بعد أن تفرغ من قراءة هذا الكتاب سوف تكتشف أن المؤلف قد أخفق في اختيار العنوان الصحيح، فالواقع أن هذه المقالات لا تمثل «يوميات وطن محاصر» بقدر ما تعبر عن أزمة مواطن عربي مازال يحتفظ بكرامته رغم تنازل الأمة بأكملها عن كرامتها القومية!
مشكلة أشرف بيدس ليست حرصا على الوطن فحسب، بقدر ما هي مشكلة شخص «عنده دم» يعيش بين ملايين من مدمني «الجبلنة» والسلبية والتخاذل والنفاق والفساد والتخلف والسمع والطاعة.
توقفت الحياة بهذا الكاتب عند حدود العقد السادس من القرن الماضي يوم كانت الأمة العربية تقود كل مظاليم العالم نحو التحرر والتقدم والعزة والكرامة والمجد القومي.
نام أشرف بيدس - كأهل الكهف- في محطة فلسطين منذ عهد عبد الناصر ففاته قطار كامب ديفيد وقطار الانفتاح وقطار التطبيع الاستراتيجي وصراع الأشقاء في الأرض المحتلة.
إن كنت ممن يجيدون الأبجدية العربية الجديدة فانك سوف تقرأ هذا الكتاب بصعوبة بالغة، وقد تحتاج إلى خبير يساعدك في ترجمة المفردات الثورية والرومانسية التي خرجت من قاموس الأمة العربية بمقتضي بنود معاهدة السلام، قد تعجبك اللغة الرشيقة التي يستخدمها الكاتب ويمزج فيها بين الشعر والنثر، وقد تنتزع بعض الفقرات دموعا حقيقية من عينيك، ولكنك لن تدري وقتها هل تبكي على الوطن أم على نفسك أم على الكاتب. حالة الالتباس الرهيب التي يعيشها العرب طوال العقود الثلاثة الماضية لا تسمح بظهور شخص مثل «أشرف بيدس» ولا تسمح لأحد بالتعاطي الحقيقي مع هذا الوجد الوطني المشبوب الذي تنضح به كل كلمة وكل سطر من مقالات هذا الكاتب الجميل.
في زمن مضى كان مثل هذا الكتاب كفيلا بإثارة مشاعر ملايين البشر ودفعهم إلى ميادين القتال لاستعادة شرف وكرامة وحاضر ومستقبل هذه الأمة، ولكننا الآن نقترب من ذروة أحد أسوأ عصور الانحطاط في تاريخنا، لم يعد لدينا قتال ولا ميادين، وحتي الميادين المدنية - كميدان التحرير - بدأنا نبحث عن مستثمرين أجانب لشرائها وتحويلها إلى مستعمرات صغيرة في قلب أكبر عواصم العرب!
في زمن مضي كانت مقالات هذا الكتاب كفيلة بأداء نفس الدور الذي لعبته كتابات المفكرين والساسة والخطباء في الثورة الفرنسية، ولكننا الآن لم نعد نقرأ، وان قرأنا لا نفهم، وأن فهمنا لا نجد في أنفسنا إرادة النضال، وأن وجدنا هذه الإرادة فأننا سوف نصطدم بالواقع!
رغم كل حلاوة وطلاوة وصدق ما سجله «أشرف بيدس» في هذا الكتاب، فإنك لن تتمكن من كراهية الصهاينة بقدر كراهيتك لصانعي الفساد والاستبداد والقهر والتخلف والتخاذل من اخوانك العرب، حكاما ومحكومين، أما إن كنت واحدا من الحكام أو الحاشية أو القطيع فإنك سوف تضع الأخ أشرف بيدس على رؤوس قائمة أعداء الأمة العربية، وسوف تعتبر هذا الكتاب لونا من ألوان الكتابة الكوميدية السياسية في عصر ما بعد الحداثة!!
د. إبراهيم السايح
الإسكندرية أغسطس 2012