image
image
image

3

image

تقترب السَّاعة من السَّادسة صباحًا، أجلس في غرفة صغيرة جِدّاً، تبدو من مظهرها أَنَّها غرفة للتَّحقيق، مكبَّلة اليدين والرِّجلين، أشعر ببرودة غريبة لم أشعر بها من قبلُ، عدَّة فتحات تكييف مصوَّبة تجاه الـمقعد الحديديِّ الَّذي أجلس عليه، تزداد برودة الغرفة شيئًا فشيئًا، أشعر أَنَّني أجلس على قالب جليد لا على كرسي!

قرأت كثيرًا عن هٰذِهِ البرودة الَّتي تصيب الـموقوفين فجأة في غرف التَّحقيق في الكثير من شهاداتهم عن فترة التَّحقيق، وَلٰكِنْ كثيراً ما كنت أشعر أَنَّ ثَمَّة مبالغة في الوصف لِهٰذِهِ الـمرحلة، فَظننتُ أَنَّ الشُّعور بِهٰذا البرد، يأتي كنتيجة حتميَّة للضُّغوطات النَّفسيَّة الَّتي تحيط بِالـموقوف في تلك اللَّحظة، وليس ثمّة أسباب خارجيَّة وراء ذٰلِكَ الشُّعور القاسي، إِلَّا أَنَّني ما أن شعرت بِهٰذا البرد يحتلُّ جسدي، ورأيت أسبابه الحقيقيَّة حتى انجلت كُلُّ الشُّكوك عنِّي، وَاكتشفت كم كنت مخطئة، فوضع الـمكيِّفات بِهٰذِهِ الطَّريقة وتسليطها على المتّهم هي وراء هٰذا الشُّعور بِالبرد الَّذي ينخر العظام، فيؤثِّر على النَّفسيَّة ويقتل فيهاالكثير من مظاهر التَّحمل والصَّبر.

حقيقة مؤلمة، أن تتحوَّل الـمكيِّفات من أجهزة لراحة الإنسان وتخفيف معاناته من تقلُّبات الـمناخ ودرجات الحرارة، إلى أجهزة تعذيب له وأسلوب ضغط عليه! كيف يمكن وصف مشاعر جسدٍ مكبَّل بِالبرد القارس، القيود الحديديَّة، رجال الشُّرطة، والشُّعور بِالـمجهول!

دقائق قليلة مرَّت وبدأ جسدي يرتعد أكثر من شدَّة البرد، ومع كثرة هٰذِهِ التَّساؤلات وَالاِستنتاجات الـمُرَّة وَالحقائق الصّعبة الَّتي احتلَّتْ أفكاري عنوة اقترب مِنِّي شرطيٌّ، جلس على أحد الـمقاعد القريبة من باب الغرفة؛ وضع هاتفه أمام عينيه، قام بتشغيل أحد التَّسجيلات الصَّوتيَّة أو رُبَّما أحد الأَفلام، ومن حركات أصابعه عرفت أَنَّهُ رفع صوت الهاتف إِلى أقصى درجة، وصل الصَّوت إلى مسامعي وَاستطعت معرفته، كان صوت حسن نصر الله في أحد خطاباته، مرَّت ثوانٍ قليلة، وإذ به يوجِّه إليَّ بَعْضَ العبارات ويقول:

أنت فرحة بسماع هٰذا الصَّوت أليس كَذٰلِكَ؟ بالتَّأكيد أنت تحبِّين هٰذا الصَّوت! كيف لا وأنت تحبِّين الإِرهاب مثله! نعم أنت مثله إِرهابيَّة، هل تريدين رؤيته؟ خذي الهاتف وَانظري إليه، إنَّكمـا شبه بعضكمـا البعض وَالإِرهاب يشبهكمـا...!

قام بتوجيه شاشة الهاتف تجاه عينيّ، في محاولة منه لإِجباري على النَّظر، فأفشلت مخطَّطه ولم أعر استفزازاته أَيَّ اهتمام ولم أجبه بشيء، بل رفعت إليه نظرة لامبالاة، وصوَّبت عينيّ تجاه قميصه  عَلّني أعرف اسمه من بطاقة التَّعريف الـمعلَّقة فوق الجيب، لٰكِنْ للأسف وبمُكْر منه، أخفى أيقونة التَّعريف عن اسمه بحركة مقصودة من يده الثَّانية، حافظتُ على موقفي كما هو باللَّامبالاة والسُّكوت.

