![]() | ![]() |
لم تكن هٰذِهِ الصَّدمات الـموجعة هي الأَولى وقطعًا لن تكون الأَخيرة، نبضات القلب تخترق مسامعي أنيناً وحزناً على ظلم الإِنسان لأخيه الإِنسان، ولا زالت الأَيَّام القادمة تخبِّئُ لي الكثير من الـمجهول في سجلَّاتها؛ اَلسَّاعة الواحدة بعد منتصف اللَّيل والـمركبة تسير بسرعة وفجأة تخفِّف سرعتها، تصعد على عدد من الـمطبَّات وتتوقَّف مَرَّة أخرى، ينزل الجنود بعد طرْقِهم الأَبواب بقوَّة، أتنفَّس الصُّعداء حين أسمع اسم معتقل الجلمة على لسانهم، ويا له من تناقض أعيشه، أفرح لوصولي هٰذا السِّجن، فقط لإنهاء معاناة البوسطة!
يُفتح لي باب القفص أخيراً، أملأ رئتيَّ بِالهواء وأرفع رأسي أسأل السَّماء الـمزدانة بالنُّجوم، أبتسم وأظل أرقب معها نسمات أمل، على الرَّغم من قسوة الحياة.
أمشي بخطوات شديدة البطء من شدَّةِ التَّعب، تتراكم الأَحداث في مخيِّلتي كذرَّات الغبار، مُوجعة كانت ولا زالت إِلى حدٍّ لا يطاق، وبرغم كُلِّ هٰذا الوجع، بقي في داخلي شعور واثِقٌ مُطمئنٌّ إلى أَنَّ الحياة ستمنح انكساري هٰذا نورًا يضيء لي الأَمل ولا يشبه أَيّ نور رأيته من قبلُ. بدون وجود أَيِّ سبب يدعوني للاِبتسام أبتسم، أتعجَّب من نفسي وأسأل، كيف لا زلت قادرة على رسم هٰذِهِ الاِبتسامة وَبِهٰذِهِ البساطة مع كُلِّ هٰذِهِ الظُّروف القاسية؟
أدخل من بوَّابة حديديَّة ضخمة، مع أربعة جنود بينهم جُنديَّة تولَّت مَهَمَّةَ إِمساكي وسحبي إِلى مبنى الـمعتقل، نقف في قفص حديديٍّ كبير وننتظرحضور الضَّابط الـمناوب لِتَسلُّمِ النُّزلاء الجدد أمثالي، بعد دقائق وصل أحدهم. تَسَلَّمَ أوراقي، وطلب مِنِّي مرافقته إلى غرفة جانبيَّة لتصويرالوجه وتسجيلي في ملفِّ السُّجناء.
كان الـمكان عبارة عن غرفة استقبال للمعتقلين وَالـموقوفين وَلٰكِنَّها مقسَّمة إلى أقفاص؛ اَلقفص الكبير يوضع فيه الـموقوفون حَتَّى الاِنتهاء من تسجيل بياناتهم؛ اَلقفص الثَّاني كان معدًّا لانتظار قوَّات وحدة النَّحشون، وغرفة تسجيل وتصوير صغيرة جِدًّا للموقوفين أيضًا، وبوَّابة كبيرة أخرى بينهما للتَّقدُّم إلى مرحلة ما بعد التَّسجيل والتَّصوير. طلبوا منِّي الوقوف عند مدخل غرفة التَّصوير والنَّظر باتِّجاه كاميرا حاسوب صغيرة، عاديَّة وقديمة. اِلتقطوا صورة لوجهي، وأدخلوا بياناتي، ومن هٰذِهِ اللَّحظة أصبح لديَّ رقم أسيرة، هٰكَذا تحوَّلت لأسيرة تحمل الرقم 9022438.
طُبعت الأَوراق والصُّور، ومشيت برفقة الـمجنَّدة نفسِها إلى داخل أروقة السِّجن، ثُمَّ دخلنا إلى غرفة الطَّبيب، أجرى لي فحصًا سريعًا وسجَّل بعض البيانات في ملفِّي الجديد كَالوزن والطُّول، ثُمَّ دخلتُ إلى القسم رقم ثمانية الـمخصَّص للنِّساء. تسلَّمتِ السَّجَّانة أوراقي وتأكَّدت من هُويَّتي، وفي زاوية صغيرة جِدًّا بين زنزانتين، فكَّت القيود عَنِّي وأغلقت الباب، وقالت لي إِنَّها ستقوم بتفتيشي تفتيشًا عاريًا، شرحتُ لها أَنَّ زميلتها السَّابقة قامت بتفتيشي قبل قليل، إِلَّا أَنَّ هٰذا لم يسعفني. مَرَّة أخرى يتفنَّنون بإذلال الإِنسان.
أنهت تفتيشها بالطَّريقة والتَّفاصيل نفسها، وعشت مَرَّة أخرى مع ذات الـمشاعر القاسية، فتحت الباب الحديديَّ الأَزرق العملاق، دخلتُ الزِّنزانة وبدأت أشتمُّ رائحة كريهة تنبعث من تلك الجدران، وعيناي تسيران في رحلةٍ تفقُّديَّة لِهٰذا الـمكان الجديد.
زنزانة مربَّعة الشَّكل، صغيرة وضيِّـقة بـها ستَّةُ أسرَّة من الحديد الـمدهون بلونٍ بنِّيٍّ فاتح «بيج»، كُلّ اثنين فوق بعضهما البعض، وعلى كُلِّ واحد فرشة بنِّيَّة داكنة اللَّون معظمها ممزَّق وبالٍ، ظهر منها إسفنج بلونٍ أخضر فاتح وعليها أغطية رماديَّة، ملمسها خشن جِدًّا، شعرت بوخزها عندما جلست على أحد الأَسرَّة من شدَّة التَّعب، نظرت للأعلى فرأيت عدَّة كاميرات مراقبة معلَّقة في كُلِّ الزَّوايا.
