«يا قناطر يا بلادنا.. اختشي ووزعي الحظ على ولادك بالعدل»!!..
مقولة رددها «محجوب عبد الدايم» بطل فيلم «القاهرة 30 » يندب فيها حظه العثر.. وفقره المدقع.. وأحلامه الضائعة، عندما رأي ابن بلدته «سالم الأخشيدي» وقد علا شأنه، وهما في طريقهما إلى المحطة ليستقلا القطار..
تُرى هل صرنا كلنا «محجوب عبد الدايم» ننظر حولنا.. نندب حظنا.. نمصمص شفاهنا.. نتحسر.. نتلوى.. نتأتأ.. نسأسأ.. ونتحول إلى عيون دائرية ترقب الناس والأحداث؟!!
هل صرنا بشرا بلا ثمن.. في زمن كل شيء يباع فيه ويشتري؟! وهل أصبحنا بضاعة في دكاكين البقالين، وحكاوي في مواويل المغنين والمنشدين وشواهد قبور في مهرجانات الكلام وكرنفالات الحوار؟!!
هل عاد النخاسون بنا لزمن الرق والعولمة؟ وهل غدونا مرابطين ملازمين قابعين مستسلمين في فاترينات الحياة لقدوم الأوكازيونات الوهمية والمزادات المتفق عليها؟..
وهل صرنا سلعا حق عليها التخفيض والتنزيل والتكهين والتخزين.. فيأتي الجرد السنوي.. فيشعل النار فينا.. ونموت بلا ثمن.. بلا عزاء.. بلا نشيد؟!!
كيف أحرر ذاتي
وأنا معتقل في الذات؟
كيف أحرر صوتي
مأساتي أثقل من لغتي
زاد الثقل
زاد الثقل على كلماتي
وتكسر ظهر الكلمات
أحمد مطر
تلف الأيام بعضها.. وتطوي الساعات الساعات.. يأتي الربيع بعد الصيف والخريف بعد الشتاء.. تهب الهبوب وتصفر رياح الخماسين وتزعق في المكان.. ويسقط المطر ليبلل الأرصفة العطشى ويسقي الزرع الأصفر فيأكل الناس ويشرب الناس ويعيش الناس.. تتعاقب السنون ومازلنا في معاملنا نجرب تجارب اللغة والصرف والنحو.. أيهما أسبق المبتدأ أم الخبر؟.. المرفوع أم المنصوب، المشنوق أم المصلوب، المسعور أم المنحور.. أيهما أصح مات الولد بالرصاصات في وضح النهار.. أم اخترقت الرصاصات قلب الولد في عين النهار... أيهما أجمل وأجدى وأنفع وأفضل وأحسن وأبلغ وأشيك..
لا يهم مصير الولد.. بل ما يشغلنا شكل الجملة ووحدة المعني والترابط اللغوي.. أما وحدتنا وترابطنا وتماسكنا وتكاتفنا، فهي أشياء لا تضيف للصور الشعرية شيئا، بل على العكس تضعف المعنى.
فعندما يستبيح المكان والزمان أطفالنا، تكتمل المأساة وتكبر.. ويقام السيرك الكلامي بالمجان لكل من يرغب في الحضور، فالدعوة عادة تكون عامة، ولا مانع من اصطحاب المأكولات والمشروبات والأطفال.. ويأتي الشعراء من كل حدب وصوب ليمارسوا ألعابهم المجازية والاستعارية، وليقدموا فنون السجع والتورية والنصب.. حيث ترتيل الشعر المستعار.. ويقام السيرك على قارعة الطريق وداخل الحواري وخارجها. وعلي أسطح المنازل وفي أحواش البيوت وفي الأماكن العامة والخاصة.. يأتي الشعراء ليذبحوا القصيدة الأخيرة على رؤوس الأشهاد.
يموت الولد، فينبئ الحجر بأن الزمان غدا جرانيتيا أسمنتيا أسفلتيا.. لا يشعر لا يحس لا يرى لا يسمع لا يتكلم.. بل يرتل شعر ملأته القسوة والفظاظة والخجل..
