image
image
image

2

image

قاربت السَّاعة على الخامسة فجرًا، أقف في ساحة الـمسكوبيَّة، مقرِّ شرطة النَّاصرة مقيَّدة اليدين والرِّجلين، كثيرًا ما تجوَّلت في النَّاصرة وأقمت عدَّة جولات سياحيَّة، أعرِّف فيها السَّائحون على المكان وتاريخه، كثيرًا ما تحدَّثت عن أصل هٰذا المبنى وحجارته الَّتي تختصر التَّاريخ والأصالة لِهٰذِهِ المدينة. كثيرًا ما نقشت في ذاكرة كاميرتي هٰذِهِ الأزقَّة والأحياء القديمة. آخر صورة التقطتها لِهٰذا المكان كانت من الخارج لحمامة تقف على إحدى نوافذ هٰذا المبنى الَّذي أشاهده قبالتي، أذكر هٰذِهِ اللَّحظة آنذاك، وكم لفتت انتباهي فخلَّدتها صورة للأبد. يا لغرابة المواقف الَّتي أعيشها! شتَّان ما بين لحظة التَّصوير وبين هٰذِهِ اللَّحظة! أنا الآن معتقلة وفي هٰذا المكان بالذَّات.

ليس هناك مقعد للجلوس عليه في هٰذِهِ السَّاحة، هو موقف لسيَّارات الشُّرطة والوحدات الخاصَّة المنتشرة في كلِّ مكانٍ، رجال الشُّرطة يقفون كمجموعات، يتَّكئون على السَّيَّارات، يتهامسون فيما بينهم وهم ينظرون إليَّ، يبتسمون ويضحكون. حولي ما يقارب الخمسة عشر شُرَطِيًّا من وحدة "اليَسام"[2]

ينهالون عليَّ بالشَّتائم وَالإِهانات والأَلفاظ العنصريَّة، كُلُّ واحد مرَّ بجانبي أراد أن يثبت قوَّته بكلماته العنصريَّة، وكأنّه يحقِّق إنجازًا في تلك اللَّحظة، أستمع إليهم ولا أنجرف وراء استفزازاتهم الكلاميَّة ونقاشاتهم التَّافهة عنِّي، أتساءل في هدوء نسبيٍّ وقلق، أَيَّ علامة يمكن أن يهديها إليَّ هٰذا الصَّباح!

"تريدين سلاحًا لكي تقتليني؟ خذي هٰذِهِ بارودتي، مخرِّبة، إِرهابيَّة، حثالة العرب، أنت تشبهين الـمخرِّبين، أنت تبدين كَالـمخرِّبة..."

هٰذِهِ الكلمات وكثيرة أخرى على شاكلتها، كانت حاضرة في هٰذا الـمشهد الخرافي، لا أنكر أَنَّني خفت وشعرت بمعنى القلق الحقيقي، إِلَّا أَنَّ هٰذا الـموقف كان كفيلًا بأن يُوَلِّدَ روح التَّحدي والشَّجاعة داخلي، شعرت بجبنهم ودناءتهم وقلَّة حيلتهم، وهم يحملون كُلَّ هٰذا السِّلاح الَّذي بحوزتهم ضدِّي وأنا الـمقيَّدة. من تراه الضَّعيف بيننا؟

مع كُلِّ هٰذا الكمِّ من عبث الـمجهول، بدأت أدرِّب شعوري على كُلِّ شيء يمكن أن يحصل وعلى كُلّ ِالاِحتمالات، كي لا أُصدم وتأخذني الصَّدمة إلى حيث لا أحبُّ. حافظت على هدوئي وبرودة أعصابي، ولم أمنحهم ما كانوا يسعون إليه، وهو إِغضابي، أو فعْل أَيِّ شيء ليسجَّل ضدِّي.

اِستمرَّ وقوفي في ذات الـمكان ساعة تقريبًا، وَلٰكِنَّها كانت أطول ساعة انتظار أعيشها في حياتي، والسِّيناريو  نفسه يتكرَّر على مسامعي وأنظاري، تركت روحي تذهب بعيدًا، تصادق التِّيه وَالحَيْرة، تبحث عن سرِّ التَّمازج بين العذاب وَالقوَّة، تفهم معنى القيد الَّذي يكبِّلني، تخترع دستورًا يكابد الواقع وصولًاإلى حدِّالخيال، علَّها تدرك السِّرَّ من كُلِّ ما يحصل معي.

