image
image
image

9

image

ينادون عليَّ ويخبرونني أَنَّهُمْ حضروا لأخذي،

إِلى أين؟

إلى تحقيق جديد.

أُفَتَّش من قبل السَّجَّانة وأُقَيَّدُ بالسَّلاسل وأُقادُ نحو القبر الـمتحرِّك ذاته «سيَّارة البوسطة».

بعد سفر ساعتين تقريبًا ينزلونني من السَّيَّارة، وأسير بصحبة ستَّة جنود عبر مبنى كبير وضخم، أمرُّ عبر ممرَّات كثيرة، أقرأ اللَّافتات فأعرف أَنَّهُ مبنى لمستشفى الأَمراض النَّفسيَّة، سألت عن سبب وجودي هنا فأجابني أحد الجنود:

ألم تعلمي حَتَّى الآن؟ هناك أمرٌ بتحويلك لِهٰذا الـمستشفى من أجل فحص قواك العقليَّة، ومعرفة إن كنت تستطيعين الـمثول أمام القاضي في الـمحكمة أم لا.

وقع الخبر عليَّ كالصَّاعقة، عشت في هٰذِهِ اللَّحظات إحساسًا لم أتوقَّعه في حياتي أبدًا، وشعرت بكراهيَة شديدة تجاه صاحب هٰذِهِ الفكرة القاسية من غير أن أعرف هُويَّته، أن أُوصَم بأنَّني غير عاقلة من أجل الخروج من هٰذِهِ القضيَّة، وفقط لِأَنَّني عبَّرت عن مشاعري ورأيي؟ هي فكرة تافهة بِالنِّسْبَة لي وأرفضها كلِّيًّا، حَتَّى لو كنت سأقضي بقيَّة عمري في السِّجن فلن أقبل بها أبدًا، كانت هٰذِهِ الحقيقة الأَقسى وقعاً عليَّ من كُلِّ الأَحداث الَّتي مررت بها حَتَّى اللَّحظة.

نعم، أعيش انتكاسات وإحباط من واقعي الـمرِّ جرَّاء طفولتي القاسية الَّتي عشتها، وأعاني من صدمة ستبقى تطرق بابي كُلَّ العمر، وَلٰكِنَّني لن أقبل بِهٰذِهِ الحلول الضَّعيفة حَتَّى لو كلَّفني ذٰلِكَ ثمناً باهظاً.

تركت هٰذِهِ الـمعضلة الكبيرة جانبًا في هٰذِهِ الأَثناء، لأجد لها حلًّا في وقت لاحق، وعدت للتَّركيز في هٰذا التَّحقيق الَّذي سيحدِّد مستقبلي القادم، وهو الأَهمُّ بِالنِّسْبَة لي في هٰذِهِ الـمرحلة.

محقِّقان اثنان في الغرفة أحدهما يجلس إلى الـمكتب قبالتي وأمامه جهاز حاسوب، والثَّاني يجلس على مقعد جانبيٍّ فيها. من هيئة الغرفة عرفت أَنَّها لم تكن مخصَّصة لجلسات تحقيق الشُّرطة، وليست معدَّة لِذٰلِكَ أصلًا، فهي خارج الـمعتقل وخارج بناية مركز الشُّرطة، بدت لي أَنَّها غرفة لعاملة اجتماعيَّة في هٰذا الـمستشفى، جميلة ومرتَّبة ومليئة بِالأَلوان وَالحياة، غرفة تبعث في النَّفس بعض التَّفاؤل وَالأمل، خصوصًا بعد كُلِّ اللَّون الأَسود الوحيد الَّذي رافقني في زنزانة سجن الجلمة، عُلِّقَ على أحد جدرانها نسخة من لوحة ليلة النُّجوم الـمشهورة للفنَّان  ﭬﺎن ﭼﻮخ، أمعنت النَّظر طويلًا إليها، وإلى ألوانها الزَّرقاء وَالـمعنى الجميل للفنِّ الَّذي أراه، قارنت ألوانها الزَّرقاء وَالـمعنى الخالد الجميل الَّذي يحلِّق منها، باللَّون الأَزرق الَّذي رافقني في زنزانة السِّجن، فكم هما مختلفان ومتناقضان، على الرغم من أَنَّهُما من ذات الدَّرجة وَالاِشتقاق، تخيَّلت لو أَنَّ مطوِّر نظريَّة تناقض الذَّات توري هيغتـر لا زال حيًّا أو عاش ما أعيشه الآن، لأضاف إلى نظريَّته الكثير من التَّفاصيل الجديدة الَّتي لم يدوِّنها في زمانه.

أخرج الـمحقِّق من حقيبته كاميرا الفيديو لتوثيق التَّحقيق، شغَّلها ووضعها على أحد الرُّفوف قبالتي، ثُمَّ أخرج جهاز حاسوب محمول خاصٍّ به، ليعلن معهما إنهاء رحلتي مع الأَلوان وبداية رحلة جديدة بين سؤال وجواب.

طلبتُ قبل البدء بِالكلام الحديث مع الـمحامي، لم يعارض ذٰلِكَ أبدًا وقام بِالاِتِّصال به من هاتفه الشَّخصي، وأعطاني الهاتف وقال إِنَّ بِاستطاعتي الحديث معه بحرِّيَّة وَالوقوف عند باب الغرفة.

