حاللو يا حاللو

مازلنا ننتظر البطل الشعبي.. نفتش عنه داخل الحواديت والكتب القديمة.. نبحث عنه في كل شارع وكل حارة.. نؤجر مناديا يطوف القرى والكفور والنجوع ليعلن من فوق حماره «عن بطل شعبي تايه يا أولاد الحلال.. ومن يجده له مكافأة كبيرة والأجر والثواب عند الله» لكننا في زحمة مشاغلنا وهمومنا يسهو علينا ترك عنوان أو هاتف أو إيميل.. فيطوف المنادي أرجاء المحروسة والمعمورة والمنصورة والمبروكة.. ويجد ألف ألف بطل تائه.. لكنه وللأسف لا يجد من يهمه الأمر..

مازلنا ننتظر من يفك قيودنا.. ويحطم أغلالنا.. ويزرع حقولنا ويطعم بطوننا ويكسي أطفالنا.. مازلنا ننتظر القادم من قلب الأسطورة ليحكي لنا حكايات البطولة.. فنلقي عليه همومنا وأوجاعنا.. فيغدق علينا بالهدايا والحلوى..

تري هل سيأتي من الشمال أم الجنوب.. ممتطيا رهوانا أم حصانا خشبي.. يمسك بيده سيفا مسلولا.. أم عكازا مكلولا.. مازلنا على موانئ الصبر ننتظر مراكب الأمل.. مازلنا.. مازلنا.

علي موائد الأوطان.. رفعت الأواني والحلل والأطباق.. وانصرف الناس إلى بيوتهم ليأخذوا قسطا من الراحة بعد طول استرخاء..

في رمضان هناك من يقدمون أرواحهم وأموالهم وأولادهم وما ملكت أياديهم على موائد الجهاد.. لا فرق بين طفل وشيخ.. صبية وامرأة..الكل يقف في الطابور ينتظر دوره.. تفترش الشوارع والحارات والميادين العامة جثثهم.. ومثلما هناك موائد للطعام والشراب.. هناك أيضًا موائد للجهاد والكفاح.

تتراص موائد الطعام على النواصي وفي الأركان.. وتكثر موائد الكلام والنميمة.. ما أشهي الكلام في زمن الصمت والسكوت..

مازالت موائدنا عامرة ظافرة جامعة بأطيب الكلام وأشهى الطعام.. مازلنا نجيد في زمن الجوع «طبخ » الوهم و«تسبيك» الخداع.. ما أشهي طعامنا وما أفرغ بطوننا وعقولنا وجيوبنا..

زرت الموالد

شيخ الشدايد

ياركن صامد

أنا المريد

ساكن في داري

يحلف بتاري

يشهد فطاري

يوم الشهيد

فؤاد حداد

تتوالي الضربات في الجسد النحيل المتعب.. تتوالي الصفعات والركلات.. ويملأ السحاب السماء.. ومازال المطر قابعًا ساكنًا يأبي السقوط.. فتسقط الرؤوس والأجساد والأبدان والأحلام والحكايات.. ويسقط التاريخ قتيلا.. والفاعل المجهول معلومًا..!!

يقف التاريخ على أعتاب الحكايات.. ليروي البطولات الزائفة ويجتر من الزمن السحيق حكايات الأقدمين.. فنرتشف النصر القديم ونفرغ الكئوس في حلقونا.. لا نملك إلا سطورا قليلة في قصص الأساطير..

تقف عقارب الساعة عند غروب الشمس لتعلن نهاية النهار وحلول الليل.. فتملأ العتمة شوارعنا ومياديننا وعيوننا وذكرياتنا..ويأتي رمضان دون عيد.. دون فرحة.. فلا عيد لنا وأطفالنا بغير ثياب أو طعام أو آمال.. لا يأتي العيد وأطفالنا مستهدفين.

