image
image
image

13

image

في كُلِّ أسبوع كان لا بدَّ لي أن أعاني يومًا أو يومين من السَّفر في حافلة أو سيَّارة البوسطة، بسبب تعيين الـمحاكم الـمستمرَّة لي، بلا أَيِّ نتيجة إيجابيَّة تذكر، سوى الذَّهاب وَالعودة، وفي ثلاث مَرَّات فضَّلت عدم حضور هٰذِهِ الـمحاكم وَالعيش لساعات مع هٰذا العذاب، فوقَّعت على أوراق لمصلحة السُّجون أَنَّني مَن طلبتُ وبملء إرادتي، عدَمَ حضوري هٰذِهِ الجلسات في الـمحاكم.

يوم الإربعاء 2015.11.4 ، السَّاعة الرَّابعة فجرًا، استيقظتُ على صوت السَّجَّانة وهي تنادي باسمي، وتبلغني أن أجهِّز نفسي، أسأل عن السَّبب؟ فتقول إِنَّ لديَّ جلسة محاكمة، وَإِنَّ ذهابي سيكون بعد العدد مباشرة.

لم أكن أعلم مسبقًا بِهٰذِهِ الـمُحاكمة الـمفاجئة، وما سببها؟ اَلأوراق الَّتي أملكها من الـمحاكمة الأخيرة تؤكِّد أَنَّ موعد الجلسة القادمة في الأسبوع الـمقبل، جهَّزت نفسي بكلّ الأحوال وَانتظرت استيقاظ لينا، لتستفسر لي عن ما يجري وتتأكَّد من موضوع هٰذِهِ الـمحاكمة، وطلبت منها أيضًا فحص إمكانيَّة عدم الذَّهاب إلى هٰذِهِ الجلسة مع إبداء استعدادي للتَّوقيع على أَنِّي أوافق على عقدها دون مثولي فيها لأخفِّف عَنِّي معاناة السَّفر على متْن البوسطة.

عادت لينا من إدارة السِّجن، لتؤكِّد لي أَنَّني مُجبَرة على حضور هٰذِهِ الجلسة لِأَنَّهُ سيتمُّ فيها قراءة لائحة الاتِّهام على مسامعي، وَالقانون يحتِّم عليَّ حضورها. وعرفت أيضًا أَنَّ هٰذِهِ الجلسة تُعْقَد غدًا، وسيتمُّ أخذي اليوم إلى "ﻣﻌﭭﺎر" الجلمة، ويعيدونني إلى سجن الشَّارون يوم الأحد.

خرجت مع السَّجَّانة، وبدورها سلَّمتني لوحدة النَّحشون بعد تفتيش عارٍ، وتقييد الرِّجلين وَاليدين، ثُمَّ أخذوني إلى البوسطة، وبدأت رحلة الـموت عند السَّاعة السَّادسة صباحًا تقريبًا. توقَّفتْ خلالها البوسطة في عدَّة محطَّات، وبعد قرابة ثلاث ساعات سفر وصلتُ إلى "ﻣﻌﭭﺎر" الرَّملة، مكثتُ فيه أربع ساعات إضافيَّة، وَمِنْ ثَمَّ تَمَّت إعادتي إلى البوسطة، ومنها بدأت معاناة رحلة إضافيَّة، حَدَّقْتُ خلالَها في عَيْنَيّ الـموت وأنا على قيد الحياة. سبع ساعات إضافيَّة عشتها في هٰذا القبر الـمتحرِّك، السَّاعة اقتربت مِن الثَّامنة مساءً، توقَّفتْ فيها سيَّارة البوسطة في أربعة سجون مختلفة، في الـمحطَّة الرَّابعة أنزلوني وَاقتادوني إلى سيَّارة بوسطة أخرى، كنت موجودة في أحد السُّجون الَّذي لم أستطع تحديد هُويَّته، ورديَّة الوحدة الَّتي كُلِّفت بنقلي انتهت، وعليَّ الذَّهاب الآن مع ورديَّة أخرى، لم أتلقَّ لا ماء ولا طعام طوال هٰذِهِ الفترة، وأنا لم أطلب أيضًا، حَتَّى لا أحتاج الـمرحاض، وهو الشَّيء الَّذي أعرف أَنَّهُ مستحيلٌ خلال رحلة البوسطة.