قال لي الـمحامي كما في التَّحقيق السَّابق أن أستمرَّ بِالإِنكار وأن أقول إِنَّ صفحة الفيس بوك سرقت مِنِّي، حينها أجبته:

أنا الآن في مستشفى للأمراض النَّفسيَّة.

أجاب ببرود:

أعلم ذٰلِكَ.

سألته: مَن صاحب هٰذِهِ الفكرة، فأجابني:

والدك وأنا وافقته.

غضبت كثيرًا من هٰذِهِ الحقيقة، وأجبته على الفور:

هٰذا غير مقبول عندي أبدًا، لا يناسبني هٰذا الـمكان ولا تناسبني هٰذِهِ الصُّورة الَّتي تريدون إلصاقها بي، لم أفعل شيئًا لأخاف منه، وسأجيب بما أراه أكثر منطقيَّة من هٰذِهِ الـمهزلة الَّتي تحصل الآن، سأجيب حسب ما يعرض عليَّ وأُوضِّح وجهة نظري كما يجب.

بدأ التَّحقيق وأظهر لي الـمحقِّق صورًا ومستندات كثيرة من واجهة الفيس بوك، أخيرًا عرض عليَّ ما يتَّهمونني من خلاله بالتَّحريض على العنف وَالإرهاب.

قطعت الشَّكَّ بِاليقين بشأن صورة الشَّابَّة إسراء عابد من النَّاصرة، ونشرها على صفحتي، بعد أن أظهر لي صورة توضِّح وتؤكِّد ذٰلِكَ، ووضَّحت له أَنَّني لا أذكر متى وكيف وضعتها، وَلٰكِنْ هٰذا الـمستند يؤكِّد أَنَّني بِالفعل نشرتها متأثِّرة بحادثتها، وعمليَّة إطلاق النَّار عليها بغية قتلها وَارتباطها بمعاناتي الشَّخصيَّة، وَأَنَّ قصدي من عَرْضها أَنَّها ضحيَّة تمامًا مثلي.

نَعَتَها بِالـمخرِّبة وأصرَّعلى أَنَّها كانت تريد أن تقوم بعمليَّة طعن، وللأسف من كثرة استعماله لكلمة مخرِّبة استعملتها أنا أيضًا وَكُلُّ أجوبتي بشأن هٰذِهِ الصُّورة تمحورت حول فكرة أَنَّني ضدُّ أعمال العنف هٰذِهِ، وَإِنْ كانت فعلًا مخرِّبة كما يقول وأرادت الطَّعن فهي لا تمثِّل أفكاري أبدًا، وعكس مبادئي، وَلٰكِنَّني وكما رأيتها في الفيديو هي ضحيَّة، ولم تُرد أذيَّة أحد ولم تشكِّل أَيَّ خطر على أحد.

كانت التُّهمة الثَّانية، نشر صورة سوداء وعليها شريط حداد أبيض، في الزَّاوية كتب عليها «أنا الشَّهيد الجاي»، وضَّحت له وأكَّدت أَنَّني أَوَّل مَرَّة استعملت هٰذِهِ الصُّورة في حزيران 2014، بعد قتل الشَّابِّ الفلسطيني خير الدِّين حمدان برصاص الشُّرطة، وقتل الطِّفل مُحَمَّد أبو خضير في القدس، وَأَنَّها صورة مشتركة للمئات من النَّاشطين في البلاد اتَّخذناها كرسالة موحَّدة، وكوسيلة للتَّعبير عن رفض العنف في البلاد، وَأَنَّ كُلَّ واحد منَّا مُعرَّض لأن يكون شهيدًا، أي ضحيَّة، سواء من رصاص الشُّرطة أو من قبل الـمستوطنين.

تأتي الـمفاجأة الكبرى، إذ يعرض عليَّ الـمحقِّق مستندًا لقصيدة كتبتها بعنوان «قاوم يا شعبي قاومهم» الَّتي تنادي بمقاومة الاِحتلال وإنهاء الظُّلم الواقع على أبناء شعبي الفلسطيني، قصيدة تتحدَّث عن عدد من الشُّهداء الَّذينَ سقطوا ضحيَّة الإِرهاب وَالعنف الصُّهيوني كالشَّهيد الطِّفل علي دوابشة وعائلته، والطِّفل مُحَمَّد أبو خضير، والشَّهيدة هديل الهشلمون الَّتي استشهدت على يد الجنود، عند أحد الحواجز، فقط لرفضها خلع النِّقاب عن وجهها.

تصيبني الدَّهشة حين يسألني الـمحقِّق إن كنت أنا من كتبت هٰذِهِ القصيدة، أفقد صوابي من هٰذا السُّؤال،  تحرَّكت من مكاني ووقفت على الكرسي وقلت غاضبة: هٰذِهِ إذَنْ، هي كلُّ القضيَّة، قصيدتي، هٰذِهِ هي مشكلتكم؟ لماذا لم تفصحوا عن هٰذا من البداية؟  لم آخذ فاصل تفكير للإجابة وقلت حالًا:

نعم، هي قصيدتي وأنا التي كتَبتْها.

