image
image
image

11

image

يوم 2-11-2015،  السَّاعة الثَّالثة والنِّصف عصرًا، تقريبًا، أقف في القفص الخشبي، متَّهمة، مكبَّلة الرِّجلين وعلى جانبيّ مجنَّدة ومجنَّد يحرسانني ويمنعانني من الكلام والتَّحرُّك أو حَتَّى السَّلام على أهلي باليد. يجلس القاضي قبالتي ويبدأ بتبادل الحديث والنِّقاش مع محاميَّ والنِّيابة العامَّة، هم يتحدَّثون عنِّي وأنا أنظر حولي وأتابع الحضورـ كانت لغة الإشارة عن طريق الرَّأس والعيون والابتسامة هي الحاضرة في هٰذِهِ الجلسة.

القاعة شبه ممتلئة بالنَّاس منهم من عرفتهم ومنهم الَّذينَ لم أتعرَّف على هُويَّتهم، منهم من جاءوا لحضور جلستي ومنهم لا دخل لهم بقضيَّتي، بعض من أفراد عائلتي، أمِّي وأبي، خالتي حياة وابن خالتي بلال، أخي ساهر وعمِّي منصور وعمِّي موفَّق، ومجموعة من الأصدقاء والرِّفاق الدَّاعمين الَّذينَ جاءوا لمؤازرتي ومعرفة ما سيحصل بقضيَّتي في هٰذا اليوم.

تعلن النِّيابة عن إنهاء كُلِّ التَّحقيقات معي وتقرأ على مسامعي لائحة الاتِّهام ضدِّي، وَالَّتي حوت عدَّة بنود هي:

نشر قصيدة قاوم يا شعبي.

نشر صورة للشَّابَّة إسراء عابد وهي مصابة وملقاة على الأَرض.

نشر صورة أخرى كتب عليها «أنا الشَّهيد الجاي».

نشر خبر عن الانتفاضة لأحد الفصائل الفلسطينيَّة.

ولخِّصت جميع هٰذِهِ البنود بتهمتين ضدِّي هما:

اَلتَّحريض على العنف وَالإرهاب بسبب القصيدة والصُّورتين، وتأييد تنظيم إرهابيٍّ محظور، من خلال الخبر الَّذي شاركته وَاقتبسته في صفحتي لأحد الفصائل الفلسطينيَّة.

بالتَّالي قرَّر القاضي استمرار اعتقالي حَتَّى انتهاء الإِجراءات القانونيَّة في المحاكم.

الاتهام الأول: التحريض على العنف والإرهاب وقتل اليهود. الاتهام الثاني: تأييد تنظيم إرهابي ودعم أعماله. على حسب هذه الاتهامات يقول المحامي تنتظرني سبع سنوات من السجن!

أنظر إلى الحضور المتجهِّم والقلق ممَّا يسمعه من أكاذيب، تلتصق عيوني في وجه أمِّي الَّذي أوحى بوجود حزن العالم كلِّه فيه، ومن ثمَّ أنتقل لملامح أبي الَّذي ترغرغت الدُّموع في عينيه اللَّتين أظهرتا كلَّ الكآبة والألم. كان الحزن سيِّد الموقف على تثبيت الاتِّهامات الباطلة ضدِّي، غضب في القاعة، خوف وقلق ولا شيء مفهوم لما سيأتي بعد هٰذِهِ الجلسة، وأنا أوزِّع الابتسامات على الجميع، وكأنَّ ما يحصل في قاعة الأكاذيب ليس متعلِّقًا بي! فجأة علا صوتي:

"يمَّا، يمَّا نقَّبتي الزَّتون ولَّا آجي أساعدك؟".

تحاول المجنَّدة إسكاتي وتمنعني من إكمال جملتي إِلَّا أنَّها تفشل، يخرج صوتي ويطغى على صوت القاضي، وصوت النَّائب العام، وصوت تكتكة لائحة المفاتيح ليحلَّ محلَّها ضحكة من جميع من حضر هٰذِهِ اللَّحظة، لتكون الإجابة على لائحة الاتِّهام.

