image
image
image

10

image

كان موعد محاكمتي، عند الحادية عشرة والنِّصف، وَلٰكِنَّني فوجئت بإخراجي من الزِّنزانة السَّاعة العاشرة والنِّصف صباحًا، فالتَّأخُّر هو الشَّيء الـمعتاد في الـمحاكم وليس تقديم الـمواعيد، فيما بعد اتَّضح لي أَنَّهُمْ يقتادونني للتَّحقيق في مسكوبيّة النَّاصرة وليس إلى قاعة الـمحكمة.

عند السَّاعة الحادية عشرة تقريًبا، يدخل الـمحقِّق برفقته شخص آخر، جلس إلى مكتب جانبيٍّ في الغرفة، إِنَّهُ التَّحقيق الرَّابع الَّذي أمرُّ به، وَلٰكِنَّ الفرق هٰذِهِ الـمَرَّة، أَنَّني لم أطلب أبدًا محادثة الـمحامي. رفضت ذٰلِكَ عن اقتناع شخصي، وَثمة فرق آخَر هو أَنَّ هٰذا الـمحقِّق كان يصرخ عليَّ طوال الوقت، ويتلقَّى الأَسئلة من خلال رفيقه الَّذي كان يتسلَّمها بدوره أيضًا في مكالمة عبر الهاتف، وَكُلُّ ما كان يسعى إليه هو إنهاء التحقيق بسرعة قبل موعد الـمحاكمة وَالحصول مني على اعترافٍ بِأَنَّني أردت أن أكون شهيدة، وبالـمعنى الَّذي يريدونه ويفهمونه فقط، وهو ما نفيته جملة وتفصيلًا.

كان تحقيقًا قصيرًا وسريعًا جِدًّا، مقارنة بالتَّحقيقات الثَّلاثة السَّابقة الَّتي مررت بها، وفي نهاية التَّحقيق طلب مِنِّي التَّوقيع على أقوالي، طلبت أن أقرأ ما كتبه على الأوراق لكن المحقق رفض  ذٰلِكَ، وقال إِنَّ كُلَّ ما قلته هو الَّذي تَمَّ طباعته، تردَّدت في التَّوقيع على الأَوراق، إِلَّا أَنَّهُ قال لي صارخاً بغضب، تستطيعين القراءة بعد التَّوقيع وإن وجدت أَيَّ شيء مختلفاً تستطيعين تقديم شكوى بِذٰلِكَ ضدِّي، هيَّا ستبدأ محاكمتك، أردت أن أنهي صراخه في وجهي ووقَّعت على الأَوراق.

أعادوني فورًا إلى الـمحكمة، وصلت متأخِّرة عن الـموعد بنحو عشر دقائق، وكان القاضي قد افتتح الجلسة من غير حضوري، دخلت القاعة وأوَّل من بحثت عنهم بين الحضور، أهلي، وكانت هٰذِهِ الـمَرَّة الأَولى الَّتي أرى فيها أحدًا منهم منذ اعتقالي، كان أخي وأبي يتواجدان في القاعة، أرسلت لهما الضَّحكات لأطمئنهما أَنَّني بخير، ثُمَّ قرَّر القاضي بناءً على تقرير الطَّبيب في الـمستشفى أَنَّني معافاة، وأستطيع الـمثول أمام الـمحكمة. سعدت كثيرًا بِهٰذا القرار كونه الشَّيء الَّذي أردت الوصول إليه أصلًا، ولم أتفاجأ منه أبدًا، بل على العكس، هو الشَّيء الَّذي وثقت أَنَّهُ سيحدث، بدت على أبي وأخي وَالـمحامي ملامح خيبة الأَمل من هٰذا القرار، وَلٰكِنْ بالمقابل بدت على ملامحي وفؤادي الرَّاحة والسَّعادة، ولم أحزن مثلهم لهٰذا القرار أبدًا.

عرضت النِّيابة ادِّعاءاتها الجديدة على القاضي، من خلال استنتاجاتها اللَّامنطقيَّة وَالخاطئة من أسئلة التَّحقيقات الَّتي مررت بهابما في ذلك التَّحقيق الَّذي سبق هٰذِهِ الجلسة بدقائق قليلة، وطلبت استمرار اعتقالي ومتابعة التَّحقيقات معي، بعد أن رسمت للقاضي صورة عَنِّي بِأَنِّي أخطر الـمخلوقات الـموجودة على الكرة الأَرضية، والَّذي بدوره أكمل هٰذِهِ الصُّورة الـمنحوتة من خيالاتهم، بوضع الإِطار الـمناسب لها من تصميمه، ليساهم في تعليقها أيضًا، حين قال عَنِّي بِأَنَّني أريد القيام بعمليَّات إرهابيَّة، وَالقيام بعمليَّات طعن ودهس ضدَّالجمهور الإِسرائيلي اليهودي، فأقرَّ تمديد الاِعتقال، ولم أفاجأ بهٰذا القرار أبدًا، فبعد سماع هٰذِهِ الأَقوال الَّتي لا تمتُّ بأيِّ صلة لواقع الاِتِّهامات ضدِّي، ولطبيعة الأَسئلة الـموجهة إليَّ في التَّحقيقات، كان كلّ ما فعلته أَنَّني طلبت من أهلي أَنْ يُحضروا لي ثياباً إلى سجن الجلمة.

لم يعد يفاجئني شيء، صرت أبتسم فقط، بقيت صامتة، فلا فائدة من أَيِّ حديث، نعم، كانت تخنقني هٰذِهِ الأَقاويل الفارغة، فمن سيصدِّقني لو قلت إِنَّني لا أستعمل السِّكين تقريبًا في حياتي، وَإنَّني أكره الطَّبخ ونادرًا ما أدخل الـمطبخ كي أتحاشى رؤية هٰذِهِ الأَداة! وإن اضطررتُ لاستعمالها أستعمل سكِّين فواكه صغيرة. مَن سيصدِّق أَنَّ مجرَّد ذكر اسم «السِّكِّين» يسبِّب لي خوفًا وقلقًا يوصلني إلى مرحلة الفوبيا! وَلٰكِنْ إسرائيل هي إسرائيل لا تتغيَّر، وبكلِّ محاورها وأطرها تثبت أَنَّها الأَولى في العنجهيَّة، وَالعنصريَّة والظُّلم وَالاِسْتبداد وَاختلاق الأَكاذيب، وقد رأيت حَتَّى الآن أسوأ وأفضل ما في الإِنسانية، لِذٰلِكَ لم يعد فيها ما يفاجئني.

فُتح باب الزِّنزانة ودخلتها مجدَّدًا، فوجئت بشابَّة تجلس على الـمقعد الإِسمنتي الأَزرق، لبسُها للحجاب أنبأني أَنَّها عربيَّة فألقيت عليها التَّحية، وبصوت مخنوق وعينين باكيتين ردَّت عليَّ السَّلام.

جلستُ على الـمقعد الثَّاني بصمت أقرأ ما كتبوه في أوراق بروتوكول الـمحكمة، ففي كُلِّ مَرَّة أقف في الـمحاكم، كنت أعود منها بكومة أوراق دوَّنوا فيها الـمزيد من الأَكاذيب والتَّلفيقات وغرائب خيالات النِّيابة عَنِّي، كُلَّما قرأت أكثر في هٰذِهِ الأَوراق ضحكت أكثر، فلو أَنَّني لم أكن الـمتَّهمة وقرأتها لظننت أَنَّ من يتحدَّثون عنها في هٰذِهِ البروتوكولات هي أخطر الـمجرمين في العالم.

في الوقت الَّذي كان تركيزي منغمسًا بِهٰذِهِ الأَوراق استمرَّ بكاء الشَّابَّة، ولم تتوقَّف عن النَّحيب، سيطر صوت بكائها على مشاعري، ولم أعد قادرة على تحمُّل حزنها وكربها أكثر.

