يمتد المشهد الفلسطيني الصلب، أحيانًا المترهل، بطول الخريطة الأفقية للوطن الحلم..
علي الأرض بقايا مناضل قديم..!!
وأصوات متداخلة أقرب لخليط من لغات شرقية؛ لا تفهم معاني كلماتها..
وأطفال يحاولون وضع جماجم أقرانهم على تلك الكلمات الصماء الناشقة، عل تعطي معاني جديدة، عوضا عن نقاط الحروف التي تاهت ما بين الكراسي والمناصب وميكروفونات الشاشات الستالاتية.
أم تبكي على شهيدها بعدما راح المعزون يتبادلون السباب والشتائم.. وطفلة تحاول أن تخترق الزحام، كي تسأل عن «أبيها» الذي غاب، فتلك الوجوه المتناحرة هي ذاتها التي ربتت على كتفيها، ووعدتها بمائة أب وأب وأب...
أيها السادة المسئولون.. الذاهبون إلى حضرة التاريخ
آن الأوان لتدونوا في دفتر الوطن قليلا من الحكمة.. أو أن تصمتوا عندما تدق أجراس الكنائس ويرفع الأذان، فأصواتكم تحجب الرؤية والإيمان..
أيها الفتحاويون
والحماسيون
والجهاديون
والشعباويون
والمتلحفون برموز هلامية..
أيها الأتون من الأرض وذاهبون إلى الجحيم..رفقا بنا، نحن المشتوتون والمشردون؛ والحائرون بين عطايا الشياطين ومقاصل المحتلين.
أيها المتشائمون.. لا نريد أن تطلق رصاصة الخلاص من فوهة بندقية فدائي.. فكيف تصبر الحكاية بعدما نعرض على أرصفة العار بقايا أطفالنا ومتعلقات أمهاتنا، وضفائر بناتنا، ثم نسلم السلامين ونطلب المغفرة.
إن ما يعرض على المسرح البلاستيكي الآن، هو أسوأ العروض الارتجالية على الإطلاق، ومن يقترب قليلا من مكان العرض لن يسمع سوى صراخ هزلي لأنصاف موهوبين ومتشنجين، ورغم أنهم يعلمون بأن المسرح خاو من الجمهور فإنهم يواصلون العرض، لابد أن يستمر العرض..!!
جئت في زمن الردة
أبحث عن دين اعتنقه
هل كان ضروريا أن نعود للوراء كل هذه القرون السحيقة؟ أن نتوهم أن بعضا من الجليد سيكسر ضوء الشمس ويحرقها؟ ألازلتم تحتفظون بأعواد من الحطب، أم تمتلئ جيوب ستراتكم بأذون تصاريح المرور وكروت الائتمان!!
يا من اعتبرتم القرآن والإنجيل نصوصا شعرية مستباحة الاقتباس.. ارفعوا أياديكم عن كلمات الله.. وتطهروا..أو ارحلوا..
لم يعد غير شواهد قبور الشهداء ليحتمي بها الصغار.. لم يعد بئر صالح لشرب إلا ودنسته أساطير الخرافة التي تحرم الاغتسال.
جثث تحمي جثثا، والطير في السماء يحلق ربما يرتل أو يبكي.. الله أعلم
أيها السادة المجمعيون المتحذلقون الحريصون على قواعد الصرف والنحو ورابطة العنق المستوية، أكثر من حرصكم على انتشال اللغة من دهاليز التخلف.. لم يعد هذا الزمان زمان النحو بل غدا وللأسف زمان النحر والعهر وحروف النصب والنهب والسلب..و..و..
أفلا تخجلون يا من ساويتم بين الأبيض والأسود، والداني والقاصي والممتد والمنكمش لا تخلطوا الزيت بالتراب..
يحكي في الأسطورة الحديثة أن شابًا مات في سجون الوطن، وحسب الروايات الطائرة هنا وهناك، تقول واحدة: إنه لم يكن يتخيل أن يتحرر وطنه، وأن يأتي اليوم الذي يقبع بين جدرانه حتى ولو كان سجينا.. أما الاخري: عندما استدعي للتحقيق، وفوجئ بأن من يحقق معه اقرب الاصدقاء، العارف بتاريخه ومواقفه، لكنه المحقق- تغافل كل شيء وبدأ في توجيه الاسئلة، وهذا امرا طبيعيا، والصدمة كانت عندما بدأ يلقي اسئلته بالعبرية:
ما شييم خاه (اسمك ايه)
كماه اتاه عولاه (كم عمرك)
ايفو أتاه جار (عنوانك)
انتهت الروايتان.. لكن الحقيقة الحزينة أن الشاب مات؛ وسواء بفعل الدهشة أو الفرحة، فالأكيد أنه مات حزينا..