image
image
image

إهداء

image

أهدي هذا الكتاب...

إِلى كُلِّ أسيرة عانت من قيود السُّجون وعاشت قسوة ظلمها، سواء تحرَّرت أو لا زالت تنتظر أن تطرق الحرِّيَّة باب زنزانتها.

إِلى كُلِّ امرأة قُتلت ودفنت تحت الثَّرى، صرخت وتألَّـمت بصمت وما عاد يذكرها أحد، أقول لها أذكركِ، أذكركِ، أذكركِ...

إلى النِّساء اللَّواتي كتبن تاريخًا نسائيًّا جديدًا، تاريخًا للحرِّيَّة وَالعدالة وَالـمساواة.

إلى الصَّديقات اللَّواتي وقفن معي في أحلك ظروفي وأصعبها، وكان لهنَّ الأَثر الأَكبر عليَّ بتحرير هذه الرِّواية من عتمات السِّجن إلى فضاءات النُّور: عوفرا يشوعا لايت، عينات ﭬﺎيتسمان، سميرة جمعات.

إلى الصَّديق والأَخ يوآﭪ حيفاوي الَّذي لا يكفيه هذا الإِهداء، ولكنّه أقلُّ شيء يمكنني تقديمه له بعد تفانيه وتضحيته لأجل القضيَّة.

لأبي وأمي اللَّذين رسما وجودي ولوَّناني بألوان الحياة، البطلين اللَّذين عانيا أثناء اعتقالي ولم يسمع بهما أحد. إلى جدَّتي خديجة، رحمها الله، الَّتي علَّمتني معنى أن أكون فلسطينيَّة، وبفضلها سأحافظ على هُويَّتي إلى الأبد.

المقدمة

image

حكاية بدأت من نقطة حرف لأبجديَّة ولدت في السِّجن وَالاِعتقال، تجتاحها إِرهاصات مشاعر وأحداث غيَّرت حياتي، وسيطرت على أحاسيسي، فكانت أشدَّ عنفًا ووطأة عليَّ من حدوث زلزال أو بركان أو أَيِّ كارثة، لتبقى عالقة في أعماقي للأبد، هي ذكريات عبثت ولا زالت تعبث بكُلِّ شيء فيَّ، وأعادت ترتيب تفاصيل أفكاري بطريقة مختلفة.

في هٰذا الكتاب كتبت عن واقع أصابه الجنون وَاستغله مصَّاصو العدالة ووحوش السُّلطة وَالعنصريَّة وَالِاحتلال وطواغيت السِّياسة الحاقدين على كُلِّ البشريَّة، من أجل محاكمة امرأة شاعرة وزجِّها في السُّجون، بتهمة القصيدة الخطرة!

مع هٰذِهِ الرِّواية وضمن هٰذا الواقع عشت أصنافًا كثيرة من القيود، عانيت منها وتحدَّيتها وقرَّرت كسرها كلَّها، وإطفاء ظلماتِها من حياتي، بَدَأَتْ في سجن السُّلطات الإِسرائيليَّة وتحوَّلت لسجن الـمجتمع وَالعادات والتَّقاليد، ومن ثُمَّ لسجن العائلة والتَّسلُّط الذُّكوري في هٰذِهِ الحياة على الـمرأة وتقرير مصيرها من قبلهم جميعًا.

مع هٰذِا الكتاب دخلت مرحلةَ نضال مختلف مع نفسي، قبل أن يكون مع الآخرين، هو النِّضال الحقيقيُّ بِالنِّسْبَة لي، حينها خاطبت نفسي قائلة: يجب أَلَّا ينتهي نضالي بوجودي في هٰذا السِّجن، فالنِّضال إن بدأ يجب أن لا ينتهي أبدًا رغم كُلِّ الظُّروف، وظيفتي الآن أَلَّا أيأس، أَلَّا أترك عصافير حروفي تهجر أعشاش الإِبداع، فالعصافير تغرِّد أجمل ألحانها في القفص، وما عليَّ فعلُهُ هو فقط أن أنظر إلى كُلِّ شيء نظرة مختلفة، وأن أحوِّل كُلَّ شيء حولي إلى معانٍ أخرى مغايرة لتلك التي اعتدتها.

