![]() | ![]() |
يوم الثُّلاثاء 22 من كانون الأوَّل، الساعة السَّادسة مساءً، هممتُ بالنُّزول من سريري لجلب غرض من خزانتي، سريري في «البرش» يلتقي مع برش آخر في الزَّاوية، وهٰذا الاِلتقاء تسبَّب بِاستحالة استعمال السُّلَّم من أجل الصُّعود والنُّزول، وقد تقدَّمت بشكوى للإدارة من أجل حلِّ هٰذِهِ الـمشكلة عِدَّةَ مَرَّات سابقة، والرَّدُّ الَّذي تلقَّيته منهم هو أَنَّ تغيير اتِّجاه السُّلَّم ليس سهلًا وسيستغرق وقتًا طويلًا، لِأَنَّهُ يتطلَّب فكَّ الأَبراش عن بعضها، وفصلها بالتَّالي عن الجدار، في الـمقابل كان اقتراحي لحلِّ المشكلة أسهل مِمَّا أوهمت الإِدارة نفسها وحاولت إيهامنا به من صعوبات وسيناريوهات تعجيزية، كان اقتراحي ببساطة هو إحضار سلَّم جديد للسَّرير وتثبيته بِالجهة الثَّانية دون الحاجة للقيام بأيِّ شيء آخر، لم يتحمَّل مدير القسم فكرة أن أكون أذكى منه وأقدر على عرض الحلول، وقد بدا ذٰلِكَ جليّاً في ملامح وجهه، وهو يرد بغضب شديد على اقتراحي الواضح البسيط الناجع ،قائلًا:
سجَّلت الشَّكوى، في الوقت الـمناسب سنحلُّها.
مرَّ أسبوعان، وَكُلَّ يوم أتابع مجرى الطَّلب ولا أتلقَّى جوابًا غير العبارة: «ما زالت الشَّكوى قيد الفحص من الإِدارة، قريبًا سيتمُّ حلُّ المشكلة!»على الرغم مِن أَنَّ تركيب سلَّم جديد للسَّرير بِالكاد يستغرق عشر دقائق.
مع استمرار هٰذِهِ الـمشكلة أصبح لزامًا عليَّ لأجْلِ النُّزول والصَّعود، من وإلى برشي الاِستعانة بطاولة مستديرة بلاستيكيَّة صغيرة، أتسلَّق بمساعدتها السَّرير، كانت العمليَّة كَتَسلُّق شجرة لا جذع لها! بِالكاد وضعت أصابع كفِّ رجلي اليمنى على هٰذِهِ الطَّاولة، حَتَّى انزلقت بي وفقدتُ توازني وسَقطْتُ على الأَرض سَقْطَةً قويَّة جِدًّا، دوَّت أصداؤها في كُلِّ أنحاء جسدي أوجاعاً شديدةً، اِلْتوى كاحلي، ما عدتُ قادرة على التَّحرُّك أبدًا. تجمَّعت الأَسيرات حولي والصَّدمة وَالقلق على وجوههنَّ، اثنتان منهما ساعدتاني على الوقوف وأجلستاني على أقرب سرير من مكان سقوطي.
ألمٌ شديد في رجلي، أشعر أَنَّ قدميَ انفصلت عن جسدي، بقعة دائريَّة في كاحلي تحوَّلت إلى هالة زرقاء داكنة، ولون الأَصابع تحوَّل أيضًا إلى الأزرق الفاتح، انتفخت قدَميَ بسرعة فائقة، وأصبحت كَالبالون يزداد انتفاخًا شيئًا فشيئًا، مع كُلِّ نفس من أنفاسي ومع مرور الدَّقائق، حَتَّى خلتها ستنفجر في كُلِّ لحظة من شدَّة الأَلم، اَلبوادر كلُّها تثبت أَنَّني أعاني من كسر في الكاحل.
نادت إحدى الأَسيرات السَّجَّانَةَ مِن فتحة الباب، وحين أتت الأخيرة، حدّثتُها مِن مكاني بِالعبريَّة ووضَّحت لها ضرورة نقلي إلى المستشفى لتلقِّي العلاج اللَّازم، فقالت إِنَّها ستخبر مدير القسم والطَّبيب وَالممرِّض في السِّجْن حالًا، بعد عشر دقائق عادت السَّجَّانَة لِتُخبِرَني من فتحة الباب أَنَّها أبلغت الجهات اللَّازمة، وسيأتون لرؤية الـمشكلة وسيقومون هم باللَّازم.
مرَّت ساعة ونصف تقريبًا قبْلَ أن يُفتَح الباب أخيرًا، ويدخل منه أربعة أشخاص، ضابطان، ممرِّض، وسجَّانة. سألني أحد الضَّابطين:
ماذا حصل؟
شرحت له وبالتَّفصيل ما جرى. فقال:
أنت متأكِّدة أَنَّك لم تتلَّقي الضَّرب من أَيِّ أسيرة معك في هٰذِهِ الزنزانة ؟
كدت أنفجر من تفاهة ما يقوله هٰذا الضَّابط، خصوصًا أَنَّني شرحت له تمامًا كيف ومن أين سقطت! الأَلم يزداد في رجْلي، ولا طاقة لديَّ للنِّقاش ولا لسماع هٰذا الكلام التَّافه منه، أجبته:
قلت لك إِنَّني وقعت.
قال الضَّابط الثَّاني موجهًا كلامه للمسعف:
ما تقييمك للحالة؟
اِقترب الـممرِّض مِنِّي أكثر، نظر إلى رجلي وقال:
ليس هناك شيءٌ خطير، ولا حاجة للقلق سأحضر لها العلاج من عيادة السِّجْن.
قلت لهما فورًا بغضب:
رجلي مكسورة، أنا أشعر بِذٰلِكَ، أيُّ علاج هٰذا، أنا بحاجة لمستشفى ولصورة أشعَّة.
أعاد النَّظر إلى رجلي وقال لي:
حرِّكي الأَصابع.
فأجبته:
لا أستطيع أن أضع إصبع يدي على رجلي، وتطلب مِنِّي أن أحرِّك أصابع رجلي الـمصابة؟ لا أستطيع فعْل هٰذا الشَّيء، أنا أتألَّم كثيرًا.
فقال:
لا تقلقي سأحضر لك العلاج الـمناسب.
أخذوا الإحصاء وخرجوا من الزنزانة.
مرَّت ساعة أخرى، وأنا أنتظر بآلامي وأوجاعي حلَّ الـممرِّض السِّحريَّ، لِهٰذِهِ الآلام الـمتعاظمة في رجلي الـمكسورة، حَتَّى جاء ووجَّه إليَّ نصائحه وتعليماته من فتحة الباب، بعد أن سلَّم إحدى الأَسيرات معي بِالزنزانة علاجه المُقتَرَح لقدَمي وقال:
ضعيها على رجلك وفي الصَّباح ستكونين بخير.