اِختفى صوت سمَّاعة الهاتف، دخل الغرفة أحد الرِّجال يرتدي سترة شتويَّة تُوحي بالدّفْء وملابس مدنيَّة، لم أفكِّر طويلًا بِالـمشهد وقتلت الشَّكَّ بِاليقين، وأدركت أَنَّ كُلَّ هٰذِهِ الخطوات مخطَّط لها مسبقًا بين بعضهم البعض.

جلس على مكتبه، أخرج أوراقاً من دُرْجِهِ، وبدأ يملؤُها بخطِّ يده، وبعد التَّعريف عن اسمه، نظر لساعته. دوَّن بعض الأُمور على الأَوراق بخطِّ يده ثُمَّ قال:

أنت متَّهمة بالتَّحريض وبثِّ العنف وَالإِرهاب، عبر منشورات في الفيس بوك، وإنَّك كتبت، أَنَّك تريدين أن تكوني شهيدة، وإنَّك نشرت صورة للمخرِّبة في العفُّولة، فما تعليقك على هٰذِهِ الاِتِّهامات؟

كانت إجابتي واضحة وحاسمة:

لن أتكلَّم أَيَّ كلمة قبل رؤية محامٍ وَاستشارته وَالحديث معه.

أعطني رقم الـمحامي لأتَّصل لك به.

رقمه ضمن الأَرقام الـمحفوظة في هاتفي.

فتح هاتفي الـمرهون معه، وطلب مِنِّي أن أعطيه الأَسماء فأعطيته، بدأ يبحث بين قائمة الأسماء عن الاسم الَّذي طلبته، فجأة بدأ هاتفي بالرَّنين، خرجت منه موسيقى لأغنية بصوت أليسا، المغنِّية اللُّبنانيَّة، "أجمل إحساس بالكون إنك تعشق بجنون" كانت هٰذِهِ نغمة إشعارات الرَّسائل النَّصِّيَّة الَّتي تصلني، تفاجأ المحقِّق بالرَّنين وبدا عليه الاِستغراب وسألني: ما هٰذِهِ الأغاني؟ ما علاقة هٰذِهِ الأغاني بك؟ لم أجبه. أكمل البَحث عن الاِسم.  كانت لديَّ صديقة محامية، طلبتها هي أوَّلًا، فكانت إِجابتها مليئة بالدَّهشة حين ردَّت عليَّ، وفي نبرة صوتها ألم وتوتُّر؛ كانت الـمفاجأة أَنَّها بِالفعل تتألَّم وهي موجودة في المستشفى، وتحديدًا في غرفة الولادة، لم تستطع مساعدتي بشيء، وأنا بدوري لم أَقُلْ لها شيئاً سوى أمنياتي بالسَّلامة وتهنئتها سلفًا بِالـمولود الجديد.

أعترف أَنَّني ضحكت من غرابة هٰذا الـموقف، ومن هٰذا القدر الَّذي يأبى إِلَّا أن يضع بصماته في حياتي بشكل غير متوقَّع، وأكملت البحث في الذَّاكرة عن هدفي الثَّاني فوقع اختياري على مكتب عدالة للمحاماة، لٰكِنْ وللأسف أيضًا لم يردَّ أحد على اتِّصالي، شعرت أَنَّني محاطة بعلامات الاِستفهام وَأَنَّ كُلَّ الظُّروف تتآمر ضدِّي، وَأَنَّني جزءٌ من فرضيَّة مؤامرة رُبَّما دَبَّرَها القَدَرُ ضدِّي! مع هٰذِهِ البدايات الـمُحبِطَة بحيثُ بدا العثورُ على مُحامٍ كأنّه مِن الـمَهَمَّـاتِ شبه الـمستحيلة، بدأت الأُمور تتصعَّب عليَّ أكثر.

هٰذِهِ الصُّدف كلُّها نذير لشيء مختلف بِالنِّسْبَة لي على الأَقلِّ، بدأت أفكِّر بأمر ثالث، ولم يكن أمامي سوى محادثة أحد النَّاشطين لمساعدتي في إيجاد محامٍ، وهٰذا ما حصل.

مع إصراري على عدم إعطاء أَيِّ إجابة على أَيِّ سؤال اضطرَّ الـمحقِّق إِلى إغلاق التَّحقيق الأوَّلِ مؤقَّتًا حَتَّى وصول الـمحامي وَاستشارته.