في أَيَّام الاعتقال تحوَّل السِّجن الـمعتم إيحاء امرأة، وَالجدار الـموحش ورقةً بيضاء، تنتظر أن أدوِّن مشاعري عليها، وأكتب حبر هٰذِهِ المذكرات في ظروف وتقييدات صعبة جِدًّا، وأحداث مريرة عشتها وعايشتني.

لم يكن سهلًا عليَّ اتِّخاذ القرار بأن أكتب وأنشر مذكرات تحكي عن تفاصيل عشتها، وأكون جاهزة لتعرية نفسي ورسم مشاعري أمامها وأمام الكلِّ، خصوصًا مع محاولات الكثيرين تقييدي وكسر إرادتي ووأد الكتابة في حياتي، عندها فقط حسمت الأَمر، كتبتها وقرَّرت نشرها بأيِّ ثمن سيكلِّفني، حَتَّى لو كان غاليًا جِدًّا، لِأَنَّ لا شيء بنظري أثمن من شعوري بِالحرِّيَّة، وَالحرِّيَّة عنْدي هي الكتابة.

مع أَوَّلِ حرف دوَّنته من هٰذِهِ المذكرات وَحَتَّى الحرف الأَخير بالإِضافة لديوان شعر كتبته أيضًا، في هٰذِهِ الفترة تحطَّمت كُلُّ الأَصفاد والسَّلاسل أمام عيني ورأيت انتصاري على كُلِّ شيء، لِأَنَّني بهما حقَّقت ذاتي وتحرَّرت من كُلِّ القيود والسُّجون الَّتي كانوا يريدون زجِّي فيها إلى الأبد، وَلٰكِنَّني وبالكتـابـة أفشلت كلَّ المحاولات لتكميم فمي وبتر صوتي، خصوصًا أَنَّني مُنِعْتُ منعًا تامًّا مِن نشر كتاباتي طوال هٰذِهِ الفترة.

السَّبب الآخر الَّذي ساهم في إصراري على كتابة هٰذِا الكتاب يكمن في أنَّ كتابات الأسيرات الفلسطينيَّات الـمحرَّرات وَالـمعتقلات السِّياسيَّات في عموم العالم العربي قليلة جِدًّا، بينما في الـمقابل تنتشر الكثير من الكتب الَّتي تحاكي، وتتحدَّث عن كتاباتِ ومذكِّرات الأَسرى الرِّجال، وهو الشَّيء الَّذي ساهم في تغييب أصواتهنَّ ومعاناتهنَّ في السِّجن من كُلِّ النَّواحي، اَلأَسيرات لا يكتبن عن تجربتهنَّ في السِّجن وَالاِعتقال، إِمَا منعًا أو خوفًا أو خجلًا، هذِهِ الأَسباب تقف وراء عَدَم خوضهنَّ الحديث عن جروح وآلام هذِهِ التَّجربة لتبقى مخفية في سراديب صمتهنَّ أو حَتَّى يعبِّر عنها الآخرون، بالطّريقة الَّتي تحلو وتروق لهم فقط، ومن منظار ذكوريٍّ، أو كما يريدون الحديث عنها، وحسب أحكام وعرف الـمعتقدات والتَّقاليد الَّتي يرونها مناسبة لهم ولأفكارهم فقط، لذا قرَّرت أن لا تكون تجربتي الـمريرة في السِّجن مجرَّد ذاكرة للنِّسيان، فكتبت عنها، وهدفي من ذٰلِكَ ليس الإِعلان عن شخصيَّة استثنائيَّة أو إعلان البطولة كما سيدَّعي البعض، إِنَّما لأتحرَّر من هٰذا القيد الَّذي كبَّل ولا زال يكبِّل العديد مِن الأَسيرات الـمحرَّرات، لَعَلّي مِن خلال هٰذِهِ الرِّواية أَهْدِمُ جدار هٰذا الصَّمت لترى الـمرأة الفلسطينيَّة وَالعربيَّة فضاء الحريَّة وتنعم بالتَّحليق نحوه بلاخوف من وجود أيِّ سور أو جدار من أَيِّ نوع كان.

فَامتلاك وعي الكتابة عند الـمرأة عمومًا، والـمرأة الفلسطينيَّة خصوصًا، هو وعي لـمكنون الذَّات، فَالـمرأة وهي تكتب لا تنتصر على السِّجن والسَّجَّان فَحَسْب، بل تحيا سنواتٍ مضاعفة لعمرها، لتلغي حصار الصَّمت عنها دون إغراءات وإملاءات السُّلطة الذُّكوريَّة وأيِّ سلطة أخرى عليها.