سلَّمتني الأَسيرة العلاج السِّحري الَّذي تحدَّث عنه هٰذا المسعف، وها هو الآن بين يدي! إِنَّهُ قالب ثلج مستطيل الشَّكل لونه أزرق، وقرص دواء مسكِّن للآلام أبيض من نوع فولتارين!
خمس أسيرات مصابات يحتجن الـمتابعة الطِّبِّيَّة لجروح مختلفة في أنحاء أجسادهنَّ، أصبن بها جرَّاء إطلاق النَّار عليهنَّ، وأصبحت أنا معهنَّ السَّادسة في القائمة، وَلٰكِنْ بفارق واحد، أَنَّني وفي هٰذِهِ اللَّحظات أحتاج علاجًا طارئًا وفوريًّا لإصابتي هٰذِهِ، وَالعلاج الوحيد لمثل حالتي هو فقط الذَّهاب إلى المستشفى، لتصوير الأَشعة ووضع الجبص على هٰذا الكسر.
أَيُّ حركة أقوم بها تسبِّب لي آلامًا قاسية وتزيد من معاناتي، هٰذِهِ اللَّيلة قاسية جِدًّا، وَلٰكِنَّها ليست أقسى من الإِنسان عليَّ، لا أستطيع أن أمدَّ رجلي على السَّرير، ولا أن أضعها على الأَرض، كُلُّ شيء يلامسها يزيد من حدَّة الآلام بداخلي أكثر، أحاول قدر استطاعتي تثبيتها في الهواء بكلتا يديَّ إِلَّا أَنَّ الأَلم يمزِّقني من الدَّاخل. السَّاعة الواحدة بعد منتصف اللَّيل، كلُّ الأَسيرات غارقات في نوم عميق. اَلهدوء يغطِّي أجواء الغرفة وَالبرد الشَّديد في الخارج يضاعف معاناتي، هدوء تامٌّ ولا أسمع إِلَّا صدى أوجاعي وآلامي في أعماقي. مرَّت السَّجَّانَة من أمام باب الزنزانة، سلَّطت مصباحها عليَّ، وقالت:
لِمَ لَمْ تنامي حَتَّى الآن؟
هي السَّجَّانَة ذاتها وتعلم عن الحادثة، ومع ذٰلِكَ أجبتها حَتَّى لا تستمرَّ بِالكلام وتقلق نوم الأَسيرات:
لا أستطيع النَّوم من شدَّة الأَلم.
قالت:
اِفعلي ما قاله لك الـمسعف وستنامين.
حرَّكت رأسي بأسف، وبعد ثوانٍ معدودة ذهبت ولم أرها بعد ذٰلِكَ إِلَّا وقت الإحصاء في ساعات الفجر.
رغم مساعدة الأَسيرات لي لم أستطع الوقوف على الإحصاء كما يجب، فبالكاد استطعت الاتِّزان على رجلٍ واحدة بجانب السَّرير، سألني الضَّابط عن السَّبب، فشرحت له مَرَّة أخرى ما حصل، وأكَّدت له حاجتي الماسَّة لنقلي إلى المستشفى وتلقِّي العلاج الـمناسب، فكان ردُّه الحاسم:
الـمسعف قال أن لا حاجة لِذٰلِكَ، إذنْ فلا نقاش معي بِهٰذا الموضوع، فهو أو الطَّبيب، هما فقط الكفيلان بمتابعة الأُمور الصِّحِّيَّة في السِّجْن.
اَلإنسانيَّة لا تباع ولا تشترى رغم أَنَّها عملة متنقِّلة بين أيدي الجميع، ثمَّة مَن أضاعها أو مَن لم يستعملها، لذا تحوَّلت المجتمعات البشريَّة إلى كومة من الفوضى وباتت الحروب وَالكوارث والظُّلم، هي اللُّغة السَّائدة في هٰذا العصر، وَلٰكِنْ وبرغم كُلِّ هٰذا الفقر الإِنساني، تظلُّ لِهٰذِهِ العملة قيمة حَتَّى وإن كانت مركونة في الخزائن البشريَّة، أو ضائعة بين أقدامها كَالغبار وَالأتربة.
كم تمنَّيت لو أَنَّ أحدًا من إدارة هٰذا السِّجْن يجد هٰذِهِ العملة في هٰذِهِ اللَّحظات بالذَّات، ويمدُّ لي العون، فيستعملها لإنقاذي من هٰذا الأَلم القاسي، ويأخذني إلى المستشفى لتلقِّي العلاج اللَّازم لِهٰذا الكسر.
دقيقة الوجع تمرُّ كالسَّاعة وساعة اللَّذَّة تمرُّ كالدقيقة، الآن شعرت وأدركتُ ما تعنيه هٰذِهِ الـمقولة وواقعيَّتها، الآن فقط في هٰذِهِ اللَّحظات الَّتي أتألَّم فيها ولا أجد علاجًا لأوجاعي، لم أبكِ ولم أصرخ، تألَّـمت فقط بصمت وتمنَّيت الـموت.
يعلو صراخ في خوالجي، وأيَّةُ أصوات تلك الَّتي تعبث بي، يتحوَّل جوفي إلى خشبة مسرح كبير وواسع، أسمع شكسبير يلقِّن أبطال مسرحيَّاته الأدوار، تحوَّلت أعماقي إلى مشاهد من مسرحيَّة هاملت الشَّهيرة، أراها الآن نصب عيني بِكُلِّ صراعاتها التَّراجيديَّة، الشَّرِّ وَالكراهيَّة الحقدِ وَالخيانة وَانعدام الإِنسانيَّة. أسترجع مع آهاتي مشهد وصف الـموت بالتَّحديد، أعيشه بِكُلِّ تفاصيله، وأشعر بضجيج هٰذا الـمشهد وأتساءل: هل عاش هاملت هٰذا الوجع الَّذي أعيشه حَتَّى أقتسم معه هٰذِهِ الـمشاعر؟ أم تراني أنا الَّتي بدأت بِاكتشاف وجع البشريَّة الحقيقي، في هٰذِهِ اللَّحظات فقط؟ أم تراني من بدأت أرى الأَشياء كلَّها انطلاقاً مِن وجعي وألمي الَّذي أعاني منه الآن؟ لا أريد الحرِّيَّة، بل أريد علاجًا، أريد شيئًا يزيل هٰذِهِ الأَوجاع عن جسدي ليس إِلَّا، فالموت أرحم لي من الاِستمرار في مصارعتها.
اَليوم الأَربعاء، السَّاعة الثَّانية عشرة ظهرًا، مَرَّتْ سبع عشرة ساعة على معاناتي، ولا حياة لمن أستغيث بهم في إدارة السِّجْن حَتَّى هٰذِهِ اللَّحظة، لا أحد منهم يريد إيقاف هٰذِهِ الـمعاناة، تتجهَّز الأَسيرات للزِّيارةالعائليَّة، يخبرونني أَنَّ لي زيارة أيضًا، وَأَنَّهُمْ سيأخذونني إلى عيادة السِّجْن ليراني الطَّبيب في ذات الوقت، تنتابني بعض مشاعر السَّعادة لخبر نقلي إلى العيادة، أَمَّا نبأ الزِّيارة فقد كانت دونه نار الأَلم الـمشتعلة في رجلي، لِأَنَّها سيطرت على كُلِّ مشاعري وأحرقت كُلَّ إحساسٍ آخر داخلي.
