![]() | ![]() |
السَّاعة الثَّانية والنِّصف بعد منتصف اللَّيل، جالسة على سريري في الزِّنزانة مع بعض السَّجينات الجنائيَّات اللَّواتي غَفَون وَاستسلمن لنوم عميق، وإذ بالسَّجَّانة تطلُّ من الباب وتنادي باسمي، وتُعْلِمني أَنِّي سأنقَل مِن هٰذِهِ الزِّنزانة إلى مكان آخر. تعجَّبتُ وأصابَني قَلَقٌ مِن هٰذا النَّقل الـمفاجئ . سألتها:
الآن وَفي هٰذِهِ السَّاعة؟ قالت نعم.
فتحتْ الباب وأخرجتني، فتَّشتْني، وضعتْ لي الأصفاد في يدي وسحبتني معها.
سألت:
وَلٰكِنْ إلى أين؟
إلى الاِنفرادي.
وما السَّبب؟
هكذا وصلتني الأوامر الآن، أنتِ مِن اللَّحظة أصبحتِ تُعَرَّفين كسجينة "أمنيَّة"[5] ويجب وضعك في ظروف مختلفة عن الَّتي كنت فيها!
منذ اللَّحظة الَّتي قالت بها "أمني" بدأت أشعر أَنَّني الآن سأعيش السِّجن الحقيقيَّ، وَأَنَّ كُلَّ الَّذي مرَّ كان مجرَّد دعابات.
أسير معها في ممرٍّ طويل، نبتعد عن كُلِّ الزَّنازين في القسم حَتَّى نصل إلى مكان منزوٍ فيه زنزانة منفصلة ومختلفة عن زنازين الجنائيِّين، وعن تلك الَّتي كنتُ فيها، بابها رمادي، شكله مختلف تماماً عن الباب الأزرق الَّذي اعتدْتُ رؤيته في كُلِّ الزَّنازين السَّابقة.
فتحَتْ السَّجَّانة الباب ودخلتُ إلى قوقعتي الجديدة، وقبل أن تُغلق الباب عليَّ طلبتُ منها أدوات تنظيف. فردَّت عليَّ فورًا: لا يُوجَد موادّ للتَّنظيف.
زنزانةٌ ككلِّ الزَّنازين الَّتي كنت فيها، وَلٰكِنْ بظروف أقسى، مساحتها أصغر مِن الأخريات، طولها وعرضها بالكاد يصل إلى ثلاثة أمتار، فيها سريران فقط، جدرانها رماديَّة اللَّون، متَّسخة طبعًا ورائحتها كريهة، فيها الحمَّام أيضًا مفتوح وبلا باب، شديدة الرُّطوبة وفي سقفها عُلِّقت كاميرا مراقبة، بلا نافذة، معتمة، فقط ثَمّتَ ضوء خافت جِدًّا يدخل إليها من الخارج.
أخذت لي سريرًا ووضعتُ رأسي على الفِراش، حاولت أن أغفو ولو قليلًا من شدَّة التَّعب الَّذي تراكم على جسدي، فأنا لم أنم للحظة واحدة بعد حادثة محاولة سرقة السَّاعة، إِلَّا أَنَّني لم أنجح، غادرني النَّوم كلِّيًّا في هٰذِهِ الزِّنزانة الجديدة.
داخل هٰذا الصُّندوق الحجري عشت أيَّاماً، مرَّت عليَّ كَأَنَّها سنوات، كنت إن ناديت على السَّجَّانة لا تجيبني بشيء، ولا أعرف أصلًا إن كانت تسمع نداءاتي أم لا، أحيانًا أضطرُّ إلى طرق الباب لدقائق برجلي، حَتَّى أسمع ردًّا من السَّجَّانة، ومرَّاتٍ كثيرة تتجاهل نداءاتي أصلًا، وإنْ سمعتْ وردَّت كانت تؤجِّل تلبية طلباتي كالماء وورق التواليت إلى أن يحين وقت إحضار وجبات الطَّعام لي، فمهما حصل لا أراها إِلَّا ثلاث مرَّات في اليوم.