كتابتي هٰذِهِ المذكرات وتأنيث اللُّغة والذَّاكرة معها، عبارة عن إعادة كينونتي كَامرأة معتقلة، تتنقَّل مِن سجن إلى آخر، هو وجود آخر مغاير لما أرادوه لي، وتحرُّر مِن سجن احتلال سلطويٍّ ذكوريٍّ ثقافيٍّ وَاجتماعيٍّ.

كما أنوِّه أيضًا أَنَّني لست بصدد كتابة سيرة حياة، إِنَّما مذكرات تحكي عن فترة الأَسْر والسِّجن والـمشاعر الَّتي عشتها وعايشتني، وَأَنَّني اضطررت لإخفاء بعض الـمواقف والأَحداث لِأَنَّ البوح بها لا يمسُّني فقط، إِنَّما فيه مساس بحياة آخرين، بعضهم لا زلت على علاقة بهم والبعض الآخر انتهت علاقتي بهم وإلى الأبد، وأحداث أخرى أبقيتها لنفسي لدواعٍ وأسبابٍ وموانع قانونيَّة فقط.

تمرُّ السَّاعات في الأَسر بطيئة كمشي سُلَحْفاة في درب طويل، لا زلت أفكِّر  بكلِّ شيء، بل في أبسط الأَشياء الَّتي حصلت معي، فَكُلُّ ما يحيطني بات يستحقُّ الكتابة عنه، حَتَّى الصَّراصير وحشرات البقِّ شريكاتي الوحيدات في تلك الزِّنزانة في معتقل الجلمة، الَّتي باشرت بمتابعة تحرُّكاتها على الجدار بدقَّة كي لا تقترب من جسدي، أو تتسلّل إلى ملابسي، هٰكَذا فجأة، ومن غير أن أفكِّر أَنَّني سأدوِّنها في كتاباتي يومًا، ها أنا ببساطة وفي هٰذِهِ اللّحظة بالذَّات أجعلها فعلاً جزءاً من مذكِّراتي الَّتي ستبقى إلى الأبد.

أثارني جِدّاً أَنَّ هٰذِهِ الصَّراصير في هٰذا السِّجن لا تعرف السُّبات أو الرَّاحة، ولا يهمُّها فصل الشِّتاء. هٰذِهِ الحشرات الـمتحرِّكة في الزِّنزانة كانت هي الدَّليل الوحيد والـمؤكَّد على أَنَّ ثمّة حياة في هٰذِهِ الزِّنزانة الكئيبة.

كُلَّما اشتدَّت غربتي، أعيد تعريف أصغر التَّفاصيل حولي من جديد، وربَّمـا بطريقة مختلفة عن أَيِّ سجين، أنجح في اكتشاف فلسفة مشاعر جديدة، فللسِّجن حَقًّا فلسفة تثير أعين الذَّاكرة حين يكون السَّجين فنَّانًا، مثقَّفًا، كاتبًا أو شاعرًا.

أذكر جيِّدًا تلك اللَّيلة، ويقشعرُّ بدني في كُلِّ مَرَّة أعود فيها إلى لحظة اقتحام عناصر الشُّرطة غرفتي دون سابق إنذار، لم يدخلوا غرفتي حينها فحسب، بل دخلوا ذاكرتي، أوراقي وكتاباتي.

ليلة الحادي عشر من تشرين الأَوَّل عام 2015، بالكاد كنت قد غفوت بعد أن أَغْلقْتُ جهاز الحاسوب، وفي رأسي أفكار لسيناريوهات ومشاهد مختلفة من نشرات الأَخبار، ولقطات مصوَّرة لإطلاق النَّار على الشَّابة النَّصراويَّة إسراء عابد في العفُّولة من قبل الجنود، وصور أخرى كثيرة للعنف والعنصريَّة وَالاِستبداد الَّذي تفشَّى في البلاد والـمنطقة بأكملها، بالإِضافة لصدى بعض الشَّتائم والصَّرخات الـموجَّهة إليَّ من ابن عمي. نمت وأنا أحاول استيعاب ما حصل ويحصل، وكيف أصبح قتل الإِنسان للإنسان وإهانته سهلًا وَبِهٰذِهِ البساطة.