تتغيَّر السَّجَّانَة وتأتي السَّجَّانَة المناوبة، تطلب مِنِّي أن أتحرَّك معها لزيارة عيادة الطَّبيب، أؤكِّد لها أَنَّني لا أستطيع تحريك رجلي، أو وَضْعها على الأَرض بأيِّ شكل من الأَشكال، تصدِّقني مِن غير أَيِّ نقاش بِالـموضوع، تسألني إن كنت أستطيع الـمشي على رجل واحدة وَالاتِّكاء على كتفها، أجبتها بِالحال: لنحاول ذٰلِكَ. هٰذِهِ الطَّريقة تحتاج مِنِّي القفز على رجل واحدة، خطوة واحدة وشعرت رجلي تتفتَّت ألـمـًا مع كُلِّ حركة لجسدي مع القفز، شَعَرَتِ السَّجَّانَة بألمي الشَّديد وتوقَّفت في الحال عن التَّحرك، وأعادت إجلاسي بِكُلِّ لطافة وهدوء. سألتها عن إمكانيَّة وجود حمَّالة لنقل الـمصابين في السِّجْن، فَاستفسرت عن ذٰلِكَ باتِّصال إلى مكتب العيادة وسألت عن حمَّالة، وكان الرَّدُّ عدم توفُّرها في السِّجْن، وفي الحال تَكَلَّمَتْ بجهاز اللَّاسلكي وطلبت من سجَّانة أخرى الـمجيء بسرعة إلى القسم للمساعدة، لم يمرَّ على طلبها إِلَّا دقائق معدودة حَتَّى وصلت السَّجَّانَة الثَّانية، وقفتا كُلُّ واحدة مِن جهة اتَّكأتُ على كتفيهما وصنعتا من اليدين حمَّالة، حملتاني وبدأتا تحرِّكانني بخطوات بطيئة.كانت عمليَّة نقلي عمليَّة شاقَّة عليهما، خصوصًا أَنَّ الطَّريق إلى العيادة طويلة وصعبة. اِعتذرت لهما عن هٰذا التَّعب وشكرتهما كثيرًا طوال الطَّريق، على هٰذِهِ الـمساعدة الَّتي قدَّمتاها وتقدِّمانها لي.
هاتان السَّجَّانتان هما العملة الإِنسانيَّة النَّادرة في هٰذا السِّجْن الَّتي راهنتُ على وجودها وبقائها رغم عمق الـمأساة، وقد رسمتا في قلبي لوحة جميلة لمعنى الإِنسان، وأعادتا تشكيل الأَمل في داخلي من جديد، بأنَّ الإِنسانيَّة لم تنعدم برغم كُلِّ شَيْءٍ.
أجلستاني على مقعد في العيادة، وَانضمَّ أحد الضُّباط إليهما، جاء الطَّبيب، ألقى نظرة طويلة على رجْلي وقد انتفخت وَازرقَّت أكثر، تحدَّث مع الضَّابط والسَّجَّانتين بلغة لم أفهمها، رُبَّما كانت اللُّغة الرُّوسيَّة، وكتب تقريره بضرورة نقلي إلى المستشفى بأقرب وقت ممكن، فقال لي الضَّابط:
اِذهبي الآن للزِّيارة وبعدها مباشرة سنتوجَّه إلى المستشفى، وأعطاني الطَّبيب عكَّازين ليساعداني على التَّحرُّك والتَّنقُّل!
دخلت غرفة الزِّيارة وكان والداي ينتظرانني عند النَّافذة، رأياني أدخل على العكَّازين، وهو ما جعلني أخبرهما بما حصل بِاختصار شديد، لم أستطع تحمُّل الأَلم لـ 45 دقيقة إضافيَّة، وفضَّلت قطع هٰذِهِ الزِّيارة حالًا والتَّوجه إلى الـمستشفى، وهو ما حصل بِالفعل.
على عكَّازين وبحراسة خمسة جنود وجنديَّة مِن الوحدة المخصَّصة لنقل السُّجناء، صعدت إلى سيَّارة البوسطة، أحد الجنود أخذ مِنِّي العكَّازين بعد جلوسي على الـمقعد، تقدَّمتْ الـمُجَنَّدَة إليَّ وأنا في القفص، وضعت لي أصفادَ اليد، وأرادت وضع أصفاد الرِّجلين أيضًا، وَلٰكِنِّي صرخت بها منفعلة قائلة:
كيف ستضعين القيود الحديديَّة على هٰذِهِ الرِّجل الـمصابة؟
لم تجبني بشيء، وذهبت وسألت زملاءها، وأخذت منهم الـموافقة على عدم وضع القيود على رجلي المصابة وقيَّدت رجلي السَّليمة بالكرسي، طرقت باب القفص وأقفلته عليَّ.
رِجْل مكسورة ويدان مكبَّلتان، وقبر متحرِّك، وألم يتعاظم مع كُلِّ حركة للمركبة. اَلـمعاناة الَّتي عانيتها من البوسطة قبْلًا، هي الآن مضاعفة مع رجلي الـمكسورة، لا كلمات يمكن أن تصف الأَوجاع الَّتي أعيشها لحظة ارتطامها بحديد أحد جوانب هٰذا القفص، ولحسن حظِّي أَنَّ رحلة الـمعاناة هٰذِهِ استمرَّت نصف ساعة فقط، برغم أَنَّ شدة الألم أجهزت على ما تبقَّى من صبري، إِلَّا أَنَّني شعرت بفرحة في ذات الوقت، لِأَنَّني أقترب شيئًا فشيئًا من نهاية ما لعذاباتي هٰذِهِ.
توقَّفت الـمركبة وفُتح باب القفص، أحضرت السَّجَّانَة لي كرسيًّا متحرِّكًا، طلبت مِنِّي النُّزول من الـمركبة وَالجلوس عليه وأنا مكبَّلة اليدين، رفضت ذٰلِكَ بشكل قاطع، فحرَّرتْ لي اليدين ونزلتُ بمساعدة العكَّازين وجلست على الكرسي، فأعادت الأَصفاد إلى يدي ووضعت أيضًا الأَصفاد في رجلي اليسرى وربطتها بِالكرسي الـمتحرِّك، بدأوا بحوار مع بعضهم البعض عن الشَّخص الَّذي سيجرُّ الكرسي الَّذي أجلس عليه، كلُّ واحد يلقي المهمَّة على الآخر، بعد عدَّة دقائق من النقاش اتَّفقوا أخيرًا على أن تقوم المجنَّدة بجرّي ووافقت هي بدورها مضطرَّة. ودخلنا قسم الطَّوارئ في مستشفى «بني تسيون».
