image
image
image

12

image

السَّاعة السَّادسة والنِّصف مساءً، ما عدت قادرة على الوقوف، جسدي منهك، أعاني من صداع شديد في الرَّأس، مشيت مع إحدى الـمجنَّدات وورائي ثلاثة آخرون، في رواق طويل وعبر عدَّة بوَّابات ألكترونيَّة، أشعر أَنَّني سأنهار وأقع مغمًى عليَّ في أيِّ لحظة، بعد أن أفضى الصُّداع إلى دوار أثَّر على يقظتي ونظري، لٰكِنِّي كنت آخذ بين الحين وَالحين نَفَسًا، أستمدُّمنه شيئًا من الصُّمود، أملًا بِانتهاء هٰذا الكابوس الجديد الَّذي أمرُّبه، في ساحة تُحيطها عدَّة غرف بعض أبوابها حديديَّة، معدَّة للسُّجناء بالتَّأكيد، وأخرى خشبيَّة عاديَّة للموظَّفين العاملين في هٰذا السِّجن. جاء أحد الضُّبَّاط لِتَسَلُّمي من مجنَّديّ وحدة النَّحشون، نَظَر في أوراقي وتأكَّد من هُويَّتي وتطابُقِها مع صورتي الـمزروعة في الأَوراق الَّتي بين يديه، وفتح شخصٌ بابًا حديديًّا. فكَّت الـمجنَّدة عَنِّي القيود، دخلت الزنزانة وأُغلِقَ عليَّ الباب بطرقة قويَّة.

زنزانة صغيرة جِدًّا، وسخة ورائحتها قذرة، فيها مرحاض لم ينظَّف منذ فترة، لم تمرَّ سوى بضع دقائق على وجودي بِهٰذا الـمرحاض، حَتَّى بدأت أتقيَّأ مرة أخرى وكأنِّي أُخْرِج مِن داخلي كُلَّ السُّموم الَّتي تكبَّدتُها منذ بداية الاِعتقال حَتَّى هٰذِهِ اللَّحظة.

زنزانة معتمة، الضَّوء الوحيد فيها كان من أضواء السَّاحة، تسلَّل إليها من فتحة الباب.لا مقعد وجدرانها مطليَّة بنوع من الباطون الخشن، لا يمكن الاِتِّكاء عليها. لم يكن بإمكاني إِلَّا الجلوس على الأَرض ووضع رأسي على ركبتيَّ، بقيت على هٰذه الحال قرابة السَّاعتين، حاولت خلالها النِّداء على أحد السَّجَّانين، وَلٰكِنَّ أحدًا لم يردَّ على نداءاتي الـمتكرِّرة، حَتَّى جاءت سجَّانة وفتحت الباب ووضعت الأَصفاد في يديَّ ورجليَّ، وأدخلتني مكتباً يجلس خلفه أحد الضُّبَّاط. من نوعيَّة أسئلته عرفت أَنَّهُ مكتب تسجيل السُّجناء الجدد، لم تستغرق هٰذِهِ العمليَّة وقتًا طويلًا، حَتَّى جاءت السَّجَّانة مجدَّدًا لأخذي فَاصطحبتني بعدها إلى غرفة الطَّبيب، قام هو أيضًا بإجراء بعض الفحوصات السَّريعة لي، وتسجيل بعض البيانات الصِّحِّيَّة في ملفِّي، لأصِلَ بعدها إلى قسم رقم 2 في هٰذا السِّجن، قسم الأَسيرات الفلسطينيَّات السِّياسيَّات.

كانت السَّاعة قد قاربت الثَّامنة والنَّصف مساءً، سلَّمتني هٰذِهِ السَّجَّانة لسجَّانة أخرى، بعد أن فكَّت قيودي أدخلتني الثَّانية بدورها إلى المرحاض، فتَّشتني أوَّلًا بِالعصا الأَلكترونيَّة وبعدها مارست عليَّ التَّفتيش العاري، ثُمَّ أوقفتني قليلًا بجانبها. فجأة سمعت نداءات وعبارات تطرق أذني من الدَّاخل: «يا بنات وصلت أسيرة جديدة»، «يا بنات عنَّا ضيفة جديدة في القسم»...!

فتحت السَّجَّانة الباب الحديدي، طلبت مِنِّي الدُّخول ثُمَّ نادت بِاسم لينا لتعود هي إلى مكتبها بعد أن تُسَلّمني لها.

لينا، هي الأَسيرة لينا الجربوني، قرأتُ عنها كثيراً وتعرَّفتُ عليها من قبلُ، عبْر الصُّور وَالأخبار الَّتي كانت تنشر في صفحات الإِنترنت، كنت على دراية بحكايات نضالها وصمودها في هٰذا السِّجن، وقفت أمامها صامتة مندهشة ومنفعلة، مدَّت لي يدها مُصافِحةً فصافحتها، طلبت مِنِّي الاِطمئنان ومرافقتها لمحادثة قصيرة في غرفتها. شعرت أَنَّني أمام هامَة صمود وإرادة، ولوحة نادرة في هٰذا الزَّمان رُسِمَت بألوان التَّحدِّي، فيكفيني أن أعلم أَنَّها أمضت 15 عامًا في هٰذا السِّجن، لأفرض على نفسي احترامها وواجب تقديرها وتقدير هٰذِهِ التَّضحية الكبيرة الَّتي قدَّمَتها. حالًا تذكَّرت كلَّ الـمعاناة الَّتي مررت بهاخلال فترة الاعتقال القصيرة هٰذِهِ، والَّتي لا تساوي شيئًا أمام ما عانته هي في فترة سجنها الطَّويلة جِدًّا، اِرتبكتُ ولم أعلم كيف أفسِّر لها هٰذِهِ الـمشاعر الَّتي انتابتني، وفضَّلت الصَّمت وَانتظار ما ستحدِّثني به.