اِستمرَّ  توقُّف السَّيَّارة في محطَّات إضافيَّة كثيرة، طال السَّفر هٰذِهِ الـمرَّة أكثر مِن سابقاتها، وكلَّما حاولت الاِستفسار عن وقت الوصول، أتلقَّى الصَّرخة الـمعهودة "شيكيت" مِن أحدهم، وأحيانًا كثيرة عدم الرَّدِّ أصلًا، اِستطعت أخيرًا معرفة مكان وجودي بعد ساعات إضافيَّة من السَّفر الـمتعِب وَالقاتل، حين نظرت إلى إحدى اللَّافتات، بعد أن توقَّفت البوسطة في أحد مراكز الشُّرطة هناك، لأقرأ أَنَّني موجودة أقصى شمال البلاد! في مستوطنة "كريات شمونة" الـمقامة على أرض قرية الخالصة الفلسطينيَّة الّتي هجَّروا أصحابها الفلسطينيين عنها عام 1948، لم أعلم سبب وجودي هنا، وَلِمَ  لَمْ يتمَّ إنزالي في معتقل الجلمة؟.

اَلسَّاعة تقترب مِن الواحدة بعد منتصف اللَّيل، اِنتهى اليوم، وبدأت يومًا جديدًا وأنا في هٰذا القبر، مَرَّة أخرى يقومون بتبديل الورديَّة، وينقلونني إلى بوسطة مع فرقة أخرى في هٰذا الـمكان الغريب، أنصتُّ إلى نقاش الفرقة الجديدة مع الفرقة السَّابقة، لأكتشف أَنَّهُمْ نسوا إنزالي في معتقل الجلمة، فيضحكون لذلك ويقهقهون مع بعضهم، وَكَأَنَّ تسبّبهم بآلام إضافيّةٍ لإنسانٍ مِن الأغيار  مُجَرَّد نكتة تنفرج لها أساريرهم! تحرَّكت البوسطة مجدَّدًا بعد أن وضعوا موقوفًا في السَّيَّارة، ثُمَّ توقَّفت مَرَّة أخرى بعد ساعتين، وكانت هٰذِهِ الـمرَّة في سجن "جلبوع"، والسَّاعة قد قاربت الخامسة فجرًا. أنا في البوسطة، بينما هم ذهبوا لشرب القهوة وأخذ قسطٍ من الرَّاحة، وبعد فترة عادوا، وسمعتهم يقولون أنْ لاحاجة للذَّهاب إلى الجلمة وسيتمُّ توصيلي مباشرة إلى مبنى الـمحاكم في النَّاصرة، لِأَنَّ جلسة محاكمتي عند السَّاعة التَّاسعة صباحًا!، لا أعلم كيف استطعت تحمُّل سماع هٰذاالخبر، وأنا أكاد أضع قدماً على عتبة الموت، طرقتُ بِالأصفاد على جوانب البوسطة، فكان جوابهم المُسْتَهْتِر: بعد قليل سنبدأ بالتَّحرك من هنا!. وضعوا أسيرين في البوسطة وتحرَّكت أخيرًا نحو النَّاصرة.

اَليوم الخميس، السَّاعة السَّابعة صباحًا، وصلت مبنى الـمحاكم في النَّاصرة، أنزلوني من البوسطة وأدخلوني الـمبنى، ليتمَّ إعلام الـمجنَّدة الَّتي تجرُّني وزملاءَها، أَنَّهُ لا توجد زنزانة فارغة، وَأَنَّهُ لا يمكن وضعي مع السَّجينات الجنائيَّات بسبب كوْني أسيرة أمنيَّة، لم يعرفوا أين يضعوني، فأخرجوني من الـمبنى، سألتهم:

ما الَّذي حصل؟ هل تمَّ تأجيل الجلسة؟ هل ستعيدونني إلى الجلمة؟

فقالت الجندية:

لا، ستنتظرين في سيارة البوسطة حَتَّى موعد الجلسة.

صرخت بوجهها:

إِنَّ ما تفعلونه غير قانوني، أنا من البارحة موجودة في سيَّارة البوسطة!

