image
image
image

5

image

زنزانة مربَّعة ضيِّقة، باب حديديٌّ أزرق اللَّون بسياج مشبَّك يصل عرضه ما يقارب 15 سم، باردة جِدًّا وطاقة كبيرة للمكيِّف داخلها، أرضيَّتها من الإِسمنت مصبوغة باللَّون الأَحمر، جدرانها وسخة، اَلعيون تتعب من هول القذارة ولا تحتمل النَّظر إليها، قارورات وعبوات بلاستيكيَّة فارغة ملقاة على الأرضيَّة، بقايا طعام تجمَّعت أمام الباب، هي ليست زنزانة إنَّما مكبُّ نفايات. مقابل الباب حمَّام قديم جِدًّا لقضاء الحاجة وحنفيَّة ماء مصنوعان من الحديد، شكل كليهما مقزِّز، ناهيك عن الأَوساخ وَالعفن والصَّدإِ الـمتراكم عليهما، أحيطا بجدارين يصل طولهما مترًا ونصف الـمتر على أكثر تقدير، ومكعَّبان من الإِسمنت الـمصبوب، يستعملان كمقاعد للجلوس مدهونان باللَّون الأَزرق.

مدخل الحمَّام مفتوح ومكشوف على الباب الحديديِّ الرَّئيسيِّ للزِّنزانة، وفي السَّقف عُلِّقت كاميرا مراقبة، فمَن أراد قضاء حاجته عليه أن يعلم مسبقًا أَنّ َهناك عيونًا تراقبه، إِمَّا عبر الكاميرا أو عبر الباب أو حَتَّى عبر الاِثنين معًا.

تمرُّ الدَّقائق والسَّاعات وأنا في هٰذِهِ الزِّنزانة، تفوح رائحة الرُّطوبة والنَّتانة من كُلِّ شيء فيها، تيبَّس جسدي من الجلوس على الإِسمنت وشدَّة البرد فيها، أحاول أن أبدِّل طريقة الجلوس كُلَّ عدَّة دقائق، لأريح أطرافي الـمتيبِّسة وَالـمتجمِّدة، فلم يبقَ أَيُّ مكان من جسدي لم أجرِّبْ الجلوس بمساعدته، لأخفِّف وطأة ملامسة الإِسمنت البارد على عظامي، شعرت بتشنُّجات في كُلِّ أنحائي وما عدت قادرة على الحراك وَلٰكِنِّي آثرت الصَّبر والانتظار، فما بِاليد حيلة أخرى، إزاء الحال التي أجدني عليها مُكرَهةً في هٰذا الـمكان.

شعرتُ بعطش شديد، إِلَّا أَنَّني لم أشرب أبدًا، فقد فضَّلت تَحَمُّلَ العطش على أن تجبرني الحاجة لاستعمال هٰذا الحمّام، فأن أعذِّب نفسي بِالعطش أفضل من تعذيبها بِاستعمال هٰذا الحمام القذر وَالـمكشوف.

أحضرلي أحد الجنود وجبة الغداء، وطلب مِنِّي تسلُّمها من كوَّةٍ مستطيلة صغيرة موجودة في الباب، وقال إِنَّها الوجبة الوحيدة الَّتي ستقدَّم لي، من ملمسها وشكلها بدت لي بائتة في الثَّلَّاجة منذ يومين على الأَقلِّ، ومن رائحتها عرفت أَنَّها فطيرة محشوَّة «بِالـمرتديلَّا»، أخذتها منه ووضعتها على الـمقعد الإِسمنتيِّ الثَّاني الـمحاذي لمكان جلوسي، إذ لم أشعر بِالجوع مطلقًا، ولم تسألني نفسي عن الطَّعام فَضْلاً عن أَنَّني نباتيَّة لا أتناول بتاتا هٰكذِا مأكولات، وأيضًا تفادياً لاستعمال الحمَّام.