أمشي معها في رواق ممتدٍّبين عدَّة غرف، تتجمَّع عشرات العيون من وراء الأَبواب الحديدية الزَّرقاء مُشبعة بحبِّ الاِستطلاع لمعرفة هُويَّتي، كما تتوالى على أسماعي منهنَّ عبارات ترحيب وتحيَّات كثيرة.

أرادت أن تعرِّفني بنفسها، فكان جوابي أَنَّها غنيَّة عن التَّعريف، بدأت تشرح لي عن السِّجن وبعض القوانين فيه، وكيف يتمُّ تسيير الأَمور في هٰذا القسم وَالقوانين الخاصة بِالأسيرات السِّياسيَّات.

في هٰذا القسم توجد قوانين خاصَّة بِالإضافة إلى القوانين العامَّة لمصلحة السّجون الَّتي خبرْتُها في الجلمة كَالإحصاء والتَّفتيش، وَلٰكِنْ للأسيرات هنا، وبمختلف انتماءاتهنَّ الحزبية، ناطقة واحدة باسمِهِنّ مع الإِدارة والسَّجَّانات هِيَ لينا، ولا يُسمح لنا كأسيرات بالحديث أو التَّعامل معهنَّ بشكل فرديٍّ بتاتًا. في كُلِّ زنزانة يوجد «شاويش» يتمُّ نقل الطَّلبات الخاصَّة لِكُلِّ واحدة منَّا إليها، وتقوم هي بنقلها إلى لينا، ولينا الـمكلَّفة الوحيدة فقط بِالحديث مع إدارة السِّجن بِكُلِّ هيئاتها.

كنت متعبة جِدًّا، ولم أستوعب هٰذِهِ القوانين وسبب وجودها أبدًا، ولم أسأل أو أستفسر عن أَيِّ شيء، شعرتْ هي بِالإرهاق الشَّديد الَّذي أعاني منه، فَاختصرتْ الكلام قائلةً:

سأشرح لك بالتَّفصيل عن الحياة هنا في الصَّباح.

سألتها: هل سأنام في الزنزانة الَّتي تنامين فيها؟

أجابتني: للأسف لا، زنزانتي ممتلئة، ستنامين في زنزانة رقم 7.

رافقتني لينا إلى زنزانة رقم 7، طلبت من السَّجَّانة فتح الباب لي وأوصتْ بِيَ الأَسيرات في الزنزانة وذهبتْ.

زنزانة مربَّعة الشَّكل ضيِّقة بِالنِّسْبَة لعدد الأَسيرات الـموجودات فيها، مكتظَّة بِالأشياء تصل مساحتها كحدٍّ أقصى لـ 15 مترًا مربَّعًا، بنافذة واحدة في أعلى الجدار، نصفها مفتوح وَلٰكِنَّها مسيَّجة بِالحديد وغير قابلة للفتح أو لدخول الهواء والشَّمس، فيها ستَّة أسرَّة كُلُّ سريرين فوق بعضهما البعض، وتلفاز قديم لونه رمادي، وثماني خزائن حديديَّة رماديَّة اللَّون أيضًا ومغسلة بيضاء صغيرة جِدًّا. على أحد جدرانها عُلِّقت مرآة مستطيلة الشَّكل صغيرة، وعلَّاقة ملابس بلاستيكيَّة بيضاء علِّقت عليها أربع مناشف، وعلى إحدى الخزانتين وُضِعَ إبريق كهربائيٌّ لتسخين الـمياه وبلاطة كهربائيَّة لتحضير الطَّعام.

أَمَّا الحمَّام فضيِّق الـمساحة، فيه ماسورة عالية حديديَّة للاِغتسال بلا صنبور للدُّشِّ، ومرحاض لقضاء الحاجة وُضعا معًا في مدخلٍ مفتوح، علَّقت الأَسيرات ستارة من قماش لونها أصفرلإغلاقه.

كان في الزنزانة خمس أسيرات وأنا السَّادسة. بعد أن ألقيتُ السَّلام عرَّفن عن أنفسهنَّ وأسمائهنَّ، ورحَّبن بي ترحيبًا عميقًا ومليئًا بِالحبِّ وَالاِحترام والتَّقدير، كنَّ قد جهَّزن لي أيضًا وجبة عشاء ملوكيَّة بِالنِّسْبَة لما كنت أتناوله في سجن الجلمة.

طاولة بلاستيكيَّة مربَّعة صغيرة بيضاء، وضع لي عليها شوربة خضار، أرزّ، ملوخيَّة وقطعة من الدَّجاج وَالخبز، وعلبة لبن وقنِّينة عصير عنب. تفاجأتُ كثيراً بِهٰذِهِ الوجبة، لِأَنَّني نسيت طوال فترة الاِعتقال هٰذا النَّوع من الطَّعام، وَأَنَّ هناك مشروبًا غير الـمياه يمكن أن أشربه في السِّجن، لم أتصوَّر أَنَّني سأشاهد مثل هٰذِهِ الأَطعمة مجدَّدًا طالما أَنَّني موجودة في السِّجن، شكرتهنَّ على هٰذا الكرم، وَاعتذرت منهنَّ إذ لم أستطع أن أتناول إِلَّا القليل منه، بعد أن سيطر على جسدي الإِرهاق وَاحتل الصُّداع كُلَّ حواسِّي، لأستأذن منهنَّ  وأسألهنَّ عن السَّرير الـمخصَّص لي. أشرْن إلى السَّرير الفارغ الـمتبقِّي وَالـمجهَّز بوسادة وغطاء. لحسن حظِّي كان السَّرير في الطَّبقة الثَّانية والَّذي أُفضِّله، سعدت بِهٰذا كثيرًا، صعدت إليه عبر السُّلَّم ونمت حَتَّى وقت الإِحْصاء عند السَّاعة الخامسة فجرًا.

في الصَّباح وعند السَّاعة العاشرة والنِّصف فُتِحت الأَبواب، إِنَّها فترة الفورة[10] الصَّباحيَّة كما تسمِّيها الأَسيرات، لتبدأ عمليَّة تنظيف الزنازين، أقترح على شريكاتي في الزنزانة مساعدتهنَّ في التَّنظيف، إِلَّا أَنَّ طلبي رُفِضَ حالًا، بدعوى أَنَّني لا زلت ضيفة جديدة، وسيأتي دوري في التَّنظيف في الأَيَّام القريبة القادمة.