مع كُلِّ هٰذا العنف الـمستشري، وَهٰذِهِ الأَحداث وَهٰذا الصُّراخ، بدأت تتراءى في مخيلتي مشاهد ذكريات طفولتي القاسية الَّتي عشتُها وَاستمرَّت لسنوات متتالية، بِهٰذِهِ التَّفاصيل المؤسفة جِدًّا والـمقزِّزة، ذهبت إِلى السّرير أحاول أن أحصد بعض الرَّاحة وألقي عن قلبي ثقلها. مع كُلِّ هٰذا العبء الـمكدَّس في مشاعري، ما أن  أوشكتْ عقاربُ السَّاعة على عناق الثَّالثة والنِّصف فجرًا، حتى صحوتُ مذعورة على صوت أمِّي وأبي وهما يصرخان: "أجو ياخدوكي"، نهضتُ من فراشي، فتحتُ باب غرفتي، نظرت حولي وإذ بالعشرات من عناصرالشُّرطة تحيط بي وتتأهَّب لاعتقالي. أربعة منهم اقتربوا مني وهم يسألونني: "أنتِ دارين؟" "هل هٰذِهِ غرفتك؟" هٰذِهِ هي المرَّة الأولى الَّتي تدخل فيها قوَّات الشُّرطة إلى بيتنا بهٰذه الطَّريقة، نظرت إلى وجوه أهلي وشعرت بالخوف الَّذي يعيشونه في هٰذِهِ اللَّحظة، عيونهم كانت تختصر كلَّ شيء وتظهر كلَّ معاني الخوف والقلق. فجأة هٰكَذا وبثوانٍ معدودات وجدت أنَّ كلَّ العائلة تجمَّعت في البيت حولي، حَتَّى إخوتي الَّذين يسكنون في الطابق العلوي من البناية كانوا قد حضروا المشهد، ما زلت أجهل كيف حصل هٰذا الشَّيء وكيف عرفوا؟ رُبَّما كان أبي هو الَّذي اتَّصل بهم وأخبرهم وسط كلِّ هٰذِهِ الضَّجَّة القاتمة؟

على الرغم من الدَّهشة وَالاِستغراب ومشاعر الخوف الَّتي كانت تنتابني في تلك اللَّحظات، إِلَّا أَنَّني لا أعلم كيف استطعت النَّظر والتَّركيز في تعابير وجوههم وكلماتهم بدقَّة متناهية، لتبقى عالقة في ذهني حَتَّى اليوم.

بالخوذات على الرُّؤوس والبزَّات العسكريَّة، بالبنادق والعصي والغاز المسيل للدموع وقنابل الصَّوت، وَالعتاد، وسلاح متطوِّر جِدًّا، وبأصابعٍ فوق الزِّناد، اقترب أربعة منهم من غرفتي، وقفوا عند مدخل بابها. كلَّما تحرَّكت ومشيت من مكاني أراهم يتحرَّكون بأجسادهم العملاقة بسرعة معي، عيونهم تبرق من شدَّة الخوف وتومض يسرة ويمنة بلا توقُّف. لا أعرف ما الَّذي يبغون الوصول إليه من هٰذا الاقتحام المفاجئ، أو ما الَّذي كانوا يبحثون عنه أصلًا في غرفتي ويتوقَّعون العثور عليه فيها. لم أفهم ما الَّذي يبغونه منِّي، أنا على يقين تامٍّ بأنِّي لم أقم بأيِّ عمل ضدَّ القانون، رُبَّما أتوا لأنَّني فقط أشارك بالمظاهرات؟ تهت بأفكاري وأسئلتي الكثيرة، أحاول الإجابة عنها، وَلٰكِنْ عبثًا، فكلُّ شيء حولي بات خليطًا من الغرابة والدَّهشة والغموض، شعرت أنَّني موجودة في ميدان المعركة.

اثنان منهما دخلا إليها، تأمَّلا في زواياها، صوَّبا أعينهم إلى كُلِّ مكان فيها، أحدهم حرَّك حاجبيه للأعلى مبديًا الاِستغراب مِمَّا رأى، وآخر حرَّك رأسه يمنة ويسرة، وعيناه تنظران إلى زميله الَّذي أكمل الحلقة الـمبهمة بسؤاله لي:

هل هٰذا الجيتار لك؟

نعم، إِنَّهُ لي.