مجنَّدان يمشيان خلفي وَالـمُجَنَّدَة تجرُّالكرسيّ بي، ومجنَّدان آخران يمشيان أمامي، وَكُلُّ مَن تواجد في الـمكان يتابع مشهد إذلالي، أرى وجوهًا ضاحكة وشامتة، وأخرى حزينة ومتعاطفة.
يُجرى تصوير الأَشعة لرجلي، طبيب العظام يعاين النَّتيجة ويرى بها كسرًا في منطقة الكاحل، تمَّ نقلي لغرفة الممرِّضات، طلب الطَّبيب أن أجلس على السرير، أزالت السَّجَّانة القيود عنِّي، تحرَّكت باتِّجاه السَّرير وجلست عليه بصعوبة، اقترب منِّي طبيب العظام والمسؤول عن وضع الجبص، نظر إلى الحاسوب باتِّجاه نتيجة الصُّورة ثمَّ أعاد النَّظر إليّ ثمَّ قال للمجنَّدة: ضعي عليها القيود يجب أن أقوم بوضع الجبص على رجلها". أدركت المجنَّدة في هٰذِهِ اللَّحظة أنَّها نسيت إعادة القيود إلى يديَّ، وأنا بدوري فهمت بأنَّ الطَّبيب خاف من الاقتراب إليّ ومعالجتي من غير القيود. وَهٰكَذا وضع الجبص لي حَتَّى الرُّكبة.
أعود لسيَّارة البوسطة، تضع لي الـمُجَنَّدَة أصفاد اليد، تحاول وضع أصفاد الرِّجلين فوق الجبص إِلَّا أَنَّها تفشل في إغلاقها، لا تتنازل عن الفكرة تضع الأَصفاد في رجلي اليسرى وتربط الجهة الأُخْرى بحافَّة الـمقعد وتربطني به وتمنع حركتي في هٰذا القفص ومع هٰذا الجبص.
لا أستطيع التَّحرك دون العكَّازين، أدخل القسم وأعود للأسيرات، وَلٰكِنْ بواقع جديد، ومختلف عن الَّذي كنت أعيشه. رفض مدير القسم إدخال العكَّازين معي إلى الزنزانة، لٰكِنِّي أصررت عليهما لأنّ الطَّبيب نَبَّهَني إلى عدم الدَّوس برجلي أبدًا في هٰذِهِ الـمرحلة، لِأَنَّ الضَّغط عليها سيزيد وضع الكسر سوءًا حَتَّى مع وجود الجبص، وبعد نقاش مع مدير القسم هذا سمح لي بإدخال العكازين ولكنه حذَّرني مهدِّدًا إيَّاي:
إيَّاك أن تسمحي لأحد بأن يكتب شيئًا على الجبص، فاَلكتابة على الجبص هي أيضًا تحريض ومسٌّ بِالأمن وخرْق للقوانين.
سمعت هٰذِهِ الكلمات وفاض قلبي ضَحِكاً رغم الأَلم الشَّديد الَّذي ينتابني.
تجمَّعت الأَسيرات حولي، هنَّأنني بالسَّلامة وبدأتُ معهنَّ مشروع مساعدة وشراكة جديدة، فَكُلُّ عمل أقوم به يتطلَّب الـمساعدة من إحداهنَّ، وقد أغرقنني بكرمهنَّ وتضحيتهنَّ لأجل راحتي وتخفيف معاناتي مع هٰذا الجبص.
يوم الأَحد الثَّالث من كانون الثَّاني عام 2016، وفي ساعات الظَّهيرة تُعلمني الإِدارة أَنَّ لي زيارة، أفاجأ بها لِأَنَّها جاءت بوقت لا يتزامن مع اليوم الـمحدَّد لزيارة الأَهل أو زيارة الـمحامين، أسأل مدير القسم عن هُويَّة الزَّائر فلا يجيبني بشيء، ويطلب مِنِّي التَّحرُّك معه فقط.
بخطواتي البطيئة على العكَّازين مررت بغرفة زيارة الـمحامين الـمعتادة، والطَّريق الَّذي نمضي فيه لا يوصلني إلى غرفة زيارة الأَهل أيضًا، فبدأت الشُّكوك تنتابني بشأن الـمكان الَّذي يأخذني إليه مدير القسم، إلى أن وصلنا مدخلَ غرفةٍ تابعة للإدارة، أنظر إلى الدَّاخل لأفاجأ بِأَنَّ النَّائبة حنين زعبي هي الزَّائرة، ويا لها من زيارة مختلفة وغير متوقَّعة، وَلٰكِنَّها جاءت في الوقت الـمناسب. لأوّل مرَّة منذ دخولي السِّجن ألتقي أحدًا مِن الخارج، ويُسمح لي بمصافحته وعناقه جسديًّا، وبلا فاصل بيننا وبلا تحديد لوقت الزِّيارة وبغرفة عاديَّة. شعرتُ بالطُّمأنينة والثِّقة فدعْم أصحاب القرار وَالقيادة لي في هٰذِهِ الـمرحلة يعطي للقضيَّة الَّتي أحملها على كاهلي أبعادًا مختلفة، تحادثنا عن حالتي الصِّحِّيَّة وبعض الأُمورالاِجتماعيَّة وكان لبُّ الحديث ومعظمه الَّذي دار بيننا، عن القضيَّة وعن مجريات التَّحقيقات والسِّجن، وَعن القصيدةالـمُتَّهمة معي بالتَّحريض وَالإرهاب، وعن بقية التُّهم الـموجَّهة ضدِّي، وكيف أَنَّ الشُّرطة تعتقل شخصًا ثُمَّ تبحث له عن تهمة، وهو تمامًا ما حصل معي.
جلست أمامها بعد أن حضنتني بحرارة ومحبة وألم، كنت آنذاك أتحرك بمساعدة العكازين فقط، نظرتُ إلى عينيها ووجهها ورأيتُ الألم فيهما وكأن الوجع الذي يسري في قدمي قد تحوَّل إليها، وجَّهَتْ نظراتها نحو رجلي المكسورة وَرَأَتْ أصابعي مُزْرَقَّة من شدة البرد والألم فانحنت بجسدها ومسحت بأصابع يديها أصابع قدمي، ضمتهم بكف يديها شَعرت ببررودة أصابعي وحاولت تدفئتهم، فجأة أزالت الشال الذي كانت تضعه على كتفيها ولفت أصابعي به ثم توجهت لمدير القسم فورًا وقالت له: كيف تتركونها هكذا بهذا البرد، رجلها متجمدة!
هٰذِهِ هي الـمَرَّة الأُولى في حياتي الَّتي ألتقي فيها النَّائبة حنين زعبي لقاءً مباشرًا وخاصًّا، فَكُلُّ لقاءاتي السَّابقة بها كانت من وراء الـمنابر وعبر الخطابات العامَّة فقط، وكم بدا لي هٰذا اللِّقاء مميَّزًا، وكم كان كلامي معها وجهاً لوجه قيِّمـاً ومثمراً، ومختلفاً عن كُلِّ لقاءاتي السَّابقة بها، والتي كانت لقاءات رسميَّة، أَمَّا الآن فاللِّقاء شخصيٌّ وتلقائيٌّ وعفويٌّ ومليءٌ بِالـمشاعر وَالأحاسيس الَّتي انطبعت في داخلي للأبد، شعرت أَنَّني أتعرَّف على إنسانة غير الَّتي أعرفها وعرفتها كُلَّ هٰذِهِ السِّنين، زيارتها أكَّدت لي أَنَّني لست وحدي في معركة الدِّفاع عن حرِّيَّة التَّعبير، بل هي معركة ومصير الكثيرين من أبناء شعبي وخصوصًا في الدَّاخل الفلسطيني.