اِقتربت منها وباشرتـها الحديـث بعدَّة أسئلة، هل أستطيـع مساعدتك بشيء، لِمَ تبكين؟ ولِمَ أنت هنا؟ نظرت إليَّ بعينين محمرَّتين ومنتفختين من كثرة البكاء:

أنا من كنت في العفُّولة وأطلقوا النَّار علي.

قلت في الحال:

أنت هي إسراء عابد.

ولم أعطها مجالًا للرَّدِّ على سؤالي، حَتَّى هرعت من هول الـمفاجأة نحوها، حضنتها وقبَّلتها وقلت لها:

حمداً لله على سلامتك، الـمهمُّ أَنَّك الآن بخير.

لم أصدِّق ما أراه أمامي، أهي صدفة أم قدر غريب آخر أعيشه، لم أفكِّر بشيء حينها غير أن أجعلها تضحك قليلًا، بعد كُلِّ ما مرّت به فقلت لها وأنا أضحك مازحة:

اُنظري أنا هنا أيضًا لِأَنَّني تضامنت معك، أنا هنا لِأَنَّني نشرت صورتك، أنت لست وحيدة، أنا معك وتهمتي أَنَّني نشرت صورتك وخفت عليك.

حينها ضمَّتني ضمَّة قويَّة، ربَّتُّ على كتفها وقلت لها:

إِنَّها صدفة غريبة لٰكِنَّها جميلة جِدًّا على الأَقلِّ بِالنِّسْبَة لي.

وتوقَّفت هي أيضًا عن البكاء وضحكت.

تبادلنا حديثًا قصيرًا جِدًّا عن الحادثة الَّتي تعرَّضت لها في ذلك اليوم، ولحظة إطلاق النَّار عليها، وعرفت منها حقيقة ما جرى بحادثتها، وَأَنَّها بِالفعل حملت سكِّينًا، وَلٰكِنْ ليس لتعتدي به على أحد، إِنَّما فقط ليطلق عليها النَّار وتموت لِأَنَّها يائسة، محبطة جِدًّا وبحالة نفسيَّة مزرية جِدًّا، وَكُلُّ ما كانت تفكِّر فيه هو الاِنتحار ووضع حدٍّ لحياتها فقط، ولم تفكِّر بأن تؤذي أحدًا إطلاقاً. أَمَّا جلُّ حديثنا الأَساسي والطَّويل كان محوره صحَّتها ووضع إصابتها لِأَنَّهُ الأَهمُّ في هٰذِهِ الظُّروف.

كانت تتألَّم كثيراً وتعاني من نوبات وجع لا توصف، عرفت أَنَّها كانت في الـمستشفى طوال هٰذِهِ الفترة، وبالتَّحديد في غرفة العناية الـمكثَّفة بعد أن مرَّت بثلاث عمليَّات جراحيَّة، وَأَنَّها خرجت منها قبل ثلاثة أَيَّام فقط، وَاليوم هو اليوم الأوَّل لها في المحاكم. كان جسدها منهكًا وآثار إصابتها بعدَّة رصاصات بدت واضحة.

كانت حالتها الصِّحِّيَّة صعبة، لا تقوى على الحراك تعاني من إصابتين في أسفل الظَّهر ومنطقة الحوض وإصابتين في منطقة البطن، كان صعبًا عليها الجلوس أصلًا أو حَتَّى الوقوف، فمن كُلِّ جهة في جسدها توجد إصابة، وكيفما تتحرَّك تتألَّم، أَمَّا الأَكثر إيلاماً لها فهو جلوسها على مقعد إِسمنتي كَهٰذا، بهٰذِهِ الإِصابات وَفي هٰذِهِ الزِّنزانة الباردة.

بقدر استطاعتي حاولت التَّخفيف من حدَّة آلامها، كانت منهارة نفسيًّا وجسديًّا، طلبتُ المساعدة من جنود وحدة النَّحشون، وَلٰكِنَّهُمْ لم يستجيبوا ولم يكترثوا أبدًا لوضعها الصِّحِّي في البداية، إِلَّا أَنَّني لم أيأس وتكرَّرت مـحاولاتي مرة وثانية وثالثة وعشراً، حَتَّى استطعت أن أحصل على سترتين تُعطيان للسُّجناء، أخفِّف بهما شيئًا من هٰذا البرد القارس، فرُبَّما يخفِّف ذلك بعضًا من آلام جراحها.

كنت أنا أيضًا أشعر ببرد شديد في الحقيقة، وَلٰكِنِّي لم أعر نفسي أَيَّ اهتمام، وكان كُلُّ همِّي وَانشغالي هو راحتها، قمت بطيِّ السُّترة الأَولى عدَّة طيَّات ووضعتها على الـمقعد الإِسمنتي لتجلس عليه، ويخفِّف وطأة ملامسة الباطون البارد لجراحها، أَمَّا السُّترة الأَخرى فكانت كفيلة بتغطيتها ومنحها بعض الدَّفء. ومن شدة تعبها وألمها وضعت رأسها على كتفي وَاستطاعت أن تغفو لوقت لا بأس به.

جاءت بعد فترة مجنَّدة، فتحت الباب وطلبت منها الخروج لحضور جلسة محاكمتها، كما نبَّهتها لوجود كمٍّ هائل من الصَّحافة وَالإعلام وأنذرتها آمرةً أن لا تقول شيئًا، وأن لا تفصح بشيء، وأن لا تشير بيديها بأيِّ علامة كانت حَتَّى لو كان سلامًا.

كانت بِالكاد تقوى على الحركة، تمشي ببطء شديد وتعرج، صدمت أكثر حين رأيت الـمجنَّدة تضع لها الأَصفاد على رجليها ويديها، غير آبهة بكُلِّ هٰذا الأَلم الَّذي تشعر به، وعلى الرغم من صعوبة تحرُّكها فهي بِالكاد تستطيع الـمشي.

إِنَّ رؤيتها هٰكَذا وبوضعها الـمؤسف والصَّعب هٰذا، جعلني أتساءل كيف تُسرَّح مصابة من الـمستشفى، وتنقل إلى الـمحاكم والتَّحقيقات دون التَّفكير بصحَّتها؟ إِلَّا أَنَّ استرجاع ذاكرتي كلَّ الـمشاهد الَّتي عشتها والتي تؤكد انعدام الإِنسانية، جعلني لا أندهِشُ بَعْدُ مِن أَيِّ شيء أراه وأعيشه، فكلُّ شيء هنا مباح لاستغلال الإِنسان في لحظةِ ضعفه وقلَّة حيلته، وَالـمساهمة في مضاعفة بؤسه وآلامه، فهنا لا قيمة للإنسان ولا رحمة لمعاناته، وَالقوانين هنا لا تعني شيئًا، فلا حاجة لي بالسُّؤال أو البحث عنها أبدًا.

كانت جلسة محاكمتها طويلة، امتدَّت لساعتين تقريبًا، وخلال هٰذِهِ الفترة دخلتُ في حالة ترقُّب وقلق، أكثر من تلك الَّتي عشتها مع لحظات ترقُّبي وقلقي من محاكمتي.

عادت إلى الزِّنزانة وقد أقرُّوا استمرار اعتقالها، مع فحص الطَّلب بتحويلها إلى الاِعتقال البيتي بدلًا من السِّجن، بسبب الظُّروف النَّفسيَّة والصِّحِّيَّة الصَّعبة الَّتي تمرُّبها.

في السَّاعة الرَّابعة تقريبًا تَمَّ أخذنا إلى البوسطة، ومن حسن الحظِّ أَنَّنا خرجنا في فترة التَّفريغ النَّهاري، حسب تسمية قوات وحدة النَّحشون لعمليَّة توزيع الموقوفين وَالمعتقلين من زنازين الـمحاكم إلى مراكز التَّوقيف والسُّجون وَالـمعتقلات.