علي تلة عارية
وفي القرية النائية
يمر سعاة البريد
تمر الجراح
تمر الصور
.. وما من خبر
سميح قاسم
عندما يفشل المغتصب الجاثم على صدورنا منذ بدء الخليقة في سلب زيتوننا الأخضر بلون قلوب العذارى.. لا يجد غير اقتلاع الأشجار.. وعندما تخطئ القناصة العاهرة في إطلاق صواريخها الفاجرة على شبابنا ورجالنا ونسائنا.. يزجون بنا في السجون والمعتقلات والهاوية بتهمة إخلال الأمن والتآمر.. ويبدءون معنا التحقيقات المغلقة تحت صرخات السياط ليعلنوا للعالم أن ديمقراطيتهم تبدأ من المقصلة وتنتهي إلى المقبرة..
إلي متى سوف تظل أحلامنا مؤجلة ومهملة ومبعثرة ومركونة على الرف. ومخزنة داخل السحارات والصناديق وداخل الكراكيب العتيقة.. الكل يدين الكل.. ويحكي عن التخاذل والتهاون والسلبية.. و يطلق الاتهامات يمينا ويسارا فوقا وتحتا، وينصب نفسه الحاكم الوالي والقاضي.. إذن من الجاني؟!
مازلنا نعيد اكتشاف الجمل المفيدة.. الجمل السعيدة والفريدة.. ونبعثر الأفعال هنا وهناك.. نخترع الأوزان والقوافي والبحور وحروف الاستفهام والنصب والتأكيد والتوكيد والتحديد، والمجرور والمكسور والمنصوب والمرفوع والمضموم والساكن والصامت والممنوع والمعدوم.. ما أكثر الكلمات المنكسرة والمنهزمة في لغتننا الجميلة..
في نوافذ أوطاننا الممتدة من المحيط إلى الخليج أو من الخليج إلى المحيط.. تنتظر حكاية الراوي القادم من بعيد.. كي يحكيها من جديد.. تنتظر الأمنية بشارة التوحيد.. وتنتظر العروس ولا يأتي سوى رفات الشهيد..
قدرنا أن ننتظر المستحيل على ضفاف شطوط الوهم.. وأن نبني أحلامنا على الرمال، فما أن تأتي موجات البحر، حتى تستوي بالأرض.. فنعيد البناء مرة أخري.. ولا نيأس من المحاولة، رغم أن إقامة سد لمنع الأمواج يقينا شر المأساة.. لكنها العادة والتكرار..
ولأننا نخشى من التغيير. صرنا نتغزل في التقليد والروتين والتكرار.. نخشى أن نطور أو نبدع أو نبتكر حتى لا نتهم بأننا نخرج على النظام.. تري هل سنستمر كثيرا في هذا الهراء..
انتزعت الأرض.. أم اغتصبت.. مازلنا في مجمع اللغة.. نبتكر الكلمات الجديدة حيث قاموسنا المعتج المزدحم المنفوخ المملوء بالكلمات لا يكفينا.. ضقنا بالمعاني، فضاقت بنا وهربت وفرت وافترشت الطرق تبيع حروفها كي تكتب النشيد.. تكتب التاريخ.. تكتب الحكايات في زمن لا يجيد القراءة!
بنينا المساجد.. ولم نصل.. اختلفنا أين تقع القبلة.. من هذا الاتجاه أم ذاك.. لا هذا ولا ذاك..هذه أرض مقدسة وتلك مدنسة.. اختلفنا وطال الانتظار.. صعد المؤذن المئذنة.. ومازال الصراخ.. أذن للفجر.. ولم نرجع بعد.. وجاء الظهر ومازلنا في الوهم نتجادل.. وزحف العصر والمغرب والعراك على أشده.. فضض النهار لونه ومازلنا نتداول.. سدل الليلة ستائره ونادي المنادي للعشاء.. مازلنا نتجاذب أطراف الحوار والعراك ونتهم أنفسنا بالعمالة والخيانة.. تعبنا من الكلام وأرهقتنا المداولات.. نمنا وحلمنا بأننا نصلي..
حي على الفلاح حي على الصلاة..