![]() | ![]() |
أسبوعان على وجودي في سجن الشَّارون، اعتدتُ على هٰذِهِ البيئة القاسية فيه، أعددت برنامجًا يوميًّا أفيد به نفسي ووقتي والرَّفيقات، أصبحت كبقيَّة الأَسيرات، جزءًا من هٰذاالقسم.
يوم الاِثنين، السَّاعة التَّاسعة صباحًا، تأتي لينا إلى باب الزنزانة وتذكر أسماء الأَسيرات اللَّواتي لديهنَّ زيارة عائليَّة، وَالـمفاجأة أَنَّ اسمي كان من ضمنهنَّ.
ثلاث من الأَسيرات في زنزانتي لم يحظين بالزِّيارة بسبب الـمنع الأَمني حسب إدارة السِّجن، وهو ما دعاني لعدم الإِفراط بمشاعر الفرح بِهٰذِهِ الزِّيارة الَّتي حصلت عليها، تبادلنا التَّهاني وَكَأَنَّهُ يوم عيد، وَلٰكِنَّ التَّعابير على وجوه الأَسيرات الثَّلاث الـمحرومات من زيارة الأَهل كانت هي الحادثة الأَبرز بِالنِّسْبَة لي، هنا بدأت حكايةُ مُعاناة جديدة وأحاسيس حسرة لا نهاية لها، اَليوم فقط تعرَّفت على نوعٍ جديد من الفنون، فنِّ كتمان الوجع وَالاِكتفاء بِالخيال ملاذًا للأسيرات، بِأَنَّ إدارة السِّجن ستسمح لهنَّ قريبًا بزيارة للأهل، وتمنح الأَهالي التَّصاريح اللَّازمة لِذٰلِكَ أيضًا، هٰذِهِ الـمشاعر كانت موجعة تطعنني كخنجر في القلب، وَهٰذا الفنُّ يجب احترافه من قبل كُلِّ أسيرة.
تحوَّل القسم عند الفورة الصَّباحيَّة إلى ساحة عرس، تعجُّ بالضَّحكات وَالغبطة، وأصوات الزَّغاريد والتَّهاليل تنطلق من أفواه الأَسيرات بعفويَّة مطلقة، كُلُّ أسيرة تلقَّت خبر الزِّيارة انتقت لها أجمل الـملابس وَالـمناديل الَّتي تملكها لتلبسها، كثيرات منهنَّ تبادلن قطع الـملابس مع بعضهنَّ البعض لينسِّقن الأَلوان والشَّكل، ومنهنَّ من زينَّ شفاههنَّ بأحمر الشِّفاه وعيونهنَّ بِالكحْل، لتظهرن أمام الأَهل جميلات، مرتَّبات وأنيقات. في الـمقابل لجأت الأَسيرات المحرومات إلى تفريغ وجَعهنَّ إِمَّا بِالبكاء أو الصَّلاة أو قراءة القرآن أو حَتَّى بنظرات حسرة إلى فرحة الأَسيرات الـمتوجِّهات للزِّيارة.
كم كنتُ متلهِّفة لزيارة الأَهل قبل هٰذا الصَّباح، وَلٰكِنْ نظرتي تغيَّرت تجاهها بسبب هٰذا الشُّعور مع الأُخْرَيات، ما عاد الكلام يكفي ولا الصَّمت يكفي، أضع مشاعري على محكِّ الـمعاينة ويبدأ الواقع تداخله في ذاكرتي شيئًا فشيئًا، وَلٰكِنِّي أحتاج إلى الصَّمت لأتفهَّم جرحي الغائر، وأعيش بما يدور حولي وأحاول استيعابه، رُبَّما لأقدر على النُّطق بِالكلام بعد حين.
