image
image
image

4

image

مرَّتْ ساعتان وأنا في ثلَّاجة الـموتى لا في غرفة تصلح لجلوس بشر أحياء، هٰكَذا تصحُّ تسميتها، بسبب درجة الحرارة الـمتدنِّية الَّتي شعرتُ بها وأنا جالسة فيها، حَتَّى جاءت الأَوامر بنقلي إلى غرفة أخرى.

السَّاعة التَّاسعة صباحاً، محاطة بعشرات من أفراد الشُّرطة، يلزمونني بالوقوف عند مدخل إحدى الغرف، وَالاِنتظار حَتَّى يستدعيني المحقِّق للمثول أمامه وَالإِجابة عن أسئلته وَاستجواباته.

أمامي باب خشبيٌّ عُلِّقت على أحد مصراعيه يافطة صغيرة ذهبيَّة اللَّون، كُتِبَ عليها بخطٍّ أسود وباللُّغتين العربيَّة وَالعبريَّة "غرفة تحقيق".

الأَلم يزداد في رجلي بسبب الأَغلال الـمشدودة، طلبت مجدَّداً إرخاءها ولو قليلًا، فرفضوا ذٰلِكَ كُلِّيًّا، وكان الرَّدُّ كما في السَّابق، أنتِ موقوفة وَهٰذِهِ الأَوامر الـمتَّبعة ويجب أن نطبِّقها. لحظات قليلة وتمَّ إدخالي إلى الغرفة.

لأوَّل مَرَّة بعد اعتقالي فجرًا يتمُّ فكُّ سلاسل القيود عن يديَّ، جلستُ على الكرسي، جُلْت بنظري في الـمكان لاستكشاف كُلِّ ما أراه حولي، فرأيت غرفة مليئة بِالأجهزة، تختلف تمامًا عن تلك السَّابقة الَّتي كنت فيها، حواسيب، كاميرات، ماسح ضوئي، طابعات، هواتف كثيرة...

اَلـمكاتب فارغة من الـمحقِّقين، إِلَّا واحد كان يجلس أمامي خلف مكتبه، عرَّف بِاسمه وبدأ بِالحديث وهو يجهِّز بعض الأَوراق اللَّازمة له في ِهٰذا التَّحقيق، بِالكاد بدأت حرارة جسدي تعود لطبيعتها لأشعر ببعض الدِّفءِ، حَتَّى قام هٰذا الـمحقِّق أيضًا بتشغيل الـمكيِّف، طلبتُ منه أن يطفئه أو يخفض درجة البرودة، رفضَ ذٰلِكَ موضِّحًا، أَنَّهُ يشعر بِالحرِّ ويحتاج للمكيِّف.

مرَّت دقائق قليلة جِدًّا على طلبي، وإذْ به يلبس سترة شتويَّة كانت مُعلَّقة وراء ظهره على الكرسي؛ اِبتسمتُ ابتسامة ساخرة مِن عظم الـمأساة الَّتي أشاهدها أمامي، ومن دناءة الإِنسان وقسوته وَانعدام الإِنسانيَّة فيه، لأكون أكثر يقينًا أَنَّني في معركة حقيقيَّة مع الكثيـر من التَّناقضات الـمحيطة بي من كُلِّ جانب.

بعْد تفكير عميق بكلِّ ما حصل ويحصل، ومع استعادة كُلِّ مشاهد هٰذا اليوم، قرَّرت أن أحكي حقيقة كُلِّ ما يدَّعونه، وأقول لهم ما حصل وما القصْد مِن كُلِّ ما يتَّهمونني به، فليس هناك شيءٌ أخاف منه، وأنا أصلًا لم أفعل شيئًا خاطئًا لأخشى إِخفاءه عن أحد أو أنكره.

اِطمأنَّت نفسي بعد الوصول إلى هٰذِا القرار، وبقي البـرد هو الشَّيء الوحيد الَّذي يزعجني مع أصفاد الرجلين بعد إزالة أصفاد اليدين. بدأ استجوابي بمحادثة عاديَّة، وشرعتُ بِالحديث معه، حَتَّى أنَّني نسيت أمر انتظار الـمحامي، وما عاد الـموضوع يهمُّني كثيراً، طالما أَنَّني متيقِّنة من قراري.