اَلفورة، هي فترة زمنيَّة تحدِّدها إدارة السِّجن، يُسمح لنا بالخروج فيها من الزنازين إلى السَّاحة للتريُّض ورؤية الشَّمس،خرجت من الزنزانة وقمت بجولة، لأتعرَّف من خلالها أكثر على القسم وَالقوانين وَالأسيرات، عدت للجلوس مع لينا في زنزانة تسمَّى الصَّفَّ، وهي زنزانة واسعة معدَّة للاِجتماعات وَالجلسات الجماعيَّة، وأكثر ما أسعدني وجود مكتبة صغيرة مقابل مدخل بابها، تحتوي على عدد من الكتب، وفي الزَّاوية اليساريَّة للزنزانة طاولة صغيرة اتَّخذتها لينا كمكتب خاصٍّ لها، تتابع أمورها وأمور الأَسيرات من خلاله، ومن خلفه خزانة خشبيَّة، أَمَّا في الزَّاوية الـمقابلة له فتوجد ثلَّاجتان صغيرتان مشتركتان لِكُلِّ زنازين القسم، واحدة عاديَّة وَالأخرى لتجميد الطَّعام وحفظه، وطاولة أخرى صغيرة، وُضِع عليها كيس خبز.

جلست مع لينا وتحادثنا بعدَّة أمور عن قضيَّتي بشكل خاصٍّ، وَالأحوال في الخارج وما طرأ مِن تغيير على بلداتنا العربية، وعن الأَوضاع الاجتماعيَّة والسِّياسيَّة فيها، وأكثر الأَمور الَّتي أثارتني حين سألتني:

ما هٰذا الفيس بوك؟ أنا في السِّجن منذ 15 عامًا، وحين دخلتُ لم يكن موجودًا هٰذا الاختراع.

حاولتُ أن أنقل لها صورةً للتَّطوُّر الَّذي ينتظرها خارجَ السِّجن، إِلَّا أَنَّ الأَمر كان صعبًا عليَّ، مَن يعيش في السِّجن طيلة هٰذِهِ السَّنوات، ومع هٰذا التَّطور التِّكنولوجي الَّذي نحياه، سيشعر أَنَّهُ كائن غريب يزور كوكب الأَرض، ويتعرَّف على الحياة فيه من جديد، وفي الـمقابل مَن عاش حياة التَّطوُّر ويدخل فجأة السِّجن، عليه أن يعود للعيش في العصر القديم، مفتِقداً مظاهر العولمة والتَّطور كافّة.

وضَّحت لي أيضًا عدَّة أمور في السِّجن، وخصوصًا المصطلحات وَالقوانين الـمُتداوَلة بين الأَسيرات، وقدَّمت لي الـملابس وبعض الاحتياجات الخاصَّة كَالـمنشفة وفرشاة الأَسنان واللِّيفة،وطلبتُ منها قلمًا ودفترًا فأعطتني دفترين، واحدًا صغيرًا بغلاف بنِّي والثَّاني أبيض كبيراً، وقلمَي حبر، واحداً أزرق والثَّاني أسود. لم تبخل عليَّ بشيء.

كان الوقوف عند الـمكتبة هوالـمحطَّة الثَّانية لي مباشرة، مكتبة صغيرة تحتوي على بعض الكتب، يصل عددها تقريبًا من مئة إلى مئة وعشرين كتابًا فقط، مرتَّبة حسب الـمواضيع، قلَّبت فيها فكانت غالبيَّتها كتبًا دينيَّة، وَالقليل القليل منها تاريخيّ، وقاموس عبري- عربي وَالعكس، وآخر  إنجليزي- عربي، وكتبًا أخرى تهتمُّ بالتَّطريز وَالأشغال اليدويَّة والطَّبخ وَما تبقّى كان روايات أدبيَّة عربيَّة، وكتابين فقط يهتمّـَان بالشِّعر، الأوَّل للأديبة الجزائريَّة أحلام مستغانمي بعنوان «عليكَ اللَّهفة»، والثَّاني بعنوان «العروض بين الأَصالة وَالحداثة» للدُّكتور إبراهيم عبد الله، اِستأذنتُ لينا بِاستعارتهما للقراءة وأخذتهما معي إلى الزنزانة.

اِنتقلتُ بعدها إلى السَّاحة الـمعدَّة للتَّجوُّل، كانت ساحة مربَّعة، سقفها مغطَّى بشِباك تَظهر السَّماء من خلالها كَأَنَّها مربَّعة وليست أفقًا مفتوحًا، أرضيَّتها مطليَّة بِالأحمر، اَلنَّظر إلى السَّماء عبر هٰذِهِ الشِّباك كان متعِبًا للعين، لِأَنَّها تقيِّد النَّظر وتذكِّر كُلَّ أسيرة منَّا بأَنَّها في السِّجن، حَتَّى لو أرادت أن تنسى ذٰلِكَ للحظات، رغم ذٰلِكَ أطلتُ النَّظر نحوها، لأوَّل مَرَّة في حياتي أرى سماء مربَّعة الشَّكل، هٰكَذا بدت لي من خلال هٰذِهِ السَّاحة، واصَلْتُ النَّظر نحو هٰذِهِ السَّماء الغريبة، على أمل مرور طائر  فوق هٰذِهِ الحدود وَهٰذا القفص، إِلَّا أَنَّ ذٰلِكَ لم يحصل أبدًا، وكانت الـمفاجأة الصَّادمة لي، تعليق فزَّاعة في الجهة اليمنى مِن الشِّباك في السَّقف، مِن قِبَلِ مصلحة السُّجون لمنع اقتراب الطُّيور مِن السَّاحة. أَمَّا الأَرضيَّة الحمراء، فقد أعادت رؤيتها ذاكرتي فورًا إلى مقاعد الدِّراسة، فاسترجعتُ فيها الدَّوائر وَالخطوط الحمراء الَّتي كانت تضعها الـمعلِّمات حول أخطائي والدَّرجة الَّتي حصلتُ عليها في الاِختبار، والَّتي كانت دومًا تشعرني بِالخطر،حَتَّى لو كانت علامتي جيِّدة أو ممتازة.