تأثَّرت كثيرًا حين رأيت قصيدتي متَّهمة، ولم أستطع بعد هٰذِهِ الحقيقةأن أستمرَّ بهدوء الأَعصاب الَّذي بدأته مع جلسة التَّحقيق هٰذِهِ، دافعت عن القصيدة وعن منبري كشاعرة، وحقِّي في الكتابة في دولة ديمقراطيَّة. اِدَّعى الـمحقِّق بِأَنَّ هٰذِهِ القصيدة تنادي بنشر العنف وَالإرهاب! بدأ يرميني بأسئلته: أنت تنادين في قصيدتك بالمقاومة،  المقاومة تعني عنفًا! هل تريدين مقاومة الدَّولة؟ هل تريدين أذيَّة اليهود والجنود؟ هل تريدين أن تكوني شهيدة؟ تريدين أن تقومي بعملية إرهابيَّة؟ رفضت كلَّ هٰذِهِ الاتِّهامات القبيحة الموجَّهة ضدِّي، وأجبت بالنَّفي على كلِّ أسئلته  تلك. 

من تلك اللَّحظة أصبحت أسيرة بسبب كتابتي لِهٰذِهِ القصيدة ونشرها في مواقع التَّواصل الاِجتماعي، وهوالشَّيء الأَغرب الَّذي لم أتوقَّعه أبدًا كسببٍ لاعتقالي! فأن أكون مسجونة ومعتقلة بسبب أشعاري، في دولة تدَّعي أَنَّها الدَّولة الدِّيمقراطيَّة الوحيدة في الشَّرق الأَوسط هو الأَغرب بِالنِّسْبَة إلي! أن أكون منزوعة الحرِّيَّة خيرًا لي من أن أكون منزوعة الكرامة، قرَّرت بعد هٰذِهِ الاِتِّهامات الجديدة أن أبرم اتِّفاقًا جديدًا مع نفسي، وأن أعيد محور القضيَّة إلى مكانها الحقيقي، فأنا معتقلة وموقوفة حاليًّا بدون تهمة جنائيَّة، إِنَّما بسبب قصيدة شِعْر كتبتها، وبسبب توجُّهاتي وأفكاري السِّياسيَّة الـمعارضة لسياسة الاِحتلال في إسرائيل، مُعتقَلة فقط لكوني فلسطينيَّة عربيَّة، وقرَّرت الـمحافظة على هُويَّتي وقوميَّتي هٰذِهِ، معتقلة لِأَنَّني أعبِّر في كتاباتي الشِّعرية عن دعمي لأبناء شعبي وقضيَّتي الفلسطينيَّة.

قضيت خمس ساعات من حرب استنزاف في جلسة التَّحقيق هٰذِهِ، سألني فيها عن كُلِّ شيء، هواياتي، ديني، تعليمي، الحزب الَّذي أنتمي له، توجُّهاتي وآرائي السِّياسيَّة، جهاز الحاسوب خاصَّتي وهاتفي، نوعيَّة القصائد الَّتي أكتبها، وَالأُمسيات الَّتي اشتركت فيها، زمانها ومكانها، عددها ونوعيَّتها، وعن الصُّور الَّتي أصوِّرها وماهيَّتها، عن الأفلام الَّتي أخرجها وأصوِّرها وأنتجها، سألني كيف أعرِّف عن هُويَّتي وعن نفسي، أجبته إنَّني عربيَّة فلسطينيَّة، تبدَّلت ملامحه حين سمع كلمة فلسطينيَّة فسألني مجدَّدًا، ألا تُعرِّفين عن نفسك إسرائيليَّة؟ فورًا أجبته لا. شغَّل مشاهد لحوادث عمليَّات دهس وطعن وأجبرني على مشاهدها، سألني عن رأيي بِهٰذِهِ العمليَّات إن كنت أؤيِّدها أم أعارضها، سألني: "أنت تنتمين للحركة الإسلاميَّة الشَّماليَّة" أجبته: أنا أؤيِّد حزب التَّجمُّع الدِّيمقراطي وَهٰذِهِ المرَّة صوَّتُّ للقائمة المشتركة. قال: وَلٰكِنْ لماذا تلبسين الحجاب، هل أنت متديِّنة؟ أجبته: أنا أصلِّي خمس مرَّات في اليوم وأصوم رمضان، أنا مسلمة وَهٰذا شأن بيني وبين الله فقط. أنا لا أستعمل هٰذِهِ الكلمة "متديِّنة" هٰذِهِ علاقة بيني وبين الله. لم أستطع تحمُّل أسئلته أكثر، حاولت أن أشرح له وأقول له إِنَّ كتابة الشِّعر هي مقاومة ثقافية سلميَّة.  حاولت قدر استطاعتي أن أُوضِّح قصدي من كُلِّ هٰذِهِ الـمستندات الَّتي عرضت عليَّ كدليل إدانة، وأُبيِّن أَنَّ ما حلَّلوه من نشر هاتين الصُّورتين وَالقصيدة، ليس سوى تحليلٍ لـمعنى خاطئ ليس له وجود، ولا يمتُّ للحقيقة بصلة، وَأَنَّ ثَمَّتَ سوء فهم وتقدير منهم لقراءة هٰذِهِ الاِتِّهامات، اِقترحت حذف هٰذِهِ الـمنشورات، إن كانت كما يدَّعون تشكِّل كُلَّ هٰذا الخطر وإنهاء هٰذا النِّقاش، اِقترحت أيضًا إغلاق حساب الفيس بوك خاصَّتي أيضًا، وإنهاء الخطورة الَّتي يدَّعونها، وَلٰكِنْ كُلُّ محاولاتي ذهبت عبثًا، بعد هٰذِهِ الـمحاولات الفاشلة لإفهام الـمحقِّق بقصدي الحقيقي من كُلِّ شيء، شعرت أَنَّني معتقلة الآن بين أيديهم، والشَّيء الَّذي يبحثون عنه الآن هو فقط إلصاق التهمة بي، وربطي بِالإرهاب بِأَيِّ شكل من الأَشكال وَبِأَيِّ طريقة.

