لابد أن نسير حفاة على الأشواك وعلي الجمر.. عراة في البرد والصقيع.. جوعي في زمن الحصاد، عطشي ما بين النهر، لابد أن نسير، هذا قدرنا، ونحن له مؤمنين، نلملم بقايانا، ونعصر الريح ونصعق الخطر، نستأنس الوحشة، ونروض المحن، ندفن الموتى، ونسير في الجنازات ومواكب الشهداء.. نقتلع الحزن من قلوبنا المعصورة شجنا..ننفض عن كواهلنا التراب، وننزع أطواق الشوك الملفوفة حول رؤوسنا، نكسر القيد الحديدي، لابد أن نسير، طوعا أو قسرا فلم يعد لركبنا وقوف.. هذا قدرنا..
هل استراحت ضمائركم؟ هل نمتم نوما عميقا؟ وأكلتم، وشربتم، وتناسلتم.. بعدما سرقتم البازارات والبيوت وذهب النساء وشوار العرائس وحصالات الأطفال؟ هل أخذتم ما يكفيكم من السمن والعسل والزيت والقمح، وهل ما فعلتموه من سمات الساميين؟ يا سارقي الآمنين؟
نموت ألف مرة، لكننا لا نفني، أحيانًا يدغدغ الخوف عظامنا لكنه لا يفقدنا توازننا، تؤلمنا السياط المطروقة في أجسادنا والمعربدة داخل أحشائنا لكنها لا تضعفنا، بل تقوينا وتزيدنا إصرارا وتحديا..
يهجر أطفالنا المدارس والملاعب والساحات، ليعيدوا ترتيب الأشياء، وكتابة أرقام البيوت وتسمية الشوارع بأسمائهم..
أيها المطرودون من دوائر الضوء وحدود الأوطان والجغرافيا الأممية.
أيها الواقفون دوما داخل الدوائر الجمركية للتفتيش والمتابعة..
أيها الواقفون في طوابير المرور إلى بوابات الوطن
الممنوعون من الصرف والتعداد والحقوق وبطاقات الهوية
المزروعون في قرص الشمس المحترق..
الباحثون عن الوطن المغصوب..
الهاربون من أجهزة الرصد، وملاحقة المخبرين..
لم تسدل ستائر المسرحية الهزلية بعد..
ولم ينته النص.. فأنتم النص.. وأنتم الحوار
تموت اللغة وتبقي الكلمات تبحث عن وطن يداعب كبرياءها.. وينسج حولها ثوبا للمعاني المسافرة عبر الوديان والأنهار.. تتوه الحروف وتخطئ الهدف وتصير لغة الإشارة لسان حالنا.
من خارج الأسطورة والحكايات القديمة.. تخرج الأقلام لتكتب المسيرة.. ترسم حدود المكان وتسطر البطولات.. وتفضح مزاعم الغزاة.
سوف يكتب التاريخ ملاحم الرجال بحروف من نور، وإذا أغفل التاريخ الحقيقة وتنكر البشر.. لن تصمت الأرض الأبية.. وسوف تصرخ بالدماء التي أريقت عليها.
علي امتداد الذاكرة يبقي الوطن المذبوح جرحا ينزف، وطريقا طويلا للآلام على امتداد الخريطة.. يحمل على كفيه تابوته وكفنه، وما بين التوابيت والأكفان، يكتمل التنوع ويصير توحدا وتوائمًا.
ينزف الشعب القابع تحت نير الاحتلال.. وتغيب الشمس بعض الوقت ويتحمل الشعب معاناة الانتظار حرقا.. يتجرع الآلام..
في المزادات الرخيصة كل شيء مباح للبيع، التاريخ، التقاليد، التراث، حيث يباع الوطن بالدين وبالتقسيط.. كل شيء مباح على أرصفة البيع وداخل فاترينات المحلات، يصادرون الأحلام ويغتالون الأمنيات، ويتشدقون بما ليس فيهم.. ينزعون الأشجار ويزرعون الألغام.. يقتلون الآباء والأبناء، يسلبون الوطن في وضح النهار...
لا شيء تبدل
ما دام التاريخ العربي الأول
يتسكع عبر شوارعكم
لا يحمل إثباتا منكم
يتنكر حتى لا تحبسه الشرطة كالمتسلل
لا شيء تبدل
سليمان الفليج
يختلقون القصص الملفقة والحكايات الكاذبة، وينسجون آلامنا نصرًا مزيفا، يتباهون به في المحافل المحمومة، ويبنون أديرتهم فوق أنقاض مساجدنا وكنائسنا.
انزعوا من على وجوهكم الأقنعة.. فلقد انكشف أمركم.. لستم إلا أبناء إبليس..
هل صرنا أرقاما عددية.. تذاع عبر ميكروفونات الإذاعة، وشاشات التليفزيون.. هل ألف الناس أخبارنا المتكررة كل صباح، هل صرنا عناوين صغيرة في صحافة العالم؟!!