image
image
image

6

image

الثَّامنة مساءً، الوقتُ في هٰذِهِ الزِّنزانة يطول أكثر فأكثر، ولا شيء يدلُّني على تقدُّمِهِ وَتَبَدُلِهِ سوى ساعتي، فلا فرق بين اللَّيل والنَّهار، ولا شيء صادق في هٰذا الـمكان سواها.

أصوات طرْق أبوابٍ ورنينُ سلاسل، وشتائمُ جنودِ وحدة النَّحشون  [3] مع بعضهم البعض تارة، وتارة أخرى مع السُّجناء. تزداد مساحاتُ ألمي ويضاف إليها عمقٌ آخر، يثير كُلَّ ما بداخلي ويبقى الصَّبر هو ملاذي الوحيد. يُطْلَبُ مِنِّي مجدَّدًا إخراج يديَّ من الطَّاقة، أُقَيَّد ويُفتح الباب وتُعاد  الطُّقوس عَيْنها بحذافيرها، تمسك الـمجنَّدة بسلسلة أصفاد اليدين وتسحبني معها، أسألها:

ماذا الآن؟

أجابت بكلمات مقتضبة:

للتَّفتيش وبعدها إلى "كيشون". أي معتقل الجلمة[4]

أدخلتني لغرفة بداخلها غرفة أخرى، الأُولى فيها طاولة وكرسيَّين أُعدِّت للقاء الـمتَّهمين مع المحامين، والثَّانية للتَّفتيش، أُدخِلْت إليها، طلبتْ مِنِّي الـمجنَّدة رفعَ يديَّ إلى الأعلى، مرَّرتْ جهاز الفحص على القسم السُّفلي لجسدي، ثُمَّ فكَّت الأَصفاد عن يديَّ ورجليَّ وطلبت مِنِّي خلْع كُلِّ ما ألبسه من إِكسسوارات، ووضْعها على الطَّاولة، كان من الصعب عليَّ أن أزيل خاتم جدَّتي الفضِّيِّ من إصبعي، من اليوم الَّذي أعطتني إيَّاه لم يفارقني ولو للحظة، في اللَّحظة الَّتي سحبته من إصبعي شعرت أنَّ روحي تسحب معه. خلعتُ كُلَّ شيء وأبقيتُ السَّاعة في معصمي من منطلق معرفتي ببعض حقوق السَّجين، ومن خلال متابعتي لقضايا الأَسرى في السُّجون، في البداية طلبت مِنِّي خلعها، قلت لها:

يحقُّ لي إبقاء السَّاعة معي.

حسنًا تستطيعين الاِحتفاظ بها.

لبستْ قفَّازات نايلون، أعادت تمرير آلة التَّفتيش الأَلكترونيَّة وَلٰكِنْ هٰذِهِ الـمَرَّة على كُلِّ أنحاء جسدي ولعدَّة مرَّات، ثُمَّ طلبت مِنِّي خلع حذائي ووضعه على الطاولة، أدخلت الآلة إليه أزالت عنه الخيوط وألقت بها في القمامة ثُمَّ أخذت تفتِّشه بيديها. اِنتهت من الحذاء وطلبت منِّي فتح يديَّ للجانبين وبدأت تمرِّر الجهاز فوق وأسفل أذرعي، طلبت أن أفتح ساقيَّ كزاوية منفرجة ومرَّرت الجهاز بينهما، مرَّرته أيضًا على رقبتي، على بطني وصدري، الفخذ الدَّاخليَّة والخارجيَّة، عصا التَّفتيش الألكترونيَّة تشعرني بالضِّيق لٰكِنَّني كنت قادرة على تحمُّله، لم تكتفِ بالعصا، أخذت تلامس جسدي بيديها، طلبت منِّي خلع الحجاب عن رأسي وأن أفكَّ جديلة شعري وأزيل الرَّبطة عنه وأبعثره، أن أفتح فمي وأخرج لساني، أن أحرِّكه لكلِّ الاتِّجاهات، الرَّأس أيضًا طلبت منِّي تحريكه، حين رفعتُ رأسي للأعلى دقَّقت النَّظر في أنفي، اقتربت منِّي أكثر لامست أذني بيدها وأدخلت إصبعها لجوفها، شعرتُ أنَّ جسدي تحوَّل بالنِّسبة لها لمتاهة، تبدأ معها من نقطة معيَّنة ولا تنحرف عن المسار أبدًا وأنَّ عليها المرور على كلِّ النِّقاط. إِنَّها لا ترى شيئًا هٰذِهِ اللَّحظة إلَّا جسدي. كي لا تنحني أمامي إلى الأسفل طلبت منِّي أن أقوم برفع كفَّتي رجليَّ نحوها فتفحَّصتها أيضًا. بدأت تقترب بيديها أكثر فأكثر منِّي وتضعهما على جسدي، شعرتُ بضيق شديد، لم أحتمل الـموقف، تراجعت للوراء قليلًا، حاولت قدر استطاعتي أن أسيطر على ردَّة فعل جسدي، وأن لا أقاومها أو أزيح يديها عن جسدي بقوَّة وعنف، كي لا أُتَّهم أيضًا بضربها أو تشويش عملها، عادت ذاكرتي غصبًا عَنِّي لذاك الـماضي الـمؤلم الَّذي عشتُه في طفولتي، خفت كثيراً حاولت الابتعاد عنها، تراجعت بضع خطوات للوراء، حَتَّى اصطدمتُ بجدار الغرفة؛ اَلقدر ذاته يتكرَّر معي وَلٰكِنْ تفاصيله مختلفة، أردت أن أقول لها حقيقة ما أشعر به مِمَّا تفعله، وَلٰكِنِّي لم أستطع الكلام، بعد ثوان طلبت مِنِّي خلع ملابسي، رفضتُ ذٰلِكَ وَلٰكِنَّها أصرَّت وقالت إِنَّها ملزمة على فعْل ذٰلِكَ، وبأنَّ هٰذِهِ هي القوانين ولا تستطيع مخالفتها، وعليَّ الانصياعَ لما تطلبه مني.