لم يعنِها صراخي ولا كلامي، فُتِح القفص مجدَّدًا، وأدخلوني إلى البوسطة الَّتي تقف في مرآبٍ مُغْلَق وأغلقوا الباب عليَّ . هٰذِهِ الـمَرَّة البوسطة غير مشغَّلة وبالتالي تعطّل التكييف والإنارة، فلا هواء ولا ضوء، أكاد أختنق، لا أجد متنفسًا، تزداد أوجاع القرحة، وأبدأ بنوبة سعال لا تتوقَّف، فكلُّ الفترة آثرت الصَّبر، وَلٰكِنَّ جسدي ما عاد يحتمل هٰذا التَّعذيب، ناديت كثيرًا، وليس هناك من يسمع صرخاتي، كُلَّ نصف ساعة كان أحد الـمجنَّدين يأتي ليتفقَّدني، يقف بجانب الباب ويسألني:

هل كُلُّ شيء على ما يرام؟

أجيبه:

لا، أنا أختنق، لا هواء، أريد هواءً!

يفتح الباب لدقائق معدودة، ويقول لي:

هذا الهواء لأجلك! تنفَّسي الآن! تستطيعين التَّنفس الآن! ثُمَّ يطرق الباب طرقة قويَّة.

اِنتظرت خمس ساعات إضافيَّة وأنا على هٰذا الحال، حَتَّى إِنَّ موعد جلستي تأخَّر كَالعادة، إلى أن جاؤوا أخيرًا لأخذي إلى الجلسة.

دخلت قاعة الـمحكمة، سألني الـمحامي:

لمَ وجهك أصفرُ؟

حّدّثتُ المحامي بكلمات مقتضبة عَمَّا حصل، بدأت الجلسة وأراد الـمحامي أن يحكي للقاضية عَمَّا جرى معي، إِلَّا أَنَّها أوقفته وقالت له:

هٰذِهِ جلسة معدَّة فقط لقراءة لائحة الاِتِّهام، وأيُّ شكوى مختلفة وإضافيَّة يجب طلب جلسة خاصَّة بِهٰذا الـموضوع، وعلى العموم سأطلب الآن من وحدة النَّحشون أن يهتمُّوا بالأمر.

اِمتدَّت الجلسة عشر دقائق فقط، قرأت على مسامعي لائحة الاتِّهام، اِنتهت الجلسة، وأعادوني إلى سيَّارة البوسطة، زنزانة الانتظار الـمميَّزة الخاصَّة بي.

أصبحت بحاجة ماسَّة لقضاء حاجتي، ما عدتُ قادرة على التحمُّل أكثر، صحيح أَنَّهُمْ لم يقدِّموا لي لا طعامًا ولا شرابًا حَتَّى هٰذِهِ اللَّحظة، وَأَنَّني لم أضع أيَّ شيء في فمي منذ يومين تقريبًا، إِلَّا أَنَّ حاجتي كانت ملحَّة لاستخدام الحمَّام، ناديت وطلبت عدَّة مرَّات أن يأخذوني إلى الحمَّام، وَلٰكِنَّ أحدًا لم يأتِ، ولم يجبني أحد على طلبي البسيط وحقِّي الطَّبيعي كإنسانة! حاولتُ الصُّمود بقدر استطاعتي، فقد استنفدتُ كُلَّ الطَّاقة، وَ في النِّهاية ضعفت، فبُلْتُ في ملابسي.

تحرَّكت بي البوسطة عند السَّاعة السَّادسة مساءً، ووصلنا إلى الجلمة، دخلنا مبنى الـمعتقل فرأوا بنطالي مبلولًا، وبدأ الجنود يضحكون ويقذفون نحوي كلمات ساخرة:

حثالة"، "مقرفة"، "تستحقِّين ما يصيبك" "قذرة".

اكتظَّتْ عيناي بالهزائم، وكانوا ينظرون إليَّ كمنتصرين، وأنا الَّتي لا أعرف كيف أعرض ابتسامة مالحة تنغِّص عليهم انتصارهم، فجأة وجدت صوتي يرتفع لأبدأ بِالغناء:

جَـمـَّـعِ الأَسْـــــــرى جَـمــَّــعْ   في مُعَسْكَــرْ أَنْصــــــــارْ

وِالشَّمِــــــسْ لَـمَّـــــــا بْتِطْلَعْ بِتْـــــــــــواعِدِ الثُّــــوَّارْ