مازلنا نشرب الماء المالح في مواسم المطر.. ونأكل الخبز المر في أعياد الحصاد. ونحلم بالدفء في زمن الجليد الكسيح.. ومازلنا نتكلم عن الحرية والمساواة وفوهات المدافع مصوبة نحو صدورنا ومآذننا وأجراس كنائسنا.. تعد علينا أنفاسنا وتفرض علينا الركعات والسجدات.. وتقنن الوضوء والصيام والزكاة..

سقطت كل الأغاني والمواويل وكل ألوان الطرب.. ولم يبق غير الصراخ والزعيق ونهيق الحمير، والشعارات المستحيلة في زمن الإعلانات وأرقام الزيرو..

مازلنا ننتظر في الزمن الرديء.. يوما لا تقصف فيه الرقاب.. أو يسقط فيه طفل.. أو تنتحب فيه فتاة.. مازلنا ننتظر أن يشرق الصبح على أصوات الحمام.. مازلنا ننتظر وليس لدينا صبح ولا نملك أبراج حمام..

تسكن الأفاعي بيوتنا ومدارسنا ومساجدنا وكنائسنا.. ويشرب أولاد الحيتان لبن صغارنا.. فإلي متى يدوم هذا الحال.. ليس صحيحا أننا نتكاثر وننمو ونتزايد.. بل نحن في النقصان باستمرار..

يأتي رمضان لنمسك عن الطعام والشراب.. ونقرأ الآيات بغير قلب في المواصلات العامة.. ونردد في الصباح والمساء آمين آمين.. ونغرس في الرمال رؤوسنا حتى لا نري ما يحدث حولنا.. ونبتدع الأساليب الرهيبة في الهروب والزوغان.

ورغم كل ذلك نحن أمة عريقة عريقة أعرق من أن تصنع فانوسا فاطميا رمضانيا لأطفالها.. حاللو يا حاللو

اين نذهب هذا المساء؟

تتعالي الأصوات.. تشق غياهب الظلام والسكون.. تفضح الصمت المريب الذي يأبي أن يفضح.. تصول وتجول.. تروح وتجئ.. تعبر عن سخطها وحنقها وغضبها للأصنام والأحجار والتماثيل الحجرية.. تخرج الأصوات ليلا تقطع الشوارع الساكنة الصامتة والميتة أحيانًا، حتى أنها تصيح في المقابر والمدافن عسي أن يجيب الموتى على السؤال.. تعدو وتغضب وتنتحب لتوقظ الجنون المستكين؛ لكن الصحراء خالية من البشر والطير.. لا يوجد غير العدم.. تحدث ضجيجا وضوضاء في بلاد الطرشان.. وتهتف وتعلن عن رفضها للخنوع والانكسار والانقسام والذل والهوان والركوع.. ولا ترضي سوى الموت واقفة..فتموت واقفة!!

أعرف أن أعين الرجال في مدينتي

لا ترقد

وأن ملء صمتهم

مناجما تتقد

غدا إذا ما انفجرت

سينحني لها الغد

بلند الحيدري

يتدافع الناس ليلا وصباحا دون ترتيب أو تنسيق، لم تشغلهم الدبابات ورصاصات القناصة المرتعشة.. ولا التعليمات الحظرية.. يزفون الوطن الجريح كل ليلة، ويقيمون الأفراح بدمائهم ورواحهم ويدقون طبول الانتصار وهم جوعى وأسرى جرحى وصرعى..