اِستمرَّ الحال على ما هو عليه، حَتَّى جاءت إحدى الـمجنَّدات وطلبت مِنِّي التَّحرُّك معها، امرأة تجرُّ امرأة أخرى، بدأت أمشي بخطوات بطيئة مقيَّدة بمدى طول سلسلة الأَصفاد، وهي تسرع الخطى وتسحبني معها مِمَّا يسبِّب ألـمـاً شديداً في رجليَّ، ووراءها مشى عشرة من أفراد الشُّرطة. كان ممرًّا طويلًا سِرْنا فيه حَتَّى جاء دور السَّلالم، هنا وقفت بعد أن بدأت القُيود تضغط على رجليَّ بشكل لا يحتمل وسبَّبت لي ألـمـاً شديداً لدرجة أنَّها تسبَّبت بجرحٍ في الجلد، لقد تقشَّر الجلد الخارجي من شدَّة الملامسة والضَّغط، كلَّما تحرَّكت زاد الألم وانغرزت السَّلاسل أكثر في الجلد. طلبت منها إرخاء السِّلسلة الـمشدودة قليلاً لتخفيف الأَلم فرفضت الأمْرَ كلِّيّاً ولم تهتمَّ لألمي وبدل أن تستجيب لطلبي صرخت:

أَكملي الـمشي وبصمت.

أمشي، وأسمع نقاشاتهم الَّتي كانت جلَّها أَنَّ مكتب استقبال الـموقوفين، من غير موظَّف لتسجيلي ، وعدم وجود أَيّ محقِّق في كُلِّ الـمركز ليباشر عمليَّة التّحقيق معي، وقد بدا عليهم الاِرتباك وَالغضب، بدأ بعضهم يصرخ على البعض الآخر، حَتَّى وصل بهم الأَمر حدَّ استعمال الشّتائم، لم يعرفوا إلى أين يأخذونني، يصلون غرفة أحد الـمكاتب، يدخل أحدهم يسأل بعض الأَسئلة ويخرج بلا نتيجة ولا أجوبة، فيعودون بي إلى مكتب الاِستقبال، لا يجدون الـموظَّف، فيأخذونني لغرفة أخرى، وَهٰكَذا حَتَّى مرَّ ما يقارب النِّصف ساعة جيئةً وذهابًا في أروقة الـمركز.

وصل موظَّف الاِستقبال، سجَّل بعض التَّفاصيل، ثُمَّ دخل من الباب أحدُ الضُّبَّاط، فهمت أَنَّهُ الـمحقِّق بعد أن طلب منهم إِحضاري إِلى غرفته.

يزداد الأَلم في رسغيَّ ورجليَّ من القيود، أدخل إِلى غرفة مليئة بِالحواسيب، وَالكاميرات، وَالآلات الغريبة الَّتي لم أشاهدها أبدًا في حياتي، طلبوا مِنِّي الوقوف في مكان فيه جسور بلاستيكيَّة بيضاء تُخرج أضواء غريبة، أجبروني على خلع الحجاب، صوَّروا عيوني قاموا بتصويري من كلِّ الاتِّجاهات، طلبوا منِّي تحريك رأسي لكلِّ الاتِّجاهات، حاولت معرفة اتِّجاه وموقع العدسة أو الكاميرا إِلَّا أَنَّني فشلت، هٰذِهِ هي الـمرَّة الأولى في حياتي الَّتي أشاهد فيها هٰذا الجهاز أمام أعيني. انتقلوا بعدها لعملية أخذ بصماتي الَّتي لم تكتمل بسهولة، لِأَنَّ كفَّ يدي اليسرى مصابة بحروق قديمة جِدًّا، أصبت بها خلال طفولتي جرَّاء صعقة كهربائيَّة قاسية، تركتْ آثارها على أصابعي وأخفتْ البصمات، لم تستطع هٰذِهِ الأَجهزة الـمتطوِّرة إدخال بصماتي، وتعذَّرعلى العاملين في هٰذِهِ الغرفة إدخال البيانات كما هو متَّبع، الأَمر الَّذي جعلهم يناقشون الـموضوع لنصف ساعة تقريبًا، وَيضطرون لاستدعاء أحد الـمختصِّين بِهٰذا الأَمر وَاستشارته من أجل إِيجاد الحلّ ِالبديل، فاقترح استعمال حبر البصم. أحضروا علبة مليئة بِالحبر الأَزرق، أغرقوا به يدي اليسرى ثُمَّ بدأوا برفع البصمات على الأَوراق من كُلِّ زوايا ونواحي الكفِّ وَالأَصابع وأدخلوا الـمستندات للحاسوب، إِلَّا أَنَّهُمْ لم يفلحوا أيضًا بِذٰلِكَ، فقرَّروا أن تتمَّ العمليَّة في هٰذِهِ الـمرحلة على الورق فقط.

اِنتهوا من طبع البصمات على عدد كبير من مستنداتهم وحوَّلوني بعدها إلى غرفة التَّحقيق.