اِنتهى اللِّقاء معها بِالضَّحكات وَالأمل وعبارات التَّفاؤل، ودَّعتها وعدت إلى القسم وفي قلبي شحنات إضافيَّة وطاقة إيجابيَّة جاءتني في الوقت المناسب، لتزيد من عزيمتي وإصراري وعنادي على الحقِّ، برغم كُلِّ الصُّعوبات وَالمعاناة الَّتي أعيشها أنا وَالأسيرات في هٰذا السِّجْن. فحنين بكلماتها، حضنها، حنوها، رقتها، طيبتها، تواضعها، عفويتها وإنسانيتها ملأت قلبي بالأمل والحياة.
ستَّة وتسعون يومًا مَرَّتْ عليَّ وأنا في السِّجْن، وكأنَّني في رحلة يسربلها الغموض، كانت رحلةَ ذلٍّ وإهانة وقسوة ما بعدها قسوة، ولكن بصحبة الأَسيرات خلال هٰذِهِ الفترة، حوَّلناها إلى ساعات من التَّجربة الغنيَّة وَالـمفيدة بقدر استطاعتنا، إِلَّا أَنَّ ذكرياتها الـمريرة وتجاربها الصَّعبة ومواقفها الحرجة، هي أيضًا مدرسة علَّمتنا دروسًا أخرى في هٰذِهِ الحياة، ستبقى أبداً راسخة في مشاعرنا وأفكارنا.
ليست الحياة في السِّجْن حياة أصلًا، ولا تمتُّ بصلة للحياة العاديَّة، وَلٰكِنَّنا كأسيرات سياسيَّات نقنع أنفسنا أَنَّنا سنحياها بما فيها من مرارة، نحياها ونعيشها وَكَأَنَّنا نعيش حياة عاديَّة! نحن في السِّجْن نفرح، نغنِّي، نرقص، نبكي، نحتفل، نودِّع، نحزن، نتحاور، نختلف، نتشاجر، نعيش كُلَّ الـمشاعر الَّتي يعيشها الإِنسان في حياته العاديَّة، وَلٰكِنْ في الحقيقة كُلَّ هٰذِهِ الـمشاعر ترتبط بشعور واحد مترابط ومشترك بيننا هو الظُّلم وَالاِحتلال، وبأمنية واحدة مشتركة لنا أيضًا في هٰذا السِّجْن وهي الحرِّيَّة في وطن حُرّ.
إِنَّ التَّعنُّت وحرماننا كأسيرات سياسيَّات من ممارسة هواياتنا في السِّجْنِ، كَالفنِّ وَالـموسيقـى والرِّيــاضة والرَّسم وَقراءة الكتب والتَّعليم، وعدم توفير الأَدوات اللَّازمة لتذويت هٰذِهِ الهوايات فينا من قبل إدارة السُّجونِ، جعلنا نكرِّس جلَّ وقتنا للسِّياسة، فكان يكفي وجود عدد قليل من الأَسيرات ذوات الخلفيَّات السِّياسيَّة منَّا، لننقل هٰذِهِ الثَّقافة لجميع الأَسيرات، ونعمل جاهدات لتنشئة الوعي السِّياسي في ذهن كُلِّ واحدة فينا، فَالأسيرة الَّتي دخلت الـمعتقل بلا أَيِّ خلفيَّة سياسيَّة تخرج من الأَسر بعد قضاء مُدَّة حكمها مسيَّسة ومتحزَّبة أيضًا.
مضحكة، بِالنِّسْبَة لي، سِّياسة إدارة السُّجون الإِسرائيليَّة تجاهنا كأسرى فلسطينيِّين، حين يعتقدون للحظة أَنَّ سياسات القمع هٰذِهِ قد تمنع انتشار الأَفكار السِّياسيَّة! ألا يدركون أَنَّ منعهم لوجود العلاقات الزَّوجيَّة، وَالكتب، وأدوات الرَّسم، وآلات العزف الموسيقيَّة والتَّعليم في السِّجْنِ، تحوِّل الأَسرى وبشكل أوتوماتيكيٍّ إلى أسرى سياسيِّين من الدَّرجة الأُولى؟
الثِّقة الَّتي ترعرعت بيني وبين الأَسيرات مع الوقت، ومع وجودي كمتحدِّثة بِاسمهن مع إدارة السِّجْنِ، منحتني فرصة لأتعرَّف على دواخلهنَّ الاِجتماعية والنَّفسية والسِّياسية أكثر، كُلُّ واحدة تُخفي داخلها حكاية تلخِّص بها جانبًا مختلفًا، من معاناة الـمرأة الفلسطينيَّة مِن الاِحتلال بِكُلِّ أشكاله وأنواعه، وَانتهت بوجودها في هٰذا السِّجْن، سمعتُ حكايات عن تجارب كثيرة، الواحدة لا تشبه الأُخْرى في الظُّروف وَالأسباب والنَّتائج.