السَّاعة الثَّانية عشرة ظهرًا، تصطَفّ الأَسيرات كمجموعة وراء لينا في القسم، أمام باب غرفة السَّجَّانات ومعها إحدى السَّجَّانات، وخلف الباب تتواجد أيضًا سجَّانتان إضافيَّتان تساعدان في إتمام الـمَهَمَّة، يتمُّ إدخالنا واحدة تلو الأُخْرى، يأتي دوري أدخل إلى غرفة السَّجَّانات ثُمَّ إلى الحمَّام، لأعبر حاجز التَّفتيش مُجَدَّدًا بِالعصا الأَلكترونيَّة أوَّلًا ثُمَّ بالتَّفتيش العاري، وبعدها تضع السَّجَّانة الأَصفاد في رجليَّ ويديَّ، وتمرَّ الأَسيراتُ جميعهنّ بذات الطَّريقة الَّتي مررت بها.
نمشي في عِدَّة ممرَّات طويلة وأروقة ضيِّقة تُعَدُّ سجنًا أيضًا، كونها محاطة بأسوار جانبيَّة عالية وبعضها كان له سقف مغلق، وبين كُلِّ ممرٍّ وممرٍّ بوَّابة علينا أن ننتظر عندها لعدَّة دقائق حَتَّى يتمَّ فتحها، رحلة السَّير استمرَّت ربع ساعة استرقْتُ خلالها النَّظر نحو السَّماء المفتوحة الَّتي اشتقت لزرقتها كثيرًا، حَتَّى وصلنا مبنى صغيرًا، دخلنا منه إلى غرفة الزِّيارات بعد أن فكَّت السَّجَّانة عن يدينا الأَصفاد وتركت الأَرجل مقيَّدة، وأعلن ضابط موجود عند باب الغرفة بداية الزِّيارة.
غرفة بدا شكلها مستطيلًا من الجهة الَّتي وقفت فيها، تمتدُّ طولًا كَأَنَّها ممرٌّ مقسَّمٌ لعدَّة نوافذ زجاجيَّة ضخمة، بإطار مصنوع من الأَلمنيوم الـمطلي بِالأزرق، كُلُّ إطار فيها هو الغرفة الـمعدَّة لجلوس أسيرة واحدة للقاء أهلها، أجلس أمام النَّافذة على كرسي بلاستيكي قبالة الزُّجاج مكبَّلة الأَرجل وأمامي حافَّة صغيرة، وعلى كُلِّ جانب من الإِطار الأَزرق عُلِّقت سمَّاعة سوداء لهاتف قديم جِدًّا، وقاعدتها لونها قريب للأبيض الدَّاكن «البيج»، تمرُّ بضع دقائق ليبدأ دخول الأَهالي من الجهة الـمقابلة، كلُّ عائلة تبحث عن ابنتها، لتجلس قبالتها، وكلُّ مَن مرَّ مِن أمامي كان يلقي السَّلام والتَّحيَّة بِاليد وأبادلهم التَّحيَّة بِاليد أيضًا، حَتَّى ظهر أخي من بينهم، لوَّحت له بيدي، رآني وجلس على الـمقعد أمامي.
رفعت سمَّاعة الهاتف من جهتي وأشرت له برفعها من جهته وبدأنا الحديث مع بعضنا، كان الصَّوت عبر هٰذِهِ السَّماعة سيِّئًا جِدًّا ومشوَّشًا وغير واضحٍ، ذهبت للسَّماعة الثَّانية فكان الصَّوت أحسن حالًا وَلٰكِنَّهُ ليس جيّداً، كنت أكيدة أنَّ المحادثات مراقبة ومسجَّلة، قلت له مازحة وأنا أبتسم: أشعر أنَّنا نتحدَّث بمكالمة عبر الرَّاديو، نتحدَّث ولا نعرف من يستمع لحديثنا. ابتسم أخي بوجهي وأومأ لي برأسه أنَّه قد فهم قصدي. سألته عن المعاملة الَّتي تلقَّاها عند دخوله للزِّيارة، أجابني: إنَّهم وجَّهوا له الكثير من الأسئلة شديدة الخصوصيَّة عنِّي. حدَّثني عن كلِّ ما شهده من مشاهد إذلال من قبل إدارة السِّجن لعائلات الأسرى والأسيرات. كان مؤلمًا له كثيرًا أن يرى هٰذا الإذلال الَّذي تتعرَّض له النِّساء، خاصَّة عند مدخل السِّجن، وهو انتظر مثلهم أكثر من ساعتين ونصف السَّاعة في ساحة مفتوحة، بلا مقاعد للجلوس أو سقف يحمي العائلات من حرارة الشَّمس أو من المطر والبرد. سألته هل تلقَّى معاملة مختلفة عن البقيَّة الَّذينَ وصلوا من منطقة الضَّفَّة فأجابني: كلُّنا فلسطينيُّون، ومررت بكلِّ ما مرُّوا به، وكلُّ ما مررتُ به مرُّوا هم به أيضًا.
