ومازال الحال كما هو، لم يبدل ثوبه الحزين.. عام جديد يأتي، ولم يحدث بعد شيء جديد..
يأت عام جديد.. فنفتح نوافذنا الموصدة طوال العام كي نري المستقبل بألوانه الفاقعة الزاهية الصارخة، فتتطاير علينا شرر القذف، فنوصدها مرة أخرى على أمل أن يأتي عام جديد آخر لا تتطاير في عيوننا بقايا شروره.. فالعسكر يحتفل بالعام الجديد على نواصي شوارعنا المغلقة، ويبتهج كثيرا لرؤية الأطفال يتساقطون كل لحظة، ما بين قتلي وجرحي، ينتشون كثيرا من رؤية العظام والدماء، ويطلبون المزيد منها، فهم يحتفلون بقدوم العام الجديد، باحتباس الحلم في العيون.
يشوهون خرائطنا الجغرافية ويعيدون من جديد سلبها وسرقتها والسطو عليها.. يدور شريط الرصاص المعلق على صدر المحتل ليمرح ويلهو في جسد الأطفال يحصد أعمارهم ويدمي قلوبهم ويفتت عظامهم، فهذه هي هداياهم لنا في أعياد الميلاد..
رائحة الموت تملأ المكان.. والشوارع خالية لا يقطع سكونها إلا أقدام العسكر وصوت الخوف المتصعلك فيها..
صولوا في الشوارع والحواري، واحصدوا الضحكات من شفاة الصغار.. لن يثنينا شيء.. واضربوا الأرض يمينا وشمالا.. اصرخوا مرة أخري.. فلم نسمع جنونكم بعد.. واقلعوا الزيتون من الأشجار.. اقلعوه من عيوننا وأفئدتنا، ولكن اعلموا أن أشباحكم لن تخيفنا.. فنحن من يحضرها ونحن الأقدر على صرفها ودفنها من جديد..
إنهم يمارسون سياسات الترويع والتخويف والترهيب.. يشقون الليل ويقتحمون الأمان ويفجرون الأحلام ويعبثون بالطمأنينة.. ينتهكون حرمة الناس، يفزعونهم من نومهم.. ومن العدم ينطلق صوت الأذان يزلزل المكان، وتتبعه أجراس الكنائس.
تتمايل بنا أرجوحة الزمن وتتمايل معها أحلامنا.. وتطيح بنا بعيدًا بعيدًا.. تفصلنا عن الحياة بجدار وهمي.. نعيش ولا نعيش.. نموت ولا نموت.. نتنفس كل يوم غبار بيوتنا المقلوعة من حضن أيامنا.. فتبدو الذكريات مجهولة، ممنوعة من المرور والعبور والتحليق.. فيموت الخيال ولا تفتر عزيمتنا..
بمرور الوقت صرنا موتي بلا موت، أو سرادق عزاء.. نلملم الجروح المتناثرة على أطراف الأنهار.. ونغزل من صمت المكان أغاني للصباح.. نلقي في الأرض البور بذور القمح.. فلا تخضر السنابل ولا يطحن الخبز.. تكثر الصور الحزينة في مواسم الأعياد..
«لم أزل أمشي
وقد ضاقت بعيني المسالك
الدجي داج ووجه الفجر حالك
والمهالك تتبدي لي بأبواب الممالك
«أنت هالك..أنت هالك»
غير أني لم أزل أمشي
وجرحي ضحكة تبكي، ودمعي
من بكاء الجرح ضاحك!
أحمد مطر»
كل عام يطرق على الأبواب الجوع والفقر والموت.. يحصد منا ما يشاء ويرحل، ويترك لنا فاتورة الحساب.. فندفع الدين ونعيش بالتقسيط على حافة الحاجة.. نقتات الفتات ونرضى..
تشبه الأيام بعضها لحد التطابق، وبات التكرار المميت قرينا بنا لا يتركنا أبدا.. حتى نظن في بعض الوقت أن الأيام لا تمر ولا تنتهي..مازال نهارنا طويلا جدا.. أكبر من حجم مآسينا.. يطول الانتظار ولا يأتي فجر ولا يأتي قمر.. نهارنا شمس حارقة نئن تحتها.