روائح كريهة تكاد تخنقني خلَّفها الدُّخان، ورائحة عفن شديد تنبعث من الـمرحاض وَالحمَّام اللَّذَيْنِ لا يفصلهما عن الزنزانة إِلَّا باب نصفيٌّ من الأَلمنيوم، فَالحمَّام مكشوف بها، والنَّظافة معدومة، ولا توجد أيَّة نافذة أو كوَّة صغيرة لتجديد الهواء فيها وتنقيته.
اَلوقت متأخِّر جِدًّا ولم أستطع الـمكوث بِهٰذا الـمكان وهو على هٰذه الحال، ناديت السَّجَّانة، وشرحت لها الـموقف، في البداية رفضت سماع شكواي حول الـموضوع، وَلٰكِنَّني راهنت مجدَّدًا على إصراري، وبعد حديث استمرَّ لدقائق، قالت إنّ كُلَّ ما تستطيع فعله، أن تعطيني أدوات وموادَّ تنظيف فقط، وأن أقوم بتنظيف الزنزانة بنفسي. على الرغم من أَنَّ جسدي منهك من شدَّة التّعب وَالإِرهاق لم أرفض أبدًا الفكرة ورحَّبت بها، كوني من سينام في هٰذِهِ الزنزانة، فيمكنني التَّأقلم مع كُلِّ الظُّروف إِلَّا الأَوساخ والرَّوائح الكريهة، لذا رأيت أَنَّ هٰذا الحلَّ هو أفضل الحلول لأستطيع الاِستمرار في الرِّحلة القادمة وَالأَصعب.
أدخلت السَّجانة كُلَّ ما أحتاجه من أدوات تنظيف، نظَّفتُ الزنزانة تنظيفًا كاملًا، لدرجة أَنَّني تركتها منقوعة بِالـماء والصَّابون لأكثر من نصف ساعة، في محاولة مِنِّي لتغيير رائحتها، ولحسن حظِّي كانت فكرة ناجعة ونجحت في ذٰلِكَ، أنهيت التَّنظيف، جاءت السَّجَّانة وأخذت الأَدوات مِنِّي وناولتني منشفةً وأكياسَ شامبو صغيرة، ومعجونَ وفرشاةَ أسنان مكسورة اليد، بِالكاد يصل طولها طول الإِصبع. منظرها وشكلها جعلاني أضحك من كُلِّ قلبي مَرَّة أخرى.
بعد هٰذِهِ الأَعمال الشّاقة أصبح بإِمكاني على الأَقل قضاء حاجتي بشعور أكثر أمانًا، أحسست ببعض الرَّاحة خصوصًا بعد الاِغتسال والصَّلاة. كنت بحاجة ماسَّة للصَّلاة، شعرت بِهٰذا اليوم الَّذي انقطعت فيه عن الصَّلاة، بأنِّي لم أصلِّ منذ فترة طويلة، لطالما كانت الصَّلاة بالنِّسبة لي ملاذًا للرَّاحة والهدوء، لحظاتي مع الصَّلاة هي لحظات مميَّزة أعيشها في خلوة مع نفسي ومع ربِّي، وأمارس إيماني بالله وبالطَّريقة الَّتي أحبُّها، كان عليَّ تعويض الخمس صلوات الَّتي ضيَّعتها في هٰذا اليوم الشَّاقِّ، بحثت عن أيِّ شيء نظيف أضعه على الأرض لأصلِّي عليه، ينوب عن سجَّادة الصَّلاة، إِلَّا أَنَّني لم أجد شيئًا مناسبًا، فكلُّ شيء هنا متَّسخ ومليء بالقذارة. قرَّرت الصَّلاة على الأرضيَّة الَّتي نظَّفتها للتَّو بنفسي. هٰذِهِ هي المرَّة الأولى في حياتي الَّتي أصلِّي فيها على الأرضيَّة مباشرة دون وجود سجَّادة صلاة. حاولت معرفة اتِّجاه القبلة إِلَّا أَنَّ ذٰلِكَ كان مستحيلًا، فالزَّنزانة مظلمة ولا مجال لمعرفة الاتِّجاهات هنا. اتَّبعت حدس قلبي وصلَّيت طالبة من الله قبول صلاتي بظروفي هٰذِهِ.
في البداية ومع انعدام أدنى مقوِّمات النَّوم الطَّبيعي، كالفراش النَّظيف وَالوسادة وَالغطاء، لم أستطع النَّوم، وَلٰكِنِّي قرَّرت الـمحاولة فَاخترت أفضل وأنظف فرشة موجودة، أبعدت الأَغطية الرَّمادية عَنِّي، فقد كانت مقزِّزة، طويت الـمنشفة عدَّة طيَّات وصنعت منها وسادة وضعتها تحت رأسي، وبدأت أستعيد بذاكرتي كلَّ ما حصل!
في أواخر عام 2014 بدأتُ الكتابة عن معاناة طفولتي، وَاستطعت من خلالها كسر حاجز صمت كبير، لازمني طوال هٰذِهِ الفترة عن طريق الشِّعر، وَلٰكِنَّ ذٰلِكَ لم يشبع رغبتي وحاجتي بِالإِفصاح عن هٰذا الوجع، فكتبت قصَّة قصيرة تحكي عن أَوَّل مَرَّة تعرَّضتْ فيها طفولتي لمشهد عنف وتحرُّش وَاعتداء جنسيٍّ وجسديٍّ، ونشرته بكلِّ وسائل الإِعلام وَالاِتِّصال الـمكتوبة وَالـمقروءة، فلاقت الكثير من الاِهتمام وبدأ الكثيرون يتداولونها عبر صفحاتهم ويتناقلونها فيما بينهم، إلى أن وصلت إلى عينيّ الـمجرم «ابن عمِّي»، فبدأ يحاربني بِكُلّ الطُّرق الـمتاحة له، حَتَّى أَنَّهُ استطاع تحريض إخوتي وأهلي عليَّ، فتعرَّضت لضرب مبرِّح من أحد إخوتي الَّذي حاول بدوره الضَّغط عليَّ أيضًا لإزالة ما كتبته وحذفه من صفحتي، ومع كُلِّ هٰذِهِ الضُّغوطات وَالـمعاناة الإِضافيَّة تحدَّيت الجميع وأبقيت القصَّة منشورة ولم أتراجع عَمَّا كتبته، بل بِالعكس، كنت أعيد نشرها بين الفينة وَالأخرى، بل نشرتُ إضافة إليها، أشعاراً كثيرة أخرى تحاكي هٰذاالواقع.