هٰذا ما أردته، أن يضحك الجميع وأن أنهي الجلسة بالطَّريقة الَّتي أريدها أنا.

لم أفاجأ أبدًا من لائحة الاِتِّهام ولا من قرار استمرار اعتقالي، فمشاعري كانت السَّبَّاقة لتعلمني وتنبئُني بِالقادم قبل أوانه، وكنت بدوري أصدِّقها دائمًا وأثق بها ثقة كبيرة، وكنت أقول وأخاطب نفسي، أهٰذِهِ لائحة اتِّهام أم تراها شهادة شرف؟ خصوصًا بوجود القصيدة ضمن الاِتِّهامات. كانت سعادتي لا تتَّسع لها سماء، حين عشت هٰذِهِ اللَّحظة الَّتي شعرت خلالها بقوَّة قصيدتي، وكيف أَنَّ كلماتي أخافت دولة بأكملها، فسجَّلوا بلائحة الاِتِّهام وأوراق البروتوكولات، دولة إسرائيل ضدَّ دارين طاطور.

أعادوني لسجن الجلمة ووضعوني في إحدى الزنازين وحدي، كانت تشبه بقيَّة الزنازين الَّتي كنت فيها سابقًا بتفاصيلها، والشَّيء الـمختلف فقط أَنَّها صغيرة جِدًّا وفيها سريران وتلفاز فقط، قبل كُلِّ شيء طلبت إحضار كيس ملابسي، فجاءت السَّجَّانة لتخبرني أن لا كيس لي في الـمخزن ففقدتُ صوابي مِن هٰذاالخبر، وعلى الرغم من نقاشي الطَّويل معها وغضبي الشَّديد من هٰذا الإِهمال، إِلَّا أَنَّني لم أصل لأيِّ نتيجة، سوى ضياع الـملابس الَّتي كابدتُ الكثير من أجل الحصول عليها، لم يبق بحوزتي أَيُّ شيء فطالبتُهم بملابس تعوّض ليَ تلك الَّتي أضاعوها، وبعد عناء وانتظار طويل أحضرتْ لي السَّجَّانة بلوزة واحدة وقطعتين من الملابس الدَّاخليَّة فقط.

حاولت أن أشغِّل التِّلفاز فلم يعمل، سألتُ عن الـموضوع فعرفت أَنَّ إضاءته تتمُّ فقط من قبل مكتب السَّجَّانة، طلبت منها أن تفعل ذٰلِكَ فرفضت قائلة:

أنت ممنوعة من مشاهدة التِّلفاز أيضًا، حسب القوانين.

كان ردُّها مضحكًا بِالنِّسْبَة لي ولم أتردَّد بالرَّدِّ عليها، وأجبتها:

ليست القوانين، بل هو حبُّكم وَاستمتاعكم بتعذيبنا ليس إِلَّا.

لم أعطها مجالًا للرَّدِّ، تركتُها تفكِّر بكلامي حسب ما تشاء، اِبتعدت عن الباب، وجلست على السَّرير وأخرجت قلمي السِّحري من مقرِّه في السُّترة الَّتي باتت ترافقني، ليس من أجل الدِّفء إِنَّما لأجل الخربشة بِالسَّحَّاب على الجدار وكتبت قصيدة جديدة بعنوان «شاعرة وراء القضبان».

في صباح اليوم التَّالي وعند السَّاعة السَّادسة صباحًا تقريبًا، أخرجوني من الغرفة، سألتهم:

إلى أين؟

إلى سجن الشَّارون[7]