حَبَسْتـــــوا جِسْــــمِ البَطَلْ ما حَبَسْتــــوشِ الرُّوحْ

رُوحُهْ بِـحَجْمِ الـجَبَلْ  تِـحْمِلْ عَنَّـــــا لِجْروحْ

شَـمْسِ الـحـُـرِّيِّـــهْ فينا  مِينْ يِحْبِسِ الشُّموسْ

وِالفَـــجِرْ بِيْـــــــنادينا  شُو رَحْ تِعْمَلْ لِحْبوسْ

سِـجْنِ العَدُوْ ما يِقْدَرْ  يِـحْجِبْ عَنَّا الأَوْطانْ

إِحْنا لَفَلَسْطينْ مَعْبَـرْ  إِحْنا فِدا الأَوْطـــــــانِ

تتغيَّر عيونهم وتتبدَّل ضحكاتهم فورًا بنظرة استغراب مِن غنائي، أدخلتني الـمجنَّدة إلى القسم وَاستلمتني السَّجَّانة، وبقيت أغنِّي ذات الأغنية وأردِّدها، تبدأ السَّجَّانة بتفتيشي تفتيشًا عاريًا وتمارس هواية زملائها في السُّخرية، وتردِّد:

مقرفة، رائحتك مقزِّزة، مضطرَّة أن أفتِّشك...

وأنا أغنِّي وأعيد وأكرِّر الأغنية، إلى أن أدخلتني إلى الزَّنزانة الرَّماديَّة، توقَّفتُ عن الغناء، وفورًا غسلت ملابسي، وعاودت ارتداءها وهي رطبة، وقضيت اللَّيلة أتقيَّأ وأسعل.

بقيتُ في الزِّنزانة الرَّماديَّة حَتَّى يوم الأحد، أخذوني باكرًا في رحلة مميتة أخرى، في طريق العودة إلى سجن الشَّارون، رحلة الطَّريق إلى جهنَّم. فَهٰذا اﻟﻤﻌﭭﺎﺭ هو جزء من أقسى ما في السِّجن، هو حقًّا الطَّريق إلى جهنَّم، وليس إِلَّا وسيلة أخرى بيد إدارة مصلحة السُّجون تتعمَّد بها الإذلال، كي تنال من الصَّبر وَالاِحتمال، وَكَأَنَّهُ جزء من العقاب.

فور وصولي السِّجن ودخولي إلى قسم 2، اتَّجهت فورًا نحو لينا، حضنْتُها حَضْنًا طويلًا، أزلتُ به كلَّ الوجع. تعجَّبتْ هي من هٰذا الحضن وسألتني عن السَّبب، فلم أجبها، وَمِنْ ثَمَّ دخلتُ زنزانتي ووجدت رفيقاتي الأسيرات ينتظرنني، تبادلنا الأحضان والسَّلام، وكُنَّ قد أعددنَ لي وجبة عشاء، رميت نفسي على السَّرير وغفوت أخيرًا.

في صباح آخر لإحدى الـمحاكمات، وبينما كنت مع إحدى الـمجنَّدات من وحدة النَّحشون، أنتظر في ساحة السِّجن قدوم ضابط تسجيل الدُّخول وَالخروج ليسجِّل ساعة خروجي، أطلتُ نظري إلى مدخل الـممرِّ إلى هٰذِهِ السَّاحة، ليظهر أمامي مجموعة من الجنود يتوسَّطهم أحد الأَطفال من الأَسرى الأَشبال، من ملامح وجهه وتقاطيع جسده، خمَّنت أَنَّ عمره بِالكاد يصل الاِثني عشر عامًا، كان مقيَّدًا بعدَّة قيود، اثنين في اليدين وَاثنين في الرِّجلين، وسلسلة أخرى تربط قيود اليدين مع قيود الرِّجلين، من خلال حلقة موجودة في الوسط، وعلى يده اليسرى لُفَّتْ ضمادة بيضاء، تؤكِّد أَنَّهُ يعاني من إصابة حديثة بها.

يمشي الطِّفل بصعوبة، فالسَّلاسل بدت أثقل من وزنه، وخلال أربع أو خمس خطوات يتوقَّف الطِّفل ليستريح ويلتقط بعض أنفاسه، إِلَّا أَنَّ الجنود يجبرونه على المواصلة وَالإسراع في الـمشي، ويصرخون عليه بكلمات متفرِّقة بِالعربيَّة وبلكنة ثقيلة يقولون:

يلَّا ولد اِتْخَرَّك، امشي بسرعة.