لم يتغيَّر شيء من ظروف الرِّحلة بِهٰذا القبر الـمتحرِّك، سوى أَنَّني في هٰذِهِ الـمَرَّة لست وحيدة فيه، وَأَنَّني وجدت مَن أتحدَّث إليها في هٰذِهِ السَّاعات، وبقدر ما كانت معاناتي من ظروف البوسطة، كانت معاناة إسراء أضعافًا بسبب الإِصابات الَّتي تعاني منها في كُلِّ أنحاء جسدها تقريبًا، وَمَرَّةً أخرى كان للسُّترتين اللَّتَيْنِ حصلنا عليهما، دور بتخفيف شيءٍ من البرد الَّذي سيطر على جسدينا، بسبب الـمكيِّف الـموجَّه تجاهنا مباشرة مِن فوق رأسينا.

مرَّت نصف ساعة، وبعدها فقط بدأت البوسطة بالتَّحرُّك، لا هواء نتنفَّسه في هٰذا القبر المتحرِّك. اختنقنا. أثناء السَّير لاحظت أنَّ الطَّريق مألوفة لي بتعرُّجاتها والتفافاتها، أردت التَّأكُّد من المكان، وقفت ونظرت من خلال الثُّقوب الصَّغيرة، وبرغم الصُّعوبة، إِلَّا أَنَّني استطعت أن أعرف المكان. قلت لإسراء إنَّنا في النَّاصرة، نحن نقترب من مدخل يافة النَّاصرة، فورًا رأيت التَّأثُّر على وجه إسراء، كانت تائهة بين مشاعرها وقالت لي: أنا أسكن في يافة النَّاصرة، بدأت الدُّموع تسيل من عينيها، وقفت مجدَّدًا على رؤوس أصابعي لأحاول تحديد المكان بدقَّة أكثر، إنَّنا بالضَّبط عند مدخل يافا، نقف على الإشارة الضَّوئيَّة. ما إن سمعت هٰذا، حَتَّى تأثَّرت أكثر وبدا عليها القلق والخوف أكثر فأكثر وقالت: ابنتي في البيت الآن مع والدها، لقد اشتقت إليها. تحرَّكت من مكانها بسرعة تحاول جاهدة الوقوف ورؤية المكان من الثُّقوب الصَّغيرة. حالًا أوقفتها وقلت لها: أخاف عليك أن تسقطي أو أن تتلقِّي ضربة على إصابتك، لن تستطيعي رؤية شيء من هنا. أجابتني بتأثُّر: ساعديني، أريد أن أرى بيتي وابنتي، رُبَّما تكون متواجدة الآن في السَّاحة؟ الآن يا دارين أريد أن أرى! لا أعلم متى سأرى بيتي مَرَّةً أخرى! كلماتها أصابتني في الصَّميم، خنقتني، استوطنت على قلبي ومشاعري، آلمتني وانغرزت في فؤادي كالسِّكِّين. ألبستها السُّترتين معًا لكي أبعد عنها خطر سقوطها، وأيَّ احتمال لأن تتعرَّض لأيِّ ضربة قد تصل إلى جرحها، حالفنا الحظُّ أنَّ سيَّارة البوسطة كانت تسير بطيئة نوعًا ما، بسبب زحمة حركة السَّير والسَّيَّارات في الشَّارع، جلست على الأرض وأخفضت جسمي بقدر استطاعتي، طلبت منها الاستناد عليَّ، أمسكتها جيِّدًا وحملتها، مرَّت عدَّة ثوانٍ وبدأت تنادي اسم "لين.. لين" ابنتها، بقيت تنادي وتبكي بصوتها المخنوق ألمًا ووجعًا حَتَّى غاب مشهد البيت عن ناظريها، أنزلتها ببطء وأعدت إجلاسها على الكرسي. مرَّت لحظات والصَّمت يخيِّم علينا، نظرت إليَّ، ابتسمت للحظات قصيرة ثمَّ غرقت في البكاء مجدَّدًا، لم أعلم ما أفعله، ووجدت نفسي أحضنها وطلبت منها أن تغفو وتنام في حضني، أردتها أن ترتاح ولو قليلًا مع هٰذه الطَّريق الصَّعبة والطَّويلة، وضعت رأسها على رجليَّ وبدأت ألاطف وجنتيها وصباحها وفوق حجابها بيدي، أحاول بكلِّ استطاعتي أن لا تمسَّها القيود الَّتي تحيط رسغ يدي، وأن لا يضايقوها، أصبح كلُّ همِّي فجأة أن أجعلها تشعر بالأمان والرَّاحة، غفت لعشر دقائق إلى أن التفَّت بنا البوسطة التفافًا حادًّا حيث لم أجد شيئًا أتمسَّك به وأمنع حركتي، تحرَّكت فاستيقظت.

في اللَّحظة الَّتي كانت الواحدة منَّا تحاول تدفئة الأَخرى، سمعنا فجأة صوت تقيُّؤٍ أحد السُّجناء في القفص الـمقابل لقفصنا، لتزداد معاناتنا بِانبعاث الرَّائحة الكريهة جِدًّا نحونا في هٰذا القفص الـمغلق وبلا متنفس هواء، إضافة للتَّلوُّث السَّمعي الَّذي كنَّا نعانيه مِن سَيْلِ الشَّتائم وهول السّباب وَالكلمات وَالأصوات القبيحة وَالبذيئة الَّتي لا يمكن تحمُّلُها، والتي وصلتْ حدَّ العنف والتَّحرُّش الكلامي، سواء من السُّجناء أو من الجنود فالنَّتيجة أَنَّها مؤذية جِدًّا للمشاعر؛ اِستمرَّ الصُّراخ من الطَّرفين وكأنَّهم يتناوبون على تأدية هٰذِهِ الـمَهَمَّةِ بكلِّ أمانة وبلا تقصير، إلى أن وصلنا معتقل الجلمة.

السَّاعة السَّابعة وبضع دقائق، توقَّفت المركبة في ساحة الـمعتقل، فُتحت الأَقفال وأنزلوني أوَّلًا من سيَّارة البوسطة، وتُركت إسراء فيها مع وجود الحراسة عليها، وَذٰلِكَ بسبب وجود مجنَّدة واحدة في وحدة النَّحشون، مرافقة لزملائها الأَربعة الذُّكور، فقوانينهم تنصُّ على مرافقة مجنَّدة لكلِّ أسيرة، لتنقلها من مكان إلى آخر، وإن لم يتوفَّر ذٰلِكَ فعليها نقل الأَسيرات على دفعات، حسب عددهنَّ، وفي حالتي أنا وإسراء توجَّب عليها تكرار الـمَهَمَّة مرَّتين وعلى دفعتين.

أدخلتني الـمجنَّدة إلى ذات القسم الَّذي كنت فيه سابقًا، وكان عليَّ أن أُجهِّز نفسي ونفسيَّتي للتَّفتيش العاري وعذاباته، وَلٰكِنَّني قرَّرت أن أحاول مع السَّجَّانة أَلَّا تفعل ذٰلِكَ، بعد أن مررت بِهٰذا العذاب مرَّتين هٰذا اليوم في زنازين الـمحكمة.

تعرَّضت لِهٰذا الإِذلال عشرات الـمرَّات، وفي كُلِّ مَرَّة كنت أعيش مشاعر قاسية أكثر من الَّتي سبقتها، لذا قرَّرت أَلَّا أيأس، وأحاول مَرَّة أخرى مع السَّجَّانة لأمنع هٰذا التَّفتيش الـمذلَّ.

أدخلتني السَّجَّانة إلى الزَّاوية نفسها وطلبتْ مِنِّي خلع ملابسي في الحال، طلبتُ منها أن تصدِّقني بأن لا داعي لتفتيشي، وأكَّدت لها أَنَّني لا أحمل شيئًا. فقالت مجيبة بالكلام عَيْنه الَّذي سمعته كثيرًا:

لا أستطيع ، إِنَّها القوانين.