بعد تفتيشي مرَّتين ووضع الأَصفاد في يديَّ ورجليَّ، أخرجوني من الـمبنى وأوقفوني في ساحة مليئة بسيَّارات البوسطة والشُّرطة والكلاب، كنت أحمل كيساً أسودَ صغيراً، وضعت فيه الأغراض القليلة الَّتي حصلت عليها من هٰذا الـمُعتقل، أربعة جنود من وحدة النَّحشون يقفون بالقرب مِنِّي وَكُلُّ واحد منهم يصطحب معه كلبًا بوليسيًّا، بعد دقائق اقترب أحدهم مِنِّي أكثر وهو يجرُّ معه الكلب البوليسيَّ، أوقفه قريبًا مِنِّي ليبدأ بدوره النُّباح أحيانًا قربي وأحيانًا أخرى عليَّ، يقف على رجليه الخلفيَّتين وبمخالب يديه يقفز نحوي كَأَنَّهُ سيهاجمني، وبحركة من الـمجنَّد أو كلمة منه، يتوقَّف الكلبُ فورًا عن النُّباح وَالقفز ويبدأ بشمِّ قدميّ ليقدِّم له الجندي بعد هٰذا العمل قطعة من اللَّحم ويكافئه على عمله هٰذا، مخاطبًا إيَّاه:

أَيُّها الكلب الرَّائع، ما هي الرَّائحة الَّتي شممتها! بالتَّأكيد هي رائحة إرهاب.. أَيُّها الكلب.. أنت لوجودك توجد فائدة ومنفعة، وَلٰكِنْ هي ومَن هُم مثلها، فلا منفعة مِن وجودهم إِلَّا التَّحريض على قتل الآخرين، أَيُّها الكلب استمرَّ بشمِّها، بالتَّأكيد ستجد شيئًا عليها، هي حثالة العرب، هي عربيَّة وسخة، "إِخْص" ويا للقرف، كيف سنضعها في السَّيَّارة.

في كُلِّ مَرَّة كان الكلب يقوم بحركة تضايقني وتسيء إلي، كان الجندي يكافئُه بقطعة طعام من أجل أن يستمرَّ بهذا العمل، وَكَأَنَّ الكلب يقوم بعمل جيِّدٍ.

أنا رفيقة للحيوانات بطبيعتي ولا أخاف اقترابها مِنِّي أو ملامستها لي، وَلٰكِنَّ الأَمر مع هٰذا الكلب كان مختلفًا تمامًا، شعرت بِالخوف الشَّديد منه ومن نباحه، مِمَّا جعلني أقفز فزعاً منه خطوة للوراء، لأبعد نفسي عنه، وبسبب وجود القيود على رجليَّ وقعتُ على الأَرض، ولحسن حظِّي أَنَّني لم أتأذَّ أبدًا، في الوقت الَّذي بدأت ألملم نفسي للوقوف، اقترب الجنود الثَّلاثة الآخرون نحوي أكثر، أحاطوني بشكل دائريٍّ مع كلابهم، بدأت الكلابُ الأربعة تنبح علي، وتجمَّع حولي مجموعة أخرى من مجنَّدي النَّحشون وقوَّاتها الموجودة، وبدأوا بالسُّخرية مِنِّي والضَّحك بصوتٍ مرتفعٍ، ووجَّهوا نحوي بعض العبارات. قال الجندي الَّذي يمسك الكلب وتسبَّب أيضًا بوقوعي أرضًا:

«تخافين من هٰذا الكلب وتريدين أن تكوني شهيدة؟».

ثُمَّ كافأ الكلب بقطعة طعام إضافيَّة، وبدأ يلاطفه ويقول: كلب مطيع، فعلت ما كان يجب أن تقوم بفعله.

وقال جنديٌّ آخر:

«تريدين قتل اليهود؟»، «يا مخرِّبة»، «يا إرهابيَّة»، «ستعلمين الآن ما هو الخوف الحقيقيُّ»، «ستعلمين ماذا يعني أن تقولي شيئًا ضدَّ اليهود وإسرائيل».

أَمَّا الجنديُّ الثَّالث الـمصاحب للكلب، فطلب مِنِّي أَيْضًا وضع الكيس الَّذي أحمله على الأرض، ليتمَّ فحصه قبل الصُّعود في البوسطة عن طريق الكلب، قلت له: أستطيع أن أريك بنفسي ما في الكيس.

إِلَّا أَنَّهُ رفض وأجابني:

لا.. الكلب هو الَّذي سيفحص ما في هٰذا الكيس ولست أنتِ، اِفتحي الكيس وضعيه على الأرض والكلب يعرف ما يجب فعله.