يزداد البرد في الزِّنزانة، وَالجسد منهك من التَّعب وَالإِرهاق. تمَّ إبلاغي بِأُزوفِ وقت محكمتي. تقترب إحدى الـمجنَّدات من الباب، تطلب مِنِّي أن أخرج يديَّ مِن الطَّاقة الصَّغيرة الَّتي تَمَّ إدخال الطَّعام منها، تلفُّ القيود مجدَّدًا حولهما، تفتح الباب، توجِّهني للوقوف مقابل الجدار ووجهي باتِّجاه الحائط، تضع القيود على قدميَّ، ينضمُّ إليها مجنَّد ثانٍ ويصطحبانني عبر رواق طويل نحو قاعة الـمحكمة.

درج مطليٌّ بِالأحمر، عشر درجات على الأَقل، وباب خشبيٌّ بعده مباشرة، وكلُّ درجة مِن الضِّيق بحيث بِالكاد تتَّسع لكفِّ القدم، عليَّ نزول الدّرج وأنا مقيَّدة الّرجْلَيْن، طريقة تصميمه وَاختيار لونه الأَحمر يوحيان أيضًا بِأَنَّ وراءهما سيكولوجيَّات تعذيبيَّة لتصعيب الطَّريق على الـمتَّهم الـمُعتقل والتَّأثير على نفسيَّته.

نقف عند الباب للحظات، تُفَكُّ القيود عن يديَّ مَرَّة أخرى، تبقى الـمجنَّدة معي ويندفع زميلها ليسبقنا ويتفقَّد الـمكان، ويتأكَّد من خلوِّهِ من أشياء مشبوهة وممنوعة، وأُدْخَلُ إلى قفص خشبيٍّ وأبدأ في تفحُّص الـمكان بنظرات استطلاعيَّة. حولي مقاعد خشبيَّة أيضًا معدَّة للحضور، وأمام عينَيّ واجهة زجاجيَّة تطلُّ على السَّماء، وقبالتي مكتب عريض وطويل، يرتفع عن مستوى مقاعد الحضور، يجلس أمامه القاضي وتجلس في مقعد أدنى منه الـموظَّفة، بحثتُ عن أهلي بين الحضور فلم أجد أحدًا.

مرَّت دقائق قليلة، دخل الـمحامي الـموكَّل بالدِّفاع عَنِّي، صافحني، وجلس على الـمقعد الـمخصَّص لجلوس محامي الدِّفاع، وإلى جانبه يجلس شرطيٌّ ببزَّته الزَّرقاء يمثِّل النِّيابة العامَّة، كانت الـمحاكمة قصيرة جِدًّا، طلبتْ النِّيابة بدورها تمديد اعتقالي حَتَّى استكمال إِجراءات التَّحقيق معي، وقوبل طَلَبُها بِالـموافقة من قبل القاضي، وبِذٰلِكَ أُقِرَّ استمرار اعتقالي لأُسبوعين إضافيَّين، لم يكن الدور المرسوم لمحاميَّ إِلَّاالـموافقة أيضًا على هٰذا القرار، ولم أُفاجأ به أيضا،  فهو  الـمُتوقَّع بعد كُلِّ ما جرى معي حَتَّى هٰذِهِ اللَّحظة.

مشهد السَّماء من النَّافذة كان خلَّابًا، اشتقت لِلَون صاف وحقيقيٍّ، أستمدُّ منه شيئًا من أفيون الصُّمود الَّذي أحتاجه للأيَّام القادمة؛ نظرت إلى النَّافذة العريضة الموجودة أمام عينيّ، وَاستمتعت بالنَّظر إلى السَّماء الَّتي تلوَّنت بألوان الغروب لثوانٍ معدودات، ثُمَّ أخرجوني من هٰذِهِ القاعة وأعيدت الأَصفاد إلى يديَّ ثُمَّ أخذوني إلى الزِّنزانة نفسِها.