يملأ المحتل قنينة نبيذه من دمائنا، فيشرب ويسكر ويسخر، ويعاود ملئها ويشرب ويسكر ويسخر.. وعندما يهم بالرقص على أشلائنا يكتشف أن ما كان يتجرعه ما هو إلا صرخات المعذبين المطحونين المكلومين.. صرخات تفتك به وتنسف أحشاءه وتعيد ترتيبه حسب ما يتراءى لها.. لا.. لم تخمد النيران في مواقد الصدور.. تخفت أحيانًا.. وسرعان ما تلتهب من جديد.. وتتفجر كالبركان.. فمازال الدخان يملأ السماء.. والأرض تحكي تاريخ الشهداء.. لا تحجب السحب مشاهد الأمس، فمازلت الذاكرة يقظة وعفية، تسلسل الأحداث زمنيا.. طوليا وعرضيا.. بالساعة واليوم والسنة، تستدعي المآسي بأحداثها البشعة.. ومازال العقل منتبها لما حدث.. لم تطو الأيام صفحات التعذيب والدمار والقسوة التي مارستها جيوش التتار والنازيين.. ولم ينسنا الزمن أهوال ما جري وما يجري، ترتسم على جدران البيوت وعلي جباه الأطفال معاناة الأجداد.. فكل بقعة من الأرض شهدت على بشاعة المحتل وبربريته وهمجيته، يقرأ التاريخ علينا كل صباح مذابح بلدة الشيخ وقرية سعسع وقرية أبو كبير ودير ياسين وقرية أبو شوشة واللد والطنطورة وقرية عيليون والبعنة ودير الأسد وقبية، وقلقيلية وكفر قاسم وخان يونس وصبرا وشاتيلا وعيون قارة، والمسجد الأقصى والحرم الإبراهيمي وقانا والنفق ومخيم جنين وغزة ورفح.. يقرأ التاريخ كل صباح أسماء الشهداء حتى لا ننسي.. فلم ننس.. ولن ننسي..

يخطئ من يظن أن هناك حمائم وصقور، فكلهم صقور وذئاب وثعابين وحواه ولاعبو ثلاث ورقات.. والتباين فقط في توزيع الأدوار.. منذ أكثر من مائة عام عقد أول مؤتمر يهودي صهيوني في مدينة بازل السويسرية، تحت رئاسة الصحفي اليهودي الصهيوني النمساوي هرتزل.. من أجل إنشاء وطن يهودي ودولة يهودية، وقد تصور حينذاك أكثر المتفائلين والحالمين أنها مهمة مستحيلة..ولكن الأيام أثبتت عكس ذلك.. تري هل نستطيع أن نخطط لبضعة أيام قادمة؟!!

مازال الفارس يمتطي جواده.. لم يسقط ولن يسقط.. لن تخيفه الميكروفونات المذعورة والتهديدات الصبيانية التي تعلن في محطات البث المباشر عن قرب الانهيار.. مازال الفارس يمسك بلجامه رابط الجأش متماسكا رغم قسوة الحياة ووهن السن.. فلم يتراجع ولم يكتب بعد شهادة وفاته..

يريدون التفاوض تحت تهديد السلاح، وفي أعناقنا أغلال وفي أيادينا قيود.. يريدون أن نكتب قرار التنازل عن تاريخنا وتراثنا وحضارتنا وعن بقايا القمح والماء وأنقاض الخراب..

مازال الصمت المهين يفترش الأرض ويستبيح الشجر والحجر والبشر، ويمارس أحط أساليب التعذيب والامتهان.. ومازال التاريخ يكتب أحلك صفحات العرب، فلم يشهد التاريخ فترة من الانكسار مثل تلك التي نعيشها..

يدرجوننا على قوائم ترقب الوصول.. وينزعون من كتب التلاميذ البطولات والانتصارات، لن يغيب صبح الأوطان مهما طال الانتظار.. فلسوف يأتي بالبشارة ويذيب جبال الجليد ومسافات الإحباط.

لن يشيع الأمن في بلاد القهر مادامت أسراب الطير في السماء مقيدة بالأغلال.. مادامت ضحكات الأطفال ممنوعة في زمن الطفولة والمهرجانات الملونة.. لن يشيع الأمن..

وما بين الألوان تتأرجح الحكاية.. ينقطع الحبل السري.. تسيل الدماء لترسم خريطة الوطن في عيون الصبايا.. يتكرر السؤال كل يوم.. تستغيث بنا حروف الاستفهام، فأين نذهب هذا المساء.. لن نذهب فلسوف يأتينا المساء؟