جلُّ حديثنا كان عن العائلة وأحوالها وعن السِّجن وكيف أقضي وقتي فيه، وعن الحياة بين الأَسيرات، وبين الحين وَالحين كنت أترك الحديث مع أخي لأتابع لقاء الأَسيرات مع ذويهنَّ.
"دارين هٰذِهِ ابنتي الَّتي رأيت صورتها، تعالي وتعرَّفي عليها عن قرب". نادت عليَّ الأسيرة الَّتي تجلس بجانبي. نظرت في وجه ابنتها، ابنة السَّبع سنوات فقط، لوَّحت لها بيدي، ابتسمت لها وأرسلت لها قبلة من وراء الزُّجاج، فقامت بإرسال قبلة لي بدورها أيضًا. بينما كانت عيوني تتنقَّل بين العائلات والأسيرات استطعت التَّعرُّف على عائلة إحدى الأسيرات الَّذينَ تعرَّفت عليهم في إحدى الأمسيات الفنِّيَّة الَّتي حضرتها وقمت بتصويرهم بعدستي عدَّة صور، صورهم محفوظة الآن على جهاز الحاسوب الَّذي تمَّت مصادرته من قبل الشُّرطة. حضنت الأسيرة، في هٰذِهِ اللَّحظة فقط أدركت وعرفت من تكون وهُويَّتها الكاملة، في الحال استطاع الأهل أن يتعرَّفوا عليَّ أيضًا، أخذت سمَّاعة الهاتف من الأسيرة وتحدَّثت معهم. كانت مفاجأتهم عظيمة بوجودي مع ابنتهم من وراء هٰذا الزُّجاج، قالوا لي: "أنت أيضًا هنا بالسِّجن؟".
عدت لنافذة زيارتي، بجانبي أسيرة تتكلَّم مع ابنتها وأمِّها، زوجها لم يستطع القدوم للزِّيارة فهو ممنوعٌ بدواعٍ أمنيَّة حسب إدارة السِّجن، ابنتها الصَّغيرة بدأت تبكي بكاءً مريرًا، وتصرخ: "بدّي إمِّي" صرخت مرّات ومرّات، توجَّهت نحو ضابط الزِّيارات المتواجد في الغرفة، من أجل أن يمنحها لحظات قليلة لتحضن أمَّها، إِلَّا أنَّه لم يعرها أيَّ اهتمام، الزُّجاج العادم يمنع نفاذ الصَّوت كلِّيًّا، وَلٰكِنْ صوت بكائها الَّذي وصلني من خلال سمَّاعة الهاتف الَّتي يحملها أخي قتلني، بقلبي بكيت معها ومع أمِّها وبصمت.
أسيرة أخرى تتكلَّم مع والدتها عبر سمَّاعة الهاتف يفصل بينهما هٰذا اللَّوح الزُّجاجي، كُلُّ واحدة منهما ترى الثَّانية، وَلٰكِنْ بدون لمسة، بدون حضن وبدون قبلة، تتعلَّق عيناي عند هٰذا الـمشهد الَّذي خطف قلبي وعقلي، بعد حرمانها من الزِّيارة منذ اعتقالها حَتَّى هٰذِهِ اللَّحظة، وضعت الأَسيرة كفَّيَّ يديها على الزُّجاج لتقوم والدتها بِالفعل نفسه ورسمتا على لوح الزُّجاج البارد عظَمة شوقهما لملامسة الواحدة للأخرى، ثُمَّ اقتربتا من الزُّجاج وطبعتا قبلة على هٰذا الزُّجاج، فاللِّقاء وَالأشواق وَالقبلات هنا في هٰذِهِ الغرفة ومن خلف هٰذا اللَّوح الزُّجاجي لها طعم آخر، وَكَأَنَّ هناك قوَّتين تتجاذبان في اتِّجاهين معاكسين.