في ليلة اعتقالي بالتَّحديد، سمعت هٰذا الشَّخص يصرخ قبالة نافذتي، ويوجِّه إليَّ الشَّتائم والسِّباب والتَّهديد ويتوعَّدني بِالاِنتقام، وَبأَنَّني سأندم على اليوم الَّذي كتبت فيه هٰذِهِ القصَّة وهٰذِهِ القصائد، صحيح أَنَّني في تلك اللّيلة أحكمت إغلاق نافذة غرفتي، ولم أعرْ أَيَّ اهتمام لصراخه هٰذا، وَلٰكِنَّني الآن موجودة في السِّجن، فهل تراه نفَّذ تهديده لي! وكما يبدو لي أَنَّهُ فعلًا فعل ذٰلِكَ، وَأَنَّهُ هو مَن وشى للشُّرطة بِاسمي ليتخلَّص من كتاباتي الَّتي تهدِّد سمعته ومكانته!
مع هٰذِهِ الذِّكريات الـمريرة استطعت ربط الأَحداث ببعضها وفهم أَنَّ ما يحصل ليس مجرَّد تجمُّع صدفٍ مع بعضها البعض، وكدت أجزم أَنَّ ابن عمِّي لعب ولا زال يلعب دورًا مهمًّا في اعتقالي الآن!
من شدَّة التَّعب الَّذي أنهك جسدي وحواسِّي ومشاعري،لا أذكركيف استطعت وضع حدٍّ لِهٰذِهِ الأَفكار وإيقاف تسلُّلها إلى رأسي! وكيف نمت في هٰذِهِ الزنزانة الغريبة وفي هٰذا الـمعتقل الظَّالم!
تُضاء الزنزانة فجأة، وأستيقظ على صوت فتح قُفل الباب وصوت السَّجَّانة وهي تقول لي:
إحصاء العدد، اِستيقظي، عدد الصَّباح.
فتحت عينيّ ونظرت في ساعتي، كانت قد قاربت الخامسة فجراً، جلست على السَّرير أنتظرهم لأعرف ما هو الـمقصود بِهٰذا الإِحصاء.
فُتح الباب ودخل أربعة من ضبَّاط السِّجن والسجانة، نظروا في كلِّ أنحاء الزنزانة، قال أحدهم:
لِمَ أنت جالسة؟ قفي للإحصاء.
ضحكت وأجبته ببساطة وَاستغراب:
من أين لي العلم أَنَّ عليَّ الوقوف؟ أنا جديدة هنا ولا أعرف هٰذِهِ القوانين، وَهٰذِهِ هي الـمَرَّة الأَولى في حياتي الَّتي أدخل فيها سجنًا!
شرح لي حينها أَنَّ عليَّ النُّهوض وَالوقوف من السَّرير، وبعد قراءتهم اسمي أجيب بنعم موجودة، ولا شيء غير ذٰلِكَ، وَأَنَّ عليَّ الاِنتظار حَتَّى الاِنتهاء من طابور الإحصاء وبعدها أستطيع الجلوس، وعدم وقوفي عند الإحصاء يمكن أن يسبِّب لي العقاب.
بدا الأَمر بِالنِّسْبَة لي مضحكًا جِدًّا، خصوصًا وقت تنفيذ هذا الإحصاء وَالوقوف عليه، فهي كلُّها مظاهر مستمرَّة لإذلال الإِنسان ليس إِلَّا، وقفت ونفَّذتُ هٰذِهِ الأَوامر وَالقوانين مُرغَمة عليها ولست راضية عنها.
يتحدَّثون كثيرًا عن القوانين، وَالحقوق في السُّجون، لٰكِنَّها مكتوبة على الورق فقط، فالسِّجن عالم مليء بِالقوانين، وَلٰكِنَّهُ فاقد للعدالة وَالإِنسانيَّة.
اِنتهزت فرصة إيقاظهم لي بِهٰذِهِ السَّاعة وصلَّيت الفجر، لا زال التَّعب ينهش جسدي، حاولت أن أغفو مَرَّة أخرى، إِلَّا أَنَّ الضَّجيج حولي ومن كُلِّ مكان حالَ دون ذٰلِكَ، صراخ نساء في الزنزانة الـمجاورة، لأجل الحصول على السَّجائر فقط، نداء على السَّجانة من قِبَلِ السُّجناء، طَرْق الأَبواب وأصوات سلاسل ونباح كلاب من كُلّ ِالجهات...وضعت وجهي بين كفَّيَّ وأطرقت أفكِّر في هٰذا الـمصير، استغرقت النَّظر مليًّا في كُلِّ شيء، أسئلة شتَّى تراودني ولا أجوبة لها.
اَلدَّقائق تجرُّ الدَّقائق وَالوقت يجري، السَّاعة السَّابعة صباحًا، السَّجَّانة تنادي بِاسمي وتطلب مِنِّي تسلُّم وجبة الإِفطار، مِن صوتها عرفت أَنَّها ليست ذات السَّجَّانة الَّتي بدأتُ ليلتي الأَولى معها هنا في السِّجن، فقد تَمَّ تغيير الورديَّة.
قطعتان من الخبز الـمقطَّع، علبة لبن ومربَّى خوخ صغيرتان ونصف حبَّة خيارفي صحن أبيض بلاستيكيٍّ، سألتني إن كنت أريد كأس شاي، رفضت وشكرتها، وبكلِّ لباقة وأدب طلبت منها بدل الشَّاي زجاجة ماء باردة للشُّرب.