شعرت هٰذِهِ الـمَرَّة بشيءٍ يخنقني أكثر من كُلِّ الـمَرَّات الفائتة، ولم أستطع أن أتمالك أكثر، تأثَّرت كثيرًا وشرحت لها عن الأَمور الَّتي تعرَّضت لها وأنا صغيرة، وَأَنَّ التَّفتيش العاري يؤثِّر على نفسيَّتي كثيرًا ويضايقني جِدًّا، اِعتقدتُ أَنَّ قلبها سيرأف لحالي ووضعي فتعفيني من هٰذِهِ العمليَّة، بعد أن بدا على وجهها بعض التَّأثُّر، وَلٰكِنَّني صُدِمت منها حين قالت:

فقط ارفعي البلوزة عن جسدك وأنزلي البنطال لن ألـمسك، وسأكتفي بالنَّظر وَالفحص بعيني.

اِعتَقَدَتْ أَنَّها وبعملها هٰذا قدَّمتْ إِنجازًا للإنسانيَّة ولي في هٰذا السِّجن، وخفَّفت عَنِّي بعض الـمعاناة بِهٰذا الرَّدِّ، وَلٰكِنَّها في الحقيقة زادت تعاستي أضعافاً، شعرتُ بِاليأس، أغمضت عينيّ وفعلت ما طلبتْه بسرعة لأتحاشى رؤيتها وهي تغتصب خصوصيَّة جسدي، أنهت مَهَمَّتَها بتحرُّش عينيها بجسدي العاري، فالتَّحديق والنَّظر إلى جسدي مِن قِبَلِ هٰذِهِ السَّجَّانة، بِهٰذِهِ الطَّريقة غير اللَّائقة وغصبًا عَنِّي، هو شكل من أشكال التَّحرُّش الجنسي أيضًا، ولا أحد يمكنه أن يتصوَّر مدى الأَذى الَّذي شعرت به في هٰذِهِ الثَّواني القليلة والَّذي سيبقى يلاحقني أبدا.

فتحتْ لي السَّجَّانة البابَ العملاق الأَزرق، دخلتُ الزِّنزانة الكئيبة، وفي الحال وقبل الشُّروع بأيِّ شيء طلبتُ منها موادَّ لتنظيفها.

لم يكن حال الزِّنزانة هٰذِهِ الـمَرَّة أفضل من الفترات السَّابقة فبالإِضافة إلى كُلِّ ما عانيته من النَّظافة من قبلُ، كانت هناك بقع دماء في أماكن متفرِّقة على جدرانها، قمت بإزالتها بالـماء والصَّابون وفرْك الجدران بِالـمكنسة، لِأَنَّ بقاءها على الجدران سيسبِّب لي تقيُّؤًا مستمرًّا، يمكن أن يوصلني إلى الغثيان، خصوصًا أَنَّني لا أعلم ما الـمدَّة الَّتي سأمكثها في هٰذِهِ الزِّنزانة. بين تفكير وآخر تمنَّيت أن يحضروا إسراء إلى زنزانتي، إِلَّا أَنَّ ذٰلِكَ لم يحصل، ولم أعلم شيئًا عن مكانها.

جلست على السَّرير وحاولت النّوم فلم أستطع، كنت أعاني من صداع حادٍّ لم أستطع تحمُّله، اضطررت لطلب قرص مسكِّنٍ من السَّجَّانة، وبعد مرور ساعة على طلبي ناولتني حبَّة «أكامول» لونها أصفر. أخذتها وعدت إلى السَّرير، وعلى غير عادتي بدأت أعاين حبَّة الدَّواء هٰذِهِ وأقلِّبها بين كفَّيَّ، وَكُلَّما أردت بَلْعَها تخيَّلتها قلمًا فأعدت التَّفكير بِذٰلِكَ، عندها شعرت بحاجة ماسَّة إلى الكتابة، وَاجتاحني شوق غريب إلى القلم لم أعشه من قبلُ، لم أستطع أن أتحمَّل نفسي أكثر بلا كتابة، وَكَأَنَّ شعوري يحثُّني على فِعْل ذٰلِكَ، ولم أشعر إِلَّا وأصابعي تمسك حبَّة الدَّواء لأحاول الكتابة بهاعلى الجدار، فشلتْ محاولتي ولم تأت بنتيجة، وضعت حبَّة الدَّواء في كفِّي وعدت إلى النَّظر إليها بتمعُّن، وكأنِّي أريد أن أُخرِج الحبر منها بأيِّ طريقة كانت.

شعرتُ ببرْدٍ خفيف، رفعتُ السَّحَّاب وأغلقت عليَّ السُّترة، ثُمَّ وفي الحال خلعتُها عَنِّي وفصلت مقبض السَّحَّاب عنها، جرَّبت الكتابة به على الجدار فنجحت المحاولة.

كان اسمي والتَّاريخ وَالوقت أوّلَ ما كتبْت، ثُمَّ خطَّتْ يدي خاطرةً بعنوان «نقوش مؤنَّثة على جدران زنزانة»، وبعضَ الـمقاطع من قصائدي، التي كنت قد حفظتها عن ظهر قلب، ومنها القصيدة الَّتي دخلتْ دوائر اتِّهامِهِم لي وأصبحتْ محورَ اعتقالي وسببَه، وكلماتٍ وجملًا أخرى متفرِّقة ومتمرِّدة تصِفُ شخصيَّتي والظُّروفَ الَّتي أمرُّ بها.

أكتب وكأنَّني أبحث عن لغة تشبه حلمي وتجسِّد فزعي، لأخلع الكلمات من صمتي وأعلن أَنَّها نافذة تطلُّ على الأَيَّام الـمقبلة، كانت حروفي على الجدار كالصُّور الـمنحوتة، أحفظ بها ارتعاشاتي وألملم بها أحلامي وأمنياتي. كنتُ معزولة عن كُلِّ شيء، وحيدة، لم يُتَحْ لي التَّواصل مع الخارج، لا رسائل، لا هاتف، لا كتب ولا مجلَّات، ولا أقلام للكتابة، لا إذاعة ولا تلفاز، وَلٰكِنْ حين شعرت بِأَنَّني يجب أن أقول شيئًا قلته، وَحَتَّى لو سجنني كُلُّ العالم ووقف ضدَّي، وشدَّ قبضته على رقبتي وحاولَ خنْقَ صوتي لن أصمت، بل ولن يستطيع إخراس صوتي، وسأقول ما أريده في أَيِّ زمان وفي أيِّ مكان كنت أو أعيشُ فيه.

شكرت حبَّة الدَّواء الَّتي منحتني شرف هٰذِهِ التَّجربة، وأهدتني فكرة الكتابة بسَحَّاب السُّترة، نسيت موضوع الصُّداع، لم أتناولها، وضعتها في جيب سترتي وأعدت قلمي السِّحري إلى مكانه ونمْت.

اِقتادوني في الصَّباح مَرَّة أخرى إلى المسكوبيّة في النَّاصرة لجلسة تحقيق، ووضعوني في غرفة بجانب مكتب التَّسجيل.