"إن لم تقومي بخلع ملابسك وبموافقتك سأقوم أنا بفعل ذٰلِكَ بالقوة وغصبًا عنك" نطقت بِهٰذِهِ العبارة واِنغمستْ روحي بكرامة منكسرة، تشنَّجتْ أفكاري، شعرتُ بعُقْم قدرتي على التَّفكير، دخلت هٰذا الكابوس القاتم أملاً في رؤية آخر النَّفق، ظللت رهينة مرتهنة في ربوع الأَلم وَالـمجهول.

لا أذكر كيف طاوعتها وأزلت ملابسي قطعة وراء قطعة حَتَّى العراء، وَلٰكِنْ ما أذكره أَنَّني دخلت في متاهة مليئة بالضَّياع والضَّجيج وفوضى عارمة في الـمشاعر. أدركتُ حينها أَنَّني موجودة  في أزمنة العنف وَالقوَّة وَانعدام الإِنسانيَّة، زمن خلقتُ فيه لمواجهة الحروب وَالغزوات فقط، زمن لا أحد يسمع فيه آهات أحد، ولا شخص يشعر بمأساة الآخر، هو عالم الأَنا وَالأنانيَّة فقط.

حَطَّم الأَلم كُلَّ شيء في داخلي، وَكُلَّ ما أبقاه مجرَّدصرخات صمت قاتلة وَابتسامة باشَرَتِ البحث عن وجود لها في واقع جديد، غَزَتْه الضِّباع وَالكلاب الـمسعورة للنَّيل من الانسان وكرامته، قرَّرتُ الاِستمرار والصُّمود على الرغم من كُلِّما مررتُ وأمرُّبه، عساي أَجِدُ في القريب العاجل خاتم سليمان أو مصباح علاء الدِّين وسَط كُلِّ هٰذِهِ الكوابيس الـمزعجة.

تُنْهي التَّفتيش وَالعبَثَ في مشاعري وجسدي، وتطلب مِنِّي ارتداء ملابسي وترتيب نفسي لتعيد الأَصفاد ليديَّ وقدميَّ، تفتح الباب، تطلب من أحدهم جَلْبَ مظروف لحفظ الأَمانات، فيدخل أحد الجنود ليشهد معها عمليَّة حفْظها، تقوم هي بتصوير الأَغراض بكاميرا هاتفها، وهو يسجِّل على الأَوراق ما كنت ألبسه من أغراض، خاتم ذهبيٍّ وآخر فضيٍّ، سلسلة ذهبيَّة معلَّق بها قلب ومفتاح، فيل وعصفور، فجأة تلعثم لسانه بِالكلام وبدت على وجهه ملامح الحيرة والتَّخبط، توقَّف عن الكتابة، لم يعرف ما يقوله وما يسجِّله على الـمظروف، حين جاء دور تسجيل سلسلة فضِّيَّة على شكل خارطة فلسطين وعليها العلم الفلسطيني. وسلسلة أخرى لحنظلة، ثُمَّ قال:

سلسلة فضِّيَّة بها خارطة لا أعرف ما هي، ملوَّنة بِالأحمر وَالأخضر وَالأسود وَالأبيض تشبه خارطة إسرائيل ورجل، حينها فقط ضحكت من كُلِّ قلبي، وكانت هٰذِهِ أَوَّل ضحكة أضحكها بعد الاِعتقال، وأشعر حقًّا بنشوة الفرحة الحقيقيَّة. أغلقا الـمظروف، وقَّعتُ عليه وخرجنا.

أمشي معها وأعبر ثلاث بوَّابات ألكترونيَّة حَتَّى أصل ساحةً فيها ثلاث مركبات بيضاء، كتب عليها بخطٍّ أزرق عريض،مصلحة السُّجون، هٰذِهِ الـمركبة الـمعدَّة لنقل السُّجناء من الـمحاكم إلى السُّجون ومن السُّجون إلى الـمحاكم، سيَّارة عرَّفها الأَسرى الفلسطينيُّون بِاسم «البوسطة».