مرَّت ثوانٍ وأعاد السُّؤال بطريقة أخرى، وعلى وجهه بدت علامات الاِستغراب أكثر قائلًا: 

هل تعزفين على الجيتار؟

أجبته مرة أخرى وأنا أبتسم وبصوتي حزم وقوة:

نعم.

حرَّك هو الآخر حاجبيه وسألني ثلاثة أسئلة مجتمعة:

كيف ذلك؟ أنت متأكِّدة؟ أنت تعزفين على الجيتار؟

فأجبته فورًا وبطمأنينة وثقة:

طبعًا، الفنُّ كُلُّ حياتي.

من النَّظرة الأُولى إليهم، شعرت أَنَّ غرفتي لم ترُقْ لهم، هٰكَذا بدا لي الشُّعور من متابعة ملامحهم وردَّة فعلهم الأُولى فوْر دخولهم إليها. فالغرفة قد خيَّبت توقُّعاتهم، ما الَّذي وجدوه أصلًا! صورة معلَّقة على جدرانها تجمعني مع جدَّتي وأنا أحضنها قبل وفاتها، وأخريين  للشَّاعرة فدوى طوقان والشَّاعرة نازك الملائكة؟ صورًا لي وأنا في عمر الطُّفولة؟ أو صورة كبيرة صوَّرتها في إحدى مسيرات العودة السَّنويَّة وتحوَّلت إلى صورة رمزيَّة لِهٰذِهِ المسيرات؟ هي غرفة تعرض الفنَّ بكلِّ أشكاله، أقلام ودفاتر في كُلِّ مكان، كاميرا ومعدَّاتها، جيتار، عُود، صور فوتوغرافيَّة لوحات تشكيليَّة معلَّقة على جدرانها، مكتبة وكتب كثيرة، عطور فرنسيَّة، وقطَّتان فارسيَّتان تستلقيان على السَّرير.

في اللَّحظة الَّتي وقفتُ قبالتهم في غرفتي أراقب نظراتهم وسِمات وجوههم، وعلى الرغم مِن أَنَّهُمْ أبدوا من الدَّقائق الأُولى شعوراً بأَنَّهم دخلوا المكان الخطأ، ووصلوا إلى إنسانة غير مطابقة للمواصفات الَّتي حملوها في أجندة أفكارهم، اِبتسمتُ وفردتُ عينيّ بضحكة استعدادًا لمجهول قادم، أو رُبَّما لكتابة قصيدة جديدة لم أتخيَّل يومًا أَنَّني سأكتبها.

طلب مِنِّي أحدهم جهاز الحاسوب وهاتفي وبطاقة هُوِيَّتي، أمسكوني وأحكموا القيود في يَدَيَّ، وطلبوا مِنِّي التَّحرك معهم إلى السَّيَّارة.

خرجتُ من الغرفة، مطمئنَّة، غير مكترثة بكلِّ هٰذِهِ القوَّة الَّتي تحيطُ بي، كوني مدركة في أعماقي أَنَّني لم أفعل شيئًا أخاف منه، وقلت لأمِّي لأطمئنها وأخفِّف مِن قلق العائلة

"لا تخافوا، راجعة".

وُضِعَت الأَصفاد في يديَّ ورجليَّ، أدخلوني إلى سيَّارة شرطة من نوع تويوتا. بدأت السَّيَّارة بالتَّحرُّك، وإذا بي أرى عبر النَّافذة سيَّارة ترانزيت كبيرة تخرج من الجهة المقابلة للحيِّ الَّذي أسكنه. سارت السَّيَّارة بي قليلًا حَتَّى مخرج الحيِّ، وإذ بسيَّارة أخرى من نفس النَّوع تلتحم مع السَّيَّارتين، ما إن وصلنا لشارع القرية الرَّيئس حَتَّى انضمَّت للقافلة سيَّارة ثالثة أخرى، يا لِهٰذِهِ القوَّة الَّتي تمَّ تجهيزها لاعتقالي، تساءلت والدَّهشة تزداد في رأسي وإحساسي! وَاقتادوني إلى مبنى الـمسكوبيَّة[1] في مدينة النَّاصرة، وأنا غير مدركة سبب الاِعتقال وما هيَّته.