كانت غرفة باردة جِدًّا كسابقاتها، وَلٰكِنْ لا يوجد فيها أيِّ مقعد  للجلوس، رغم أَنَّها كانت واسعة وكبيرة، فَاضطررت للجلوس على الأَرض، كنت مكبَّلة الرِّجلين وَاليدين، وبين الحين وَالحين كنت أطرق الباب لأذكِّرهم بوجودي هنا، فيردُّ عليَّ أحدهم ويجيبني أَنَّ الـمحقِّق لم يحضر بعد، وفي مرَّات كثيرة لا أتلقَّى أَيَّ ردٍّ من أيِّ أحد، لأمَلَّ من الطَّرْق وأعود لجلستي على الأَرض، فُتِح الباب فجأة، دخل شرطي إلى الغرفة وهو يحمل بيده اليمنى قنينة عطر نسائية، لونها زهري، وأغلق الباب، اقترب مني وبدأ ينثر علي بعض العطر وهو يقول: أنت جميلة جدًا، عيناك جميلتان، ما رأيك أن أجد لك زوجًا مناسبًا مِن أحد رجالي العاملين هنا في مركز الشرطة؟ لم أستطع تمالك أعصابي شتمته عدّة شتائم وصرخت بصوت عالٍ في وجهه، لم يتراجع عن عمله القذر ولم يردعْهُ صوتي وصراخي، أدركت أن الصراخ لن يأتي لي بشيء فهو واثق كل الثقة بما يفعله ويبدو أنه مُخَطَّط له أيضًا، اقترب مني أكثر وبدأ يحاول لَـمْسَ جسدي، شعرت بضيق وغصة تراجعت للوراء لأبتعد عنه قدر المستطاع وأمنعه من ملامستي إلا أن الغرفة مغلقة، اقترب مني أكثرثم حاول وضع يده اليسرى على وجهي، واليد اليمنى الممسكة بقارورة العطر على صدري. بيديّ المكبلتين أبعدتُ يدَيْهِ عني ودفعتُه بعيدًا بقوة، وشتمته بصوت عال مرة أخرى وما عاد يهمني أي شيء، هممْتُ بضرْبه إلا أنه تراجع فورًا، خرج مِن الغرفة وطرق البابَ بعُنف واختفى. على الرغم مِن صعوبة الموقف حاولتُ أن أعرف اسمه وهويته إلا أن شارة التعريف لم تكن مُعلّقة على قميصه.

بعد دقائق معدودات فُتح الباب مجددًا، أحدهم أدخلَ لي شطيرة خبز وقنِّينة ماء، أخبرته بما حصل فأجابني: أنا متواجد هنا طوال الوقت ومنذ إدخالك إلى هنا، ولم أر أي شرطي يدخل إليكِ، أنت تكذبين وتختلقين الأشياء، هذا غير صحيح. طلبت منه أن أذهب إلى الحمَّام، فقال إنَّهُ سيخبر شرطيَّة وستأتي هي لتأخذني. لم يكن هدفي الذهاب إلى الحمام بعد كل ما حصل إنما أردتُ الخروج من هذه الغرفة لبضع دقائق عسايَ أرى مجددًا ذاك الشرطي المتحرش وأواصل القيام برد فعْل أقوى وأنجع على ما قام به ضدي مِن تحرشات.

بعد نصف ساعة تقريبًا جاءت شرطيَّة برفقة شرطيٍّ آخر، وَاصطحباني إلى غرفة الحمَّام، دخل الشُّرطيُّ الحَمَّام وتفحَّصه جيِّدًا وأجرى عليه تفتيشًا سريعًا، وقالت الشُّرطيَّة بعْدَ ذلك:

تستطيعين الدُّخول.

طلبت منها فكَّ قيود اليدين، رفضتْ. فرفضت بدوري الدُّخول لقضاء حاجتي مقيَّدة اليدين، تدخَّل الشُّرطي وهزَّ رأسه مشيرًا لهابأن تفكَّ يدي، ففعلت، دخلتُ وقضيت حاجتي، وأعادت القيود إلى يدي ثُمَّ أعادوني إلى الغرفة ذاتهابدون أن أحقق الغاية التي طلبت الخروجَ لأجلها، فذاك الشرطي اختفت آثاره لأظلَّ ملقاة في الغرفة حَتَّى الرَّابعة عصرًا، دون الـمثول لأيِّ تحقيق، وحين اعترضت على ذٰلِكَ وسألت عن السَّبب، كان الرَّدُّ أَنَّ الـمحقِّق لم يستطع الحضور فحسب، وَأَنَّ التَّحقيق تأجَّل إلى يوم آخر، ليعيدوني إِلى سجن الجلمة.

قبل دُخول الزنزانة الَّتي تركتها، كانت السَّجَّانة قد بُدِّلت بأخرى، أقسمتُ لها أَنَّني لا أحمل شيئًا، وطلبتُ منها أَلَّا تفتِّشني تفتيشًا عاريًا وتكشف جسدي، فهزَّت رأسها وقالت لي:

أعلم ذٰلِكَ، قد عرفت من زميلتي ظروفك، أنا لن أفتِّشك.

شكرتُها كثيرًا على معروفها الكبير هٰذا، وكانت سعادتي كبيرة بِهٰذا الرَّدِّ الإِنساني منها تجاهي، وتبادلنا ابتسامة طويلة، لأدخل مجدَّدًا غرفة السِّجن.

شعرت أَنَّ اللُّغة بعْدَ هٰذِهِ الحادثة تخونني، وَأَنَّ جزءًا من بعض الحقيقة عن طبيعة السَّجَّانات مخفيٌّ أيضًا، فأنا لم أذكر أَنَّني قرأت مَرَّة عن حسن معاملة السَّجَّانين للأسرى، دائمًا يتحدَّثون عن السُّوء وَالقبْح، وَلٰكِنْ جاءت هٰذِهِ الحادثة، على الرغم من أَنَّها يمكن أن تكون نادرة، لأشعر أَنَّ الإِنسان يظلُّ كَذٰلِكَ حَتَّى لو كان سجَّانًا. فَالحوادث هنا كاللُّغة الَّتي تخفي الحقيقة أكثر مِمَّا تكشفها أحيانًا، لِذٰلِكَ يسيء النَّاس دائمًا فهم وتقدير بعضهم بعضًا، وفي عالم مليء بالتَّرجمات السَّيِّئة ليس بِوسْعِ المَرْء أن يكوِّن أفكارا صحيحة مادامت ناجمة عن سوء فهم، لذا يفترضُ به في حال كهذه أن لا يكون متشدِّدًا ومتصلِّبًا، فمن أجل أن يعيش الـمرء ويستمرَّ في الحياة لا بدَّ له أن يتعمَّق في تأمُّلِ الألوان بِاستمرارويغوص لالتِقاطِ معانيها.

تتكرَّر حياتي في هٰذِهِ الزِّنزانة على  الهيئة عَيْنِها، والذي جَعَلها مختلفة عن البداية هو فقط خربشاتي على الجدار بالسَّحَّاب؛ القلم السِّحري خاصَّتي.

تفتح السَّجَّانة باب الزنزانة وتُدخل إليها الأَسيرة إسراء وشابَّة أخرى جديدة، أسرع إلى إسراء أطمئنُّ على صحَّتها وأسألها عن أحوالها، وأساعدها بحمل أغراضها وَالجلوس على أحد الأَسرة، وقد عرفت منها أَنَّها قضت هٰذِهِ الفترة في السِّجن النِّسائي في الرَّملة «نفي ترتسَّا»[6]

اِختارت كُلُّ واحدة منهما النَّوم على الأَسرَّة السُّفليَّة وَابتعدتا عن الأَسرَّة الـموجودة في طابق ثانٍ، أو حَتَّى التَّفكير بها، وَذٰلِكَ بسبب صعوبة الصُّعود والنُّزول على السُّلَّم منها وإليها، وَكَذٰلِكَ لتفادي السُّقوط عنها خلالَ النَّوم، أَمَّا أنا خلافاً لهما، ومنذ دخولي هٰذا الـمعتقل، فقد فضّلتُ النوم على السَّرير الـمرتفع، لِأَنَّني لم أطق أن تلتصق عيناي بِالحديد طوال الوقت، فالنَّظر إلى سقف مصنوع من الباطون بِالنِّسْبَة إلي يخفِّف من وطأة الشُّعور بِهٰذا السِّجن وَهٰذِهِ الزِّنزانة القبيحة.

اَلشَّابَّة الثَّانية اسمها هدى، تُدَخِّنُ وتستعمل ألفاظًا نابية مع السَّجَّانات، وتصرخ دائماً بسبب وبلا سبب وفي كُلِّ وقت. اِستطعت تحمُّل تصرُّفاتها لنصف ساعة فقط، وبعدها قرَّرت محادثتها بِالـموضوع، شرحتُ لها الوضع الصِّحِّي الَّذي تعاني منه إسراء، وطلبت منها مساعدتي بتخفيف آلامها، لم يأخذ ذٰلِكَ جهدًا طويلًا مِنِّي لأصل معها إلى تفاهم واتِّفاق لاحترام وجود بعضنا مع بعض في هٰذِهِ الزنزانة الـمشتركة، وتقبُّل الواحدة منَّا للأخرى على الرغم من كلِّ الاختلافات، هي شابَّة في العشرين من عمرها، بسيطة جِدًّا وطيِّبة القلب، وإن كانت تبدو عكس ذٰلِكَ بتصرُّفاتها.