مرَّت 45 دقيقة، أطلقت الصَّفَّارة وأُعلن انتهاء الزِّيارة، الكلُّ يودِّع الآخر لتُعاد الأَصفاد إلى يديَّ وأخرج من هٰذِهِ الغرفة مرهَقة الرُّوح وَالجسد، أسترجع أمام عينيَّ مشاهد ملحمة الحبِّ الأُسطوري لقوافل عشَّاق يشدُّون الرِّحال إلى أمنية صغيرة، نافذة مفتوحة يحصلون من خلالها على قبلة أو لمسة أو حضن فقط.
اَلشَّوق هو ألدُّ الأَعداء للأسيرات في السِّجن، هُوَ قاهِرهُنَّ يستنفد منهنَّ كُلَّ قوى الصُّمود، ومع هٰذا تبقى لديهنَّ القدرة على كتمان الوجع وَالـمواصلة والتَّحدي، صحيح أَنَّني عشت معارك ضارية مع هٰذا العدوِّ اللَّدود بشوقي للقلم وَالكتابة أكثر من الأَهل، وَلٰكِنَّ نتيجة كُلِّ أنواع الشَّوق الَّتي تعيشها الأَسيرات هي في النِّهاية واحدة، امتهان لكتم الأَوجاع ومحاولة لشلِّ التَّفكير، وَالـمضيِّ في دهاليز السِّجن بصبر وَانتظار.
مضى شهران على اعتقالي، وشهر على وجودي مع الأَسيرات السِّياسيَّات في سجن الشَّارون، أصبحت جزءًا حيويًّا في القسم، علاقتي معهنَّ توطَّدت يومًا بعد يوم، ثقتهنَّ بي زادت، محبتهنَّ، وَاحترامهنَّ لي أصبح هوالعنوان، في وقت الفورة أفتح معهنَّ عِدَّةَ نقاشات وحوارات في شَتَّى الـمواضيع الاِجتماعيَّة والسياسيَّة، حَتَّى تلك الَّتي عُرِّفت حسب التَّقاليد الاِجتماعيَّة بِالـممنوعات أو الـمحظورات، في البداية واجهت انتقادات ورفضًا تامًّا لأفكاري حَتَّى من الشَّريحة الـمثقَّفة وَالـمتعلِّمة بينهنَّ، إِلَّا أَنَّ ذٰلِكَ لم يردعني عن تكرار النِّقاش مَرَّات أخرى حَتَّى بات بعض آرائي الـمرفوضة، مقبولاً عند غالبيتهنَّ وخصوصًا الآراء الَّتي تخصُّ مكانة الـمرأة في المجتمع الفلسطيني، أصبحت في فترة قصيرة صديقة لهنَّ، وأصبحن كلَّهنَّ صديقاتي وسخَّرت كُلَّ تفكيري ومشاعري للمساهمة في تقدُّمهنَّ وخدمتهنَّ ومساعدتهنَّ، كُلَّ يوم يسألنني عن الجديد الذي كتبته، واحدة تطلب أن أكتب لها رسالة إلى ابنها لترسلها عبر مندوبة الصَّليب الأَحمر، وأخرى تحكي لي حكاية عشقها مع خطيبها، وتطلب أن أكتب لها قصيدة حبٍّ تحاكي بها شوقها إليه، لم أتردَّد في فعل أَيِّ شيء يطلبنه مِنِّي وكانت كُلُّ مشاعري تندمج معهنَّ فأجدني أكتب لهنَّ عن مشاعرهنَّ وكأني أكتب عن نفسي وأعبر عن مشاعري، مع الوقت أشرفت على إدارة ورشات عمل للكتابة الإِبداعيَّة معهنَّ، ولاقت الورشات تلك استحسانهنَّ وَلٰكِنْ إلى