اِقترب مِنِّي كثيرًا، أصبح على بعد بضع خطوات من وقوفي، تعرقلت قدماه بالسِّلسلة فَاختَّل توازنه ووقع على الأَرض وبدأ بِالبكاء، بردَّة فعل مِنِّي وبحركة لا إراديَّة تحرَّكتُ تجاهه لأساعده على الوقوف، بعد هٰذا الوقوع القويِّ، إِلَّاأَنَّ الـمجنَّدة أمسكتني من قيود اليدين ومنعتني من التَّحرُّك،قلت لها:

دعيني أساعدْه على الوقوف فقط، يجب مساعدته على الوقوف مجدَّدًا اُنظري إِنَّهُ طفل صغير مصاب ومقيَّد.

فردَّت علي:

هو «مخرِّب» كبير ويستحقُّ ما يجري له، ولا دخل لك به.

لأوَّل مَرَّة منذ اعتقالي أشعر بِالقهر الكبير الَّذي جعلني أفكِّر بردَّة فعل عنيفة وبضرب هٰذِهِ الـمجنَّدة، وكنت سأفعلها إِلَّا أَنَّني سيطرت على هٰذِهِ الـمشاعر، ولا أعلم كيف أعدت لنفسي الهدوء وَاستطعت كبت الغضب الَّذي أصابني في داخلي، مع رؤيتي لِهٰذا الطِّفل بِهٰذِهِ الحالة؛ اَلأطفال نقطة ضعفي، كانوا ولا زالوا وسيظلُّون أيضًا، لا أستطيع أن أراهم يعانون وأحافظ على دور الـمتفرِّجة على مُعاناتهم، وَلٰكِنِّي الآن لست إِلَّا أسيرة وعاجزة عن فعل أي شيء، لست قادرة على القيام بواجبي الإِنساني تجاه هٰذا الطِّفل الـمُلقى على الأَرض أمامي،لم أجد أَيَّ طريقة لتقديم العون له إِلَّا الكلمات، وجَّهت له بعض العبارات بصوت مسموعٍ علَّها تساعده معنويًّا على الأَقلِّ، ويتخطَّى هٰذِهِ الـمحنة الَّتي يمرُّ بها، قلت له بِانفعال:

قف حبيبي، أنت أقوى منهم، هيَّا قف، ستكون بخير.

نظر إليَّ وأرسل عبر ملامحه الطُّفوليَّة وعينيه الدَّامعتين ابتسامة تفيض براءة، وقال لي:

شكرًا لك.

بعد مجهود عظيم منه وقف مجدَّدًا على رجليه، ليعود الجنود إلى الصُّراخ عليه فقال أحدهم:

«يلَّا ولد»، «لازم نروخ من هون»، «يلَّا اِمشي بسرعة مخابيل (مُخَرِّب بالعبرية)».

ليبدأ بالتَّحرُّك ويغيب عن نظراتي ويبقى ظلُّه يلاحق فكري في كُلِّ وقت وفي كُلِّ مكان.

أعيش وحدي في هٰذا الخندق الـمظلم، وأتلمَّس فيه الطَّريق، أحاول أن أتعلَّم كيف أكون عمياء بين الـمبصرين، أو رُبَّما مبصرة بين العميان، وأفشل في الحالتين، بتُّ أسأل العالم كأنِّي أسأل نفسي، وأناشد وجداني، كأنِّي أناشد الوجود، فَكُلُّ لغات البشر لا تستطيع أن تعبِّر عن هالة واحدة من هالات الأَلم الَّذي شاهدته وأشاهده في هٰذِهِ البقعة، شعرت أَنَّني موجودة على أعلى قمَّة من مآسي البشرية فدومًا أعلى الجبال تحوي أصخب الشَّلَّالات وأرهبها سقوطًا وأظلمها كهوفًا.

أصل إلى الـمحكمة وأعود ولا شيء في رأسي إِلَّا صورة هٰذا الطِّفل، لم تفارقني صورته أبدًا، في ساعة متأخِّرة من اللَّيل أدخل مُجَدَّدًا إلى سجن الشَّارون، إلى القسم رقم 2، وإلى الزنزانة رقم 7، وفي داخلي بحر عميق تتلاطم أمواجه بعضها ببعضها، لأغوص في التَّفكير وأسأل، وأنا لا أدري إن كنت سأذوق ذُلًّا أشدَّ من هٰذا، أم أَنَّ ذلًّا أشدَّ سيتذوَّقني؟