كثيرًا ما كنت أضحك على تفاهة الأَسئلة ونوعيَّتها، وَلٰكِنَّني لم أستغربها، فَبِالنِّسْبَة إليّ ليس ثَمَّتَ ما هو أغرب من كوني معتقلة من معتقليّ الرَّأي وحرِّيَّة التَّعبير في هٰذا الكون، فأنا معتقلة الآن وتهمتـي الرَّئيسة هي القصيدة!

في نهاية التَّحقيق وضَّح الـمحقِّق وأكَّد لي، أَنَّ قضيَّة معاناة الطفولة الَّتي تحدَّثت عنها لن يتمَّ التَّغاضي عنها، وهي الآن قيد الـمعالجة، وَأَنَّ هناك محقِّقة خاصَّة لِهٰذا النَّوع من القضايا قد تولَّت الأَمر، وتقوم بدراسة الـموضوع وسيتمُّ فحص الـمعلومات ومراجعتي، وأخذ أقوالي لاستمرار التَّحقيق وجمع الـمعلومات الإِضافيَّة من أجل أن تقوم الشُّرطة بواجبها في هٰذِهِ الـمسألة وكما يجب.

اِنتهى التَّحقيق، أطفأ المحقِّق الكاميرا والحاسوب وأعادهما لحقيبته، اقترب منِّي، أعاد القيود على رجليَّ ويديَّ وقال: دارين استمعي لي، لقد قرأت كلَّ القصائد الَّتي قمتِ بكتابتها على حاسوبك، قرأت أيضًا روايتك الَّتي تحكين فيها عن حياتك، وجدت قصائد أخرى لك على شبكة الإنترنت، إنَّك تكتبين بطريقة جميلة جدًّا، لٰكِنْ ما شأنك بالسِّياسة، خسارة أن تضيِّعي وقتك عليها! اُكتبي عن الحبِّ، عن السَّلام، عن القبلات، اُكتبي أشياء رومانسيَّة وعاطفيَّة." أجبته: أنا أكتب عن الحياة وعن الواقع، وعن كلِّ ما أعيشه وأشعر به وأراه، وإن رأيت يومًا جنودكم توزِّع علينا الورود والأزهار، سأكتب عن ذٰلِكَ. صمت ولم يجبني بشيء.

أدخلوني إلى أحد أقسام الـمستشفى، وباتت النَّتيجة واضحة أمامي، فإن تكلَّمت سأُعتقل، وإن صمتُّ سيختلج الغيظ في خاطري من شدَّة الغضب، وسأموت في الحياة ألف مَرَّة من شعور العذاب،  ومن تهيئة شخصيَّتي ووصمي بِالاِختلال النَّفسي، وَاعتباري إنسانة غير متَّزنة وغير مسؤولة عن تصرُّفاتي. نعم في الحالتين أعيش شعورًا بِالـموت، وَلٰكِنَّ السُّؤال أَيُّ الـموتين سيكون الأَصعب عليَّ!

تذكَّرت سنوات طويلة من عمري قضيتها بالصَّمت، وَالكبت الَّذي قتل معنى وجودي في هٰذِهِ الحياة، وقرَّرت أن لا أعود إلى هٰذا العهد مهما كلَّفني الأَمر، فحتمًا موت الاعتقال الآن  هو الأَسهل عليَّ من أَيِّ شيء آخر يُعرَض عليَّ.

بتُّ كفأر لا تشبعه التَّجارب أبدًا، وكذا هي التّجارب لا تَملُّ من اختبار مقاومتي، فالسَّجن هو أغلى ثمن يمكن أن أدفعه مقابل الـمضيِّ قدمًا في هٰذِهِ التَّجربة القسريَّة الَّتي أدخلوني فيها. قرَّرت رفض الواقع الَّذي يريد الآخرون وضعي فيه، وأن أدافع عن موقفي وأواجهه بشجاعة، كي لا أخسر احترامي لنفسي، لِأَنَّني عندها، مهما حصل لن أتصالح مع ذاتي أبدًا حَتَّى آخر نَفَس لي في هٰذِهِ الدُّنيا. أن أكون في سجن الجدران وأبقى متصالحة مع ذاتي، خير من أن أعيش حرَّة وأنا عالقة في سجن الغربة عن ذاتي.

فور وصولي القسْم أدخلتني إحدى الـممرِّضات إحدى الغرف، سجَّلت بياناتي وأجرت لي بعض الفحوصات ثُمَّ طلبت مِنِّي خلع حجابي، تفاجأت بداية من هٰذا الطَّلب وطلبت منها تفسيرًا لِذٰلِكَ، فقالت لي:

إِنَّ هٰذا الـمكان يتساوى فيه الجميع في كلِّ شيء ولا مجال لإظهار أي مظهر من مظاهر الدِّين في اللِّباس.