جلستُ على مقعد بلاستيكيٍّ كان موجودًا في السَّاحة، ومع نظراتي الـمستمرَّة إلى هٰذا اللَّون الأَحمر الـممتدِّ تحتي، توقَّف حبل أفكاري، وفجأة استرجعتْ ذاكرتي لحظات عشتها وأنا في الصَّفِّ الثَّاني الاِبتدائي، كنت وقتها طالبة خجولة، خلوقة، ذكيَّة ومجتهدة، سألتني الـمعلِّمة ماذا ستصبحين حين تكبرين؟ أجبتها دون أن أفهم معنى جوابي آنذاك: أن أكتب...!

مرَّ الفصل الثَّاني من السَّنة الدِّراسيَّة، ولا أذكر  بالضبط كم مضى على انقضائه، لٰكِنَّني أذكر اللَّحظة جيِّدًا، أذكرها وَكَأَنَّها البارحة، حين سلَّمتني الـمعلِّمة دفتر إملاء اللُّغة العربيَّة، الذي يؤكد حصولي على علامة كاملة لثلاث مرَّات متتالية، أهدتني لصقة حمراء وَضعَتْها على جبيني، وأخرى خضراء في دفتري، وطلبتْ من زملائي أن يُصَفِّقُوا لي.

مشيت في طريق عودتي إلى البيت وصدى التَّصفيق لا يفارقني ودفتر الإِملاء في يدي، قاربتُ الوصول إلى البيت، رآني ابنُ عمِّي، كانت لي ضفيرتان وشعر ذهبيٌّ، أوقفَني، قلت له:

أخذت عشرة من عشرة بالإملا

أجابني:

تعالي سأشتري لك هديَّة وأخذني معه إلى الدُّكان...!

أمسك يدي وجرَّني معه بعيدًا عن بيتي، حَتَّى وصل غرفة مهملة صغيرة بجانب بيته، أدخلني إليها وأغلق الباب، أضاء مصباحًا صغيرًا كان معه، أنزل عن كتفي الحقيبة وبدأ يزيل عَنِّي ملابسي، وأنا أنتظر وأنظر غير مدركة لما سيحصل. بكيت، صرخت وقلت:

أنا خائفة، أريد أمِّي!

لٰكِنَّهُ استمر بإزالة الـملابس عن جسدي، وكان أَوَّل ما أزاله  البنطال، ازداد خوفي، تراجعت للوراء وقلت بصوتٍ خافتٍ:

بدِّي إِمِّي.

أجابني ببرود لم أفهمه وأنا الطِّفلة، وَلٰكِنَّني فهمت معناه الآن في هٰذِهِ اللَّحظات، وأنا أقف فوق هٰذِهِ السَّاحة الحمراء وفي هٰذا السِّجن!  لم تكن الغرفة واسعة وبقيت أتراجع إلى الوراء، أحاول الهروب حَتَّى اصطدمت بزاوية الـمكان، وكان بنطالي لا يزال معلَّقًا بين رجليَّ وما زلت أمسك بدفتري، اِقترب مِنِّي ركع على رجليه وبدأ يتحسَّس جسدي الصَّغير بيديه الكبيرتين بعد أن قام بخلع كُلِّ ملابسي، كنت أبكي وهو يردُّ عليَّ ببرود الذِّئب الَّذي يغتال نعجة صغيرة:

متخافيش بنلعب شويِّة وبنروح.

لم يترك شيئًا من جسدي إِلَّا ولمسه، هو كان يلعب وأنا كنت أضيع في عالم الخوف، ولا أعلم كم استمر بِهٰذا اللَّعب الوحشي، فبعد أن أشبع غريزته الحيوانيَّة بدأ يعيد ما أتلفه، ووقع الدَّفتر من يدي.

أشدُّ على دفاتري وأقلامي وكأنِّي أخاف سقوطها مَرَّة أخرى، وأنا الآن في هٰذا السِّجن ووسط كُلِّ هٰذِهِ القيود الَّتي تحيطني من كُلِّ جانب. كنت في السَّابعة، وكانت هٰذِهِ هي الـمَرَّة الأَولى الَّتي يتمُّ فيها طَعْنَ طفولتي، وأنا غير مدركة لكلِّ ما يحصل، فقط لِأَنَّني كنت طفلة!

أعاد ترتيب ملابسي ووضع حقيبتي على كتفي ودفتر الإِملاء بيدي، أمسك سكِّينًا ووضعه على لساني وقال لي مُحَدِّقاً بعينين جاحظتين في وجهي:

إِوْعك تقولي لحدا بقطع لسانك وبقتلك.

فتح الباب، نظر جيِّدًا حوله وتفقَّد الـمكان، وحملني بين يديه وبدأ يمـازحني ويدغدغني وَكَأَنَّهُ لم يفعل شيئًا.

شعرتُ بقشعريرة تسري في كُلِّ جسدي، حوَّلتُ نظَري إلى الأَسيرات حولي، ثُمَّ إلى السَّماء الـمقيَّدة، خاطبت نفسي وصرخت فيها صرخة قويَّة حرَّكتْ كُلَّ أحشائي:

أنا اليوم لست الطِّفلة!

أوقفتُ نزف هٰذِهِ الذِّكريات في داخلي، عدت للسِّجن ولاكتشاف الـمكان أكثر وتفقُّد كُلِّ شيء فيه.

في الجهة اليمنى من السَّاحة عُلِّقت أربعة خيوط لنشر الغسيل الرَّطب، ومنشران آخران من البلاستيك، أَمَّا مِن الجهة اليسرى فكانت غرفة صغيرة، قسْم منها خُصِّص لوضع الغسالة والنَّشافة، وَالقسم الآخر منها استُعمل كمطبخ مصغَّر لكلِّ القسم، وغرفة أخرى ملاصقة لجدار فاصل مخصَّصة لإدارة السِّجن.

