image
image
image

15

image

يوم الاِثنين، كان من الـمفترض أن يكون يومًا معدًّا لزيارة الأَهل، لٰكِنَّهُ تحوَّل ليوم فراق وحزن علينا. وزَّعت السَّجَّانَة علينا حقائب سوداء، كُلُّ واحدة مِنّا وضعت فيها حاجيَّاتها وأغراضها، ومن ضمنها مخدَّتها وغطاءها. في أجواء حزينة جِدًّا ودَّعنا بعضنا البعض، كان فراقًا صعبًا وقاسيًا، خصوصًا على الأَسيرات اللَّواتي اعتدْن على بعضهنَّ البعض، ومضى على مكوثهنَّ عدَّة أشهر فأصبحن صديقات حميمـات. ساعة النَّقل كانت قبل موعد الفورة الصَّباحيَّة، ورفضت الإِدارة فتح أبواب الزنازين ليتسنَّى لنا توديع وَاحتضان بعضنا البعض، كان السَّلام الأَخيرمن وراء الأَبواب الزَّرقاء فقط وعبْر شِباكِها الصَّغيرة. منهنَّ من بكت كثيرًا على فراق صديقتها الـمقرَّبة، ومنهنَّ من رفضت حضور هٰذا الوداع الـمؤلم فغطَّت نفسها بِالفراش ودفنت رأسها بِالوسادة باكية متألِّـمة.

خرجنا من القسم، فُتِّشنا وكُبِّلنا بِالأصفاد، كنَّا نحن الأَسيراتِ السِّتَّ الدُّفعة الأَولى بمرحلة النَّقل، كما سُمِّيت من قبل مصلحة السُّجون، سرنا مكبَّلات اليدين والرِّجلين وكلُّ واحدة منَّا تحمل حقيبتها الكبيرة والثَّقيلة لنمضي معًا نحو اكتشاف مجهول جديد في أروقة سجن جديد.

رحلة طويلة وشاقَّة عبْر البوسطة امتدَّت لثلاث ساعات متواصلة، ومِن حسْن حظِّنا أَنَّ سيَّارة البوسطة كانت مُخصَّصة لِهٰذا النَّقل بشكل مباشر، من سجن الشَّارون إلى سجن الدَّامون في حيفا.

عشنا ذات الـمعاناة والتَّفاصيل في سيَّارة البوسطة من ماركة «فورد»، بالتَّصميم نفسه والـمقاسات عَيْنِها، وَلٰكِنَّ اختلافها البارز الوحيد عن سابقاتها، تمثَّلَ في أنّ ثُقوبَ النَّافذة أوسع قليلًا، بحيث تَمكَّنا عَبْرَها مِنَ النَّظر إلى الخارج ورؤية الطَّريق الَّذي تسير فيها الـمركبة.

كُلَّ بضع دقائق أنظر إلى الشَّارع، أقرأ اللَّافتات وأعرِّف الأَسيرتين الجالستين معي في هٰذا القفص الصَّغير بمكان وجودنا، وَبالـمدن الَّتي نمرُّ منها، شعرت أَنَّنا في حصَّة تاريخ أو جغرافيا للبلاد، كنَّ ينظرن بلهفة من النَّافذة، مع كُلِّ اسم أردِّده على مسامعهنَّ يسألنني:

هل سنرى الجدار؟ هل سنمرُّ على حاجز؟ هل ستتوقَّف السَّيَّارة على أحد الـمعابر؟

كنَّ يسألن بمرارة ويضحكن ضحكات استنكاريَّة، لم أجبهنَّ على هٰذِهِ الأَسئلة لأنهنَّ أصلًا يعرفن الإِجابة، هنَّ لا ينتظرْنَ الأَجوبة بل يحاولْنَ عبر هٰذِهِ الأَسئلة توجيه البوصلة الَّتي توصل الإِنسان إلى أصْل الـمَظلَمة التاريخيّةِ الَّتي نحياها في هٰذا العصر وإلى أبعادها المأساويّة.