مرَّت دقائق قليلة وأحضرت لي السَّجَّانة الـماء، لم أتردَّد في شكرها مَرَّة أخرى، فهي إنسانة مثلي وتستحقُّ الاِحترام، وإن كان عملها كسجَّانة لا يروق لأفكاري، ولا يتَّفق مع مبادئي، كيف لا أحترمها وأنا مَن كتبتُ يومًا في أحد مقالاتي: شخصيَّتك هي مَن يَفرض على الآخر احترامك حَتَّى لو كان عدوَّك.
أجلس على السَّرير أتناول إفطاري بهدوء حذِر مليء بالتَّفكير. وحدي في هٰذِهِ الزنزانة، ولا أستطيع فعل شيء إِلَّا التَّدقيق بِكُلِّ ما فيها، عليَّ مغادرة هٰذِهِ البقعة الضَّيقة خلسة مع خيالي. أسترق النَّظر إلى نفسي ولا أغدو أكثر من طيف لصورة سقطت من برواز سهواً، لوحة سرياليَّة لوَّنها رسَّام وأتقن نحت الخيبة في معانيها.
أشياء كثيرة كتبت على الجدار أثارت اهتمامي فبدأتُ بمعاينتها وقراءتها، عبارات شَتَّى بِالعربيَّة وَالعبريَّة وَالإنجليزيَّة، أسماء لأشخاص مرُّوا من هنا، رسم قلب، سهم حبٍّ وحروف لأسماء، أدعية وشتائم، كنت أقرأ فأضحك تارة وأحزن تارة أخرى، أشعر بإحساس مَن كَتَبَ العبارة، تمنَّيت لو أَنَّ كاميراتي معي لأستطيع تصوير هٰذِهِ اللَّوحة الفنية النَّادرة، وشعرت بحاجة أكبر إلى القلم وَالكتابة.
طلبت قلمًا وورقة فرفضت السَّجَّانة إعطائي شيئًا، حاولت فهم السَّبب فتذرّعت بأَنَّ القانون هنا يمنع ذٰلِكَ. سألتها فورًا عن هٰذِهِ الكتابات على الجدار ومصدرها، تفاجأت من ردِّي وبدت على وجهها ملامح الصَّدمة من سؤالي، صمتت قليلًا وقالت مَرَّة أخرى، هي القوانين هنا، ممنوع إعطاء الأَقلام للسُّجناء وبالذات لكِ. اِنسحبتْ من النِّقاش وذهبتْ دون أن تجيبني على سؤالي. عدت للسَّرير وبي بركان غضب من هٰذا الرَّدِّ التَّافه عليَّ والتَّذرُّع بِالقوانين، لٰكِنْ بذات الوقت كظمت غضبي، وأدركت حقيقة جديدة أشعرتني بنشوة فرح جعلتني أبتسم، فالتَّغلُّب على الغضب هو انتصار في هٰذِهِ الـمرحلة وَانسحاب السَّجَّانة من النِّقاش معي هو انتصار من نوع آخر أيضًا على هٰذِهِ الـمنظومة الَّتي أواجهها في هٰذا السِّجن.
تكرَّرت طقوس طابور الإحصاء خلال اليوم ثلاث مرَّات، ليصبح عددها الكلِّيُّ مع الفجر أربع مرَّات، تعرَّفت أيضًا خلال هٰذا اليوم على آليَّة تفتيش الزنزانة الَّتي تنتهجها مصلحة السُّجون، وَالَّتي تتكرَّر ثلاث مرَّات في اليوم، حيث يدخل الزنزانة ثلاثة ضبَّاط أوأربعة، كُلُّ واحد منهم يحمل حقيبة على الظَّهر والصَّدر، وأحدهم يحمل مطرقة خشبيَّة يطرق بها على الأَسرَّة ونافذة الحَمَّام الـمغلقة أصلًا، وعدَّة جوانب من جدران الزنزانة وأنحاء متفرِّقة من أرضيَّتها الـمُبلَّطة.
أَمَّا وجبة الغداء فكانت حبَّة مندلينا وصحنًا من الـمعكرونة الـملولبة المحروقة وَالقليل من الأَرزِّ الَّذي لا يشبه الأَرز الـمتعارف عليه أبدًا، وقطعة صغيرة من الفلفل الحلو وقطعتين من الخبز الـمقطَّع، أُجبرت على التَّذوق وَلٰكِنَّني لم أستطع الأَكل فمذاق هٰذا الطَّعام كان سيِّئًا جِدًّا وجافًّا لا يمكن بلعه، لأكتفي بأكل الـمندلينا وَالفلفل.
مرَّت ساعات النَّهار وَكُلُّ ما استطعت فعله هو التَّفكير وقراءة الكتابات على الجدران والصَّلاة وسماع نداءات الموقوفات للسَّجَّانة، الـمنبعثة من الزنازين الأُخرى.
حلَّ الـمساء، ضجيج عارم في القسم، أنصتُّ لكلام سجَّانتين مع بعضهمـا البعض وفهمت من حديثهمـا أَنَّ هناك معتقلين كثرًا، خصوصًا من النِّساء وَالقاصرين، وَأَنَّ عددهم وصل حَتَّى اللَّحظة إلى ثلاثين معتقلًا.
مرَّت بضع دقائق وفجأة فُتح باب الزنزانة عليَّ وتمَّ إدخال خمس نساء، يهوديَّتين وثلاث عربيَّات.
اَليهوديَّتان في الأَربعينات تقريبًا، بعد دخولهما إلى الغرفة، وبعد ربع ساعة تقريبًا، قالت إحداهنَّ موجِّهة الكلام إليَّ مباشرة:
سمعتهم يقولون إِنَّك تريدين قتل اليهود، هل هٰذا صحيح؟
شعرت أَنَّ كلماتها تمزِّقني من الدَّاخل، وَلٰكِنْ كظمت غضبي ووجعي وبهدوء أجبتها:
لو كنت كَذٰلِكَ، لِمَ أدخلوكنَّ إلى هٰذِهِ الزنزانة، لتلازماني الزنزانة ذاتها وتنامان برفقتي، أليس كذلك؟
تعجَّبتْ من ردَّي، كما تعجَّبتُ من كلماتها كوني لم أتوقَّع أَنَّ قضيَّتي باتت محور حديث السَّجَّانات مع السَّجينات أيضًا، وطريقة لترهيبهنَّ مِنِّي بذات الوقت! لم تجبني بشيء وأنا آثرت الصَّمت أيضًا. وَكُلُّ واحدة أخذت لها سريرًا.
