مصر.. أم الدنيا

من ركام الحكايات المرة، يحاول الطاعونأن يشوه الجمال في شرم الشيخ والسيدة عائشة وميدان التحرير والأقصر والحسين، وأماكن أخرى متفرقة من بقاع المحروسة، يحاول ان يختصر التاريخ بقنبلة أو رصاصة، متخيلًا أن ذلك سوف يشيع القبح.. يحاول أن يلهو ويمرح في عيون الآمنين.. فتتراص الفوضى وتنتصف الطرق جثث وجرحي، صراخ هنا وهناك، حالات من الترقب والقلق، يهرع الناس على اثرها مفزوعين مرعوبين..

تظلم الدنيا لبعض الوقت، تلهث الأنفاس، وتتلاحق الرغبات، وتهتز الأرض، يتعاقب الليل والنهار في لحظة، وتتوالى الفصول الأربعة في وقت استثنائي، تعلو الأصوات في كل الاتجاهات، يختل العقل، ويفقد التمييز، تخطئ الأقدام الطرق، ويتحول الهدوء إلى صخب وضوضاء، وعندها تفقد الكلمات الجميلة سحرها، نحاول التفتيش عن معان جديدة لوصف المشهد البشع، فلا نجد في اللغة الكسيحة أي مرادفات لوصف ما جري، تطرح الأسئلة الصعبة في الوقت الخطأ، وتتلاقى العيون لتسأل الوجوه المفزوعة عما حدث؟، ولماذا حدث؟ ما أحوجنا لإجابات مقنعة في أزمنة باطشة تقتل الأبرياء وتسفك دماءهم وتدمي القلوب حزنا ولوعة.

هناك حكاية وراء كل شهيد سقط، أو جريح سالت دماؤه، أو جدار تصدع بنيانه وتهدم، حكايات تلفها المرارة حينا، والقسوة حينا، وضياع الحلم أحيانًا.. تاهت ملامحها بين دوي التفجيرات المرعبة، وحالات الفزع والهيستريا التي انتابت الجميع.

ألتحم الليل الأسود بنهار امتلأت سماؤه بالسحب، وافترش الناس الأرصفة، وبدءوا في البحث عن ذويهم في المستشفيات والشوارع والأركان، اختلطت الدماء بالركام، لا أحد يعرف شيئا، سوى أن الشياطين تسللوا حتى لا ترصدهم العيون، ليقيموا حفلات المجون والتخلف، ويزهقوا الأرواح البريئة والمسالمة.

في الفوضى يختلط الأبيض بالأسود، الساكن بالمتحرك، الخير بالشر، وتتعالي الأصوات حتى يختلط الحابل بالنابل وتصير الرؤية معدومة، ويصبح التفريق والتصنيف يحتاج إلى وقت، حتى نستوعب ما حدث ونفسره ونحلله، ولكن بطرق مختلفة عن تلك التي عاهدناها وألفنا عليها.

يرتدي الوطن بكل فئاته وأطيافه وألوانه ملابس الحداد، ويعتصر الألم داخل الصدور، ويتردد على الشفاه السؤال المتكرر، لماذا؟ لماذا؟

«على اسم مصر التاريخ يقدر يقول ما شاء

أنا مصر عندي أحب وأجمل الأشياء

بحبها وهي مالكة الأرض شرق وغرب

وبحبها وهي مرمية جريحة حرب

بحبها بعنف وبرقة وعلى استحياء

وأكرهها وألعن أبوها بعشق زي الداء

وأسيبها وأطفش في درب وتبقى هي في درب

وتلتف تلقيني جنبها في الكرب

والنبض ينفض عروقي بألف نغمة وضرب

علي اسم مصر

«صلاح جاهين»

راح شهود العيان يطلقون آهاتهم يمينا ويسارا، ويقصون مشاهداتهم لحظات الانفجار، منهم من كان يشاهد أطفاله يمرحون ويلعبون أمامه، ثم فجأة لم يستوعب اللحظة القاتلة، وبدأ في لملمة أشلائهم، وآخر كان يتحدث مع زميل له، ثم ما لبث أن تحول الحديث إلى صمت مفجع ومؤلم، وثالث حاول يمنع الأذى فتطايرت أعضاؤه، ورابع دهسته العجلات، وشاب أتي من بلدته البعيدة النائية بصحبة أخيه وبعد كفاح استطاعا أن يكونا مصدرا للرزق سرعان ما انهارت جدرانه، فضاع الأخ، ولم يجد قروشا يعود بها إلى حيث بدأ.. ومنهم من كان يعول أمه وأخوته البنات، وامنين اتوا لاوطاننا لا يحملون سوى المحبة والتقدير لتاريخنا العظيم، وآخرون وآخرون، حكايات كثيرة ، والمحزن ان أغلب من رحلوا هم من البسطاء الفقراء المعدمين والابرياء الذين لم يقترفوا اي ذنب.