اِستمرَّ هذا الحال طوال الوقت إلى أنْ دخلنا حدود حيفا وظهرت جبالُ الكرمل وَالبحر، أعلمت الأَسيرات بظهور البحر وذهلتُ من الـمأساة الأَكبر الَّتي كان لها الأَثر الأَعظم في نفسي، وَهي أنهنَّ وفي هٰذِهِ اللَّحظة فقط، وعبر هٰذِهِ الثُّقوب الصَّغيرة، ومن هٰذا القفص يُشاهدْنَ البحر لأوَّل مَرَّة في حياتهنَّ. رأيت الدَّهشة في عيونهنَّ وَالعاطفة في مشاعرهنَّ، واللَّهفة الحارقة في قلوبهنَّ، لم أدرك معنى هٰذِهِ الحقيقة الـمؤلمة عن قرب، برغم كوني أعرف وجودها مسبقاً! قرعتُ بِالأصفاد على جدران القفص وبصوتٍ عالٍ أخبرت الثَّلاث أسيرات الأُخْرَيات في القفص الثَّاني الـمقابل أن ينظرْنَ مِن النَّافذة ويتأمَّلن مشهد البحر البادي من خلالها.

جيل بأكمله من الفلسطينيِّين لا يعرف معنًى للوطن وحدوده بلا جدار فاصل، ولا يعي أَنَّ هناك شوارع بلا حواجز، وَأَنَّ الـمرور بين مدينة وأخرى لا يحتاج إلى معابر. جيل كامل لا يعرف شكل البحر مع أَنَّهُ يتعلَّم في كتب الجغرافيا أَنَّ فلسطين تحدُّها شواطئ للبحرالأَبيض الـمتوسِّط وَالبحر الأَحمر وَالبحر الـميِّت وَأَنَّ فيها أيضًا بحيرة طبريَّا.

توقَّفت الـمركبة، فُتِح بابُ القفص، نزلنا وكُلُّ واحدة منَّا أنزلت معها حقيبتها. فتح لنا أحد الضُّباط باب زنزانة محاذية لموقف سيَّارة البوسطة. فكَّت الـمُجَنَّدَة الأَصفاد عن رجلينا وأيدينا، دخلنا وأقفلته علينا.

زنزانة قديمة جِدًّا ومهملة، واضح من مظهرها أَنَّها لم تُستعمَلْ منذ فترة طويلة، وسخة وَالحمَّام فيها ليس إِلَّا حفرة في إحدى زوايا أرضيّة هذه الزنزانة التي تجوَّلتُ في كُلِّ أروقتها، كانت مقسَّمة من الدَّاخل لزنزانتين إضافيَّتين، ورأيت شارة استعلام حمراء مُعلَّقة على أحد الجدران كتب عليها بِالعبريَّة: اَلـمبنى قيْد التَّرميم، تَمَّ إغلاقه عام 2010.

مرَّت ساعتان ونحن في الزنزانة إيّاها، وقفتُ بِالقرب من الباب الأَزرق، وأخذت أراقب ما يدور في الخارج من نافذته الصَّغيرة الـمشبَّكة، جاءت سجَّانتان، حاولت إحداهما فتح قُفْل الباب إِلَّا أَنَّهُ لم يُفتَح، حاولت الثَّانية إِلَّا أَنَّها بدورها فشلت أيضًا، واضح أَنَّ قُفْلَ هٰذا الباب لم يُستعمل منذ زمن بعيد، اِستدعتا أحد السَّجانين الرِّجال للـمساعدة، فجاء يُحاوِلُ فتحه، استعصى عليه الأَمر في البداية إِلَّا أَنَّهُ بعد دقائق قليلة من الشَّدِّ والضَّغط تَمَكَّنَ مِن فتحه أخيرًا. اِستغرق فتح الباب قرابة الرُّبع ساعة، وَكي لا تتكرَّر الـمشكلة ذاتها معهم في الـمَرَّات القادمة أحضَرَ مادَّةً رَشَّها على القفْل.