كانت الحقيقة مؤلمة جِدًّا لي، وهي أَنَّ عددًا منهنَّ اخترن سجن الاِحتلال وقيده، هَرَباً من قيود الـمجتمع وظلم عاداته وتقاليده، فَالمأساة هنا أعظم حين تهرب الفتاة وَالـمرأة من ظلم الـمجتمع أو العائلة أو العنف، وتجرُّ نفسَها إلى سجنٍ آخر أصعب وأكثر تعقيداً، قاصدة ومرغمة عليه في الوقت نفسه، تستبدل السِّجْن بسجن آخر معتقدة أَنَّ سجن الاِحتلال الإِسرائيلي سيحميها، ويكون أرحم بها من سجن الـمجتمع وتقاليده وتسلُّطه عليها، لتُصدم بواقع لئيم، تكون فيه الضَّحيَّة، في بيئة تفتقد الأَطر الـمناسبة لحلِّ مشاكلها الاِجتماعيَّة والنَّفسيَّة الَّتي عانت وتعاني منها، فلا جمعيَّات ولا مؤسَّسات نسائيَّة تعنى بقضاياها ومشاكلها، وإن وجدت فَإِنَّها أيضاً تعاني من تسلُّطٍ ذُكوري فيها، وعلى قراراتها، ويهدِّد حياتها وَاستقرارها. هٰكَذا من نير المجتمع وَالعادات والتَّقاليد إلى نير احتلال الأَرض فالنَّتيجة التي تصل المرأة الفلسطينيَّة إليها واحدة، أَن تبقى ضحيَّة للأسر وَالاِعتقال والسِّجن، فَالمجتمع الَّذي يفترض أن يكون مصنع الحياة وَالأمان وَالكرامة، يتحوَّل إلى مصدر للإهانة والتَّجريح وَالعنف، وَهٰذا كُلُّه نتيجة لاحتلال أرض فلسطين، فالعنف وَالغصب والتَّسلُّط الذُّكوري، حليفٌ موضوعيٌّ لاِحتلالٍ استيطانيّ لم يَعُدْ مجال عنفه جغرافيا سِياسيا مُسَلَّطاً على أرض الوطن، بل تطوَّر مع الوقت ليصبح احتلالًا نفسيًّا، جسديًّا وَاجتماعيًّا يضغط بقسوة على كاهل الـمرأة. أَمَّا الدَّولة والسُّلطات وَالـمسؤولون الَّذينَ يتطلَّب الأَمر منهم حماية المرأة وصون حقوقها، وتوفير الأَمان لها من هٰذا الخطر والتَّهديد ففي أغلب الأَحيان هُم الرَّاعي الأوَّل للتَّجاوزات وَالاِنتهاكات، فَالـمرأة الأُنثى (لا الإنسان) ، تتحوَّل إلى رهان وأداة ضغط سياسيَّة فاعلة في أَيِّ صراع داخلي أو خارجي، تديره حكومة الاِحتلال الإِسرائيليَّة وسياساتها، وفي ظلِّ هٰذِهِ الظُّروف الاِجتماعيَّة القاسية وَالعنف وصولًا إلى السِّجْن وَالاِعتقال، يظلُّ السُّؤال عالقًا في ذهني من يحوي من؟ خصوصًا أَنَّ مفهوم العنف الَّذي عبَّرَتْ عنه غالبيَّة الأَسيرات، يشمل مِن وجهة نظري كُلَّ ممارسة تسلُّط عليها، تترك آثارًا وجروحاً نفسية عميقة تمسّ عَمَلَ آليات الإحساس والتفكير عندها وبالتالي تعرقل مسار حياتها الاِجتماعيَّة أو السِّياسيَّة الخاصَّة أو العامَّة، فالـممـارسة الاجتماعية الرامية إلى تقييد حرِّيَّة المرأة الفلسطينية وتخويفها والمسّ بكرامتها ووجودها كَامرأة، بضغوطات اجتماعيَّة، أو أسريَّة، أو سياسيَّة، بقدر ماهي مِن تداعيات الاحتلال الإسرائيلي كسبب مباشر لها فإنها موضوعيّا تخدم وجود هذا الاحتلال وسياساته الاستيطانية العنصرية. صحيح أَنَّ الفئة الـمثقَّفة وَالـمتعلِّمة في الـمجتمع الفلسطيني تدرك هٰذا الواقع، بل وعندها براعة في تشخيص مثل هٰذِهِ الحالات النَّفسيَّة وَقدرة على تحديد مواطن الخلل وَالآثار الـمترتِّبة على كُلِّ ما يقوم به الاِحتلال، لٰكِنّها تفتقد القدرةعلى مواجهتها بوضع الخطط العلاجيَّة الناجعة والقابلة للتطبيق على ضوء مُعطيات الواقع الراهن، ففي السِّجْنِ وعند الأَسيرات السِّياسيَّات يُعَدّ الحديث عن الـمشاكل النَّفسيَّة وَالاِجتماعيَّة أمرًا مسيئًا للنِّضال وَالـمقاومة، وشاذاً، أو شيئًا يصفْنَهُ بِالعيب وَالحرام، وهٰذا ما يزيد من تفاقم حالة الأَسيرة الَّتي تعاني مِن اضطرابات نفسيَّة، إذا لم نجد لها الحلَّ الأَمثل والصَّحيح لمشكلتها نفسيَّا وَاجتماعيَّاً، دون الحاجة لإنكار هٰذا الواقع أو نفيه لِأَنَّهُ موجود ولا يمكن لنا أَنْ نخفيه.
اَلـمرأة نصف الـمجتمع وحرمان الـمجتمع من طاقاتها يُبدِّد فرَصَ التَّحرير، وهو ما تسعى إليه إسرائيل من أجل هدم الـمجتمع الفلسطيني بأكمله، وإحكام كامل سيطرتها على فلسطين اَلأَرض وَالإنسان.وما دامت الـمرأة الفلسطينيَّة محتلَّة اجتماعياً، ثقافيّاً، أسريّاً، وسياسيّاً ستبقى فلسطين الأَرض وَالوطن، محتلَّة أيضاً من إسرائيل عسكريّاً، فالتَّحرُّر الحقيقي وَالاِستقلال الوطني والنُّهوض والتَّقدُّم لن يأتي إِلَّا بتحرُّرها، التَّحرُّر من الاِضطهاد الاِجتماعي ومساواتها بالرَّجل في الحقوق واتِّخاذ القرار، في مختلف الـميادين الأُسريَّة، الاِجتماعيَّة والسِّياسيَّة. فالاستراتيجية السياسة لإسرائيل قائمة على فهم جيِّد لحقيقة أَنَّ تحرُّر الـمرأة الفلسطينيَّة هو الوحيد الَّذي سيمنح الحرِّيَّة للفلسطينيِّين من قبضة الاحتلال، ولهٰذا فهي لا تدخر وسيلة للحؤول دون تحرر المرأة الفلسطينية اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً وثقافياً، وتدعم بل وتطبِّق نظريَّة قمعها من أفراد مجتمعها أنفسهم، لأجل استمرار احتلال البلاد، فإن احتُلَّت الـمرأة وقُهرت وَاستُعبدت وغابت عن الوعي الاجتماعي والسياسي والفكري وشُلّت طاقاتها التعبيرية الوجدانية والعقلية، ستُشَلّ كُلُّ معاني الحياة وأسباب التمسُّك بتراب الوطن وهوائه ومائه، فقهر الـمرأة إرساء ركيزة لاستمرار الاِحتلال، خاصّة وأن اَلـمرأة في الـمجتمع الفلسطيني هي الحلقة الأَضعف، فهي مَن يَتحمَّل نتائج جرائم الاِحتلال، وهي الـمتلقِّي الأوَّل للآثار السَّلبيَّة الناجمة عن أشكال عنفه المتنوعة.