فتحت الكيس ورميته على الأرض، بدأ الكلب بشمِّ الـملابس والدَّوس عليها، ولطَّخها برجليه ومخالبه، بعد قرابة خمس دقائق أنهى عمليَّة الفحص، وطلب مِنِّي الجندي أخذ الكيس مجدَّدًا، إِلَّا أَنَّني رفضت ذٰلِكَ وقلت له:

لا حاجة لي به الآن، يمكن رميه.

أجابني:

هٰذا أفضل، لا ينقصنا زبالة في السَّيَّارة، يكفينا أنت ومن هم على شاكلتك.

لم يعد الكلب يخيفني بعد ذٰلِكَ، على الرغم من أنّ نباحه ازداد وَاقترب مِنِّي أكثر، حسب أوامر الجندي الَّذي يحرِّضه على فعل ذٰلِكَ، ولم أجب على هٰذا كله، إِلَّا بِابتسامة مليئة بِالمشاعر الـمتناقضة. وبعد ساعة من الاِنتظار في هٰذِهِ السَّاحة ومع استمرار نباح الكلاب عليّ ومن حولي، سحبتني الـمجنَّدة من القيود وطلبت مِنِّي الصُّعود إلى البوسطة.

سيَّارة البوسطة هٰذِهِ الـمَرَّة مختلفة الشَّكل عن السَّيَّارة الَّتي تَمَّ نقلي بها في كُلِّ الـمَرَّات السَّابقة، هي حافلة كبيرة كتلك الَّتي نستقلُّها للتَّنقُّل في الـمواصلات العموميَّة. صعدتُ بصعوبة بسبب الأَصفاد وتقييد مساحة خطواتي مع مجنَّدة وحدة النَّحشون، على سلالم هٰذِهِ الحافلة ولحق بها مجنَّدان ليساعداها بمَهَمَّة حراستي، بِالإضافة إلى الكلب وَالـمجند الَّذي يجرُّه.

تحوَّلت الحافلة من الدَّاخل إلى مجموعة أقفاص سوداء مستطيلة، فتح أحدهم باب القفص، أدخل الكلب ليتفحَّص كُلَّ زوايا الـمقعد، وَهٰذِهِ كانت وظيفة الجندي الـمصاحب للكلب الرَّابع. ثُمَّ طلبت مِنِّي الـمجنَّدة الدُّخول إلى القفص وَالجلوس على هٰذا المقعد، ليقفل الباب عليَّ بطرقة قويَّة دوَّت أصداؤها في الـمكان، وتركت في أذني دويًّا سيبقى عالقًا فيها للأبد.

كرسي حديدي يتَّسع لشخصين في قفص ضيِّق، في السَّقف عُلِّقت كاميرا مراقبة، وبالطَّبع مع فتحة مكيِّف غير قابلة للإِغلاق، بلا نافذة وبلا متنفس هواء.

مرّت ساعتان وأنا في هٰذاالقفص الصَّغير مقيَّدة، حَتَّى بدأت الحافلة بالتَّحرك من معتقل الجلمة، لم تختلف ظروف السَّفر السَّيِّئة فيها عن تلك الَّتي عانيت منها في البوسطة السَّابقة، سوى أَنَّها أشدُّ صعوبة وقسوة، بسبب ضيقها وطريقة تصميم الكرسي الحديدي الَّذي يصل طوله كحدٍّ أقصى 50 سم وَارتفاعه 80 سم، مما يحتَّم على السَّجين  الجلوسَ عليه بوضعيَّة الزَّاوية القائمة أو  أقلَّ منها للظَّهر وللرِّجلين.

أَمَّا جنود وحدة النَّحشون فقد كانت مقاعدهم منجَّدة بِالقماش، وبدت من شكلها أَنَّها مريحة، بجانبها نوافذ عاديَّة واسعة تطلُّ على الخارج مع كُلِّ وسائل الرَّاحة الَّتي يمكن أن تتاح للإنسان وقت السَّفر.