أتولَّى مَهَمَّة التَّرجمة من العبريَّة إلى العربيَّة للأسيرات، كُلُّ سجَّانة تستدعي أسيرة وتطلب منها أن تنتقل معها إلى الزنزانة الثَّانية، وَلٰكِنْ مع حقيبة أغراضها هٰذِهِ الـمَرَّة، إِنَّهُ وقت التَّفتيش العاري وجَرْد أغراض كُلِّ أسيرة منَّا وتسجيلها لدى إدارة هٰذا السِّجْن.

في زنزانة صغيرة تبدأ السَّجَّانَة عمليَّة التَّفتيش العاري بالطَّريقة التي باتت مُعتادة، ثُمَّ تطلب مِنِّي أن أفتح الحقيبة وأخرج كُلَّ ما بداخلها، بينما هي أخرجت قلمـًا وورقة مِن جيبها وبدأت بتسجيل بياناتي، ومِن ثَمَّ بتسجيل كُلِّ ما أملكه في الحقيبة.

جَمعَتْ كُلَّ فئة متشابهة مِن الـملابس مع بعضها البعض، عدَّتهم وسجَّلت العدد على الورقة: البلوزات، البناطيل، الأَقلام، الدَّفاتر، الـملابس الدَّاخليَّة، الجوارب، الـمخدَّة، الغطاء، السَّاعة...

كانت العمليَّة شبيهة تمامًا بجرد عدد ونوع البضائع في دكَّان لتقديمها لسلطة الضَّرائب في نهاية كُلِّ سنة، عملية جرد أغراضي لم تستغرق وقتًا، بِالكاد ربع ساعة فقط، كانت هي الأَسرع قياسًا إلى عمليات جرد أغراض الأسيرات الخمس الأُخْرَيات كوني لم أحمل إِلَّا تلك الـملابس الَّتي حصلت عليها في سجن الشَّارون من لينا.

اِستمرَّ الجرد لأربع ساعات متتالية، والتي تُنهي هذه المرحلة تعود إلى الزنزانة الأُولى لتنتظر البقيَّة.

اِنتقلنا بعدها إلى مرحلة تسجيل بياناتنا والنَّقل الرَّسمي مِن السِّجْن السَّابق، الشَّارون، إلى هٰذا السِّجْن الجديد، سجن الدَّامون، ثُمَّ إلى مدخل آخر عبرنا خلاله بتفتيش ألكتروني، ومنه إلى بناية أخرى، ليُطلب منَّا الدُّخول واحدة تلو الأُخْرى للحديث مع أحد ضبَّاط السِّجْن، رفضنا بِالاِجماع فكرة الجلوس معه واحدةً واحدةً على انفراد معه في مكتبه، إِلَّا أَنَّ إدارة السِّجْن أصرَّت على هٰذِهِ الـمحادثة وَانعقادها، وكَّلتني الأَسيرات بِالحديث نيابة عنهنَّ مع الضَّابط في هٰذا الـموضوع، وبعد حوار طويل استطعت الوصول إلى حلٍّ لإنهاء هٰذا الإِشكال، وبعد اقتراحه على الأَسيرات أوَّلًا وموافقتهنَّ عليه، قمت بعرضه على الضَّابط، وهو أن أدخلَ مع كُلِّ أسيرة وأسمع محادثته معها، رفضت الإِدارة هٰذا الحلَّ، ورفضنا بدورنا أَيَّ نقاش آخر في الـموضوع والرُّضوخ لهم، كانت إرادتنا أقوى، وَانتصر إِصرارنا في النِّهاية بعد انتظار طال لأكثر من ساعة، وخلال انتظارنا ردّ الإِدارة في السَّاحة كنَّا قد اتَّفقنا معًا على اقتضاب الأَجوبة وتقصير الـمحادثة قدر الـمستطاع، وعدم الأَخذ والرَّدِّ مع هٰذا الضَّابط بأيِّ تفاصيل شخصيَّة أو جماعيَّة، كما اتَّفقنا على إشارة معيَّنة أقوم بها عن طريق العين كعلامة للأسيرة الـمستجوبة بعدم الإِجابة على السُّؤال الـمطروح عليها، ونبَّهتهنَّ لوجود أحد الضُّباط من سجن الشَّارون في الغرفة وذكرت لهنَّ اسمه بِالإضافة إلى ضابطين آخرين من إدارة هٰذا السِّجْن، الدَّامون.