رغم اشتياقي للحظات هدوء وخلوة مع نفسي، إِلَّا أَنَّ هدوء هٰذِهِ الزِّنزانة كان مختلفًا، خصوصًا بلونها الرَّمادي الكئيب، وإيوائها إلى جانبي أرتالا مِن الصَّراصير. شعرت أَنِّي موجودة داخل صندوق حجريٍّ رهيبٍ ومخيفٍ، عالم مغلق مسوَّر ومعزول عن كُلِّ شيء، حَتَّى الأصوات من الخارج ما عدت أسمعها، بما في ذلك صراخ السَّجينات لم يعد موجودًا، فالصَّوت الوحيد الحاضر هو صوت حنفيَّة الـماء الـموجودة فيها والتَّالفة، فقد كانت تُنقِّط طوال الوقت، صوت تنقيط مياه الصُّنبور الـمستمرُّ ليلاً و نَهاراً كان يصيبني بضغط عصبيٍّ، ما عدت قادرة على سماع هٰذا الصَّوت، لم أعلم إن كان هٰذا التَّلف مقصودًا أو غير مقصود، وَلٰكِنْ وجودي في هٰذِهِ الزِّنزانة، تحت وطأة هٰذا الصَّوت، تعذيبٌ نفسيٌّ شديد القسوة.
يبدأ يومي بوجبة إفطار بائسة وينتهي بِالعدد الـمُذِلِّ، ومرَّتين خلال اليوم أفاجأ بثلاث سجينات جنائيَّات، وعلى مرأى ومسمع مِنَ السَّجَّانة، يقتربن من فتحة باب زنزانتي يُدخِّنَّ السَّجائر بجانبه، وواحدة بعد الأخرى تنفث الدُّخان الـمنبعث مِن السِّيجارة إلى داخل الزِّنزانة، ثُمَّ، يلقين عليَّ بعض الشَّتائم التَّحريضيَّة والـمهينة، ويذهبن بعد أن تخمد جمرة السِّيجارة وتنتهي. مع عدم وجود نافذة، ومع رائحة الرُّطوبة ورائحة الدُّخان، كانت تصيبني حالة سعال شديدة وآلام قُرحة لا تفارقني أبدًا، وتزداد حدَّتها يومًا بعد يوم، أدَّت إلى ضيق تنفُّس مستمرَّ وصداع شديد لا يفارقني.
زنزانة فقدتُ فيها كرامتي على دفعات، عشت فيها خارج الزَّمان وَالـمكان، وصلتُ إلى أقصى درجات الـملل وَالإحباط وَاليأس وَالعصبيَّة، كدت أصاب بِالجنون من كُلِّ ما يحيطني فيها، حين بدأت أشعر بخواءِ وجودي، وَاقتراب سقوطي وَانهياري، تحوَّلتُ إلى إنسانة مختلفة، أهذي وأتكلَّم مع نفسي بصوت عالٍ طوال الوقت،وكي أخفِّف وطأة صوت تنقيط الـمياه الـمزعج، أحيانًا أصرخ كي أنسى، وأحيانًا أغنِّي كي أتناسى الـمرض والسُّعال، ثُمَّ أرقص أو أضحك بصوتٍ عالٍ كلما اقتربت السَّجينات مِن الباب بسجائرهنَّ، ويرينني غير مبالية بما يفعلن، أسمع منهنَّ كلمة "مجنونة" فيزداد غنائي ورقصي، والشَّيء الغريب أَنَّني لم أبكِ أبدًا برغم كُلِّ الألم الَّذي سيطر عليَّ كُلَّ الوقت الَّذي كنت فيه وحيدة.
وصلت حدّاً ما عدت فيه قادرة على تحمُّل هٰذا الإذلال وَهٰذا الفراغ وَهٰذِهِ العدمية، بدأتْ أفكاري ترفض نمط الحياة الَّذي فَرضتْهُ عليَّ إدارةُ السَّجن، وظروف هٰذِهِ الزِّنزانة الرَّماديَّة، فوجدتني أستحضر أيَّامي الـماضية، وأقارن بين ما كنت أفعله في لحظة مماثلة وأنا خارج الـمعتقل، وبين ما أعيشه الآن في هٰذِهِ الزِّنزانة الاِنْفراديَّة، وأحاول أن أطبِّق الشَّيءَ الذي كنت أفعله!
تذكَّرت حبِّي لرياضة الـمشي، فقضيت اليوم وأنا أمشي في الزِّنزانة، بقدر مساحتها، من الحمَّام إلى الباب، جيئة وذهابًا، هٰذا الـمشي كان طريقتي كي لا أُسلِّم نفسي لسطوة الزَّمن وأنهار مع إحساس اليأس القاتل الَّذي احتلَّني. كنت أتخيَّل الجدران الرَّماديَّة كَأَنَّها الطَّريق الَّذي كنتُ أحبُّ السَّير فيها بشوارع النَّاصرة حتَّى وصولي إلى حيِّ السُّوق القديم، فأروح وأجيء في الزِّنزانة لساعات طويلة، تأتي السَّجَّانة وتقف على الباب وتسألني:
ما بك؟
فلا أجيبها بشيء وأكمل جولتي مع الخيال في النَّاصرة. فترجمني أيضًا بكلمة "مجنونة" وتذهب.