كانت الـمحادثة قصيرة جِدّاً تتلخَّص بشرح الاِتِّهامات الـموجَّهة ضدِّي، بنشر صورة الشَّابَّة إِسراء عابد من النَّاصرة، في محطَّة الباصات الـمركزيَّة في العفُّولة، ونشر كتابات تقول إنَّني أريد أن أكون شهيدة! لم أذكر أيًّا منهما.

أجبته حينها بشأن صورة الشَّابَّة، لا أذكر بالضَّبط إن كنت نشرتها أم لا، لِأَنَّ الـمشهد مشوَّش بِالنِّسْبَة لي، وما أذكره هو رؤيتي للفيديو الـمصوَّر عدَّة مرات، لحظة إطلاق النَّار عليها، وَاستعادة ذكريات قاسية مررت بها في الطُّفولة، وأنا في سنِّ السَّابعة وَاستمرَّت لخمس سنوات متتالية، فربَّما نشرتها لدقائق وحذفتها فيما بعد...! أحاول أن أذكر شيئًا، فبدت لي كُلُّ الصُّور مشوَّشة، ولم أستطيع التَّيقُّن من هٰذا الأَمر، شرحت له أَنَّني أعاني من انفصالات عن الواقع تصيبني أحيانًا، فتجعلني لا أذكر بعض اللَّحظات نتيجة هٰذِهِ الصَّدمة، خاصَّة حين يكون الأَمر له علاقة مع هٰذِهِ الذِّكريات في فترة الطُّفولة، وأعطيته أسماء لثلاثة أشخاص تسبَّبوا لي بِهٰذِهِ الأَذيَّة وَبِهٰذِهِ الصَّدمة، بعد أن وضَّحْتُ له طبيعةَ الجريمة الَّتي تعرَّضت لها في الـماضي، وأكَّد لي أَنَّهُ سجَّل هٰذِهِ الأَسمـاء عنده، وسيهتمُّ بِالـموضوع وينقلها إلى مُحقِّق مختصٍّ بمثل هٰذِهِ القضايا.

أَمَّا بشأن كتابة «أريد أن أكون شهيدة»، فلم أكتب شيئًا من هٰذا القبيل أبدًا، ولا أذكر هٰذا الأَمر كلِّيًّا.

دخل الغرفة أحد الرِّجال، صافح الـمحقِّق وعرّف عن نفسه بِأَنَّهُ الـمحامي الَّذي سيترافع عَنِّي في الـمحكمة، بعد أن دار حوار قصير بين الاِثنين في جانب، لم أستطع سماعه أو فهمه، إِلَّا أَنَّني توقَّعتُه عن حقيقة الاِتِّهامات الـموجَّهة ضدِّي، مرَّت دقيقتان تقريبًا، ثُمَّ طلب الـمحامي الجلوس معي.

على مقعد خارج غرفة التَّحقيق، وعلى مرأى من عيون الـمحقِّق، جلسنا معًا للحديث بحرِّيَّة أكثر، فخاطبني بانفعال قائلاً:

من النَّاحية القانونيَّة، الحكم على مثل هٰذِهِ التُّهم يمكن أن يصل إِلى ستِّ سنوات، وَإنَّ هناك شابَّة من النَّاصرة لا أحد يعرف مكان سجنها، وما حصل معها، وزيارتها ممنوعة وقد حكم عليها حكمـاً إداريًّا لفترة ستَّة شهور بسبب كتابات على الفيس بوك، لذا عليك إنكار كُلِّ شيء وَالقول إنَّ حساب الفيس بوك خاصَّتك قد تمَّ اختراقه وَإنَّك لا تعرفين شيئًا عَمَّا حصل.

صافحني مودِّعًاوقال:

إلى اللِّقاء الآن، نلتقي اليوم في الـمحكمة.

بِالكاد جلس معي دقيقتين وقال هٰذِهِ الكلمات، وتركني في حَيرةٍ أكبر من الحيرة التي كنت فيها، وأضاف إليها قلقًا شديدًا وصل إِلى حدِّ الخوف.

كان من الـمفترض أن ألتقي بِالـمحامي لأطمئنَّ قليلًا، وأن يشعرني ببعض الثِّقة إِلَّا أَنَّ ما حصل هو العكس، فاللِّقاء معه شتَّت كُلَّ حواسِّي، وبتُّ كَمَن وصل بمركبته إلى مفترق طرق، وَاكتشف فجأة أَنَّ فراملها لا تعمل، لم أعرف أَيَّ الجهات ستوصلني إلى مكان يكون أقلَّ ضررًا عليَّ فَالاِصطدام بشيء ما أصبح أمرًا بدهيًّا ولا بدَّ منه، وهو حتميٌّ في حالتي ولا شكوك في وقوعه.