لم أطمح يومًا ولم أفكِّر في أن أقبض على دفّةِ قيادة أيِّ مجموعة تواجدتُ فيها، وَلٰكِنْ مع هٰذِهِ الظُّروف المفروضة على نَمَط حياتي، والتي شكَّلتها على هيئة مختلفة بمشاعر مغايرة استطعت أن أتقبَّل هٰذِهِ الـمَهَمَّة، وأن أتقمّص هذا الدور القيادي وأن أحبَّه أيضًا، وقد كان لي حافزاً على بذل الـمزيد من الجّهد والتَّضحية لأجل مساعدة وَخدمة الأسيرات والتخفيف ما أمكن من الآلام التي تنجرّ عن وُجودهنَّ في هٰذا السِّجْن، لم أكن أتوقَّع نجاحي في هٰذِهِ الـمَهَمَّة، فقد تفاجأت من نفسي ومن قدرتي على القيام بِذٰلِكَ بَدْءاً بأول اختبار متواضع.

طُلب منَّا التَّحرُّك والتَّقدم إلى المحطَّة التَّالية في هٰذا السِّجْن، والأخيرة باتِّجاه القسم الجديد الـمجهَّز لنا، نمشي خلف السَّجَّانتين وخلفنا سَجَّانان آخران، ندخل عبْرَ ممرٍّ ضيِّقٍ بين مكاتب إدارة السِّجْن وَعِدَّةِ بوَّابات زرقاء، تُفتَح ألكترونيًّا بعد الضَّغط على زرٍّ خاصٍّ بها، نجرُّ بأيدينا حقائبنا والسلاسلَ بأقدامِنا، إحدى الأَسيرات تعبتْ كثيرًا وتوقَّفت عن الـمشي، كانت تحمل حقيبتين منتفختين بأغراضها، لم يعد بمقدورها الاِستمرار أكثر مع السَّلاسل وَهٰذا الثِّقل الَّذي تجرُّه معها في هٰذا الـممرِّ الضَّيِّق والصَّعب، ساعدتُها على جرِّ إحدى الحقيبتين، وَكانت المفاجأة حين اقترب أحد السَّجَّانين وقام بحمل الثَّانية، شكرناه على هٰذِهِ اللَّفتة وَواصلْنا الـسير.

قاربت السَّاعة على السَّادسة مساءً، فُتحت بوَّابة زرقاء، دخلنا منها إلى ساحة واسعة محاطة بِالأسوار العالية، أرضيَّتها من الباطون، ومن فوقنا سماء بلا قيود وشِباك، برد قارس في الـمكان، مباشرة وبعد عِدَّة خطوات ومن جهة الساحة اليمنى، رأيت غرفة بباب خشبيٍّ مفتوح لونه بنِّيٌّ فاتح، ويظهر فيها رجل بملابس عسكريَّة يجلس خلف مكتب خشبيٍّ، وبعدها بأمتار قليلة لفتني بابان أزرقان لزنزانتين، ومن الأَمام مباشرة نافذة بيضاء ظهر منها رأس سجَّان وعيناه تتَّجهان نحونا بنظرات مركزة، أَمَّا في الوسط فيتواجد مبنًى مربعٌ صغيرٌ، له ثلاث درجات إِسمنتيَّة وباب من الأَلمنيوم أبيض اللَّون، وبجانبه ثلَّاجة بيضاء جديدة لا زالت مغطَّاة ومغلَّفة بِالأكياس.