كثيرة هي الحوارات الَّتي دارت بيني وبينهنَّ، بُغْيَةَ دعم هٰذِهِ النَّظريَّة والسَّعي لأجل مساهمتهنَّ في تغيير نمطيَّة تفكيرهنَّ بشأن التَّحرير وَالـمقاومة، وفي تلمّس سُبُل تحقيق النَّصر على ذواتهنَّ قبل أن يكون على الآخرين، سواءفي فترة السِّجْنِ أو ما بعد تحرُّرهنَّ، وهي القضيَّة الأَهمُّ بِالنِّسْبَة لي وَالَّتي كانت تشغل بالي وتؤرِّق تفكيري أكثر من أَيِّ شيء آخر، ولا أستطيع القول إِنَّني نجحت بِذٰلِكَ، وَلٰكِنَّني استطعت التَّأثير على بعض الأَسيرات اللَّواتي تغيَّرت نظرتهنَّ للأشياء، ولطريقة النِّضال وَالمقاومة والسَّعي من أجل تحقيق التَّحرر وَالخروج من الـمشاكل وتحدِّيها، وعدم الخجل في التَّعبير عن مشاعرهنَّ العاطفيَّة وحاجتهنَّ الغريزيَّة وَالجنسيَّة، أيًّا كانت ظروفها وكيفما كانت مظاهرها، فهي ليست عيبًا، وليست حرامًا، بل هي جزءٌ من طبيعتنا، وحقٌّ طبيعيٌّ لنا جميعًا.
في صباح الثَّالث عشر من كانون الثَّاني عام 2016، ودَّعتُ الأَسيرات متجِّهة إلى جلسة الـمحكمة، أخذتني السَّجَّانة للتَّفتيش الجسدي والعاري، وبعدها تحرَّكنا نحو التَّفتيش الألكتروني، لم يكن معي إِلَّا العكَّازين، طلب منِّي السَّجَّان المسؤول عن التَّفتيش الألكتروني وضع العكَّازين في جهاز فحص الأغراض الألكتروني، وأن أمرَّ أيضًا بعدها من خلال جسر التَّفتيش الجسدي الألكتروني ماشية. حاولت المشي ولٰكنَّني لم أستطع التَّحرُّك بدون العكَّازين، رجلي ما زالت ضعيفة ولا أستطع الضَّغط عليها أبدًا، قلت له محاولة أن أقنعم بأن يتنازلوا عن فكرة التَّفتيش هٰذِهِ: "قبل ثوانٍ فقط قامت السَّجَّانة بتفتيشي تفتيشًا عاريًا، فأجابني: "ليس لديك خيار. عليكِ فعل ذٰلِكَ. من أين لي العلم أنَّكِ لا تخفين شيئًا داخل الجبص." وأنا أنظر إليه بيأس تدخَّلت السَّجَّانة بالحديث وقالت: " هيَّا أنهي هٰذِهِ القصَّة الآن" أجبتها: ماذا تريدين منِّي أن أفعل؟ هل أقوم بالزَّحف على الأرض؟! قالت: "لست مضطرَّة لفعل ذٰلِكَ، يمكنك القفز على رجلٍ واحدة. اختنقت من النِّقاش معهم. لم أستطع استيعاب إذلالهم لي أكثر من ذٰلِكَ، أردت إنهاء هٰذا الموضوع حالًا. بدأت المشي على رجلي بحركات بطيئة جِدًّا، إِلَّا أَنَّني شعرت بألمٍ شديد فيها، خفت أن أتسبَّب بمضاعفة الإصابة والمشكلة في رجلي، فقفزت على رجلٍ واحدة، ومع كلِّ قفزة كنت أشعر بألم شديد يمزِّق أحشائي وأعصابي، مع أنَّات آلامي الَّتي انبعثت منِّي مرغمة مع قفزاتي، سمعتهم يضحكون منيَّ من ورائي، أنا أقفز وأتلوَّى ألمًا وهم بسخرية يضحكون. قالت لي السَّجَّانة ساخرة وهي تضحك بأعلى صوتها: "الآن ستصبح لك رجلٌ شبيهة برجل ميسي" لأسمع قهقهات تعلو أكثر في المكان، وأكمل القفز ولا ألتفت ورائي، حَتَّى مررت عن الجسر الألكتوني واستعدت العكَّازين، هٰذِهِ اللَّحظات جعلتني أمتلئ بالكراهية أكثر من أيد مَرَّةٍ مضت عليَّ منذ اعتقالي، شعرت بكراهية شديدة وبحاجة ماسَّة للانتقام.
في جلسة المحكمة قرَّر القاضي إحالتي إلى الاِعتقال البيتي الكامل، بإقامة جبريَّة بظروف وشروط مقيِّدة وقاسية جِدًّا، أهمها وجود وصيٍّ مُلزَم بمراقبتي طوال الوقت وعلى مدار السَّاعة، وَالإبعاد عن بيتي وبيئتي ومكان إقامتي وعائلتي، مع قيد ألكتروني يرصد تحرُّكاتي ويحدِّدها، ومنعي من استخدام الشَّبكة العنكبوتيَّة وحَظْر وجودها في الشُّقَّة الَّتي سأتواجد فيها ودفع كفالة ماليَّة بقيمة 6 آلاف شاقل، والتَّوقيع على ضمانات أخرى بقيمة 20 ألف شاقل.
إِنَّ الأَمر الَّذي دعا القاضي لإصدار هٰذا الحكم النِّهائي بهٰذِهِ الشُّروط القاسية جِدًّا، هو اعتمادهُ كلام النِّيابة الذي يدّعي أَنَّني وقصيدتي، نشكِّل خطرًا على الجمهور، وَأَنَّ هٰذِهِ الشُّروط ستشكِّل رادعًا ليحول دوني ودون إلحاق الأذى بأي أحد مِن الوسط اليهودي أوالتَّحريض على العنف وبثِّ الإِرهاب ضدَّهم. هٰكَذا، وَلِأَنَّني أشكِّل خطرًا على أمن الدَّولة وعلى سلامة الجمهور اليهودي، وافقتْ النِّيابة ومعها القاضي على إبعادي إلى كريات أونو البلدة اليهوديَّة الواقعة في وسط تل أبيب!
كانت قاعة الـمحكمة مليئة هٰذِهِ الـمَرَّة، بالذين جاؤوا جميعاً لنصرة قضيَّتي، مثقَّفين وإعلاميُّين وناشطين، وعدد من أفراد عائلتي وثلاثة من أقاربي، ونوَّاب في الكنيست من التَّجمع الوطني الدِّيمقراطي، حنين زعبي، جمال زحالقة وباسل غطاس، ورئيس لجنة الـمتابعة مُحَمَّد بركة، وكانوا جميعًا فرحين بإطلاق سراحي إلى هٰذا الـمنفى وبهٰذِهِ الشُّروط الـمقيِّدة والصَّارمة.
أخرجوني من قاعة المحكمة عند السَّاعة الرَّابعة، وأعادوني إلى زنزانة المحكمة. الشَّركة المختصَّة بتركيب القيد الألكتروني لم توافق على إطلاق سراحي بشكل فوري، بسبب ذٰلِكَ تقرَّر نقلي فورًا إلى معتقل الجلمة، بالرَّغم من قرار المحكمة القاضي بإطلاق سراحي للاعتقال البيتي. بعد أن قامت جنديَّة وحدة الناحشون بتفتيشي تفتيشًا عاريًا، أخذت مجدَّدًا إلى البوسطة، قضيت ساعتين متواصلتين في رحلة الموت هٰذِهِ مكبَّلة اليدين ورجلًا مكسورة ومغلَّفة بالجبص والأخرى مقيَّدة بالكرسي. تركت الألم مدفونًا في داخلي بصمت. وصلت لمعتقل الجلمة ودخلته على العكَّازين اللَّذين حصلت عليهما من سجن الدَّامون. سجَّانة القسم فتَّشتني مَرَّةً أخرى ومن ثمَّ أدخلتني لإحدى الزَّنازين الَّتي باتت مألوفة لي وأعرفها جيِّدًا.
