن الحياة رغم كل شيء.. تعشق من يصارعها ويتفاعل معها.. وتكره المهمشين.. الذين يلوكون بالعبارات الضخمة طوال الوقت دون فائدة.. ولأنه كان يعشق الحياة، عشقته الحياة..
يصير الرحيل حكايات على الشفاه يترجل الخطي حيث النهايات المحتومة..
يتوسل الأماني في زمن الكساد، ويتأمل في سعة من رحابة الأفق وبعد النظر..
يمشي إلى المقابر زاحفا.. راكضا.. لاهثا
يكتب آخر الكلمات بالألوان السوداء والبيضاء..
في الوداع الأخير.. الصمت يخيم على المكان.. ويفرض لغة جديدة لا تقبل التأويل أو التفسير..
يلقي نظرة على الدنيا.. ويطرح تساؤلا؟؟
في أي أرض نولد؟.. وفي أي أرض نموت؟.. ولماذا نموت في بلاد جليدية جامدة.. لا تحمل العيون فيها دفء المعاني؟..
لماذا يكون الموت بعيدا؟ حيث الجنازات الفقيرة، والسرادقات الصغيرة، وعبارات العزاء المعبأة، وكلمات التأبين جاهزة الصنع.. كان أولي أن يحملك أبناء شعبك في المشوار الأخير، وفاء لدين طوقت به أعناقهم..
هل صار خلفك نساء ينتحبن.. يولولن.. يصرخن.. يبكين من لوعة الفراق؟.. يمشين حفاة.. يعتصرهن الألم، وتكويهن حرقة الفراق؟
هل وقف على رأسك أبناء العمومة والخوالة يتلقون العزاء؟
أم كنت وحيدا في بلاد لم تنصب فيه أحزان!!
«كم كنت وحدك يا ابن أمي
يا ابن أكثر من أبي
كم كنت وحدك
القمح مر في حقول الآخرين
والماء مالح»
محمود درويش
وضعوك بعربة سوداء فارهة تمشي في شوارع نظيفة تغسلها الأمطار صباح كل يوم. كنا سنحملك على أعناقنا المنهكة وفي مقل العيون النازفة، ونغسل شوارعنا الحمراء بدموع الصبايا والأمهات..
في الغربة فاضت الروح.. وتجمع الأطفال في الحوش الكبير.. تفحصوا وجوه بعضهم البعض.. وبعد لحظات انخرطوا في بكاء شديد.. شديد.. أقسي من تلك الغربة التي كنت تبحث لهم فيها عن بيت يلتف حوله سور حديدي يحميهم من الكلاب الضالة..
تجمع الصبايا في الحوش الكبير.. وأخفوا وجوههم.. وارتكنوا الحوائط والزوايا يبكين بصوت خفيض..
لم تنسك بلاد البرودة.. حرارة الأرض المقدسية.. حيث ولدت.. اختطفك الترحال دوما.. وكأن الحياة رحلة سفر ومحطات ومتاهات ومدن كثيرة..
لماذا تحملت فوق طاقتك؟؟ وغزلت من هموم وأوجاع أوطانك معطفا شتويا لازمك حيثما كنت..
كان أجدي بك أن تشفق على جسدك النحيل المتعب المنهك من هذه الأثقال، وتترأف به..
من تملك منك.. السرطان.. أم القهر الإنساني..؟
مازلت داخل المكان في صورة الوطن الكبرى، موشوما على جدران شوارع القدس القديمة ومبانيها التي تعبق الزمان برائحة مريمية.. تبرز ملامحك ناصعة شفافة، ويطل وجهك من الجرح ضاحكا باسما بشوشا..يلقي بالبذور في الحقول، وبالدروس في المدارس، وبالمواعظ في الكنائس، وينشد النشيد وترانيم الصلاة.. تنير أرجاء اللوحة، وتلتف حولك الزهور والورود.. وبخور القدس العتيق..
لم تغادر المكان.. بل أنت قلب المكان.. تحتويه ويحتويك.. تحتمي به ويحتمي بك.. فقد كنت خير معين..
في الشتات تتملك الحيرة الإنسان.. أحيانًا تضعفه.. وتدفعه لتقديم تنازلات ليواصل الحياة.. لكنك شتت الحيرة.. وأبقيت داخل الكلمات حروفًا تنبأ بالأحداث.. وتنازلت عن نفسك قربانا للوطن المطرود من جغرافيا الأمم البلاستيكية..
اخترت الصمت في زمن الطنطنة، وآليت على نفسك ألا تسير في مواكب الموالد العشوائية، فقد كنت جوقة تعزف أعذب الألحان..