بعد دقائق معدودة من دخولنا، فكَّت السَّجَّانتان قيودنا، وخرج إلينا ذاك الرَّجل من الغرفة، وقف أمام مدخلها وقال بصوت ذي نبرة واثقة عالية وفخورة:

أنا مدير هٰذا القسم الَّذي ستمكثن فيه، وَهٰذا هو قِسْمُكُنَّ الجديد في السِّجْن.

ثُمَّ أخفض مِن نبرة صوته كثيرًا وقلَّت عزيمته، وذكر على مسامعنا اسمه مع اسم عائلته، مِن صوته بدا فخورًا برتبته كضابط أكثر من فخره بِاسمه! ثُمَّ بدأ بشرح قائمة من القوانين، وتوضيح بعض الأُمور الأَوليَّة لنا «كنزلاء جدد» في هٰذا القسم وتبيان ماهو الممنوع وَما هو الـمسموح لنا فيه، موضِّحًا ومؤكِّدًا أَنَّ ما كان في سجن الشَّارون يختلف عن الـموجود هنا في هٰذا القسم. بدأ يوجِّه بعض الأَسئلة لِكُلِّ أسيرة على حدة منتظرًا منهنَّ إجابة معيَّنة، فجاء ردُّهنَّ بِالإشارة إليَّ والتَّوضيح له، أَنَّ الحديث معهنَّ يتمُّ فقط من خلالـي، وَأَنَّني المخوَّلة للحديث معه بشكل مباشر. بدا على وجهه عدم الاِقتناع، وَلٰكِنَّهُ لم يناقش الـموضوع في الإبان، وقال:

سنتحدَّث في هٰذا الأَمر لاحقًا. ثُمَّ طلب مِنِّي الدُّخول معه إلى مكتبه، للحديث عن كيفيَّة ترتيب وتنظيف الغرف وتقسيم الأَسيرات.

ذهبت معه ودارت محادثة طويلة بيننا، عن عِدَّة مواضيع مرتبطة بنا كأسيرات، وأهمُّ ما جاء فيها طلبي توفير لوازم الغرفة الأَساسيَّة لنا، كَالبلاطة الكهربائيَّة وإبريق تسخين الماء الكهربائي. رفض ذٰلِكَ وتذرّع كَالعادة بِالقوانين، وَأَنَّها تمنع ذٰلِكَ في هٰذا السِّجْن وَأَنَّ إدخال هٰذِهِ الأَشياء يتطلب الـموافقة عليه من قبل مدير السِّجْن، والموافقة هذه ستأخذ وقتًا طويلًا. خفْتُ إنْ قَبِلْتُ بما يقوله أن لا يتمَّ إدخالها أبدًا بعد ذٰلِكَ، لذا رفضت ردَّه وأصررتُ على طلبي وقلت بحزم:

لن ندخل الزنازين إِلَّا إذا دخلت معنا هٰذِهِ الأَغراض الـمُهمَّة لنا! رفع سمَّاعة الهاتف وقام باتِّصال وأخذ يشرح عبر الـمكالمة عن هٰذا الـموضوع للجهة الأُخْرى. بعد انتهاء الـمكالمة قال لي:

هناك موافقة على إدخالها من الـمدير، وَلٰكِنْ فقط إذا تمَّ شراؤها من حسابكنَّ الخاصِّ، وفي الحال أجبته:

لا مشكلة، يوجد في حسابي مبلغ كافٍ من المال لِذٰلِكَ، سأشتريها على حسابي وللزنزانتين.