في وقت متأخِّر من اللَّيل، فتحت السَّجَّانة فتحة الباب الصَّغيرة وسلَّطت على وجهي ضوء الفانوس وقالت لي: "جهزّي نفسك، ستخرجين الآن للاعتقال البيتي. قمنا بإخبار أهلك وهم بالطَّريق لأخذك من هنا. هٰذا ما قرَّره القاضي اليوم في المحكمة. عند منتصف اللَّيل يجب أن تكوني في "كريات أونو" البيت المخصَّص لحبسك البيتي." سلَّموني الأوراق الخاصَّة بالإفراج، وطلبوا منِّي التَّوقيع بالتزامي بالتَّواجد في جلسة المحكمة القادمة لي، وأيضًا في البيت المخصَّص للحبس المنزلي حَتَّى السَّاعة المذكورة، وأيضًا كان من ضمن الأوراق أنَّه يحق لي زيارة طبيب لمراجعة وضع رجلي لمرَّة واحدة فقط.
وقَّعت على الأوراق وفتحت البوَّابات لي وبدأت التَّحرك بمساعدة العكَّازين ببطء في طريق الخروج باتِّجاه البوَّابة. أوقفوني، قالوا إنَّني لا أستطيع الخروج بالعكَّازين! شرحت لهم صعوبة المشي بدونهما، طلبت أن أخرج بهما وحين التقي بأهلي هم بدورهم سيقومون بإعادتهما إليهم فورًا، رفضوا ذٰلِكَ. "أنت مجبرة على تركهما هنا" هٰذا ما أجابوني به. اقترحت أن يأتي أحدٌ منهم معي للخارج ويأخذهما منِّي بعد وصول أهلي، هٰذا الاقتراح أيضًا قوبل بالرَّفض فورًا دون أيِّ تبريرات أو أسباب واضحة، لم أناقش أكثر تأكَّدت أنَّهم يريدون أن أعاني حَتَّى اللَّحظة الأخيرة وأنا هنا.
كان من الصَّعب عليَّ أن أضع الثِّقل على رجلي وأمشي، الجبص منع الحركة وأشعر بألم فظيع إن دست عليها، لم أستطع حَتَّى القفز، كنت متعبة جِدًّا والألم يزداد في رجلي أكثر فأكثر، لم أجد طريقة أتحرَّك بها وأصل من خلالها إلى أهلي إِلَّا بالزَّحف على الأرض، جلست على الأرض وبدأت أحرِّك جسدي زاحفة، وأخرج بحركات بطيئة إلى الخارج، تقدَّمت وتقدَّمت حَتَّى رآني آخي، ركض نحوي، عانقني وعانقته حملني وأخذني معه حَتَّى موقف السَّيَّارة، كان أبي وابن خالتي بانتظاري أيضًا، عانقتهم عناقًا مليئًا بالأشواق. وصلت البيت عانقت جميع أفراد عائلتي واحدًا واحدًا، حَتَّى استطعت أخيرًا الدُّخول إلى غرفتي. دخلت الغرفة، أغلقت الباب خلفي، عانقت القطَّتين كادي وسيمبا وقبَّلتهما. استلقيت لخمس دقائق على سريري، وأنا أنظر إلى كلِّ زوايا غرفتي.
امتلأ بيتنا بالضُّيوف والمهنِّئين، الأصدقاء والأقرباء تجمَّعوا من أجل أن يروني، قبل انتقالي للسِّجن الجديد والبعيد، بالكاد استطعت أن آكل صحنًا من المجدَّرة الَّتي حضّرتها أمي، قبل أن تتَّصل شركة القيد الألكتروني إلى أخي كي تستعجل وصوله. قالوا له: إن لم تصل بالوقت المحدَّد سيتمُّ إعادتها إلى السِّجن اللَّيلة". أجابهم أخي: "أفرجتم عنها من سجن الجلمة عند السَّاعة العاشرة مساءً فقط، فكيف تريدني أن أصل إلى كريات أونو عند الثَّانية عشرة ليلًا؟ أعطوها فقط بعض الوقت لتأخذ أغراضها من البيت وبعدها سنتحرَّك". هٰذِهِ المرَّة نجح عناد أخي فأعطوني موعدًا جديدًا، عليَّ التَّواجد في سجني الجديد عند السَّاعة الثَّالثة والنِّصف فجرًا، رغم صعوبة التَّحرُّك مع الجبص ألقيت السلام على جميع الضُّيوف وجمعت بعض الأغراض من غرفتي؛ كتابي الغزو الأخير، كتاب الشِّعر الأوَّل الَّذي أخرجته للنُّور عام 2010، كلُّ كتب الشِّعر الخاصَّة بفدوى طوقان ونازك الملائكة، وأيضًا بعض كتب شعر محمود درويش وأبي قاسم الشَّابِّي. أخذت بعض الأقلام والدَّفاتر للكتابة، أخذت حقيبة الظَّهر الَّتي كنت آخذها معي إلى العمل قبل الاعتقال، كانت الأغراض الَّتي وضعتها آنذاك ما زالت موجودة فيه، آخر كتابين قرأتهما، أحدهما لغسَّان كنفاني والثَّاني لإبراهيم نصر الله، كتاب شعر قمت بكتابته بعنوان "أغنيات كناري الجليل" والَّذي كان من المفروض أن يصدر في نهاية كانون الأوَّل لعام 2015، ورواية أقوم بكتابتها بعنوان موعد مع الحيتان تحكي عن طفولتي، وكان أيضًا في هٰذِهِ الحقيبة دفاتر مذكِّرات لي وبعض المسوَّدات، مفاتيح مكان العمل الَّذي كنت أعمل فيه، ومفاتيح سيَّارتي الكهربائيَّة الجديدة الَّتي اشتريتها قبل اعتقالي بثلاثة شهور فقط.
أحذت من غرفتي أيضًا بعض الملابس، غطاء نومي ووسادتين سمَّاعة الأغاني، جهاز راديو وجهاز تشغيل الأسطوانات الموسيقيَّة، أسطوانات الأغاني الخاصَّة بفيروز، أبو عرب، جوليا بطرس، ميَّادة بسيليس ومحمَّد منير، أخذت أيضًا أغاني سجِّلت بصوت صديقتي المقرَّبة والمسجَّلة عندي، وصورًا تجمعنا من تصويري، الجيتارا، العطر الَّذي أضعه، فرشاة أسناني وفرشاة شعري، مرطِّب الجسم وقنِّينية الشَّامبو الَّتي أستعملها، ودمية على شكل دبٍّ تلقَّيتها هديَّة من صديقتي في آخر عيد ميلاد لي وخرجت.