مركبة حديثة الصُّنع من ماركة «مارسيدس»، جديدة، نظيفة، وجميلة، هٰكَذا بدت من الخارج، فُتح بابها الخلفي، صعد أحد جنود وحدة النَّحشون إليها تفحَّص الـمقعد، وطلب مِنِّي الصُّعود، بعد نزوله منها، وَالجلوس بصمت.

دخلتُ فطرق الباب ورائي بعنفٍ وأحكم إغلاقه بِالقُفْل. ظلام دامس، قفص حديديٌّ أسود فيه مقعد حديديٌّ، ومغطَّى بِالجلد القاسي جِدًّا، طوله بطول مقعد خلفيٍّ في مركبة عاديَّة، يتَّسع لجلوس ثلاثة أفراد، عرضه 90 سم كحدٍّ أقصى، أَمَّا الاِرتفاع فهو مثل ارتفاع سقف أَيّ مركبة عن الـمقعد. مع غياب إمكانيَّة النَّظر بدأتُ أكتشف فعاليَّة حاسَّة الشَّمِّ والسَّمع واللَّمس عندي في هٰذا الـمكان.

مركبة مقسَّمة لخمسة أقسام،ثلاث أقفاص ومقصورة لجلوس الجنود من الخلف ومقصورة القيادة مع الـمقعد الأَمامي، لو أَنَّني لم أرها من الخارج قبل الصُّعود ودخول هٰذا القفص لزاولني الشكُّ بأَنَّها مركبة أصلًاوَبأَنَّها معدَّة لنقل البشر!

بدأت الـمركبة بالتَّحرُّك وأنا في هٰذا القفص، قفص كأحد الأَقفاص الَّتي يتمُّ تجميع الحيوانات فيها، أو إنْ صحَّ القول هو قبر متحرِّك في أعلاه نافذة سوداء حديديَّة مشبَّكة، لا يمكن فتحها وبها ثقوب صغيرة جِدًّا، برد شديد ينبعث من فتحةالـمكيِّف فيها غير القابلة للإغلاق أو تغيير مسار الهواء الـمنبعث منها، كيفما تتحرَّك الـمركبة أتحرَّك معها، لا مجال لتثبيت جلستي، فيداي ورجلاي مقيدة وَالأصعب حين يستعمل السَّائق الفرامل، فيرتطم جسدي  بأحد جوانب هٰذا القفص أَمَّا مع الاِنعطافات الحادَّة فأميل مع جهة الاِنعطاف أو أسقط على الأَرض، ومع كُلِّ مطبٍّ يقفز جسدي، فأشعر بعظامي تتفكَّك عن بعضهاالبعض.

أتألَّم كثيرًا، أحاول أن أخفِّف بعضًا من هٰذِهِ الـمعاناة، أطرق بِالأَصفاد على الباب وأطلب إِطفاء الـمكيِّف على الأَقل، وَلٰكِنَّ التَّجاهل هو الرَّد الوحيد من الجنود، جُلّ ما كنت أفعله في هٰذا القبر هو المحاولة قدر الـمستطاع أن أتشبّثَ بِهٰذا الكرسي، أو أن أنتظر ضوءًا ينبعث من مصابيح الشَّارع ويدخل إليَّ عبر ثقوب النَّافذة لأحاول معرفة الوقت فقط.

رحلة الوصول إلى معتقل الجلمة استغرقت تقريبًا خمس ساعات متواصلة، على الرغم من أَنَّ الوصول إلى معتقل الجلمة من مبنى الـمحكمة في النَّاصرة لايستغرق عادة أكثر من نصف ساعة إلى أربعين دقيقة فقط.

توقَّفت الـمركبة خلال هٰذِهِ الرِّحلة الشّاقَّة في عدد من مراكز التَّوقيف والسُّجون لإنزال السُّجناء فيها، وفي كُلِّ محطَّة كان جنود وحدة النَّحشون يأخذون قسطًا من الرَّاحة، وبين كُلِّ استراحة وأخرى ينبعث صراخ السُّجناء وَالـموقوفين في الـمركبة من القفص الثَّاني الـمقابل لقفصي، ويطلبون النُّزول لقضاء حاجتهم تارة، وتارة أخرى يطرقون الأَقفاص بأصفادهم ويهزُّون الـمركبة بقوَّة، لدرجة أَنَّني تخيَّلتها ستنقلب إلى إحدى الجهات، لٰكِنْ لا حياة لمن تنادي، فَالجنود يأكلون ويحتسون القهوة، يقهقهون ويضحكون، ويقضون حاجتهم ويدخِّنون السَّجائر على مهل، والرَّدُّ الوحيد الَّذي يأتي منهم على كُلِّ هٰذِهِ النِّداءات، هو الـمحافظة على الهدوء وعدم الصُّراخ فقط، نحن في هٰذِهِ الـمركبة بنظرهم وبحساباتهم لسنا بشراً، ولا يحقُّ لنا أَيُّ شيء سوى انتظارهم وبصمت.