فوضى حالات الاستثناء

على دفاتر الأيام يسطر التاريخ صفحات وصفحات.. زاد وزواد للأجيال، للطير، للحجر، للإنسان في كل مكان وزمان..

كل تواريخ الدنيا تكتب بالأحبار.. إلا تاريخ وطني مكتوب بدماء الأبرار.. مكتوب بدموع الأمهات، وأمنيات الأطفال في الأرحام..

يا وطني الضائع في سراديب اللحظات المنسية.. ودهاليز الكونية.. ستبقي رايتك مرفوعة شامخة على جباه المناضلين في ساحات النضال والقتال.. لن نغمض أعيننا الساهرة على بوابات الزمن تحرس أغصان الزيتون الملتفة حول عنق الأيام..

يا من كنت مرتعا لحواة الطرقات الخلفية، ومسرحا للأراجوزات والمأجورين التتار.. يا من كنت مزادا علنيا نباع فيه ونشتري.. وسوقًا كبيرًا ومائدة للاتفاقات التحتية والسفلية.. لن نبرح الأرض حتى نموت عليها، أو يقضي الله أمرًا كان مفعولا..

لم يستصعب حالك الجلادين والمزايدين وأنصاف البشر وأنصاف الرجال.. فجلدوك.. وعذبوك.. وشردوك.. وصلبوك في عين النهار، لكنهم رغم كل الزيف والزور والبهتان لم يقهروك ولن يقهروك..

علي دفاتر الأيام تغزل الأمهات أكفان أولادهن.. يتوضأن بدمائهم ويسجدن على أجسادهم راكعات خاشعات لرب العالمين..

علي دفاتر الأيام يشهد التاريخ المزبلة الإنسانية، ويسن قوانين الغاب، هل عادت أزمنة السفك والتلصص والانتهازية؟ هل أصبح مألوفا للتتار الجدد أن يقيموا المجازر والمذابح والمقاصل والمشانق.. وكل أساليب الهمجية..

من ينقذ المدن المسروقة ليل نهار، والأرض المنهوبة والضحكة المنزوعة من شفاه الصغار.. من يعيد البسمة ويزيل رائحة الدخان.

يحددون إقامتك ويمنعونك من التجوال والسهر والسمر، ويصولون ويجولون، ويرقصون رقصات الهذيان وعبدة الشيطان.. يصدرون فرمانات قراقوشية بمواعيد النوم والاستيقاظ، ومتى تدفن أشلاءك؟ ومتى يحين موسم الحصاد؟..يغيرون المواقيت ويبدلون مواعيد الصلاة..يستبيحون الحرام ويحرمون الحلال، يذبحون البشر على الطريقة الشيطانية دون ذكر باسم الله.. يفعلون كل ذلك، ويطلبون الأمن.. فليفعلوا ما يشاءون وليعرفوا أنهم لا يستطيعون أن يصادروا الحلم أو يحددوا مساحات الخيال..

ولن يستطيع العسكر المبثوث في الأزقة والشوارع والحارات وأبراج المراقبة أن يمنع طفلا من أن ينظر من تحت عباءة القهر ليري شمس الخلاص..

يفتشون داخل أدراج التلاميذ عن مطلوبين ومطلوبات.. ويبعثرون الكتب ويكسرون أقلام الرصاص، يصادرون الأناشيد الصباحية ويحطمون حجرات الرسم والموسيقي لئلا يكون في النغمات والرسومات بعضا من ملامح المطلوبين والمطلوبات..

علي دفاتر الأيام يعلن مذياع العالم كل صباح عن ضيق الوزارات السكانية من تزايد وتنامي أعداد المواليد، فيبثون رسائل إعلامية، تناشد العامة والخاصة، وتعلن في كل الأرجاء عن إعلان مدرسي يحذر من زيادة السكان، وأن من ينجب أكثر من طفلين زنديق.

لكن مذياع بلدتنا المكسور المقهور المحاصر يعلن كل صباح عن قتلي وجرحي وأسري بالآلاف ويناشد الأمهات بأن ينجبوا أطفالها للموت وللأسر وللإبعاد، ويصرخ بأن من ينجب أكثر من عشرة أطفال مؤمن وموحد بالله..