كُلَّما أطلت النَّظر إلى لون الأَبواب الحديديَّة الزَّرقاء أمامي، تذكَّرت مشهد السَّماء الـمقيَّدة مِن ساحة الفورة، وَالغريب أَنَّني لم أعرف هٰذِهِ الأَحاسيس قبل وصولي إلى هٰذا السِّجن، بالرغم من أَنَّني رأيت هٰذِهِ الأَلوان في مرحلة اعتقالي الأَولى، سواء في معتقل الجلمة أو في زنازين الـمحكمة، فَالمشاعر هنا كلُّها بدت مختلفة عن السَّابق.

تنتهي فترة الفورة الصَّباحية، عند السَّاعة الواحدة ظهرًا، تُغلَق الأَبواب مجدَّدًا ونعود جميعًا إلى الزنازين. أتعلَّق بسريري لدرجة كبيرة، كوني كنت أرى به مملكتي الوحيدة الخاصَّة ضمن هٰذِهِ الزنزانة، فالسَّرير هو الشَّيء الوحيد الَّذي لا يشاركني فيه أحد خلافاً لبقيَّة الأَشياء الـمشتركة فيها، حتى إِنَّ النَّفَس الَّذي أتنفَّسه بات مقسَّمًا على الجميع، الكلُّ يسمعه يشهق ويزفر مِن ذرَّاته أيضًا، كما أنا أتنفَّس وأستنشق الهواء من ذرَّات الرَّفيقات الأَسيرات. «البرش»[11] هو الـمكتب وَالكرسي والطَّاولة، أقرأ، أجلس وأكتب وأنام، وأحيانًا آكل وأشرب عليه.

اَلانتظار في السِّجن يصبح كَالفريضة على كُلِّ واحدة منَّا، كُلُّ شيء بميعاد وَكُلُّ حركة بحساب، فعْل أَيِّ شيء معلَّق بِالأُخريات في الزنزانة، نحن مقيَّدات الحرِّيَّة وراء باب حديديٍّ ثقيل على الأَنفس، نتحرَّك في مساحة ضيِّقة، كُلُّ واحدة منّا لا تستخدم إِلَّا سريرها ليكون حيِّزها الخاصَّ، تُسيِّر عليه كُلَّ أمورها وَاحتياجاتها اليوميَّة، كالنَّوم وَالجلوس وَالقراءة وَالكتابة وَالخياطة والتَّطريز.

كُلُّ شَيْءٍ في السِّجن معلَّق بِالاِنتظار، إن أردتُ استعمال دورة الـمياه أو استعمال الحمَّام، فعليَّ أن أنتظر دوري كما الأُخْرَيات، كُلُّ شَيْءٍ يحتاج إلى حجز دور مسبق مع الأَسيرات الشَّريكات في الزنزانة.

كان القسم عبارة عن قرية مصغَّرة من الـمجتمع الفلسطيني، بِكُلِّ أطيافه وتكتُّلاته وتنظيماته وأقطابه، بعدَّة لهجات وعادات، يتكوَّن كوحدة واحدة متعاونة على كُلِّ شَيْءٍ، برغم بعض الخلافات والنَّزاعات الاِجتماعية الَّتي لا بدَّ أن توجد بين الأَسيرات، كونها جزءًا من هٰذِهِ الحياة الاِجتماعية أيضًا، أَمَّا الزنازين فكانت بمثابة البيوت في هٰذِهِ القرية، وَالأَسيرات مع بعضهنَّ البعض فيها، هنَّ اللائي يشكِّلن العائلات، كُلُّ زنزانة بِمَن فيها من الأَسيرات هي عائلة.

اَلصَّلاة تقام جماعة في كُلِّ زنزانة، وَكَذٰلِكَ يتمُّ تحضير الطَّعام بتعاون جماعيٍّ أَيْضًا، كما ويتمُّ تناول الوجبات الثَّلاث مع بعضنا البعض. أَمَّا مهامُّ التَّنظيف والتَّرتيب فتتمُّ بالتَّناوب بين الجميع.

على الجدار ، وفي مساحة صغيرة فارغة منه بين الخزائن وَالأسِّرة، عُلِّقت ورقة دوِّن عليها جدولٌ لتقسيم الـمَهَمَّات وَالأعمال الخاصَّة للزنزانة، بين الأَسيرات طوال أَيَّام الأَسبوع. قامت إحدى الأَسيرات بإنزالها عن الجدار لإضافة اسمي إلى الجدول، وبعد التَّشاور وَالاِتِّفاق مع بعضنا عُيِّنَ لي اليوم الَّذي سأنظِّف فيه الزنزانة، وهو يوم الخميس من كُلِّ أسبوع، ثم رُفِعَتْ الورقة وعُلِّقَت في مكانِها عَيْنِهِ مِن الجدار.

في السَّاعة الثَّانية والنِّصف ظهرًا، تفتح الأَبواب لنا مَرَّة أخرى لفترة الفورة الثَّانية في الظَّهيرة، وتستمرُّ حَتَّى السَّاعة الخامسة عصراً، تقام خلالها العديد من النَّشاطات واللِّقاءات التَّعليميَّة وَالاِجتماعيَّة والتَّرفيهيَّة بين الأَسيرات.