بعد مرور وقت قصير من حديثي معها، فوجئتُ بها تنهار في سريرها باكية، هرعتُ إليها مسرعة وَاعتقدت أَنَّني السَّبب في بكائها وَانهيارها وَأَنَّني قسوت عليها بكلامي وطلبي، فاعتذرتُ منها فورًا، وفوجئت بها تقصُّ عليَّ حكايتها وسببَ توقيفها ووجودِها هنا.

أثارت حكايتها ومعاناتها عاطفتي. كُنْتُ اعتقدت للوهلة الأَولى أَنَّها «عصفورة»، موجودة هنا للتَّأثير عليَّ وَاستدراجي بِالكلام، خاصَّة أَنَّني حَتَّى الآن بلا لائحة اتِّهام، وَلٰكِنَّني سرعان ما تأكَّدتُ مِن أنّني بالغْتُ في شُكوكيَ التي ما كانت في مَحلّها، فالفتاةُ لم تسألني أبدًا حَتَّى عن تهمتي أو سبب وجودي في هٰذا الـمعتقل. في الحال بدأتُ الحديثَ معها ومحاولةَ التَّخفيفِ مِن أوجاعِها، لكنّ الأَمر ازدادَ صعوبة عليَّ حين بدأتْ إسراء أيضًا بِالبكاء.

لم أكن أشعر مِن الدَّاخل بِالقوة الَّتي تمتصُّها مِنِّي الأُخْرَيات، ففي أعماقي أشعر بِانهيار وضعف ويأس وإِحباط، وَلٰكِنْ ومع كُلِّ ما ينتابني، ومع كُلِّ هٰذا الأَلم وَهٰذِهِ الـمشاعر السَّلبيَّة، لم أستطع البكاء طوال هٰذِهِ الفترة على الرغم مِن تَوافُر أسبابه وَمِن أَنَّني كنت أحتاجه كثيرًا، حسدتهنَّ بيني وبين نفسي على نعمة البكاء، ثُمَّ قلت لهنَّ وأنا أضحك:

ما رأيكنَّ أن تجلسا وتبكيا على سرير واحد، فتسهِّلا عليَّ مَهَمَّة التَّنقُّل بين السَّريرين؟

فردّتْ عليَّ كُلُّ واحدة منهنَّ بضحكة علت في أجواء الزِّنزانة وزيَّنت جدرانها القاتمة.

خلال بضع ساعات فقط، ودون أن نشعر ونخطِّط، أصبحنا ثلاثَ صديقات، وكأنَّنا نعرف بعضنا بَعضاً منذ سنوات وليس منذ ساعات، تقاسمنا الـمودَّة الحقيقيَّة، كنَّا معاً نأكل ونشرب، نحزن ونضحك، ونتسامر ونتسلَّى. إن أحضرت إحدانا شيئًا لها أحضرت لنا جميعًا، حدَّثتهنَّ عن مغامراتي المضحكة في التَّصوير، عن مَرَّةٍ كنت أصوِّر في سوق النَّاصرة القديم فرأيت رجلًا كبيرًا في السِّنِّ يسير بين مجموعة من السَّائحين الأجانب، وهو يلبس كوفيَّة سوداء مع القمباز بزيّه الفلسطيني القديم، كان المشهد بالنِّسبة لي ملهمًا وجميلًا، أردت تصويره، اقتربت منه ،وبعد أن اخترت الزَّاوية المناسبة للصُّورة، وإذ بي أفاجأ به يرفع عكَّازه نحوي ويريد أن يضربني بها، بدأ يركض ورائي بعكَّازه وأنا أحاول الهروب والشَّرح له عن الصُّورة وأهمِّيَّتها، فكانت المفاجأة أنَّني رأيت السَّائحين يصوِّرونني وأنا بِهٰذا المشهد، عندها  تحوَّلت أنا لصورة لهم. أنهيت الحديث لإسراء وهدى عن هٰذِهِ الحادثة وسمعت صوت الضَّحكات الطَّويلة والمتواصلة تزيِّن هٰذا المكان القاتم بالكآبة. 

دخلت إسراء الحمَّام وطلبت مِنِّي مساعدتها في تغيير الضُّمادات عن جراح إصابتها، وخاصَّة تلك الَّتي في البطن، كانت تضع كيسًا طبِّيًّا تغلِّف فيه أمعاءها، كان جزءٌ مِن الأَمعاء خارج بطنها، وآثار الرَّصاصات الَّتي اخترقت جسدها واضحة للعين ولا تحتاج للأسئلة وَالاِستفسار. لم أسألها حفاظًا على مشاعرها وكي لاأثير ذاكرتها بما جرى، بعد أن بدأت تشعر ببعض الطُّمأنينة وَالأَمان.

صُدِمْتُ من هٰذا الـمشهد، فَهٰذِهِ هي الـمَرَّة الأَولى في حياتي الَّتي أشاهد فيها مثل هٰذِهِ الأُمور، إِلَّا أَنَّني حاولت قدر استطاعتي عدم إظهار ذٰلِكَ لها، يجب تبديل هٰذا الكيس كُلَّ بضع ساعات، هٰذا ما عرفتُه منها، حاولنا تركيب الكيس الجديد الَّذي أعطوها إيَّاه من عيادة السِّجن، لٰكِنَّنا لم نُفلح بوضعه في الـمكان الـمخصَّص له، فقياساته مختلفة عن قياسات القاعدة الـملصقة في بطنها، وفي الحال توجَّهتُ إلى السَّجَّانة وشرحتُ لها الـمشكلة، وحاولت أن أفهم لِمَ على الأَسيرة الـمصابة أن تقوم بِذٰلِكَ الأَمر بنفسِها وبدون مساعدة الـممرِّض أو طبيب السِّجن؟ إِلَّا أَنَّها لم تجبني بشيء، لم أجد أَيَّ جواب لِهٰذِهِ السِّياسة سوى تعذيب الأَسيرة الـمصابة ومُضاعَفَة معاناتها فقط، وَكُلَّ ما فعلتْه السَّجَّانة أَنَّها نقلت الرِّسالة إلى الممرِّض الَّذي جاء بعد انتظار ليفهم مِنِّي الـمشكلة بالضَّبط. في هٰذا الوقت كانت إسراء تنتظرني في الحمَّام، تضع مناديل ورقيَّة على الجرح الـمفتوح الَّذي لا يتوقَّف عن نزِّ الأَوساخ وإخراجها بِاستمرار، إضافة إلى وجوب عَدَم تعرُّضه للهواء خشية التَّلوُّث وَالاِلتهاب. لم نقم بعمليَّة التَّغيير على السَّرير في الغرفة، بسبب وجود كاميرات الـمراقبة فيها، وَالـمكشوفة على عدَّة جهات وَبالتالي انعدام الخصوصيَّة فيها.

طلبتُ من الـممرِّض أن يحوِّل إسراء إليه في العيادة، ويرى الـمشكلة بنفسه لتتلقَّى العلاج كما يجب، فرفض ذٰلِكَ كلِّيًّا وبلا إبداء حجَّة مقنعة يُبِرر بها رفضه! مِمَّا اضطرَّني لأن أحضر الكيس الوسخ وأريه الخلل وَالفرق بينه وبين الأَكياس الجديدة الَّتي تلقَّتها منهم. ذهب وغاب بدوره وعاد بعد دقائق وناولني لاصقًا طبِّيًّا وقال لي إِنَّ هٰذا كفيل بحلِّ الـمشكلة.