جانب كُلِّ هٰذا النَّجاح، واجهت الكثير من الصُّعوبات معهنَّ حين أدركت أَنَّ هناك نمطًا من النِّساء لا يمكنني التَّعامل معه بالنَّصيحة أو الـمساعدة، فقد أدركتُ أَنَّ هناك من لا يجب عليَّ مقاطعة سلسلة انفعالاتها الـمعتادة، بكائها، انهيارها بل وَحَتَّى أفكارها الاِنتحاريَّة! وقد تبيَّنَ لي أَنَّ هناك من لديها أغرب منظومة سيكولوجيَّة اجتماعيَّة، وأحيانًا بدت لي أساليب بعضهنَّ غير منطقيَّة، غير سويَّة وغير معقولة، تخيَّلتُ في البداية أنهنَّ يتداعين، يتلاشين، يهوين، يبالغن، لٰكِنِّي صمتُّ وتقبَّلتهنَّ برغم كُلِّ الاِختلاف الجذري في الرَّأي وَالحياة، بل استمتعت بمراقبتهنَّ في كُلِّ ظروفهنَّ، لأنهنَّ بعد كُلِّ هٰذِهِ الـمشاعر شكَّلن لي ثقافة جديدة، ورسمن في مخيِّلتي أجمل لوحة صمود وتحدٍّ في هٰذا الأَسر، لا يمكن أن أراها وأعيشها أبدًا في حياتي.
بعد كُلِّ هٰذا التَّأقلم الَّذي عشته، اندهشت من قدرتي على الاِبتسام، على التَّضحية، التَّسامح، التَّغاضي، الاِحتضان، الإِحساس وَاستيعاب أمور كثيرة للغاية لم أكن قادرة على إدراكها، اندهشتُ من كوني لم أعد أنا!
كُلُّ شَيْءٍ يستمرُّ على حاله، نمط الحياة، الـمشاعر، الـمشاهد وَالأحداث كلُّها تتكرَّر، التَّغيير الوحيد الَّذي حدث في هٰذا القسم هو زيادة عدد الأَسيرات يومًا بعد يوم والاِكتظاظ في الزنازين. لم يَعُد ثَمّتَ أسرَّة فارغة في القسم، وضعت الفَرْشات على الأَرض من أجل احتواء كُلِّ الأَسيرات، وصل عددنا إلى 43 أسيرة، بينما يتَّسع القسم كحدٍّ أقصى لـ 38 أسيرة، وهناك 5 أسيرات أُخريات معتقلات في الـمستشفيات ومراكز توقيف مختلفة، ويجب ضمُّهنَّ إلى الأَسيرات السِّياسيَّات.
فجأة تفتح لنا الأَبواب في غير الوقت الـمحدَّد لوقت الفورة، وتطلب منَّا لينا الحضور إلى غرفة الصَّفِّ، لتنقل لنا قرار مصلحة السُّجون، بنقل قسم منَّا إلى سجن الدَّامون[12]وتوضِّح لنا أَنَّهُ بسبب الاِكتظاظ وزيادة نسبة الاِعتقالات في صفوف النِّساء الفلسطينيَّات، قرَّرت إدارة مصلحة السُّجون والسُّلطات الأَمنيَّة الإِسرائيليَّة، إعادة فتح قسم الأَسيرات السِّياسيَّات في سجن الدَّامون الَّذي أغلق فور إتمام صفقة وفاء الأَحرار «الجندي شاليط»، وينصُّ القرار على فصل الأَسيرات الـموقوفات عن الـمحكومات، وَأَنَّ النَّقل سيبدأ صباحَ يوم غد، وسيتمُّ ذٰلِكَ على دفعتين خلال هٰذا الأَسبوع.