السَّاعة الخامسة وخمسون دقيقة مساءً، فجأة تغيَّرت طقوس الأَسيرات الـمتواجدات معي في الزنزانة، اَلأُولى أطفأت التِّلفاز، الثَّانية خرجت مسرعة مِن الحمَّام، الثَّالثة وضعت جانباً قطعة القماش الَّتي تطرِّزها، الرَّابعة أغلقت قرآنها، وَالأخيرة حملتْ جهاز الـمذياع الصَّغير «ترانزستور»، وراحت تتنقَّل فيه من زاوية إلى أخرى في كُلِّ أنحاء الزنزانة، وهي تحرِّك مفتاح ضبط شارة الـموجات، حَتَّى سُمِعَ صوتٌ واضحٌ ينبعث منه، لتبقي بدورها على هٰذِهِ القناة الإِذاعية «صوت الأَسرى»، تركت الـمذياع في هٰذِهِ الزَّاوية التي التقطت فيها القناة المنشودة ورفعت الصَّوتَ إلى أقصى درجة ممكنة، وعادت هي الأُخْرى إلى سريرها كما فعلت الأُخْرَيات، هممتُ بالسُّؤال عَمَّا يجري، وَلٰكِنْ إحداهنَّ أشارت لي بالسُّكوت، إذ وضعَت يدَها على فمِها، لم أكمل نطق سؤالي وتابعتُ ما يجري بصمت كما طلبَتْ.

السَّاعة السَّادسة وخمس دقائق مساءً، مع أنغام أغنية «هَدِّي يا بحر هدِّي» بصوت أبي عرب، جاء صوت الـمذيع وأعلن بداية برنامج اسمه «على جناح الطِّير»، بعد مقدِّمة قصيرة من مقدِّم البرنامج، عرفت أَنَّهُ برنامج مخصَّص لاستقبال محادثات مِن أهالي الأَسرى، تنجلي بعض علامات الاِستفهام عنِّي، وأعلم سبب الاِهتمام الَّذي أبدتْه الأَسيرات بِهٰذا البرنامج، أنصتُ معهنَّ للبرنامج بِكُلِّ حواسِّي، معتقدة أَنَّهُ برنامج حواريٌّ وإخباريٌّ يحاكي هموم الأَسرى وقضاياهم في سجون الاحتلال، ويناقش أمورهم ويعرض أخبارهم مع ذويهم. لٰكِنْ ومع أَوَّل اتِّصال زالت كُلُّ تساؤلاتي، وَازدادت آلامي عندما رأيت بكاء إحدى الرَّفيقات، لحظة سماع صوت والدها يتحدَّث معها عبر هٰذا البرنامج في هٰذِهِ الإِذاعة، يحدّثها عن آخر أخبار العائلة، يقول لها:

نحن في هٰذِهِ الأَثناء نقطف أشجار الزَّيتون، وأنا الآن أقف تحت الشَّجرة الَّتي تحبِّينها، والَّتي وقعتِ عنها ذات يوم وكسرت يدك، هل تذكرين ذٰلِكَ اليوم حبيبتي؟

يتوقَّف عن الحديث لثوانٍ ثُمَّ يكمل حديثه:

ألو يابا، كيف حالك يابا، اشتقتلِّك يابا، اشتقت لكلمة يابا طالعة منِّك، كلّْنا اشتقنالك يابا.

يتوقَّف مَرَّة أخرى عن الحديث لثوانٍ إضافيَّة لتجيبه بصوتها الباكي فورًا:

أنا بخير يابا، أنا كمان اشتقتلكم، اشتقتلكم يابا كثير.

يخبرها بعد ذٰلِكَ أَنَّهُ أرسل لها مبلغًا من المال وبعض الـملابس مع أهل إحدى الأَسيرات، لِأَنَّ العائلة ممنوعة من زيارتها، ولم توافق السُّلطات الإِسرائيليَّة على إعطاء التَّصاريح لأيِّ واحد من العائلة لأسباب أمنيَّة، يسألها مُجَدَّدًا:

يا ترى وصلوكِ؟

لتجيبه بدورها وهي باكية:

شكرًا يابا، آه وصلوني.

كان يتحدَّث معها عبر الإِذاعة يسألها سؤالًا ويصمت لثوانٍ كَأَنَّهُ سيسمع منها الرَّد، كان يتكلَّم عبر الإِذاعة كَأَنَّهُ يحادثها عبر الهاتف وينتظر أن يأتيه صوت ابنته رغم أَنَّهُ يعلم أَنَّ ذٰلِكَ لن يحصل أبدًا. اِنتهت الـمكالمة احتضنت هٰذِهِ الأَسيرة مخدَّتها وغرقت في بكاء عميق، وتوالت الـمكالمات من الأَهالي إلى الأَسرى وَالأسيرات عبر هٰذا البرنامج لساعة ونصف الساعة، وببثٍّ متواصل بدون انقطاع أو توقُّف أو فاصل إعلاني. فاضت بقلبي أحاسيس الأَلم وَاختلطت الـمشاعر ببعضها البعض، وما عدت أعلم من أين آتي بالصَّبر وَالاِحتمال مع هٰذِهِ الـمعاناة الَّتي أراها أمام عيني، لأُصْدَمَ مجدَّدًا بواقعٍ كَهٰذا على هٰذا الكون، فمهما تحدَّثوا، ومهما كتبوا عن معاناة الأَسرى وَالأسيرات، فَلن يقبضوا بذلك على حقيقةِ ما يشعرون به، ولن يدرك الإِنسان في الخارج عُمقَ مشاعرهم، إِلَّا إذا عاشها وعايشَ وقائع واقعهم في هٰذا السِّجن.

عرفت مع الوقت وَالأيَّام أَنَّ الكثير من الأَسرى وَالأسيرات في السُّجون يتَّخذون من هٰذِهِ البرامج وسيلة اتِّصال مع ذويهم، ليسمعوا من خلالها صوتهم، هٰذا هو الهاتف الـمسموح استعماله في السِّجن، إِنَّهُ هاتف هٰذا العصر، عصر الظُّلم وَالاِستبداد، هاتف يعمل بسمَّاعة واحدة ويبثُّ الصَّوت من طرف واحد، ليسمع خلاله الطَّرف الثَّاني الصَّوت، لٰكِنْ لا ليطمئنَّ قلبه على العائلة وَالأقرباء ويقلِّل من حدَّة شوقه إليهم، إِنَّما ليتضاعفَ عندَهُ شعور الأَلم وَالحرقة وقلَّة الحيلة.