عدت إلى إسراء، وتعاونَّا على تغيير الكيس ولصْقِه بالقاعدة، وكنتُ شديدة القلق بسبب حرْصي على أن أكون دقيقة، وعلى أن لا أتسبَّب بإيلامها، في الوقت نفسه. بعد إنهاء هٰذِهِ الـمَهَمَّة القاسية تخيَّلتُ الصُّعوبة الَّتي ستواجهها إسراء، لو أَنَّها قامت بتغيير هٰذا الكيس بمفردها!

لم أكن أعلم سابقاً أَنَّني أملك هٰذِهِ القدرة على تحمُّل الـمواقف الصَّعبة وَالإِحساس بمعاناة الآخرين، بل أشكُّ أَنَّني كنت أمتلك هٰذِهِ القدرة أصلًا،وأظنُّ أَنَّ هٰذِهِ التَّجارب الَّتي مررت بها هنا، أثبتت لي أَنَّني بِالفعل قادرة على فعل ذٰلِكَ، وَأَنَّ هٰذِهِ التَّجارب غيَّرت حقًّا الكثير من طبيعتي ونمط حياتي.

ما زلت بلا ملابس إضافيَّة، وكلُّ ما كنت أفعله سابقًا فعلتُه مجدَّدًا، غسْل الـملابس الَّتي على جسدي وَارتداؤها مَرَّة أخرى رطبة، هدى مثلي أيضًا تعاني من ذات الـمشكلة، وَلٰكِنْ معاناتها أقلُّ لكونها حديثة في هٰذا الـمعتقل، أَمَّا إسراء فهي الوحيدة الَّتي استطاعت أن تُدخل معها بعض الأَغراض فكانت الـمحظوظة بيننا في هٰذا الشَّأن، عندما حصلت عليها من أهلها خلال مكوثها في الـمستشفى، وَلٰكِنْ مقاسها لا يتطابق مع مقاسنا أبدًا، لذا لم نستطِع الاِستعانة بملابسها، أَمَّا الجائزة الكبرى الَّتي حصلنا عليها من أغراضها فهي فرشاة الشَّعر. أحسست بقيمة فرشاة الشَّعر بعد تمكنّي مِن تسريح شعري مجدَّدًا وأنا في سجن الجلمة، لم أعتقد يومًا ولم أفكِّر أَنَّني سأحْرَم مِن استخدام الفرشاة، وَأَنَّني سأكتب يومًا عن قيمة هٰذِهِ الأَداة للإنسان، كانت التَّسريحة الأَولى في الـمعتقل بمثابة اكتشاف جديد لِهٰذِهِ الجوهرة الثَّمينة الَّتي لن أنساها أبدًا، وَاكتشافاً جديداً لقيمة شَعري. نثرت شعري وبدأت أسرِّحه بفرح وسرور، نظرت إسراء إليّ وقالت لي وهي تضحك: "هاي أوَّل مرَّة بحياتك بتمشِّطي فيها شعرك؟ سمعتها هدى فضحكت الأخرى عليَّ وأكملت، "خلص شكلك لقيتي المفتاح وبدِّك تطلعي تلفِّي برَّا"؟ كلامهما أشعرني بالفرح والسَّعادة فضحكت من كلِّ قلبي. كثيرة هي اللَّحظات الَّتي أردنا فيها أن نكسر قالب الجمود الَّذي يحيطنا، فنجلس نحن  الثَّلاث نسرّح شعورنا، واحدة تسرّح شعر الأخرى، نجلس ثلاثتنا على سرير إسراء، أنا أجدِّل شعر هدى وإسراء تجدِّل شعري وبعدها أنا أجدِّل لإسراء. 

ذات يوم حدَّثتني هدى عن شغفها وحبِّها للَّعب بالكرة معبِّرة عن شوقها الشَّديد للمس كرة بين يديها، رُبَّما كانت حاجتها للَّعب شبيهة بحاجتي للكتابة!. اِندمجتْ إسراء معها بِالحديث وتمنَّت كَذٰلِكَ لو أنَّ بِالإِمكان اللَّعب بِالكرة في هٰذِهِ الزنزانة، وسيطرت مشاعر الحرمان وَالحسرة على صوتهما. خلعتُ عَنِّي سترتي، طويتها وربطتها بشكل دائريٍّ بقوَّة جعلتها صلبة، رميتها نحو سرير هدى وقلت لهما ما رأيكما بِهٰذِهِ الكرة؟ لا كلام يمكنه وصف الفرحة الَّتي زيَّنتْ ملامحَهما في هٰذِهِ اللَّحظة، بدأنا نلعب ونتبادل فيما بيننا رمْيَ هٰذِهِ السُّترة وكأنَّها كرة حقيقيَّة بِالفعل.

في التَّاسعة مساء، أُجَرُّ مَرَّة أخرى إلى غرف التَّحقيق في النَّاصرة، قبل البَدءِ بالتَّحقيق قابلتُ الـمحامي الجديد الـمكلَّف بالدِّفاع عني، وعرفت منه أَنَّ التَّحقيق هٰذِهِ الـمَرَّة يتمُّ من أجل زجِّ تهمة جديدة، وهي تأييد خليَّة إرهابيَّة. لم تكن محادثتي مع الـمحامي الجديد إِلَّا لبضع دقائق، حَتَّى إِنَّهُ أيضًا تفاجأ كثيرًا بِهٰذِهِ التُّهمة، قدَّم لي بعض النّصائح وذهب، بعد أن صافحني وقال لي:

أراك غدًا في الـمحكمة.

كانت غرفة صغيرة جِدًّا، لم تكن غرفة مخصَّصة للتَّحقيقات إِنَّما هي غرفة خاصَّة لِهٰذا الـمحقِّق، عرفت ذٰلِكَ من صوره الشَّخصيَّة الـمعلَّقة في كُلِّ مكان فيها، صورله مع أولاده وزوجته.

تعامل معي الـمحقِّق بِاحترام بلا صراخ وبلا ضغوطات، حَتَّى إِنَّهُ طلب من الشُّرطيَّة إزالة القيود عن رجْليَّ ويديَّ. شرح لي التُّهمة الـموجهَّة ضدِّي وأسبابها. اِتَّضح لي من خلال التَّحقيق أَنَّ الخليَّة الإِرهابيَّة الَّتي يجري الحديث عنها، ليست سوى فصيل فلسطيني شاركتُ بوضع اقتباس وخبر عنه في صفحة الفيس بوك خاصَّتي ليس إِلَّا، وهو الجهاد الإسلامي، وَأَنَّهُ دعوة لانتفاضة شاملة، والانتفاضة حسب مفهوم الشُّرطة والسُّلطة الإِسرائيليَّة ، هي عمل إرهابيّ.

لم يكن الخبر يعبِّر عن أيِّ دعم لِهٰذا الفصيل الفلسطيني، هو خبر صحفيٌّ عادي وعابر ككلِّ الأَخبار ، ويمكن أن يُنشَر بِالعبارات ذاتها عبر وسائل الإِعلام الإِسرائيليَّة أيضًا، وَلٰكِنْ لكوني فلسطينيَّة عربيَّة فذكري كلمة الاِنتفاضة، محلُّ اشتباه وإرهاب ويجب معاقبتي عليها عقابًا شديدًا.