تتعافي المدينة بسرعة.. تلتقط أنفاسها المتحشرجة، تمسح الغبار، وترتب ما حولها، يلتف البنين والبنات حاملين شموع البشارة، ويبدر الحب بذور الأمان والطمأنينة في المكان الصخب.. يبادر الناس بالالتفاف مترابطين متماسكين، ويرسمون على الشفاه التعبة ابتسامة لأمل جديد، غير عابئين بالأخطار.. يتوافد الناس في موجات من الغضب والحب.

تتزين المدينة الحزينة وترتدي ثيابا جديدة مرة أخري، تعتلي الحوائط والجدران البيارق والأزهايج، وتستعد لعرس طويل لم يوقفه صراخ الموتورين ولا صيحات التهديد المزيفة أو الحقيقية، يتوافد عليها المريدون من كل حدب وصوب، يشعلون الشموع في الأركان المدمية، ويروون الورود والأزهار في أصيص الأيام الفرحة. يدور في أرجائها المزمار ليبشر بنهار وليد من رحم الألفة والتسامح والمودة..

يحضر الزفاف جموع من المهنئين والمعزيين حاملين الورد.. يكنسون الشوارع ويزينون البيوت، وينشرون الفرحة في الأرجاء التي طالها البؤس..

ويعود الدفء مرة أخرى ليملأ العيون.. لا نامت أعين الجبناء، ولا استراحت، فليرقصوا إذن رقصة الهذيان..

«مصر يا مه يا سفينة

مهما كان البحر عاتي

فلاحينك ملاحينك

يزعقوا للريح يواتي

اللى ع الدفة صنايعي

واللى ع المجداف زناتي

واللى فوق الصاري كاشف

كل ماضي

وكل آتي

عقدتين والتالتة تابتة

تركبي الموجة العفية

توصلي بر السلامة

«أحمد فؤاد نجم»

في زمن الطنطنة والصراخ، ينشر العندليب أصواته الحانية لتغرد من جديد، تذهب إلى المجروحين وتضمد جراحهم، وتمسح دموعهم، حاملة لهم الدعوات بالصحة والعافية. وتترحم على المفقودين الشهداء.. لن تتلف الذاكرة، وسنعيد ما حدث في كل المدن التي طالتها يد الإرهاب، وسنقاوم كل خفافيش الظلام وزبانية القبح..

إن ما حدث كان خروجا على النص، على الدين، عن كل الأعراف والمواثيق، إن ما حدث كان جريمة بشعة بكل المقاييس، ويفسح المسافات في الرؤى، ويربك الذاكرة، ويجعل الأحداث أشبه بالسيرك..

ما قيمة الكلمات إن لم تصرخ في وجه الغاشمين الغادرين المتربصين في ضحكات الصبايا وطموح الشباب، الساعين للتخريب والتدمير.

يرقد العنكبوت في القلوب المظلمة، يحاول أن يطفئ قناديل الرحمة والأمل، يتسنح فرصة ليمارس هوايته القديمة من قتل وجرح وتصفية نفوس بريئة، ويتباهي بأن الظلم ميزان الناس، والعدل فضيلة غائبة في زمن السحق، يقطع أرزاق البسطاء، ويوصل قيم التخلف والرجعية والهمجية، لا يأسف ولا يأسي لأحد، فكل شيء متاح مادام له ثمن يتقاضاه، ما أتفه الأثمان التي تباع بها الأوطان.

لا تقصف الرياح العفية، سنابل القمح المرصوصة مادامت مروية بعافية الطامحين في رزق حلال، الساعين للرزق في بلاد بعيدة، تاركين الزوجة والابنة والأم، الراغبين في قروش تسد الجوع، وتستر البنات، وتكفي حاجة السؤال..

يتسلل السرطان في الظلام الحالك لينخر العظام الشقية، الباحثة عن مأوي، قد يفلح مرة، لكن خيباته تدوم، مازالت العزائم تحتمل الكثير، ولنقرأ التاريخ مرة أخرى لنعرف إلى أين ذهبوا؟ وماذا سطرت أياديهم الغبية؟

لن ترضخ مدننا الجميلة لزبانية الشيطان، مادام شروق الشمس يخجل من جباه البناة كل صباح، حتى إذا ما اشتعلت، خجلت ورحلت بعيدا..