تلقَّينا هٰذا الخبر كالصَّاعقة، في هٰذِهِ الـمرحلة أدركت كيف أنّ كُلّ حالٍ يزول، خصوصًا في السِّجْن؟ مرت في ذاكرتي كُلُّ الأُمور الَّتي ألفتها هنا، كُلُّ العلاقات الَّتي حسبتها ستمتدُّ معي طوال مُدَّة اعتقالي، كلُّها الآن ستتعرَّض للتَّغيير، عرفت أن لا شيء يبقى على حاله في السِّجْن، وَأَنَّ الاِستقرار فيه هو أمر مستحيل، وَأَنَّ عليَّ أن أدرِّب نفسي على تقبُّل تغيير الـمكان وَالأشخاص في كُلِّ لحظة بِما في ذلك كُلِّ الأَشياء الَّتي تعلَّمتها حَتَّى الآن.
«أَرْهِقوا الأَسيرَ بِالتَّنَقُّلِ». فورًا ومع خبر النَّقل هذا تذكَّرت هٰذِهِ الـمقولة الـمعروفة لموشيه ديَّان، إذ قرأتها في كتاب تحدَّث عن تاريخ الأَسرى الفلسطينيِّين، فسياسة النَّقل التَّعسُّفيَّة هٰذِهِ تجاه الأَسرى كانت من ابتكاره. اِستقرار الأَسير في السِّجْن يشكِّل حافزًا للخلق والإِبداع فكريّاً وثقافيّاً، وَلابتكار مجتمع مصغَّر ينبثق عنه النُّور برغم كُلِّ الظَّلام الـمتفشِّي في السُّجون، وفي صُلب السِّياسة الـمتَّبعة في السُّجون الإِسرائيليَّة تجاهنا كأسرى سياسيِّين، إِبقاؤُنا في حالة استنزاف دائمة تُتعِب أفكارنا وأرواحنا فَنَظلُّ في حالة قلق دائمة، والنَّقل بين كُلِّ فترة وأخرى يحقِّق هٰذِهِ السِّياسة، فَالاِستقرار هو أيضًا حسب عُرف السُّجون الإِسرائيليَّة خطر أمني، ويجب التَّخلص منه فورًا، والنَّقل الـمفاجئ هو السِّلاح الأَكثر نجاعة لتحقيق هدفهم هذا.
بَسَطَتْ لينا ورقة مَطويّة وقرأت أسماء الأَسيرات الـمنوي نقلهنَّ في الدُّفعة الأَولى وكان اسمي في مقدِّمة هٰذِهِ القائمة، وتركت لنا مساحة لنستفسر منها عن كُلِّ شَيْءٍ نريد معرفته، وكنت ممَّن سألنَ أسئلة كثيرة وعن أمور كثيرة بسيطة ودقيقة، لا أعلم ما الَّذي دعاني لأن أسأل كُلَّ هٰذِهِ الأَسئلة، وَلٰكِنْ حبّ الـمعرفة وَالاِستطلاع لديَّ هو الَّذي سيطر على مشاعري وأفكاري.
بعد لحظات صمت تسأل لينا:
مَن منكنَّ ستتولَّى مهامَّ النَّاطقة بِاسم الأَسيرات مع إدارة السِّجن في الدَّامون! ولا تتلقَّى أَيَّ ردٍّ، تصمت قليلًا ثُمَّ تسألني:
دارين هل تقبلين بتولِّي هٰذِهِ الـمَهَمَّة؟
على الرغم مِن أَنَّني تفاجأت كثيرًا بالاِقتراح ولم أتوقَّعه، كوني حديثة عهد بين الأَسيرات وقليلة خبرة، إِلَّا أَنَّني لم أستطع رفض هٰذِهِ الـمَهَمَّة أبدًا، فقلت حالًا:
إن وافقت الأَسيرات على ذٰلِكَ بالطَّبع لا مانع لديَّ.
كانت الـمفاجأة أنّ الأسيرات جميعهنّ، وبدون مُعارضة أيّ منهنّ، هَتَفْن مُوافقاتٍ عليَّ، مُرَحِّباتٍ بِالفكرة أيضًا.