اِمتدَّت رحلة العذاب عبر هٰذا القفص الحديديِّ البارد في هٰذِهِ البوسطة لأربع ساعات إضافيَّة، شهدت توقُّف الحافلة ثلاث مرَّات في عدَّة أماكن، لم أستطع تحديدها ومعرفتها أبدًا، وَلٰكِنْ من أصوات السَّلاسل وَارتطامها بِالأَرضيَّة عند مشي السُّجناء، خمَّنت أَنَّها مراكز توقيف أو سجون أخرى، وخلال هٰذِهِ المدَّة أدخل لي أحد المجنَّدين، من فتحة صغيرة موجودة في باب القفص، وشبيهة بتلك الَّتي في زنازين الـمعتقل وَالـمحكمة، قطعة من خبز الصَّمُّون الـمستطيل محشوَّة بالنَّقانق، لم أستطع أكلها أيضاً لِأَنَّني نباتيَّة، وكنت ظمآنة لكنّهم تجاهلوا طلبي الـمتكرِّر للحصول على قنِّينة ماء، وكذلك قضاء الحاجة لم يكن متاحاً في هٰذِهِ الحافلة.

فُتِح باب القفص أخيراً، جاءت إحدى الـمجنَّدات وطلبت مِنِّي النُّزول من الحافلة، لم أكن وحدي بل تَمَّ إنزال عشرات السُّجناء، من عدَّة سيَّارات بوسطة تواجدت في الـمكان، إضافة إلى الحافلة الَّتي كنت على متنها، وَلٰكِنْ بمجموعات قليلة العدد، وطبعاً بحراسة عدَّة جنود وعدَّة كلاب بوليسيَّة مدربَّة، كنت الـمرأة الوحيدة بينهم، أغلبهم كانوا أسرى فلسطينيِّين بِاستثناء ثلاثة منهم، كانوا سجناء جنائيِّين استطعت تمييزهم من ملابسهم، فَالأسرى الفلسطينيُّون يلبسون ملابس بنِّيَّة اللَّون، وَقليلون جِدًّا منهم يلبسون ملابس عاديَّة، والثَّلاثة الآخرون ملابسهم برتقاليَّة اللَّون، وقد تَمَّ فصلهم فيما بعد عنَّا ليذهبوا بهم إلى مكانٍ آخر.

دخلت مبنى غريبًا جِدًّا، كان مكوّنًا من عدَّة أقفاصٍ مربَّعةٍ بطول ثلاثة أمتار بثلاثة أمتارٍ، شباكها الحديديَّة فضِّيَّة اللون، ويزجُّون فيها عشرات الأَسرى، بينها قفص واحد فقط كان مخصَّصًا للنِّساء وَالبقيَّة للرِّجال، كان قذِرًا جِدًّا ومياه الصَّرف تتدفَّق تحت رجلَيَّ في كُلِّ مساحته، حاولت معرفة الـمكان، وبعد جهد جهيد وَاستراق السَّمع لبعض الكلمات وَالـحديث مع بعض الأَسرى عرفت أَنَّني في مكان يسمَّى«معڤار»[8]

الرَّملة الَّذي يُستعمل كمحطَّة استقبال للأسرى الـمنقولين إلى السُّجون أو إلى الـمحاكم، كان أشبه بقطعة مصغَّرة من الجحيم على الأَرض.