وأكَّدَتْ لي بِأَنَّها قوانينُ متَّبعة ويجب احترامها وَأَنَّها تطبَّق على جميع الـمرضى هنا بلا استثناء، أجبتها بسؤال واحد فقط:

لٰكِنْ أين حقُّ العبادة وحرِّيَّة الدِّين للإنسان مع هٰذِهِ القوانين؟

غضبت من سؤالي ولم تجبني عليه، وقالت:

أنت هنا بصفتك مريضة فقط، وعليك تطبيق القوانين بلا نقاش وبلا أسئلة.

لم أناقشها في الـموضوع كثيرًا، ليس خوفًا إِنَّما لا مبالاة مِنِّي، فما جدوى أن أفتح نقاشًا معها، وأنا أعلم أَنَّهُ عقيم من الأَساس وغير مبنيٍّ على أَيِّ حقٍّ، تمامًا كما الكثير من الأَمور الَّتي عشتها منذ أن اعتُقلت، وعلى الرغم من أَنَّني لم أقتنع بأيِّ كلمة قالتها لي، ولا بتذرُّعها بِالقوانين، خلعتُ حجابي وأعطيتها إيَّاه، ثُمَّ أكْمَلَتْ تسجيل بياناتي وعدتُ بعدها إلى القسم.

كان القسم مليئًا بالرِّجال والنِّساء، يتصرَّفون تصرُّفات غريبة. في السَّاعات الأَولى لوجودي في هٰذا الـمستشفى خفت كثيرًا وشعرت بعدم الرَّاحة، لم أستطع أن أفعل أَيَّ شيء سوى الاِنزواء في إحدى زوايا القسم، والجلوس على أحد الـمقاعد، وَكُلَّمـا اقترب أحد منِّي ابتعدت عنه إلى زاوية أخرى.

بينما كنت مستغرقة في التَّفكير، سمعت صوت أحد الرِّجال يقطع حبل هٰذِهِ الوساوس ويوقفها عند حدِّها، وهو يمدُّ لي يده الَّتي تحمل جهازًا صغيرًا لسماع الـموسيقى «ووكمان»، ويخاطبني باللُّغة العبريَّة:

هل تحبِّين الـموسيقى! خذي وَاستمعي لبعض الـموسيقى!

شكرته وسعدت كثيرًا بعرضه ولم أتردَّد للحظة بِالقبول، وبعد أوَّل نغمة سمعتها عرفت مدى حبِّي للموسيقى، شعرت أَنَّني أكتشف معناها لأوَّل مَرَّة في حياتي، بعد أن مضت أَيَّام لم أسمع فيها إِلَّا أصوات السَّلاسل وطَرْق الأَبواب وَالأقفال والشَّتائم، فصدى هٰذِهِ الأَصوات هو الوحيد العالق في أذني، حَتَّى جاءت هٰذِهِ الأَلحان وأطربتني بِالجمال مجدَّدًا.

كانت هٰذِهِ الحادثة هي القفزة الَّتي نقلتني من رحلة البحث، إلى لحظة الإِيجاد لتنبِّه ذاتي من خطر السُّقوط في وحل التَّساؤلات العقيمة، بعدها قرَّرت أَلَّا أسمح للأفكار أن تؤثِّر على مبادئي أبدًا تجاه هٰؤُلاءِ البشر، فَالـمرضى النَّفسيِّون هم أُناسٌ ولن أنبذهم، أو أنظر إليهم نظرة استعلاء أبدًا، فبالتَّأكيد كُلُّ واحد منهم عاش مأساة أو صدمة، أوصلته إلى هٰذا الـمكان غصبًا عنه، ولولاها فربَّما كان فنَّانًا أو عالـمًا أو كاتبًا يذكره التَّاريخ للأبد. بعد هٰذِهِ الحادثة تلاشى الخوف من قلبي وإحساسي، وقرَّرت أن أكتشف أسرار هٰذِهِ الفئة من  النَّاس، وأن أخرج من هنا وجعبتي عامرة  بدروسٍ جديدة أضيفها لحياتي.

كنت قد قرأت بعض الكتب في علم النَّفس وَالاِجتماع، وتعرَّفت على ميادين كثيرة في هٰذا الأَفق الـمفتوح الَّذي لا حدود له، وَلٰكِنِّي تذكَّرت بعد خوض بعض الـمحادثات مع نزلاء هٰذا القسم، قول ويليام بوروز في أحد مؤلَّفاته «اَلـمريض النَّفسي هو الإِنسان الَّذي فهم ما يجري حوله»، كان لِهٰذا الكلام أثرٌ في قلبي، كي أبدأ تدريجيًّا بمحاربة وصف الـمريض النَّفسي بِالـمجنون في قاموس الـمجتمع البشري، لأدرك أَنَّ هٰذا الإِنسان أوسع مِمَّا وصموه به.

ليس هٰذا الـمكان مكاني بالتَّأكيد، ولا أريده أن يكون كَذٰلِكَ، وَلٰكِنَّني سأكون موجودة فيه لأيَّام معدودة، وَهٰذِهِ هي الحقيقة الَّتي لا مفرَّ منها، وبدل أن أجلس وأندب حظِّي عليَّ أن أبحث عَمَّا هو مختلف، وإيجاد الشَّيء غير الـمألوف فيه، عليَّ ببساطة أن أستخرج من هٰذِهِ التَّجربة، رغم قسوتها وبشاعتها، عصيرًا يفيد ذاتي لا أفكارًا تسمِّمها.