تفاجأ من ردِّي ومن الحلِّ الفوري الَّذي عرضْتُه عليه، إذ لم يتوقَّعه أبدًا، بدت ملامح وجهه كمن يتلقَّى خبراً سيِّئاً، وفي الحال ضغط على لوحة الـمفاتيح باحثاً عن اسمي، سجَّل على ورقة رقم حساب «الكانتين» خاصَّتي، وقال ريثما تنهون تنظيف الزنازين وترتيبها سأحضر هٰذِهِ الأَغراض، وأضفت إلى القائمة السُّكر والشَّاي وَالقهوة لِكُلِّ زنزانة، ثُمَّ أمر السَّجَّانَة عبر اللَّاسلكي بإعطائي موادَّ التَّنظيف اللَّازمة، وطلب من سجَّان آخر إحضار ستِّ فرشات وعدد من الأَغطية. تركته وخرجت إلى الأَسيرات لأخبرهنَّ بما تحدَّثنا به وما اتَّفقت عليه معه.

أحكم الـمساء سلطته على الأَجواء، وَالعتمة خيَّمت على السَّاحة، أضواءالـمصابيح تنتشر فيها من فوق الأَسوار العالية وقد سلَّطت عليها من كُلِّ الاتِّجاهات، ثلاث أسيرات يجلسن على حافَّة صغيرة، وَاثنتان تقفان بِالقرب منهنَّ، وجوههنَّ للأعلى وعيونهنَّ مصوَّبة نحو السَّماء، بدَوْن للوهلة الأُولى كَأَنَّهُنَّ يتابعن فيلمًا سينمائيًّا مليئًا بِالإثارة في صالة عرض. اِقتربتُ منهنَّ بخطوات بطيئة، وأنا أبحث عن الشَّيء الَّذي يشاهدنه في هٰذِهِ اللَّحظات وخطف اهتمامهنَّ بِكُلِّ هٰذا التَّركيز! اِقتربت أكثر ووقفت بجانبهنَّ، مددت نظراتي بذات الاتِّجاه الَّذي يصوِّبن نحوه عيونَهنّ حَتَّى ظهر لي أيضًا بطل هٰذا الفيلم، إِنَّهُ القمر .

كُلُّ أسيرة منَّا لم ترَ مشهد القمر ونوره منذ يوم اعتقالها وبِاختلاف فترات الاعتقال بين الواحدة والأخرى، أطولها كانت سنة وتسعة شهور وأقلُّها كانت فترتي، شهرين.

نوره خلَّاب وساحر برغم أَنَّهُ مُضيءٌ بنصف حجمه أو أقلَّ من ذٰلِكَ، أتأمَّل تفاصيله وأشعر بِكُلِّ هالة نور منطلقة منه، أراه في هٰذِهِ اللَّيلة أجملَ منه في الليالي السَّابقة الَّتي رأيته خلالَها، كأني أراه لأوَّل مَرَّة في حياتي وأكتشف وجوده في هٰذا الكون، مشهده الآن يختلف تمامًا عنه في مَرَّات مراقبتي له قبل الاِعتقال، حين كنتُ ألتقط له عِدَّةَ صور فوتوغرافيَّة، كم تمنَّيت أن تكون كاميراتي الآن معي لألتقطَ هٰذِهِ اللَّحظة للآخرين، ويراها كُلُّ مَنْ هو خارج هٰذا الـمعتقل، يرى بعينه القمر الحقيقي يتجلّى لعيون ومشاعرالأَسيرات.