تجري عمليات التقبيح لشوارعنا الجميلة، ومياديننا الرحبة، وأرصفتنا النظيفة.. تقلع الجرافات أعمدة الإنارة، وتسرق من بيارات البرتقال أنضجه.. وتستبيح الهدوء، وتسن للفوضى قواعد همجية، وعندما يستبد بها الحال تصدر الفرمانات بحظر التجول وحظر الكلام، ما أكثر الممنوعات والمحظورات واللافتات.. وبعد أن تستعيد أنفاسها اللاهثة تمضي على وعد بالمجيء في الصباح لتمارس معنا لعبة الإبادة والإزالة، ولا تترك غير الركام والأنقاض وبقايا الأشياء..
تظلم الدنيا.. أو هكذا تبدو مظلمة مقفرة.. شحيحة ومتعبة.. يختل العقل.. ويفقد التمييز.. وتخطئ الأقدام الطرق.. فالطرق كثيرة ومتفرعة ومتفرقة..والاتجاهات متسعة بشكل مربك.. تبدو الصورة الواضحة للعيان مبهمة.. لا ثوابت.. كل الأشياء خاضعة للتغيير للتفتيت.. فنتوه في غياهب الظلمة وسراديبها..
فقدت الكلمات سحرها وتأثيرها.. وانتحرت حروفها في اللغة الكسيحة، ذابت المعاني ما بين الأضداد والمرادفات الكثيرة، ولم يعد هناك جديد. مازالت عناوين الصباح تحمل نفس الحكايات والأسماء وحركة النجوم وفضائح الناس.. مازالت المانشيتات اللقيطة تفرز كل صباح وهما للقراء.. يأتي عام جديد.. وليس هناك أي جديد..
المشهد يبدو كئيبا ومريبا.. الأقدام تتشابك في الأقدام.. وتتعثر في السير..وجوه كثيرة تبحث عن ملجأ أو منفذ أو حتى مأوي تختبئ فيه من عيون البصاصين.. أو تنفذ منه إلى الخلاء دون رجعة، لكن الدنيا توصد أبواب الرحمة، يشتد البرد في ضواحينا وقرانا.. لكن الظلم أكثر قسوة..يشتد الجوع ويعصر بطون أطفالنا الخاوية.. لكن الظلم أكثر قسوة.. تجف الحلوق وتظمأ لكن الظلم أكثر قسوة.. يتسلل الظلم داخل كراريس التلاميذ ويفترش سطورها.. ينزع من كتب القراءة الأناشيد ويبدلها بصفحات سوداء..
هل انتهت حفلات الكلام في صالونات الفنادق.. مازالت العروض تقدم دون انقطاع.. والمدعوون يتوافدون.. ورغم ذلك فهم يمتنعون عن تقديم أي تنازلات.. يعدون ثم يكذبون.. ويعيدوا مرة أخرى الوعود.. ويكذبون..
لن نبرح الأمكنة حتى وإن وصل الظلم مداه.. لا نعرف أرضا غير تلك الأرض التي رويناها من دمائنا.. ارحلوا أنتم بغير رجعة.. فلا أحد يريد منكم شيئا.. ولا ننتظر أن تعطونا شيئا.. فأنتم لا تملكون أي شيء!! وأنتم كلمات مطموسة من قاموس أيامنا، وأنتم جمل اعتراضية لا تكمل معاني الحكايات؛ بل تزيدها غموضًا.
نلتف حول الموائد في ليلة عيد الميلاد ونلقي بالأمنيات المتراكمة للسماء.. كي تتحقق في العام التالي.. يأتي العام التالي والتالت، ولا شيء يتغير.. ونلقي بالأمنيات للسماء.. نلتف حول الموائد في ليلة عيد الميلاد لنحصي المفقودين والمبعدين والمطرودين والمجروحين والمأسورين.. والمعذبين بقوائم التعداد..
مازال النهر يفيض عطاء.. لم يجف..تعتصرنا الأيام وتخرج ما تبقي، ننصهر داخل الحكايات واللحظات نكشف الخبايا، ونتفحص الوجوه.. نصبر سنين طويلة.. لكننا لا نيأس.. يطول صبرنا وتعتل ذاكرته وتصدأ همته لكننا لا نيأس.. إنما نيأس إذا أتي عام جديد وأتلف تروس التوهج والشغف بالحياة.