اِندهشتُ من قدرتي على الإِحساس والتَّأقلم والتَّغاضي عن أمور كثيرة، بدت لي معقَّدة للغاية، ولم أكن قادرة على استيعابها مِن قَبْلُ، اِندهشت بعد هٰذِهِ الأَحداث من كوني لم أعُد أنا، تغيَّرت حقًّا وَلٰكِنْ للأفضل، فالتَّشبُّث بما كنت عليه، ليس نوعًا من التَّمسُّك بِالهُويَّة بقدر ما هو نوع من التَّمسُّك بما قد يكون سببًا للمأساة ذاتها.

تركت نفسي تنجرف مع التَّيَّار قليلًا نحو مناطق أكثر أمانًا وسلامًا، جلست مع الطَّبيب الـمكلَّف بكتابة التَّقرير عَنِّي لقاضي الـمحكمة، وشرحت له كُلَّ الـموضوع وَالحقيقة الَّتي أوصلتني إلى هنا. أردت أن تصله الرِّسالة كما يجب أن تصل مِنِّي، وليس كما أحبَّ الآخرون أن يوصلوها، سواء كان أبي أو الـمحامي، أو أيّ شخص آخر أراد أن يتحكَّم بقدري بِهٰذِهِ الطَّريقة الَّتي لا تتوافق مع حقيقة واقعي أبدًا.

خلال فترة وجيزة في قسم للأمراض النَّفسيَّة هذا، تعرَّفت على مَن كان يحلم أن يكون عازفًا ماهرًا على آلة الكمان، وعلى مَن كانت تريد أن تُصبح مغنِّية، وأخرى فنَّانة تشكيليَّة، وآخر معلِّمًا، أو مهندسًا أو ربَّ عائلة أو أُمًّا، كانوا يتحدَّثون عن أحلامهم بفرح وغبطة وتلقائيَّة، دون أن يبدو عليهم شيءٌ غريبٌ، وفجأة أجدهم يعودون لتصرُّفاتهم الغريبة وصُراخِهم ونوبات خوفهم، ليقعوا في فخِّ الصَّدمات وَالأزمات الَّتي تعرَّضوا لها، فأصبحوا بسببها مَرْضى نفسيِّين، ليعيشوا مع صدمة جديدة من تقنيَّات العلاج الَّتي يستخدمها معهم الـممرِّضون وَالأطبَّاء، وَالَّتي أراها من منظوري الشَّخصي عقابًا قاسيًا ولا تمتُّ بصلة للعلاج، كان أقساها ربط الـمريض إلى سرير في غرفة معزولة معتمة، وتغذيته عن طريق الحقن في الوريد أو إرساله إلى صعقة كهربائيَّة.

شاءت الأَقدار أن تصبح ذاكرتي أيضًا الشَّاهدة على حادثة تحويل إحدى الفتيات إلى غرفة الرَّبط وَالعزل ليومين متتاليين، بعد أن فتحت حنفيَّة الحمَّام وبلَّلت فراش نومها وغرفتها بِالـماء، وهي غير واعية بما تفعله. حينها هرع الطَّاقم الطِّبِّي الـمكوَّن من خمسة ممرِّضين، امرأتين وثلاثة رجال إلى هٰذِهِ الغرفة ومعهم كرسي متحرِّك لونه برتقالي، وخرجوا منها وقد قيَّدوا هٰذِهِ الفتاة إلى هٰذا الكرسي بأحزمة برتقاليَّة اللَّون عريضة الشَّكل، ثُمَّ دخلوا جميعهم إلى غرفة أخرى، وبعد عشر دقائق تقريبًا خرج الطَّاقم منها وأقفلوها بِالمفتاح وتركوا الفتاة فيها.

لم أستطع مقاومة فضولي لمعرفة ما تحويه هٰذِهِ الغرفة، وما مصير هٰذِهِ الفتاة، مشيت باتِّجاهها، ومن نافذة شفَّافة صغيرة جِدًّا في الباب، رأيت الفتاة مقيَّدة اليدين والرِّجلين في سرير مُعَدٍّ لِذٰلِكَ، كانت غرفة خالية من أَيِّ شيء عدا الأَدوات الَّتي تُستعمل لعمليَّة التَّقييد، فيها ضوء خافت وعدَّة كاميرات مراقبة.

كانت نائمة على ظهرها مقيَّدة إلى السَّرير، بيدين مفتوحتين ورجلين منفرجتين، هٰكَذا قُيِّدت هٰذِهِ الفتاة وعُلِّق لها كيس للتَّغذية عبر الوريد. بعد مشاهدتي لها وهي في هٰذِهِ الوضعية تمنَّيت لو أَنَّ فضولي لم ينتهِ برؤية هٰذا الـمشهد الصَّعب، فأكتشف معه قسوة الإِنسان على الإِنسان، في هٰذا الـمسلسل الجديد الَّذي أشاهده بأمِّ عيني، فهل حقًّا أصبح عصرنا كما يقال عنه «نحن في زمن إذا قيل للحجر كن إنسانًا أجاب: عذرًا فلست قاسيًا بما يكفي».