اَلفتيات العربيَّات الثَّلاث تتراوح أعمارهنَّ بين التَّاسعة عشرة والعشرين سنة، بدا عليهنَّ القلق الشَّديد، عيونهنَّ حمراء منتفخة من شدَّة البكاء، شعرت فور رؤيتهنَّ على هٰذِهِ الحالة بمسؤوليَّة تجاههنَّ، مع الإِبقاء على بعض الحذر منهنَّ أيضًا.
فتحت نقاشًا معهنَّ وعرفت أَنَّ سبب اعتقالهنَّ كان تواجدهنَّ في منطقة الـمظاهرة الَّتي أقيمت في مدينة النَّاصرة، والتُّهم الموَجَّهة إليهنّ إلقاء الحجارة على الشُّرطة، أو ما يسمَّى الإِخلال بالنِّظام العام وَالاِعتداء على أفراد الشُّرطة.
كانت الأَجواء في هٰذِهِ الفترة متوتِّرة بعض الشَّيء، مظاهرات كثيرة في عدد من البلدات العربية بسبب قتل الفلسطينيِّين بشكل متعمَّد من قِبَلِ الجنود ورجال الشُّرطة من جهة، ومن جهة أخرى بسبب إغلاق الـمسجد الأَقصى ومنْع الـمصلِّين من الوصول إليه لأداء الصَّلاة فيه، وبالتَّالي الـمطالبة بحقِّ العبادة والصَّلاة للمسلمين فيه بحرِّيَّة.
إحدى الفتيات كانت تلبس ملابس رسميَّة، وحذاء رسميًّا بكعب عالٍ، وعلى وجهها تضع كُلَّ أنواع مستحضرات التَّجميل، واضح من مظهرها أن لا علاقة لها بِالـمظاهرات أو السِّياسة بأيِّ شكل من الأَشكال، وهو ما اتَّضح لي أيضًا خلال تبادل الحديث معها.
كانت ببساطة على موعد غرامي مع خطيبها، في مطعم قريب جِدًّا من تجمُّع الـمظاهرة، وحين بدأت الشرطة بإطلاق قنابل الصَّوت تجاه الـمتظاهرين، خافت وركضت هاربة وَاعتقلوها.
أَمَّا الفتاتان الأَخريان فهما صديقتان حميمتان، واحدة منهما كانت في زيارة للثَّانية، وبيتها محاذٍ للشَّارع الَّذي تجمَّع فيه الـمتظاهرون، حبُّ الاِستطلاع لديهما وَالـمتابعة لما يجري، جعلهما تتركان الـمنزل وتنزلان لتقفا عند الرَّصيف أمام البيت، وعندما بدأ إطلاق قنابل الصَّوت همَّتا بالرَّكض وَالعودة بسرعةإلى البيت، إِلَّا أَنَّ رجال الشُّرطة باغتوهما وَاعتقلوهما.
يعتقل رجال الشُّرطة أَيَّ شخص تواجد في منطقة الـمظاهرة، سواء شارك بها أو لم يشارك، فالصُّدف في هٰذِهِ الحالات غير معترف بها، ومجرَّد التّواجد في الـمكان صدفة هو ذريعة مقنعة لهم للاِعتقال، كانت الاِعتقالات تعسُّفيَّة عشوائيَّة بِكُلِّ ما في الكلمة من معنى، هٰذا ما اتَّضح لي من قَصص هٰؤُلاءِ الفتيات. وهكذا فهمت سبب وجود هٰذا الكمّ ِالهائل في هٰذا الـمعتقل هذه الليلة.
لم أستطِعْ رؤيتهنَّ بِهٰذا الـمظهر وأبقى صامتة أو حياديَّة؛ اِزداد شعوري بتحمُّل الـمسؤوليَّة تجاههنَّ. هي فرصة لأن أحوِّل وجودي هنا من اللَّافائدة وقلَّة الحيلة إلى خدمة الأخريات ولو لفترة وجيزة.
مع أَنَّ وضعي القانوني بدا أسوأ بكثير من وضعهنَّ، إِلَّا أَنَّني استطعت أن أخفِّف القليل من قلقهنَّ، وأن أشرح لهنَّ بعض الجوانب القانونيَّة الَّتي أعرفها، وأقنعهنَّ بأنَّ وجودهنَّ هنا لن يطول أكثر من يومين أو ثلاثة على الأَكثر، وبين الحين وَالحين استطعت أيضًا أن أغيِّر شيئًا من هٰذِهِ الأَجواء الحزينة في الزنزانة إلى ضحكات متفرِّقة.
أحكي نكتة فيضحكن، أحضنهنَّ كُلَّ بضع دقائق أو أربِّت على شعورهنَّ لتشعرن ببعض الأَمان في هٰذا الـمكان الـموحش، عساني أجنِّبهنَّ الدُّخول في حالات اليأس.
اِكتشفت معهنَّ مشاعر التَّضحية الحقيقيَّة. بِالنِّسْبَة لي راحتهنَّ كانت هدفًا أردت الوصول إليه، كونه مكسبًا واضحًا يساعدني على احترام ذاتي قبل كُلِّ شيء آخر.
تأتي وجبة العشاء، شبيهة بوجبة الإفطار، لبن وخبز، يقدَّم اللَّبن في السِّجن بكثرة كونه يساعد على النَّوم، أَمَّا تشابه الوجبات كُلَّ يوم فهي سياسة متَّبعة لإضعاف قدرة الجسد على الاِحتمال، وَكَأَنَّهُ جزء من العقاب.