في يوم آخر، وضعت إصبعي على الجدار وبدأت أحرِّكه كَأَنَّهُ قلمٌ، بل إِنَّني تخيَّلته قلماً، ثُمَّ أخذت أحرِّكه بسرعة أكبر، وأضغط عليه بقوَّة على الجدار،حَتَّى سالت الدِّماء منه، عندهاباشرت بِالكتابة على الجدار بدمائي، أصبحتُ كُلَّ يوم أتقصَّدُ جَرْحَ إصبعٍ بِهٰذِهِ الطَّريقة، فقط لأُخرِج بعض الدِّماء وأكتب ما أشعر به مِن غضب في داخلي. كانت كتاباتي تلك مجرَّد كلمات لا معنى لها، إِلَّا أَنَّها كانت طريقة تساعدني على الهروب من هٰذا الـمكان، وتخفِّف قليلًا من الضَّغط النَّفسيِّ الَّذي انتابني.
مارستُ رياضة اليوجا، وهربت وأفكاري نحو ذكرياتي الجميلة. أن أعيش مع أحلام اليقظة وَالخيال، الطَّريقة الوحيدة الَّتي مِن خلالها كنت أستطيع الهروب بخيالي من هٰذا السِّجن، ومن حدود هٰذِهِ الزِّنزانة الرَّماديَّة.
ولكي أبقي جسدي في حيِّز الحياة والشُّعور كلَّما اشتقت للمسة دافئة وحنونة، وجدت كفَّيّ يديَّ تلامسان أنحاء جسدي وتداعبان وجهي، لأعوِّض الحرمان والشَّوق الذَّي أعيشه.
كلَّما شعرت أَنَّني سجينة مسوَّرة، معزولة، أخاطب نفسي وأقول: أنا سجينة من أجل الحرِّيَّة.. وأشعر أَنَّ الحرِّيَّة سجينة بي أيضًا، تعيش في داخلي وتسكن معي، كلَّما طغَتْ على نفسي مشاعرُ الحزن وَالألم والضِّيق، أتخيَّل الحرِّيَّة أمامي امرأة تشبهني تلبس ملابسَ بيضاء ناصعة، تبقى معي وأبقى معها في كلِّ الأوقات، وأبدأ معها حديثًا، أسمعها تخاطبني وتقول لي: "أنت يا دارين حرَّة"، فأبدأ بالغناء لها ولنفسي أسمعها تردُّ على غنائي وصوتي: "دارين أنت صوت الحرِّيَّة، هل تسمعين نداء الحرِّيَّة؟ أنت صوت الحرِّيَّة"، فيصغر الشعور بزنزانتي بقدر ما يكبر إحساسي بالحريّة التي أحاورها.
حَتَّى إِنَّني رأيت جدَّتي الـميِّتة فجأة، ووجدتها تعيش معي كُلَّ لحظة في زنزانتي، فتحدِّثني وأحدِّثها كمـا كانت تفعل معي قبل وفاتها. جدَّتي خديجة تلك المرأة الَّتي علَّمتني السِّياسة وجعلتني أدخل مضمارها، تخيَّلتها تقول لي كلماتها الَّتي لم تستطع أن تقولها لي قبل وفاتها، سمعتها تحدِّثني، سمعتها تناديني "يا متمرِّدة" كما كانت تناديني دومًا، صوتها مدَّني بالقوَّة، سمعتها من خلال نبرة صوتها، كم كانت فخورة بتمرُّدي، تخيَّلت نفسي في بيتها الَّذي لطالما أحببت، المكان الوحيد الَّذي كنت أذهب إليه كي أشعر بالأمان والرَّاحة والطُّمأنينة، لامست إصبعي وشعرت بفقدان الخاتم الَّذي طلبت منِّي أن أعطيه لمن يستطيع الحفاظ عليَّ وعلى حبِّي، تذكَّرت عناقنا الأخير في المستشفى بعد أن قال الجميع إِنَّها قد غابت عن الوعي، وأنا جلست بقربها أتحدَّث إليها وأطلب منها أن تحدِّثني، شعرت أنَّها تريد أن تقول لي شيئًا. خديجة تلك الجدَّة الَّتي أعشقها لدرجة أنَّني أهديتها كتابي الأوَّل.