لم أستطع أن أجد أَيَّ تبرير لِهٰؤُلاءِ الَّذينَ يسمُّونهم «ملائكة الرَّحمة» بعد أَنْ رأيتهم يطبِّقون طريقة التَّعذيب هٰذِهِ على الـمرضى النَّفسيِّين، حَتَّى لو كانت هناك قوانينُ طبِّيَّة، تشرِّع هٰذا العقاب الَّذي لا أستطيع أن أسمِّيه علاجًا أبدًا، كونه من وجهة نظري ورأيي، خاليًا من أَيَّة خصال إنسانيَّة، ولا يمتُّ بأيِّ صلة للرَّحمة وَالـمعالجة، ناهيك عن الوضع الـمزري الَّذي خرجت به الـمريضة بعد يومين من هٰذا الرَّبط وَالعزل، فَالجسد منهك والنَّفس متعبة، محبطة ويائسة، ويبدو على ملامحها هول الصَّدمة الَّتي تعرَّضت لهاجرّاءهٰذا كلّه.

لم تغب صورة هٰذِهِ الفتاة الـمصلوبة عن مخيِّلتي ولم أستطع ليلتها النَّوم أبدًا، وكيفما تجوَّلت أرى انتهاكًا لحقوق الإِنسان، وَالـمفارقة الكبرى أَنَّني أشهدها في أكثر الأَمكنة كلامًا عن هٰذِهِ الحقوق وَالقوانين.

نسيت نفسي وما ينتظرني مجدَّداً، وَانشغلت بالتَّفكير بمعاناة هٰؤُلاءِ المنسيِّين، أردت معرفة الـمزيد عن هٰذِهِ الطَّريقة الـمُهينة للمريض، سألت خمسة من الـمرضى عن هٰذا العقاب الَّذي يسمُّونه العلاج، فاتَّضح من كلامهم شدَّة الخوف والتَّأثر عند الحديث عن كيفيَّة الرَّبط، وكانت الحقيقة الأَكثر إيلامًا ومرارة، أَنَّ ثلاثة من بين هٰؤُلاءِ الخمسة كانوا قد تعرَّضوا للرَّبط وَالعزل، خلال وجودهم في هٰذا الـمستشفى ولأكثر من مَرَّة، وحين سألت عن كيفيَّة قضاء الحاجة، كانت الإِجابة بوضع الحفَّاظات لِهٰذا الـمريض الـمقيَّد.

حادثة أخرى أشعلت في رأسي الكثير من الغرابة، عندما أعلن في صباح باكر، حالة طوارئ من قِبل الطَّاقم الطِّبِّي، وبعد فترة وجيزة أُعلن خبروفاة أحد الـمرضى بنوبة قلبيَّة حادَّة، تعرَّض لها خلال نومه في ساعات اللَّيل، كانت دموع رفاقه الـمرضى وكلامهم عنه وذكرياتهم مؤثِّرة جِدًّا ولافتة، أَمَّا بِالنِّسْبَة لي ورغم أَنَّ العاطفة هي الَّتي تسيطر على تصرُّفاتي وحياتي بشكل عامٍّ، لم أتأثَّر بموته أبدًا، فكنت الوحيدة بينهم الَّتي لم تبكِ أو تنزل أَيَّة دمعة تأثُّراً بهٰذا الـموت الـمفاجئ وَهٰذا الـموقف الصَّعب، وأقول بلا مبالغة: إِنَّهُ لم يحرِّك بي ساكنًا أبدًا، فكان شعوري باردًا جِدًّا، بل وأقلَّ من العادي.

أَمَّا الشَّيء الأغرب مع هٰذِهِ الحادثة، فهو أَنَّني ومن اللَّحظة الَّتي رأيت فيها هٰذا الشَّخص، بهيئَته ومنظره وسمنته وشكله وضخامته ومشيته، ذكِّرني بِابن عمِّي، لم أطق وجودي بأيِّ مكان يتواجد فيه أبدًا، وفي اللَّحظة الَّتي كنت أراه فيها يصيبني خوف شديد. لٰكِنَّني لم أتوقَّع ولم أفكر للحظة أَنَّني سأشهد حادثة وفاته أمام عينيّ. لست أدري، هل هٰذِهِ صدفة أيضًا أم تراه قدر أراد وضع بصمته على ذاكرتي بِهٰذِهِ الطَّريقة الـمختلفة!

في يوم آخر، أحضروا للقسم امرأة يهوديَّة كانت تضع منديلًا على رأسها، يشبه إلى حدٍّ كبيرٍ الغطاء الَّذي كنت أضعه يوم دخلت هٰذاالقسم، أثار وجودها اهتمامي وتابعت النَّظر إلى مصير منديلها، كانت الـمفاجأة أَنَّها دخلت القسم وهي تضعه، وَالأكثر من ذٰلِكَ أَنَّ الـممرضة ذاتها الَّتي قرَّرت أخذ منديلي هي الَّتي أشرفت عليها أيضًا.

لم أستطع السُّكوت حينها، وتوجَّهت للمكتب وطلبت فتح النَّافذة للحديث مع الـموجودين، كانت الـممرِّضة ذاتها وممرِّضة أخرى معها، عرفت مع الوقت أَنَّها الـممرِّضة الـمسؤولة عن القسم.