لم يضايقني صراخ الـمرأتين اليهوديَّتين الـمتواصل في الزنزانة، ولا نداؤهما السَّجَّانة للحصول على السَّجائر، حَتَّى في وقت متأخِّر من اللَّيل بقدر ما ضايقني تدخينهما في الزنزانة، التي تفتقد أَيِّ منفس لتنقية الهواء الوسخ فيها، ونحن غير مدخِّنات.
كانت تصيبني نوبات سعال شديدة بسبب رائحة الدُّخَّان الَّذي أستنشقه، حاولت الاِعتراض على التَّدخين في الزنزانة وتقديم شكوى للسَّجَّانة ومنها للضَّابط وقت تفتيش الزنازين، والشَّرح لهم عن ضيق التَّنفس الَّذي يصيبني بسبب الرَّائحة، إِلَّا أَنَّ الأَمر لم يأت بنتيجة وكان ردُّهم أن لا حلول لِهٰذِهِ الـمشكلة في الوقت الرَّاهن وعليَّ التَّحمُّل، اِقترحت الفصل بين الفئتين بتجميع الـمدخِّنات مع بعضهنَّ في زنزانة وغير الـمدخِّنات في زنزانة أخرى، إِلَّا أَنَّ هٰذا الحلَّ أيضًا قوبل بالرَّفض التَّامِّ من الإِدارة، بذريعة أَنَّهُ لا يحقُّ لي الحديث عن هٰذِهِ الـمواضيع كوني مجرَّد معتقلة سجينة، فلا قيمة لصحَّة الإِنسان في هٰذا السِّجن.
كانتا تناديان السَّجَّانة طوال الوقت بصراخ مستفزٍّ من أجل الحصول على السَّجائر ولا تعيـرا أَيَّ اهتمامٍ لكونِ هٰذا الصُّراخ أيضًا يزعجنا، أردت الحديث معهما عن كُلِّ هٰذِهِ الأُمور إِلَّا أَنَّني بعد تفكير طويل، قرَّرت أن أقتنص فرصة مناسبة، لأوصل لهما الفكرة بطريقة غير مباشرة قد تكون أكثر إقناعاً لهما أيضاً. لم أفتح النِّقاش مع هاتين الـمرأتين بِهٰذِهِ الـمواضيع خشية أن يفهم قصدي خطأً وسط كُلِّ الأَجواء الَّتي يشهدها الـمعتقل، وفي ظلِّ الفكرة الـمسبقة لديهما مِمَّا سمعتاه عَنِّي مِنَ السَّجَّانات، كنت شديدة الحرص على فَرْصِ الاِحترام الـمتبادل بيننا كعنصر أساسيٍّ وجزء لا يتجزَّأ من وجودنا مع بعض في زنزانة واحدة، مع اقتناعٍ كاملٍ بأَنَّ لهما أيضًا كامل الحقِّ بالتَّدخين، ولا ذنب لهما بقرارات إدارة هٰذا الـمعتقل التي تسمح بالتَّدخين في زنازين بلا نوافذ.
كانتا تتحدَّثان مع بعضهما باللُّغة العبريَّة الَّتي أجيدها وأفهمها جيِّدًا وأحيانًا قليلة أخرى تتبادلان عبارات باللُّغة الرُّوسيَّة الَّتي لا أفهمها بتاتًا، ومن خلال حديثهما بِالعبريَّة عرفت أَنَّ تهمة الأَولى التِّجارة بِالـمخدِّرات والثَّانية السَّرقة، هما من عالم مختلف عن عالمي ومبادئي، وَلٰكِنْ قدَري أراد لي أن أصحو وأنام، وآكل وأشرب مع هٰذِهِ الفئة التي أفرزها وَضْعٌ بشري مؤسف، وَأَنَّ كُلَّ ما عليَّ فعله فقط، هو التَّأقلم مع فكرة العيش ضمن هٰذِهِ الظُّروف.
لم أرد أن أكون تلك الـمتلصِّصة على حديث الآخرين يومًا، إِلَّا أَنَّ ضيق الزنزانة وصغرها وَاقتراب الأَسرَّة من بعضها البعض أجبرني على تقبُّل هٰذا الأَمر، فَالاِستماع لوشوشات الأُخريات هنا بات تحصيلَ حاصل.
في قاموس السُّجون لا وجود لشيء يسمَّى الخصوصيَّة الشَّخصيَّة، حَتَّى في أبسط تفاصيل الحياة اليومية، كَاستعمال الـمرحاض مثلًا فوجود نصف باب فقط للمرحاض يحول دون ذٰلِكَ.
وبما أنّ للخصوصيَّة حيِّزاً كبيراً في نمط حياتي، فقد بدأت البحث عن أساليب تعيد لي وللأُخريات معي في هٰذِهِ الزنزانة، ولو تفاصيلَ بسيطة من هٰذِهِ الخصوصيَّة.
كنت أسمع كُلَّ حديث يدور بينهما، وَالعكس كَذٰلِكَ، فكانتا تسمعان أيضًا محور أحاديثنا نحن الأَربع، لٰكِنْ يكمن الفرق بيننا أَنَّني أجيد اللُّغة العبريَّة وأفهمهما جيِّدًا وبالتَّالي أفهم كُلَّ ما تتحدَّثان به، أَمَّا هما فلا تجيدان اللُّغة العربيَّة أبدًا، وبالتَّالي لا تفهمان شيئًا مِمَّا يدور بيننا من حديث، اِنزعجتُ كثيرًا من نفسي بسبب هٰذا الأَمر، أحسستُ أَنَّني أعتدي على حريِّتهما الشَّخصيَّة وعلى خصوصيَّاتهما حَتَّى وإنْ أجبرتني الظُّروف على فعل ذٰلِكَ.