مع إحضارهم الخبر لي، أدركت أَنَّهُمْ يريدون محاكمتي وإلصاق التُّهمة بي بأيِّ ثمن كان وبأيِّ طريقة، وَأَنَّهُمْ يريدون بإضافة هٰذِهِ التُّهمة الخطيرة تغطية سوء الفهم الَّذي بدأ بِاعتقالي، مِن أجل توسيع دائرة الاِتِّهام وتضخيم اللَّائحة، كي تكون لائقة أمام القاضي.كان التَّحقيق قصيرًا جِدًّا، وَلٰكِنَّ التُّهمة كبيرة وضخمة ويمكن أن تدخلني السِّجن لسنوات طويلة، قد تصل إلى ثماني سنوات. سألني المحقِّق: "هل تعرفين أحدًا من هٰذا التَّنظيم؟ هل تدعمين هٰذا التَّنظيم؟"  أجبته أنا أدعم التَّجمُّع الوطني الدِّيمقراطي ولا أعرف أحدًا من هٰذا التَّنظيم. سألني إذنْ، بالتَّأكيد أنت تدعمين أعمالهم ونشاطاتهم؟ أجبته: لا. وَلٰكِنْ بطبيعة الحال بالتَّأكيد توجد نشاطات لا يمكن للإنسان أن لا يؤيِّدها. كلُّ إنسان له أعماله الصَّالحة والجيِّدة وأعماله السَّيِّئة وأنا أؤيِّد الأعمال الصَّالحة. سأل: ما هي الأعمال الَّتي تؤيِّدينها في هٰذا التَّنظيم؟ أصرَّ أن أجيب على هٰذا السُّؤال. فأجبت: مثلًا حين تخرج مظاهرات ضدَّ قتل الأبرياء والأطفال طبعًا أؤيِّدها، كمقتل الطفل محمد أبوخضير وعلي دوابشة وعائلته، حين يقوم هٰذا التَّنظيم بفتح حضانات للأطفال الفقراء والأيتام أؤيِّد هٰذِهِ الأعمال طبعًا، كونها خيريَّة وإنسانيَّة."

حاولت قدراستطاعتي ومن خلال أجوبتي، أن أوضِّح سببَ وضعي للخبر، والهدفَ من نشره في صفحتي، وما قصدته من اقتباس هٰذا الخبر.

بعد انتهاء التَّحقيق، أغلق المحقِّق الحاسوب، نظر إليَّ وقال: استمعي لي يا دارين، وَهٰذا الكلام بيننا، أنا أعلم ومتأكِّد أنَّك بريئة وغير مذنبة، وأنا لست راضيًا عن كوني قمت بالتَّحقيق معك، وَلٰكِنَّني مجبر على هٰذا العمل. وكوني أكيد أنَّني قمت بكتابة أجوبتك كلمة كلمة وكما قلتها، أنا لا أستطيع أن أفعل أكثر من ذٰلِكَ. نظرت إليه وقلت له: كان بوسعك أن ترفض التَّحقيق معي ببساطة! إذنْ، فلماذا حقَّقت معي؟ لم يجبني بشيء فتح الباب وخرجنا من الغرفة باتِّجاه السَّاحة! طلبتُ منه أن يتَّصل بأحد أفراد عائلتي ليحضروا لي الـملابس إلى هنا، شارحة له أَنَّني لم أستطع تبديل ملابسي منذ اعتقالي، تفاجأتُ بقبوله الطَّلب حالًا وبلا نقاش في الـموضوع معه، بعد أن اعتدت النِّقاشات الطَّويلة مع الجميع هنا حَتَّى لأتفه الأَشياء، أعطيته رقم أحدهم، اتَّصل وبِالفعل بعد عشر دقائق تقريبًا،  وصل أخي، ولم يمانع الـمُحقِّق أن نحتضن  بعضنا البعض ونتصافح.

أعطاني أخي كيس الـملابس، وَلٰكِنَّ الـمحقِّق شرح لنا عدم إِمكانيَّة أخذه معي إلى السِّجن، وما يستطيع السَّماح لي به، هو فقط أن أبدِّل ملابسي، وَهٰذا ما حصل فعلًا، أخذتُ ما أحتاجه مِن ملابس، فاصطحبني إلى مدخل الحمَّام، وَوقف ينتظرني في الخارج.أعطيت أخي الـملابس الَّتي كنت ألبسها فودَّعني وذهب، بعد أن طلبت منه أن يحضرها لي إلى سجن الجلمة. حينها فقط عرفت أَنَّهُمْ طوال هٰذِهِ الفترة حاولوا إدخال ملابس لي، إِلَّاأَنَّ إدارة سجن الجلمة كانت في كُلِّ مَرَّة ترفض إيصالها إلي، فيتمُّ إرجاع الطَّلب بدون إبداء أيِّ سبب. مع ذلك كله طلبتُ مِن أخي أن يحاولوا مَرَّة أخرى هٰذِهِ اللَّيلة أيضًا.

كان أكثر ما أثارني في هٰذا التَّحقيق، هو إنسانيَّة الـمحقِّق معي ولباقته وَاحترامه للإنسان، مُقارَنَةً ببقيَّة الـمحقِّقين الَّذينَ قابلتهم خلال الاِعتقال، حَتَّى إِنَّهُ بتصرُّفاته هٰذِهِ جعلني أتلفَّظ كلمات الشُّكرمن كُلِّ قلبي، وأقدِّم له امتناني على معروفه الَّذي قدَّمه لي بتبديل ملابسي، على الرغم من أَنَّهُ حقٌّ من حقوقي حَتَّى لو كنت أسيرة ومعتقلة، إِلَّا أَنَّ حقوق الفلسطينيِّين عند هٰذِهِ السُّلطة العنصريَّة لا وجود لها أبدًا، وَالحصول عليها يجب أن يتمَّ بأطر غير رسميَّة فقط، وبطرق غير متوقَّعة أيضًا.

أعادت الشُّرطيَّة الأَصفاد إلى يديَّ ورجليَّ وأعادوني إلى سجن الجلمة والزِّنزانة الَّتي خرجتُ منها وإلى الرَّفيقتين فيها، هدى وإسراء.

بعد ساعتين تقريبًا من وصولي الجلمة ودخول الغرفة، تُدخِل السَّجَّانة لي كيساً أسودَ فيه ملابس لي، أفرح كثيراً بإنهاء معاناتي مع الـملابس، أخيرًا أستطيع بعد كُلِّ هٰذا الوقت أن أستحمَّ وأبدِّل ملابسي، تفقَّدت ما فيه، فلفت نظري أَنَّهُمْ قاموا بسحب كُلّ ِالخيوط منها، وأعطيت هدى وإسراء ما يلزمهما أيضًا من هٰذِهِ الأَغراض الَّتي حصلتُ عليها من أهلي.

على الرغم من جدِّيَّة الـموقف وكآبته وَاستمرار تأزُّمه، إِلَّا أَنَّني كنت أقول لنفسي ولإسراء وهدى بعض العبارات الـمضحكة مضطرَّة، لأخَفّفَ مِن وَقْعِ هٰذا الواقع وأتكيَّف مع الظُّروف القاتلة الَّتي أحيا بها حَتَّى لا أفنى.

كنتُ شبه متأكِّدة مِن حَدْسيَ بأَنَّهُما قاربتا على الخروج من هٰذا الـمكان، وَأَنَّ اعتقالهما سينتهي وَلٰكِنَّني لم أبح لهما بحقيقة مشاعري، كي لا تأملاشيئاً ويحصل نقيضه، فنفسيَّتاهما لا تتحمَّلان هٰذا الأَمر.

في الصَّباح حضنتهما وودَّعتهما، وبدورهما تمنَّتا لي الإِفراج، وإنهاء اعتقالي اليوم في الـمحكمة.

حملتُ كيس ملابسي الَّذي وصل إليَّ بصعوبة لآخذه معي، رفضت الـمجنَّدة ذٰلِكَ، وادَّعت بِأَنَّ هٰذِهِ الأَغراض يجب أن تبقى هنا ويُمنع أخذها إلى المحاكم، وسيتمُّ الحفاظ عليها، وأينما ذهبتُ سترسل إلي، تناوَلَتْ المجندة ورقة صفراء عن مكتب السَّجَّانة، سَجَّلَتْ عليها اسمي وألصقتْها بِالكيس ووضعتِ الكيسَ على مرأى منِّي في مخزن صغير. وذهبتُ معها بعد أن قامت بتفتيشي التَّفتيش العاري ذاته، ووضْع الأَصفاد في يديَّ ورجليَّ.