اَلـمذياع هو الهاتف في السِّجن! التَّواصل مع العائلة متاح عبر هٰذا الـمذياع فقط، يا لها من وقائع صعبة جِدًّا يصعب عليَّ تصديقها، ولو أَنَّني لم أعشها ولم تشهدها عيناي وأذناي، لما صدَّقتُ أَنَّها حقّاً موجودة في هٰذا الزَّمن!

اَلدُّنيا كلُّها تصغر أمام هٰذا الوجع ويكبر السُّؤال مجدَّدًا في نفسي، لِماذا كُلُّ هٰذِهِ القسوة! وَلِماذا على الشَّعب الفلسطيني أن يعاني كُلَّ هٰذِهِ المعاناة؟ يمزِّقني صوت الـمذياع مَرَّات عِدَّة، وما أراني إِلَّا تلك الأَنثى الصَّامدة رغم الـموت الَّذي يحتلُّني. أكابر أمام الأَسيرات وأحافظ على صمودي، وَلٰكِنِّي كنت أبكي على هٰذه الحال سرًّا، وأضيع مَرَّة أخرى في عالم قاسٍ، صاخب ومتوجِّس، غريب ومجنون، كنت أعيش معهنَّ كطفلة، كُلَّ يوم أكبر وَلٰكِنْ حزنًا، جرحًا وأنينًا فقط.

تتوالى اللَّحظات وَالأيَّام في قسم 2 في سجن الشَّارون، وأمنح كامل الحرِّيَّة لأكتشف القسم وأندمج فيه كما يحلو لي، وأتعرَّف على قوانينه شيئًا فشيئًا، لا كلام عن الفصائل وَالأحزاب، ولا نقاش أو حديث عن التُّهم الـموجَّهة لنا مع بعضنا البعض، ولا تملك أَيُّ واحدة حقَّ السُّؤال عن سبب الاِعتقال وتفاصيل القضية غير لينا، بالرغم من أَنَّ الأَيَّام أثبتت لي أَنَّ هٰذِهِ القوانين قابلة للكسر أيضًا، لِأَنَّ الأَسرار  في السِّجن تُعرف بيسر.

كنت أنتظر ساعات اللَّيل الـمتأخِّرة والسُّكون الَّذي يعمُّ الزنزانة وَالقسْمَ بأكمله بعد نوم الأَسيرات، كي أعيش مع نفسي وأنفرد بخيالي وأكتب وأقرأ، بِالهدوء الَّذي أحبُّ وأعبر مع خيالي كُلَّ هٰذِهِ القيود وَالأقفال وَالأبواب، لأجلس على الأَرض ملتصقة بِالباب الأَزرق الضَّخم، مستغلَّة بقعة ضوء صغيرة، تنبعث من غرفة السَّجَّانات، عَبْرَ فتحات الباب الصَّغيرة، لتبدأ رحلتي مع الكلمات ومتعتي الحقيقيَّة بِاكتشاف معاني الحرِّيَّة وسط كُلِّ هٰذِهِ القيود، كان هٰذا الوقت هو  المناسب لأمارس فيه كتابة الشِّعر وَالقراءة بتأمُّل وحبٍّ لم أعشهما من قبل.

اِستطعت بسرعة أن أكسب ودَّ وَاحترام الأَسيرات لي والاِندماج معهنَّ في أقلَّ من أسبوع، وبحكم تمكُّني من اللُّغة العبريَّة باشرت بتعليمهنَّ إيَّاها، وأقمت بعض الورشات معهنَّ للكتابة الإِبداعيَّة وفي آخر النَّهار، وبعد وقت الفورة الثَّانية، كنا نجلس كحلقة في الزنزانة ألقي على مسامعهنَّ ما أكتبه من أشعار وخواطر. وكم كانت سعادتي عظيمة حين تأتي إحدى الأَسيرات لتقرأ لي ما كتبته عن شعورها وإحساسها.

شروق عمرها 19 عامًا، أصبحنا صديقتين حميمتين، بدأنا نتحدَّث كثيرًا ونتناقش ونضحك ونبكي ونفرح... شروق تحبُّ القراءة كثيرًا، كلَّ يوم تأتي إليَّ للزَّنزانة وتقول لي بابتسامتها الجميلة: "دارين.. دارين شو كتبتي جديد! سمِّعيني وحياتك، بدِّي أسمع".

في وقت الفورة، ومن على برجي في الزَّنزانة، أبدأ بقراءة ما كتبته من أشعارٍ على مسامعها، تأثَّرتْ من قراءتي وعبَّرتْ عن تأثُّرها إمَّا بابتسامة أو بتصفيق عفوي، أو ببضع كلمات مثل "ما أحلاها"، "بتجنِّن" وأحيانًا أيضًا بالدُّموع. قلت لها حينها: شروق اكتبي، اكتبي كلّْ شي بتحسِّيه وبتعيشيه".

في اليوم التَّالي جاءت إليَّ والفرحة بادية على وجهها، وتحمل في يدها دفترًا وقلمًا، قالت لي: "دارين كتبت إشي وبدِّي رأيك فيه، كتبت إشي وحابَّة أسَّمْعِكْ إيَّاه".

كانت فرحتي بها لا توصف، لم أكن أتوقَّع أنَّها ستكتب أو أنَّها ستأخذ كلماتي هاى محمل الجِّدِّ. وقرأت لي ما كتبته، كانت كتابتها بالنِّسبة لي أروع كتابة أسمعها في حياتي، رغم بساطتها وعفويَّتها، فقط كونها تحدَّثت عن كلِّ ما تشعر به، بعد ذٰلِكَ جلسنا معًا على تعديل الأخطاء اللُّغويَّة والنَّحويَّة، وعدَّلنا بعض الأخطاء، هٰكَذا ببساطة، أخرجت شروق للنُّور أوَّل خاطرة لها من داخل السِّجن، خاطرة مليئة بالابداع والإحساس والتَّساؤلات، رغم أنَّها لم تكتب قبلًا أيَّ شيء، ولم تفكِّر بِذٰلِكَ أصلًا. 