أردت معرفة موقفها من هٰذِهِ القضية وإن كانت على علم بما يحصل. بلا مقدِّمات، طلبت منها أن تعطيني حجابي حالًا، وكان حديثي مسموعًا لرفيقتها أيضًا. قالت مجيبة:

لا يمكن، هٰذا ممنوع، اَلقوانين تمنع ذٰلِكَ.

كانت سعادتي لا توصف بردِّها هٰذا آنذاك، فمن داخلي تمنَّيت أن تجيبني بِهٰذا الجواب، وَلٰكِنَّني صدقًا لم أتوقَّع سماعه منها، كنت حينها كصيَّاد انتظر وقوع الفريسة في مصيدته،أشرت لها بأصبعي نحو الـمرأة اليهوديَّة وقلت لها:

وماذا عن منديل هٰذِهِ الـمرأة، هل القوانين تسمح لها بلباس الـمنديل وتمنع عَنِّي ذٰلِكَ؟

بدا عليها التَّخبُّط والتَّلعثم ولم تجبني بشيء، أَغْلَقَتِ النَّافذة بوجهي، وأخذت تتحدَّث مع رفيقتها لخمس دقائق تقريبًا، وملامح التَّورُّط بدت على ملامح الاِثنتين، بعدها فَتَحَتْ جارورًا كتب اسمي عليه وَأَخْرَجَتْ منه حجابي، أعطتني إيَّاه وَضَعْتُهُ، على رأسي وذهبتُ منتشية فرحة بِهٰذا الإِنجاز.

لم يكن إصراري على استعادة حجابي من منطلق ديني، بقدر ما كان محاولة لاستعادة بعضٍ من كياني الـمسلوب، ومناكفة هٰذِهِ القوانين الَّتي يتغنُّون بها ويدَّعون أَنَّها عادلة للجميع، بينما هي مكان لتطبيق العنصريَّة والتَّمييز بين البشر وَالأعراق وَالقوميَّات، وهو أكثر ما أكره وجوده في حياتنا وأحاربه، وكانت سعادتي أكثر حين رأتني امرأة عربيَّة أرتدي الحجاب وقالت لي عندها:

أنا أيضًا أريد حجابي.

أجبتها:

اِذهبي وَاطلبيه من الـمكتب.

ظَلَّتْ عيناي تراقبانها حَتَّى استعادت هي الأُخرى حجابها ولبسته.

كانت أَيَّامًا قليلة تلك التي قضيتها في هٰذا الـمستشفى، وَلٰكِنَّها تركت في مخيِّلتي آلافًا من الأَسئلة وَالحيرة، أبقت في قلبي محاولات لا تهدأ، لإخماد صراعات بين مشاعر متباينة متشابكة أيقظتها تلك الحكايات الـمخبَّأة فيه.

تتعرَّض الكرامة الإِنسانية وحقوق الـمريض لإهانة عظيمة، لن يغفر التَّاريخ لمن يتسبَّب بها، فكيف يكون الأَمر حين يثبت أَنَّ من ينتهكها هم العاملون في سلك الصِّحَّة النَّفسيَّة، وفي مستشفيات لعلاج الـمريض النَّفسي؟ وهل تدري جمعيَّات حقوق الإِنسان بما يحصل داخل غرف وأروقة هٰذِهِ الأَماكن؟ أم أَنَّها مغيَّبة عنهم؟ هٰذِهِ هي الأَسئلة الَّتي حمَّلت نفسي أمانة إيصالها يومًا ما إلى الخارج، وإعلاء صرخة هٰذِهِ الفئة الَّتي تعاني أيضًا من الظُّلم وَالعنصريَّة وَالاِنتهاك، والزَّمن هو الكفيل الوحيد الَّذي يمكنه أن يجيبني عليها، بعد انتهاء اعتقالي وتحرُّري.

في هٰذِهِ الفترة الَّتي قضيتها تسنَّى لي تبديل ملابسي، وهو الشَّيء الَّذي فرحت به كثيرًا، أَمَّا الشَّيء الآخر الَّذي اكتسبته بعد التَّجربة فهو أَنَّ الأَقلام كانت متاحة، إِلَّا أَنَّني كنت أمسك القلم ولا أكتب شيئًا، خصوصًا بعد معرفتي أَنَّني لن أستطيع إخراج ما أكتبه معي أبدًا، ففضَّلت ملامسة القلم فقط وَاحتضانه بين أصابعي، رغم الشَّوق الكبير الَّذي كان يعتريني للكتابة، وإخراج كُلِّ ما تختزنه مشاعري من غضب وحرقة وألم، مِمَّا أمرُّبه ويمرُّ عليَّ، استطعت الحصول أيضًا على كتابين باللُّغة العبريَّة من أحد الـمرضى،كانا كتابين من الأَدب الرُّوسي أحدهما يتحدَّث عن الأَفكار الرُّوحانيَّة وَالحياة الاِجتماعيَّة والثَّاني يحمل طابعًا بوليسيًّا، قرأتهما بنهم من شدَّة شوقي للكتب وَالحروف، وليس لمضمونهماوَفحواه.

اِنتهت ذاكرتي مع هٰذا الـمكان، حين جاؤوا لأخذي إلى المحاكمة، وَاصطحبوني معهم في سيَّارة البوسطة، لأدخل زنزانة الاِنتظار الحمراء والزَّرقاء في مبنى الـمحكمة.