«الأولة مين يمزق حجة الطالب في دين مطلوب

والثانية مين بس يمنع حجة الغالب عن المغلوب

والثالثة تسلب ولكن قال لنا السالب أنا المسلوب

الأولي بالسهولة ضيعوا الأرواح

والثانية غول ابن غولة جار علينا وراح

والثالثة هيه المهولة تلتقيها مراح

والأولة آه

والثانية آه

والثالثة آه

بيرم التونسي»

تبدلت رائحة الموت، برائحة الحياة، وازدحمت المدينة مرة أخرى بالغادين والرائحين، ودارت الساعة على عقارب الأيام ترصد تحركات الناس من جديد، لكن ما حدث سيبقى في الأذهان تتداوله الألسن بين الحين والحين.. ويجترون تلك اللحظات الرهيبة التي عاشوها، ولن تتوقف الأسئلة، لماذا؟ لماذا؟

أي ذنب اقترفوه من سالت دماؤهم الأرض؟ سعيهم للرزق، أملهم في غد مشرق، أحلامهم البسيطة، أي ذنب اقترفوه حتى تتناثر أشلاؤهم وتتفرق، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان..

لعلهم لا يعرفون، عصبت عيونهم بأربطة سوداء حجبت عن قلوبهم الرؤية والشفقة، وعن بصيرتهم الإيمان، وبدلوا الحق بالباطل، فباتوا لا يعرفون، أو يعرفون ويتجاهلون..

كثيرون كانوا يقطعون المسافات الطويلة بين بيوتهم وأعمالهم في التفكير والتدبير والتخطيط لفسحة من الوقت من الأولاد والأحباب والأصدقاء، يحسبون الدقائق والساعات والأيام والأسابيع للقاء جديد يجمعهم بمن أحبوهم، ينتظرون الأيام التي تمضي وئيدة بطيئة، لكن الأمل في اللقاء كان يذيب جبال الصبر الجاثمة على صدورهم.. وتعود الفكرة مرة أخرى..

تخلع مصر أثوابها الحزينة، وتستعيد عافيتها من جديد، ترفع الأنقاض والغبار، وتجمل المكان، قادرين على فعل المستحيل، لأنهم مؤمنون صابرون متوكلون على الله..

لا تخيف ممارسات الشياطين إلا المذعورين الخائفين، فلن تفلح محاولات الترهيب والتخويف والترويع، فلا تطرقوا على الأبواب بيد مغلولة، فلسوف ترتد إليكم تلك اللطمات مرة أخرى.

«بقوة الفلاحين وبقوة العمال

وبقوة الدم سايل والعرق سيال

احنا العرب شهداء عدد الحصي ورمال

جبينا مرفوع ولكن صلبنا عتال

قادرين على الحق ما يقدر علينا ضلال

فؤاد حداد»

تبدلت الدموع بالرضا، وانتشر الناس في الشوارع، يبيعون ويشترون ويمارسون الحياة، ربما يكونون حاذرين ومتوجسين، لكنهم لا يلتفتون كثيرا وراءهم.. خلف الحادث وراءه بعضا من الشجن والحزن والألم، فكثير من العمال الذين لا حول لهم ولا قوة خرجوا من هذه المذبحة بإصابات قد تعيقهم للاسترزاق، وقد تفصل بينهم وبين الحياة، فهل يكون النسيان نصيبهم،، حتى نكمل على البقية الباقية مما تبقى لديهم.

قدرهم أن يقفوا في أول الصفوف، وقدرهم أن يتلقوا الضربات الأولى، فهم من يحملون تلك الوجوه الكادحة الشاقية الساعية من طلعة الشمس وحتى غروبها للقمة العيش، وهي ذات الوجوه المنتحبة الضارعة الوالهة الصابرة والراضية على البلاء وقسوة الحياة، وهي الوجوه الواقفة في الطوابير الطويلة في انتظار فرص فقيرة في حياة مرتفعة الأسعار، وهم الراضون القانعون الحامدون الشاكرون، وهم أيضًا الراضون بما يتوافر من الآخرين. فلا ندير لهم ظهورنا، حتى لا نجد من يقف في أول الطوابير ويتلقى عنا الضربات الموجعة، فهم أولا وأخيرا السند والوتد..

يدور حجر الرحى.. يطحن الوشوش النبيلة الكريمة البسيطة الفقيرة والذليلة للقمة العيش.. يقف ليستريح.. ثم يعاود مرة أخرى، يطحن تلك الوشوش الشقية التعبة الجوعى الظمأى الساعية للرزق.

ستبقى مصر أم الدنيا ما بقيت الحياة..