لم يعد بوسعي أن أفكِّر أكثر بِالعقلانيَّة الَّتي كنت أفكِّر بـها والَّتي ساعدتني في اتِّخاذ القرار قبل مقابلة هٰذا الـمحامي، وَكُلُّ شيء تبخَّر من رأسي، ولم يبق شيءٌ سوى ما قاله لي، وكلُّ خليَّة في جسدي تَتساءل كيف أبدأ الآن مرحلة التَّدرُّب على الاِنتظار؟ كيف لا أطلق تنهيدة تفشي حقيقة ما يجري بأعماقي؟

عدت إلى كرسي التَّحقيق، وأنا أخاطب نفسي حائرة متمنِّية لو أَنَّ إصراري على التعقل لم يصل بي إِلى هٰذا الحدِّ، وأن لا تتغلَّب عليَّ الأَجوبة وَالأَسئلة الَّتي تنتظرني مع الـمحقِّق، كم أنا مهزومة في هٰذِهِ اللَّحظات من نبضي وإِحساسي.

طلب مِنِّي الـمحقِّق أن أغيِّر مكان الجلوس إلى مكتب آخر في ذات الغرفة؛ بدأت مراسم التَّحقيق، هو يسأل وأنا أجيب، فتح هاتفي الخاصَّ ودخل على صفحة الفيس بوك خاصَّتي، طلب مِنِّي النَّظر إليها وسألني إن كانت هٰذِهِ صفحتي أم لا؟، وكانت صدمتي الأَكبر أَنَّ صفحتي تحوَّلت صفحةً سوداء، لم أفهم ما الَّذي يحصل وما الَّذي حصل لها؟ هٰذِهِ ليست صفحتي الَّتي أعرفها ولا أعلم كيف تحوَّلت إلى صفحة سوداء!

اَلاِسم اسمي، وَلٰكِنْ صورة الحائط سوداء، اَلصُّورة الشَّخصية سوداء، لا أذكر أَنَّني وضعتها أبدًا، ولا أعلم كيف تحوَّلت الصَّفحة إلى هٰذا الشَّكل، هل كنت حقًّا في حالة انفصال عن الواقع فحذفتُها، أم أَنَّ الحساب تَمَّ اختراقه وسرقته حقًّا، كما قال لي الـمحامي، خصوصًا أَنَّني عانيت من هٰذا الأَمر مسبقًا، ويوجد حساب آخر بِاسمي لا أعرف مَن يديره! شخصٌ لا أعرفه قام بِانتحال اسمي والنَّشر فيه حَتَّى اليوم، على الرغم من محاولاتي الـمتكرِّرة حذفه وتوجُّهي لإدارة الفيس بوك مرارًا لإغلاقه، إِلَّا أَنَّ كُلَّ محاولاتي فشلت ولم أستطع حذفه حَتَّى اليوم.

لحظة تلو اللَّحظة تتشكَّل تقاسيم شتاتي، تختلط الأَمور عليَّ أكثر، وتتشابك الظُّروف وَالـمواقف وَالأَقوال بعضها ببعضها الآخر، وصدى السِّتِّ سنوات يتردَّد في عقلي من لسان الـمحامي، لعنت كُلَّ ظروفي ولم يكن بمقدوري مع كُلِّ هٰذا الغموض الَّذي يلفُّني، إِلَّا أن أنفي وأنكر كُلَّ شيء تماماً، وأن أقول ما نصحني به هٰذا الـمحامي، لدرجة أَنَّني أصبحت كإنسان بلا ذاكرة وبلا منطق، وما أبحث عنه هو شيءٌ يفسِّر الحالات الَّتي تصيبني فقط، أهي لعنة أم سوء حظٍّ، أم مؤامرة؟

طُبِعَتْ الأَوراق وتمَّ استدعاء أفراد الشُّرطة مجدَّدًا إِلى غرفة الـمحقِّق، أعادوا القيود إلى يديَّ، اصطحبوني معهم إلى سيَّارة لا أذكر منها سوى زجاجها الأَسود، حَتَّى وصلت إلى مبنى الـمحاكم. أدخلوني إِلى زنزانة أنتظر فيها موعد جلسة الـمحكمة.