يمرُّ سجَّانان من أمامنا وهما يحملان فرشات الأَسرَّة لنا، ويقطعان علينا متابعة هٰذا الفيلم النَّادر. تأتي بعدهما السَّجَّانَة وتسلِّمنا موادَّ وأدوات التَّنظيف. رُبَّما لن يتسنَّى لنا بعد هٰذِهِ اللَّحظة أن نكون في السَّاحة بِهٰذِهِ السَّاعة، ونستمتع برؤية القمر فيها مُجَدَّدًا، فَوَقْت الفورة ينتهي عند الخامسة عصرًا، ودَّعَتْ كُلُّ واحدة منَّا القمر بطريقتها، وذهبنا لمتابعة أمورنا في هٰذا القسم، بعد أن نقلتُ لهنَّ محور الـمحادثة الَّتي جرت بيني وبين الضَّابط وأظهرن الرَّضا التَّامِّ من موقفي.

بدأنا بتقسيم مهامِّ تنظيف وترتيب الزنزانتين بين بعضنا، ليصبح القسم معقلنا الجديد وَالوحيد في هٰذا السِّجْن الموحش وفي هٰذِهِ المرحلة. اَلزنزانة الأَولى هي الصَّغيرة فيها أربعة أبراش أي ثمانية أسرَّة حديديَّة مدهونة حديثًا بلونٍ بنِّيٍّ فاتحٍ جِدًّا، في إحدى زواياها مغسلة وقطعة مربَّعة من السِّيراميك لوضع أدوات الـمطبخ، وثماني خزائن حديديَّة جديدة مثبتة في الجدار منتشرة في كُلِّ الأَنحاء، وتلفاز حديثٌ معلَّق على أحد الجدران وحمَّام لقضاء الحاجة، له باب حديديٌّ يُغلَق بشكل تامٍّ، وَالزنزانة الثَّانية تشمل التَّفاصيل ذاتها، فضلاً عن كونها أكبرَ مساحة وتحوي داخلَها تسعة أبراش أي ثمانية عشر سريرًا، وبِالمجمل فَإِنَّ هٰذا القسم سيتَّسع لستٍّ وعشرين أسيرة.

حمَّامات الاِغتسال مشتركة للزنزانتين، فهي تقع خارجهما في مبنى منفصلٍ وموجود في السَّاحة، هو الـمبنى الـمربَّع الماثل وسطها، وفيه أربع «حنفيَّات دُشّ»، كُلُّ واحدة بخانة مربَّعة الشَّكل صغيرة، وستارة من القماش تفصل بين الواحدة وَالأُخْرى، ويختلف نظام الاِغتسال في هٰذا الحمَّام الـمنفصل عن الزنازين، عَمَّا عهدناه في سجن الشَّارون، فهو هنا مرتبطٌ تحديداً بساعات الفورة.

تمرُّ الأَيَّام الأَولى علينا في هٰذا السِّجْن الجديد، ومع ارتفاع نسبة الاِعتقالات في صفوف النِّساء، ونقل الدُّفعة الثَّانية من سجن الشَّارون، وإحضار كُلِّ الأَسيرات من كُلِّ مراكز التَّوقيف والمستشفيات كافّة امتلأ القسم، بحيث وصل عددنا إلى ثلاثٍ وعشرين أسيرة، مقسَّمات بين الزنزانتين، سبع أسيرات في الزنزانة الصَّغيرة، والسَّرير الثَّامن جعلناه رفًّا لوضع حاجيَّات الزنزانة الَّتي اشتريناها من «الكانتين»، وفي الزنزانة الثَّانية سبع عشرة أسيرة، وأيضًا سرير فارغ استعملته الأُخْرَيات للغرض نفسه.

لا تختلف طقوس الحياة في قسم 61 من هٰذا السِّجْن الجديد عن قسم 2 في سجن الشَّارون، فالتَّفاصيل وَالقوانين هي ذاتها وَالمعاناة هي المعاناة، إِلَّا أَنَّ انشغالي بإدارة أمور الأَسيرات ومتابعة الطَّلبات مع الإِدارة، أخذ من وقتي الكثير خلال النَّهار، أَمَّا ساعات اللَّيل فقد خصصتها لخلوتي مع القلم وَالأوراق والشِّعر.