بقيت في هٰذا القفص خمسَ ساعات بلا طعام ولا شراب، وبلا قضاء حاجتي، لِأَنَّ المرحاض الموجود كان مشتركًا للرِّجال والنِّساء، ومغلقًا بباب نصفيٍّ مع وجود جنديٍّ، يحرس على الباب، وينظر بين الفينة وَالفينة إلى مَن يقضي حاجته في الداخل، ويبدأ بالسُّخرية منه تارة بِالكلمات الـمقززة وتارة بالضَّحك مع زملائه الجنود، فضَّلت أن أمنع نفسي من التَّعرض لمثل هٰذا العذاب، وأن لا أستعمل هٰذا الـمرحاض طوال هٰذِهِ السَّاعات، وأمنع نفسي من شرب الـماء رغم شعوري بعطش شديد، كي لا أتعرَّض لتحرُّش جديد من ألسنتهم أو عيونهم. فأن أمنع نفسي من قضاء الحاجة وأعاني جسديًّا خير لي من أن أراكمَ في ذاكرتي آلاماً إضافية من تحرُّش هؤلاء الجنود عديميّ اللباقة والإحساس والأخلاق الإنسانيّة، حسدت الأَسرى على أَنَّهُمْ لا يفهمون اللُّغة العبريَّة، ولم يدركوا قسوة الكلمات وَالجمل الَّتي تقال لهم من قبل هٰؤُلاءِ الجنود، في داخلي أردت الكشف لهم عن الحقيقة، وَلٰكِنَّني خفت عليهم وعلى مشاعرهم، خاصة وأَنَّ الجنود يسعون إلى استفزاز مشاعرنا بأيِّ طريقة، كي يبدأوا بِاستعمال القوة تجاهنا، فتعذيبنا كفلسطينيِّين هو من أكثر الأَمور الَّتي تسعدهم وتشعرهم بالنَّشوة وَالفرحة. بعد تفكيري بالنَّتائج اخترت الصَّمت عَمَّا رأيته وسمعته، وأنا ذبيحة القلب وَالإحساس من قلَّة حيلتي، وعدم قدرتي على فعل شيء لوقف هٰذا التَّعذيب لأبناء شعبي، فما أنا الآن إلا أسيرة مثلهم.

في السَّاعة الخامسة عصرًا تَمَّ نقلي إلى سيَّارة بوسطة صغيرة، وقبل صعودي قام أحد الجنود بقراءة ملفِّي جيِّدًا والتَّأمُّل طويلًا في الأوراق وما كتب فيها، ثُمَّ أدخل الكلب إلى القفص وفحص الـمقعد، وَلٰكِنْ بعد أن أنهى الفحص وطرق الباب وأحكم إغلاقه بالأقفال، وبعد مرور ما يقارب عشر دقائق على بَدْءِ تحرُّك البوسطة، أعاد فتح قفل باب القفص عليَّ، وأدخل الكلب إلى القفص وقال لي:

توجد لك هديَّة من الكلب!

أعطاه أوامر معيَّنة، وما هي إِلَّا ثوانٍ حَتَّى قام الكلب بالتَّبوُّل  على الكرسي الـمقابل لمقعدي، وبعد أن أنهى هٰذا العمل، داعب الكلب ولاطفه ثُمَّ كافأه بقطعة طعام، وأخرجه من القفص، وطرق الباب مجدَّدًا وأغلقه بالقفل.

بدأت الرَّائحة القذرة بالاِنتشار في هٰذا القبر الصَّغير الـمتحرِّك، وما عدت قادرة على الاِحتمال أكثر، بدأ جسدي يرتعش، وبدأت أتقيَّأ وأصابني صداعٌ شديدٌ. وصل الجنديُّ إلى مبتغاه بعد أن قرأ في الأوراق خاصَّتي، أَنَّني أعاني من مشكلة رهاب الرَّوائح ولديَّ حساسيَّة منها. اِستغلَّ  مشكلتي هٰذِهِ لإذلالي، ومحاولة قهري بأقصى درجة من القسوة. حاولت طلب المساعدة، لكن الرد الوحيد الذي تلقيته:

لماذا تعترضين على الرائحة؟ هل تعتقدين أن رائحتك أفضل؟ رائحتك كرائحة القمامة بل أكثر سوءاً، فلن تضيرك هذه الرائحة!

حاولت طلب الـمساعدة من جندي آخر، وَلٰكِنَّ الرَّدَّ الوحيد الَّذي تلقَّيته  كان كلمة واحدة فقط: "شِيكِتْ"[9]

بعد ساعة من السَّفر الـمتعب جِدًّا وصلت إلى سجن الشَّارون.

أكثر من اثنتي عشرة ساعة تكبَّدتها من السَّفر الـمضني وَالـمتعب، لأجْل نقلي من معتقل الجلمة إلى سجن الشَّارون، بلا أكل وبلا ماء وبلا قضاء الحاجة، رغم أَنَّ الـمدَّة الَّتي يمكن أن تستغرقها مثل هٰذِهِ الرِّحلة كحدٍّ أقصى، لن تتجاوز السَّاعتين.