قرَّرتُ أن أفعل شيئًا لتخفيف هٰذا الشُّعور السَّيِّئ الَّذي انتابني وأريح ضميري قليلًا، أو رُبَّما هي محاولة مِنِّي لإيجاد ثقافة جديدة في السِّجن بين الـمعتقلات على الرغم من أَنَّني حديثة عهد فيه، أفصحت لهما عن هٰذِهِالحقيقة ووضَّحت لهما بِكُلِّ أمانة أَنَّ حديثهما يقع على مسمع من أذنيّ، وَأَنَّني أفهم العبريَّة جيَّدًا، ثُمَّ اقترحت عليهما التَّحدُّث بالرُّوسيَّة إنْ أرادتا أَلَّا أفهم ما تتحدَّثان به، لتكون لهما مساحة من الخصوصيَّة في هٰذِهِ الزنزانة، كما أَنَّني اعتذرت لهما بِكُلِّ تواضع وَاحترام عن تطفُّلي هٰذا، شارحة لهما موقفي من هٰذا الـموضوع، وكانت هٰذِهِ هي الـمحادثة الأُولى معهما.
بدا عليهما الاِستغراب الشَّديد من هٰذا الكلام ولم تتوقَّعاه مِنِّي أبدًا، حَتَّى أنَّني استغربت من نفسي هٰذِهِ الجرأة والثِّقة الَّتي تحدَّثت بها معهما، وَلٰكِنَّ الاِبتسامة الَّتي بدت على ثغريهما أشعرتني بمزيد من الثِّقة وَالكثير من الرَّاحة وَالاِطمئنان. حينها فقط أيقنت أَنَّ الفكرة وصلت لهما كما أردتها أن تصل.
زنازين السِّجن لا تصلح لمعيشة الحيوانات فما بالك بالآدميِّين، حَتَّى الـمُزارع يخشى على مواشيه الَّتي يقوم بتربيتها، فيقوم بمراعاتها ويعمل على تنظيف مكان عيشها، وَلٰكِنَّ إدارة السّجن هنا لا تُراعي آدميَّة الـمحتجزين فيه، لا تهوئة، لا طعام، ولا رعاية صحِّيَّة، ولا نظافة، لا شيء من مقوِّمات الإِنسانيَّة في هٰذا الـمكان.
مرَّ يومان على اعتقالي. في الصَّباح ودَّعت الفتيات الفلسطينيَّات وتمنَّيت لهنَّ التَّوفيق في الـمحكمة؛ اَلسَّاعات وَالأَحداث ذاتها تتكرَّر، وتزداد كُحَّتي ومعها السُّعال، عدد، تفتيش، تفتيش، عدد، وجبة إفطار ثمَّ غداء ثمَّ عشاء، تدخين مستمرٌّ في الزَّنزانة، ضجَّة من الخارج لا يمكن تحمُّلها، طرقات أبواب وأصوات رنين سلاسل تخترق أذني ليلَ نهارَ.
بقيت مع الـمَرأتين اليهوديَّتين. خلال النَّهار تلقَّتا وقتًا للخروج إلى السَّاحة، أمَّا أنا فلم أرَ النُّور ولو لمرَّة واحدة منذ وجودي هنا في هٰذِهِ الزَّنزانة، سألت السَّجَّانة عن الوقت المخصَّص لخروجي، فجاء الرَّدُّ، طُرِقَ الباب بوجهي طرقة قويَّة، هنَّ يخرجن لأكثر من مَرَّةٍ في اليوم، وأنا يمنع عنِّي هٰذا الحقُّ، كان واضحًا بالنِّسبة لي أنَّه لا يتمُّ معاملتي كسائر المعتقلات هنا. كُلُّ واحدة منهما تشعل سيجارة لها من ولَّاعة السَّجَّانة، عبر النَّافذة الـمشبَّكة في الباب إِلَّا أَنَّهُما في هٰذِهِ الـمرَّة تحافظان على وقفتهما عند باب الغرفة وتنفثان الدُّخان من فتحته للخارج، قدَّرت لهما هٰذِهِ اللَّفتة الجميلة وشكرتهما بدوري كثيرًا، ثُمَّ قالت إحداهما:
من تصرُّفاتك، أنت تجبرين الآخرين على احترامك.
أَمَّا الثَّانية فقالت:
لا حلٌّ آخر نملكه مع التَّدخين سوى هٰذا.
بعد هٰذِهِ الكلمات الَّتي تلقَّيتها وَهٰذا الإِنجاز الكبير الَّذي وصلت إليه، تبادلت معهما الابتسامات ثُمَّ بدأنا الحديث مع بعضنا البعض بنقاشات شَتَّى وفي مواضيع مختلفة.
اَلاِحترام لا يأتي فرضًا، بل هو مبدأ أساسيٌّ في حياة الفرد، يلازمه مع التَّنشئة الاِجتماعيَّة الَّتي يكتسبها من الثَّقافة الَّتي ينتمي إليها، أَمَّا الثَّقافة الَّتي أنتمي إليها في هٰذا الواقع فهي الإِنسانيَّة للجميع ليس إِلَّا.
في الصَّباح يخرج الـمعتقلون وَالـموقوفون إلى الـمحاكم، منهم مَن يُفرَج عنه ومنهم مَن يُحاكَم، وتحوَّل ملفَّاتهم لأحد السُّجون الرَّسميَّة، ومنهم مَن يعود إلى هنا حَتَّى تنتهي فترة التَّحقيق. أعيش مع هٰذِهِ الأَحداث كُلَّ صباح ومساء، وأتابع من سريري دخول وخروج الكثيرات، من فئات وجنسيَّات مختلفة، ومن الـمجتمعات والثَّقافات وَالجنايات كافَّة.
عشرات الأَحداث تتبلور أمام عينيَّ في هٰذِهِ الزنزانة يوميًّا، رأيت فيها العجب العُجاب، رأيت فيها كُلَّ أصناف البشر ومن عدَّة جنسيَّات وثقافات في البلاد، لٰكِنِّي درَّبت نفسي على النَّظر وَالـمتابعة بصمت، وعدم التَّدخل بأيِّ شيء يحصل، وعدم الحديث مع أحد خلال هٰذِهِ الفترة، فقد أصابتني حالة تشبه اللَّامبالاة وعدم الاِكتراث بأيِّ شيء يدور حولي، وَاكتفيت بِالـمراقبة بصمت ومحادثة نفسي والتَّساؤل معها عن كُلِّ ما أراه.