في هٰذا اليوم سمعت منها خاطرة عن وجعها وإحساسها الحقيقي، عن السِّجن، عن الإصابة، عن الاحتلال وعن كلِّ شيء يعيش فيها.... وَهٰكَذا ومنذ ذٰلِكَ اليوم بدأت شروق تكتب كثيرًا.

شروق دويَّات تحبُّ الرَّسم أَيْضًا، رغم أنَّها لا تتقنه جيِّدًا، كلَّما رسمت شيئًا ضحكت كثيرًا على رسمتها، أكثر ما كان يضايقها النَّميمة والضَّجيج، وأكثر ما يسعدها أكل بسكويت اللُّواكر (loacker) كلَّما أكلت قطعة تأتي لي بواحدة، تريد أن تطعمني إيَّاها غصبًا، أقول لها لا أحبُّ اللُّواكر فتجيبني مازحة: "هٰذا البسكوت طعم الحياة بالسِّجن، عمْ تخسري جزء كبير من معنى حياتك بالسِّجن". لنضحك معًا ساخرتين من هٰذا الواقع الَّذي نحياه. كنت كلَّما قلت لها أنا نباتيَّة تضحك منِّي أكثر وتردُّ مازحة بلهجتها المقدسيَّة: "نفسي أفهم شو يعني نباتيَّة، كيف زابطة معك هادي، وبالسِّجن كمان؟ من كثر الأشياء المتوفِّرة هون هنا؟"

شروق تحبُّ تقليد الشَّخصيَّات والتَّمثيل أَيْضًا، أحد المستوطنين أطلق النَّار عليها وأصابها بين الصَّدر الكتف، حدث ذٰلِكَ بعد أن أبعدته عنها وضربته بحقيبتها، حين أراد أن يزيل عنها حجابها. اعتقلت وتنتظر حكمًا يمكن أن يصل لستَّة عشر عامًا. ذات يوم قلت لشروق هل يمكنني أن أرى مكان الإصابة، في الحال كشفت لي عن كتفها، وضعتُ يدي على النَّدبة الَّتي خلَّفتها الطَّلقة بعد أن اخترقت جسدها، في اللَّحظة الَّتي لمست كتفها تمنَّيت أن أسحب منها كلَّ الوجع والذِّكريات المؤلمة، وأن أمنحها كلَّ شيء تحبُّه. قرأنا معًا رواية غسَّان كنفاني رجال في الشَّمس وناقشنا أحداثها.

شروق طاقة مليئة بالحياة والقدرة على فعل كلِّ شيء، الكتابة والتَّحدِّي، الحياة والأمل، التَّضحية والإيمان والأخلاق. شروق هي كتلة علم وإبداع.

كُلُّ شَيْءٍ في السِّجن يجب تحمُّله، وَلٰكِنْ رؤية العديد من الأَسيرات، يعانين من إصابات بإطلاق نار حيٍّ في مناطق مختلفة من الجسد وبلا متابعة طبِّيَّة وتلقِّي العلاج الـمناسب، هو الشَّيء الَّذي كان فوق طاقة تحمُّلي، صحيح أَنَّني مررت بِهٰذا الـمشهد مع إسراء في الجلمة، إِلَّا أَنَّ تكراره أمام عينيّ كان يشعل في قلبي أحاسيس قلق دائمة، فليس ثمّتَ أصعب من أن تعيش مع معاناة الأُخْرَيات وتسمع أنَّاتهنَّ، وَكُلَّ ما تستطيع فعله هو التَّعبير عن الإِحساس بِهٰذا الأَلم، بِالكلام وَالـمواساة بينما هُنَّ يعشنَ الآلام قلبًا وقالبًا.

في صباح أحد الأَيَّام، ومع وجبة الإِفطار أكلت بعض حبَّات الزَّيتون وهممت برمي النَّوى في القمامة، إِلَّا أَنَّ إحدى الأَسيرات نبَّهتني إلى عدم رميها وقالت:

نحن لا نرمي نوى الزَّيتون في القمامة بل نضعها في هٰذِهِ العلبة.

من هٰذِهِ اللَّحظة تعلَّمت أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ في السِّجن يتمُّ استغلاله، وَكَأَنَّ القسم أصبح مصنعًا لإعادة التَّدوير، فمن اللَّاشيء تولد الأَشياء في هٰذا السِّجن، على الرغم من بساطة الـمعدَّات وندرة الوسائل فيه، اَلعُلَبُ الفارغة تستعمل علب زينة لحفظ الأَغراض، وأحيانًا أخرى تصنع منها هدايا للأهل وَالأقرباء بعد تغطيتها بقطعة قماش مطرَّزة، أَمَّا أغطيتها فتحوَّلت إلى سكاكين ومقصَّات مع منع مصلحة السُّجون وجودها في الزنازين، نوى الفواكه والزَّيتون تستخدم كخرز لصنع القلائد وَالـمسابح وَالأساور وحَفْر الأَسماء عليها، وَذٰلِكَ بعد غسلها وتجفيفها وبردها مِن الجانبين، حَتَّى يظهر ثقب من الجهتين، بحافَّةباطون صغيرة موجودة في الزنزانة عند باب الحمَّام، وهي البقعة الوحيدة في الزنزانة الَّتي لم يتمَّ تغطيتها بِالبلاط، أَمَّا خيوط النَّايلون فيتمُّ استخراجها من أكياس البطاطا. عند الشَّعور بِالبرد تكون الـتدفئة بوضع الـماء السَّاخن في قنِّينة بلاستيكيَّة فارغة، حيث تنتظر الأَسيرة أن تتقلَّص وتأخذ حجمها بفعل الحرارة، عندئذ تغلقها وتضعها على سريرها تحت الغطاء، لتمنحها الدِّفء اللَّازم، فإدارة السِّجن حظرت وجود مدفأة في الزنزانة.

هنا فقط داخل هٰذِهِ الجدران الـمغلقة وبين الأَسيرات، أدركتُ بالمُعايَنة ما تعنيه المقولة المعروفة وَالمتداوَلة «الحاجة أمُّ الاِختراع».