لماذا في هذا التوقيت الرحيل، ما أحوجنا إليك.. ما أحوجنا إليك..
في الأساطير الفارس لا يموت، يظل للرمق الأخير يكافح ويناضل، ويطلق للريح أنفاسه.. فماذا حدث.. يا أسطورة الوطن؟..
في الذاكرة تدفن.. ويواريك الثري.. تملأ الخيال.. وتشحذ الهمم.. آن لك أن تستريح الآن بعد عناء الرحلة، وآن للمغالين أن ينظموا قصائدهم الصماء اللقيطة وينشدوا أغانيهم وحكاويهم السفيهة..
عندما تيأس الروح من الرجوع إلى التراب الأصيل.. ترتضي الزوال.. فهل يأست الضلوع والجوارح من الرجوع؟
خطيئتنا الوحيدة هي الحرية.. ندفع فواتيرها كل صباح.. في المنافي والمخيمات والمواني والمطارات، وعلي الحدود والجسور.. خطيئتنا الوحيدة هي الحرية.. فهل الحرية جرم نستحق عليه كل هذا العناء؟
تتشابه الأشياء في بعض الأحيان.. فنراك أبا وأخا وصديقا.. ومثالا جميلا للالتزام والنبوغ والشموخ والثقافة والوعي.
مغروسا أنت داخلنا.. وتدا يصارع الأعاصير والرياح..
وأنت ابن المعاناة والمرارة.. لم تستطع أن تنفصل.. وكيف تنفصل ودماؤك مقدسية..
أرقك كثيرا البحث عن إجابات للأسئلة المستحيلة.. فبدأت باكتشاف نفسك ومواجهتها، وكنت أحيانًا تقسو عليها.. فكبدتها ما فاق الحد.. اخترقت الحواجز والحدود، ولم تعبأ بالتواطؤ.. حاولوا أن يرهبوك.. أن يخيفوك، لكنك لم تذعن لهلاوسهم الهيسترية، اقتحموا سكينتك، هددوا أولادك، لكنهم لم يتمكنوا من زعزعتك وإزاحتك.. لم يقهرك سوى الموت..
قدرنا أن نموت في أرض الشتات، فالغربة هويتنا الضالة.. نلفظ أنفاسنا الأخيرة وسط وجوه باردة.. ونرحل دون عزاء..
الآن.. آن لك أن تستريح.. وتريح قلبك من المتاهات.. آن لجسدك النحيل أن يرتكن الجدار ويتأمل الرحلة الطويلة.. عندما تحن ساعات الرحيل، لا شيء يتحرك، فالصمت يسافر في المكان، والسكون يعزف اللحن الجنائزي على ذاك البيانو الذي داعبت فيه أناملك ذكري الليالي الطويلة..
اثنا عشر عامًا من المرض.. تسلل السرطان إلى جسدك النحيل ينخر في العظام، ويلوث الدماء ويستبيح الوعي الوهاج.. يفقده التركيز، ويشل حركته، مازال المكان يحفظ الدروس ويردد على الأسماع آخر الإبداعات.. الحضور كبير.. والتلاميذ يملأون قاعات المحاضرات..الصمت يسود المكان ويلف الأنفاس..ينتظرون البروفيسير أن يدخل من باب القاعة ليلقي آخر الوصايا، تري هل ينتظرون كثيرا، ومن يلقي عليهم آخر الكلمات وآخر الوصايا في الجولة الأخيرة..
آثرت الرحيل، وما أحوجنا إليك..
في المدن الصماء الحزينة.. يترصص الأطفال على الأرصفة الأسمنتية المبتلة بالدموع، يحملون شموع الوداع في القداس الأخير، فينيرون المكان والزمان.. بعد أن أضأت لهم غياهب الظلام.. ورسمت لهم ولأوطانهم أبجديات جديدة..
ستبقي نخلة في البيداء تمطر تمرا للجوعى وللتاريخ وللوطن المحاصر في عيون الصغار..
آن لك أن تطير، حيث الأماكن الرحبة، فلا تؤرق نفسك كثيرا بحالنا.. فالأرض التي أنجبتك، صالحة دوما للتكاثر، ليس بالضروري أن يكونوا مثلك.. فأنت حالة فريدة في زمن متكرر ومندهش..
لا تصرخ في قبرك.. سنعي الكلمات ونرددها في طوابير الصباح. وفي مواكب الشهداء.. وإن لم نفعل فسوف نكون نحن قاتليك.. نحن قاتليك..