حتى الكلمات لم نعد نملكها..يستصعب علينا نطقها، وتثقل بها الأحشاء.. وباتت عبئا علينا، فلفظتنا وألقت بنا في مزبلة التاريخ فأراحت نفسها بعد طول عناء من ألسنة تداولتها بالسوء والنكران والتنكيل، ولم تحسن استخدامها.
سكتت عروش اللغة وسلاطين المفردات واختلفت المعاني وامتزجت فصارت مرادفات ومضادات، وطلاسم ولوغاريتمات، وحق قول الشاعر حينما قال:
كفرت بالأقلام والدفاتر
كفرت بالفصحي التي تحبل
وهي عاقر
تيتمت الأبجدية في دكاكين الحكايات وأرصفة الثرثرة والنميمة.. وتسكعت في مجامع اللغة ومنتديات الحصافة والبلاغة بين مؤيد ومعارض.. وانتهي بها المطاف للنزول إلى المزادات الرخيصة واوكازيونات البواقي، وأسواق الشعراء الذين يكتبون الرثاء والمدح والهجاء والتأبين والتأييد والتركيع والترفيع والتنطيع.
تاهت الحروف تبحث عن ملجأ عن مأوي عن قافية مكسورة لقصيدة بلا عنوان.. تاهت الحروف تبحث عن شفاه لا تعرف الكذب والرياء واللعب بالألفاظ ومخارج الكلمات.
سقطت آخر الكلمات عندما سقطنا نحن في بحور التناقضات ومتاهات السفسطة.. ونواصي النحو والصرف والنعت.
لم يبق من بيزنطة سوى حواراتها البالية التي لا تسمن ولا تغني من جوع. فضللنا الطريق.. ولا عزاء..
ضاعت الكلمات وضاعت معها قضايانا المصيرية والحيوية.. وعندما كانت ترتفع أصواتنا الناعقة الصارخة كانت تدوى في الآذان استغاثات الحروف.
سيدي..
إلى هذا الحد كانت تخيفهم كلماتك وآراؤك ومقولاتك؟.. هل أفزعتهم فزعة المذعورين؟ وأقلقت عليهم مضاجعهم وقلبت عليهم هواجسهم فأعادوا التفكير مرة أخرى، فقرروا الخلاص منك في وضح النهار.. وبقرارات ليلية غير مكتوبة.
هل استباحت عباراتك النافذة الغائرة الطالقة العاتية سكينتهم المؤقتة وراحت تنبش في حصونهم الرخوة، وتفتت شعاراتهم الجوفاء التي أوهمونا بها فصدقناهم في يوم من الأيام.. فهرعوا وفزعوا وصالوا وجالوا يتمايلون من شدة الطلقات والهذيان، والموت البطيء.
هل أنت قوي بهذه الصورة وهم ضعفاء بتلك الصورة.. حاولت أن اقرأ ما حدث استعيد العبارات والكلمات.. حاولت أن أفتش عن بعض الأخطاء والسلبيات والشطحات.. حاولت أن أضعك تحت المجهر كي أراك دون رتوش أو تذويق أو مكسبات طعام..
حاولت أن اجتر من الماضي القريب بعض الألفاظ لأدققها وافحصها وأفتتها.. وإذا لزم الأمر أدغدغها وأطحنها وأكلها والفظها.. حاولت ولكنني فشلت ورسخت كلماتك بالأحشاء وتمازجت وتواحدت وتوائمت..
دعنا نطفئ المصابيح حتى نري الحقيقة دون فيونكات.. دعنا ننظر خلف النوافذ المغلقة ونحصي عدد الأقنعة والماسكات والرتوش والوشوش التي يرتدونها صباح مساء وكم اللافتات التي ينشرون عليها شعاراتهم الملفقة والمزيفة والخادعة.
هل حقت عليهم نظريات علم الاجتماع «الحرمان النسبي» فعندما شبعوا تنصلوا وتبرؤوا من كل أفكارهم ومعتقداتهم، وصلواتهم.. وأشهروا وأعلنوا أمام العامة عصيانهم للتحضر والمدنية والحق..
هل انكسر المصباح الذي كان يضيء لنا غياهب العتمة وصرنا نتخبط في الطرقات والردهات نبحث عن معني وتفسير لما حدث ويحدث.
هل آن أوان الصمت في زمن النفاق وهل حق قول الشاعر
لا يسلم الجسد النحيل من الأذى إن لم تنافق
عندما تتم محاكمتك هذا يعني إنها محاكمة للشعب الفلسطيني بأطفاله ونسائه ورجاله وشيوخه وحجره وشجره وهوائه.. لا تبتئس، فنظرات الصغار الذين راقبوك على الشاشات كانت شهادة براءة موقعة بدمائهم..
فمن شاهد البرغوثي وهو مكبل.. ومن سمع البرغوثي وهو يتكلم.. ومن نظر في عين البرغوثي يدرك أن الشعب الفلسطيني لم يستسلم أبدا.. فهو واحد من آلاف ينتظرون في قائمة الوطن.. هناك مئات الآلاف مثل البرغوثي.. فهل سوف تتسع سجونهم الضيقة لكل هذا الكم..
هل غابت الشمس الجميلة عن مدينتنا.. وعن ساحات البيوت ومدارس الأطفال.. هل أكلت الرطوبة جدران البيوت وحوائط الذكريات.. وتسلل السوس ينخر فينا القسوة ويدمي قلوب الحياة..
كم كنت وحدك والشتاء طويل والبرد قارس.. فكانت عيوننا الدافئة تفرد ظلالها عليك.. كم كنت وحدك والهواء شحيح، وتنفسنا ملء صدورنا هواء لك..
الأرض الثكلى بالجرحى والقتلى والعطشى والجوعى مازالت تنبت عشبا أخضر يأكل منه الطير والإنسان.. عندما يوصد العسكر المعتوه باب زنزانتك عليك.. ويتركك للوحدة والتفكير.. تأكد أن كل الأبواب مفتوحة لك حينما تعود.. ولسوف تعود..