كنت أسأل نفسي كثيرًا، ماذا كنت أعرف عن عامَّة النَّاس قبل الاِعتقال ودخول السِّجن؟ السُّكارى وَالـمتسوِّلون واللُّصوص وَالـمقامرون وَالـمدمنون، هٰؤُلاءِ الَّذينَ لا عزاء لهم، إِنَّهُمْ يتعرَّضون لأشدِّ أنواع الظُّلم وَالبؤس هنا. هل يمكنني أن أحبَّ مخلوقات الله جميعها؟ إِنَّهُ اختبار صعب ولن أستطيع اجتيازه مهما حاولت ذٰلِكَ!
طالبت الحصول على ملابس إضافيَّة غير الَّتي أرتديها والَّتي وصلت بها إلى السِّجن يوم اعتقالي، فرُفِض طلبي ولم يحضروا لي طيلة هٰذِهِ الفترة إِلَّا لباسًا داخليًّا واحدًا. كنت أستحمُّ وأغسل ملابسي وأعاود ارتدائها وهي مبلَّلة.
"لن تحوِّلي هٰذِهِ الزَّنزانة إلى مسجد للصَّلاة"، هٰذا ما قالته لي إحدى المعتقلات الجنائيَّات اليهوديَّات الموجودات معي في هٰذِهِ الزَّنزانة حين هممت بالصَّلاة، لم أُعِرْها أيَّ اهتمام، أهملتها تمامًا وتابعت صلاتي. أَمَّا آخر حادثة لي أذكرها مع الـمتَّهمات الجنائيَّات في هٰذِهِ الفترة، فهي محاولة إحداهنَّ سرقة ساعتي وأنا نائمة، والَّتي سبَّبت لي الكثير من الضَّحك لطرافة الـموقف وَالقلق معاً، لِأَنَّني بعد هٰذِهِ الحادثة هجرت النَّوم قدر استطاعتي، وخصوصًا في ساعات اللَّيل الـمتأخِّرة.
سجن الجلمة كان نسخة مصغَّرة لبيئة السُّجون الجنائيَّة عامَّة في هٰذِهِ البلاد، فيه رأيت كيف تنتشر تجارة الـمخدِّرات وتعاطيها بين الـمحتجزات الجنائيَّات وكيف يتمُّ تهريبها أيضًا، رأيت بأمِّ عيني الطُّرق الَّتي تنتهجها السَّجينات من أجل تهريب السَّجائر أثناء الخروج والدُّخول من وإلى الـمحاكم رغم اجتيازهنَّ التَّفتيش، تعرَّفت على طرق خداع السَّجَّانات، عشت المشاجرات وَالمناوشات طيلة اليوم وصراخ الـمدمنات، ومعاناة المريضات بأمراض نفسيَّة، أَمَّا منظومة العدالة فيه فهي غائبة كلِّيًّا، بل هي بحدِّ ذاتها مأساة لا يمكن الحديث عنها أبدًا.
بين الحين والحين يجبر السَّجَّانات والسَّجَّانون المعتقلين والمعتقلات على تنظيف أرضيَّة القسم والزَّنازين الفارغة، يأتون إلى الزَّنزانة فجأة ويخبرون المعتقلات معي بوقت التَّنظيف. لم يتمَّ إخراجي للتَّنظيف معهنَّ، رُبَّما لأنَّهم يرون بي بأنَّني خطيرة، اعتبرت أَنَّ هٰذِهِ الخطورة الَّتي يرونها بي ميزة إيجابيَّة أحببتها كثيرًا.
حاولتُ كثيراً طوال هٰذِهِ الفترة الحصول على قلم وأوراق للكتابة، إِلَّا أَنَّ موقفهم من الـموضوع لم يتغيَّر وَاستمرَّ حرماني من أغلى الأُمور في حياتي، ففي كُلِّ يوم تقريبًا، كنت أطلب هٰذا الطَّلب وأحاول مرارًا وتكرارًا، إِلَّا أَنَّهُمْ وكما كُلِّ مَرَّة كانوا يتذرَّعون بِالقوانين، ولا أعلم ماهيَّة هٰذِهِ القوانين الَّتي تمنع الإِنسان من أن يمسك قلمًا ويكتب، وأين تكمن الـمشكلة في ذٰلِكَ أصلًا، فَكُلُّ ما طلبته قلمًا وورقة ليس إِلَّا!
اِكتشفت في هٰذِهِ الفترة أن لا علاقة لفلسفة إقامة السُّجون الَّتي كتبوا عنها منذ خلق البشريَّة، ولا اهتمام بِالحالة النَّفسية وَالعقليَّة للسَّجين، ولا حَتَّى بتأهيله للتَّعامل مع الـمجتمع بعد الخروج، فَكُلُّ نظريَّات السِّجن سقطت أمام عينيّ خلال هٰذِهِ الفترة القصيرة، وتساءلت كثيرًا عن أصول مبتكر فكرة السِّجن، وأوَّل من قام بتنفيذ فكرة الحبس؟ وهل السُّجون حقًا وجدت لإصلاح الـمُذنبين وإعادة تأهيلهم من جديد؟ أيًّا كانت هُويَّتهم، وَنظراً إلى ما رأيته في هٰذا السِّجن، فإنه بِالنِّسْبَة لي نابغة من نوابغ العبوديَّة، وسلطان أعمى من سلاطين الاِستحواذ وحبِّ السُّلطة. فالنَّتيجة الَّتي تفضي إليها معطياتُ هذا الواقع هي فشل نظريَّة السُّجون، فحين يكثر بناء السُّجون وتستمرُّ، وتزداد وتيرة الجريمة في الـمجتمعات تسقط النَّظريَّة من أساسها، وهكذا تـمنَّيتُ وجود إصلاحات في هٰذِهِ السُّجون لأجل إحداث التَّغيير الحقيقي الـمنشود من بنائها، في عالم نظريَّات الجريمة وَالعقاب.