في أحد الأَيَّام وخلال ساعات النَّهار كنتُ جالسة على سريري، أمارس فنَّ التَّطريز على قطعة قماش، كنتُ قد حصلت عليها مع مجموعةِخيطانٍ مِن لينا، فجأة فُتح باب الزنزانة علينا ودخل مدير القسْم، وقال إِنَّها جولة تفقُّديَّة للزنازين. وضعت ما أمسكه بجانبي لأتابع ما سيحدث، في الحال نظر إلى قطعة القماش، سألني صارخًا:

ما هٰذا؟ ماذا تفعلين؟

أطرِّز!

فأجاب مذهولًا:

ماذا تطرِّزين؟ ما هٰذا الَّذي أراه؟

أمسكت بيدي قطعة القماش، وأنا أبتسم على ردَّة فعله وملامح وجهه المتوترة، وأجبته وأنا أشير بإصبعي إلى قطعة القماش غير مكترثة بصراخه:

هٰذِهِ خارطة فلسطين بألوان الرَّاية الفلسطينيَّة، أَمَّا هٰذِهِ فهي شجرة زيتون.

فرد عليَّ منفعلًا، وغاضبًا أكثر:

هٰذا تحريض على دولة إسرائيل، هٰذا تهديد لأمنها.

حينها لم يسعني إِلَّا الضَّحك على كلماته، نظرت إلى الأَسيرات فبدأن بدورهن أيضًا يُبادلنني نظرات السُّخرية وَالاِستهزاء بكلماته، ويكتمن ضحكاتٍ مكتومة مِن هٰذا الـموقف. فطلب مِنِّي الذَّهاب معه، ومعي قطعة التَّطريز للمثول أمامه في جلسة استماع تجري في مكتبه، لتسجيل هٰذِهِ الـمخالفة بِاسمي، ومعاقبتي على نقض قوانين السِّجْن!.

مشيت معه ولم أستطع إِمساك نفسي أو منعها من الاِستمرار في الضَّحك وَالاِبتسام، دخلنا مكتبَهُ، جلس على كرسيِّه،  جلستُ قبالته وباشر بِالكلام قائلًا:

سأكتفي بتنبيهك هٰذِهِ الـمَرَّة وأخْذ قطعة القماش هٰذِهِ منك، راية فلسطين هي تحريض ضدَّ أمن الدَّولة، وممنوع لك أن ترسميها بأيِّ شكل من الأَشكال.

أجبته بسخرية وأنا أضحك:

ماذا عن شجرة الزَّيتون؟

تغيَّر لون وجهه مَرَّة أخرى وبدا عليه التَّخبُّط، لم يُجبْني بشيء، تحرَّك بضع خطوات من مكانه وتناول مقصًّا من الخزانة، عادإلى جلسته، قصَّ قطعة القماش، وفصل خارطة فلسطين ورايتها عن شجرة الزَّيتون، أعطاني من قطعة القماش الجزءَ الـمطرَّز عليه شجرة الزَّيتون، واحتفظَ بالجزء الذي طرزت عليه الخريطة ذات الأَلوان الفلسطينيَّة، وانتهت جلسة الاِستماع!. خرجت من غرفته، عدت إلى الأَسيرات، وكنَّ ينتظرنني بشوق ليعرفن ما حصل معي، وما أن وطئت رجلي الزنزانة، رفعت لهنَّ قطعة القماش الـمقصوصة، فسُمِعَتْ في الزنزانة نوبات ضحك طويلة، لا يمكن وصفها ولم يُشهد لها مثيل ولن يكون، رُبَّما وصل صداها كُلَّ أرجاء السِّجْن وزواياه، ولو كان ثمّتَ مقياس لقياس درجة الضَّحك وقوَّته، لسجُّلتْ ضحكتنا بأَنَّها الأَقوى في تاريخ البشريَّة.