image
image
image

17

image

السَّاعة الثَّالثة بعد منتصف اللَّيل، وصلتُ مع أخي وخطيبته إلى سجني الجديد، شقَّة تكفَّلا بتأجيرها من أجل موافقة شروط الإِقامة الجبريَّة الَّتي أقرَّتها النِّيابة في تل أبيب، للحدِّ من خطورة قصيدتي وكتاباتي على أمن الدَّولة وَالوسط اليهودي حسب ادِّعاءاتهم الَّتي وافق عليها الـمحامي الـموكَّل بالدِّفاع عَنِّي وَالعائلة، حيث كان في سلَّم أولويَّاتهم فقط إخراجي من السِّجن الفعلي وبأيِّ ثمن كان.أجرى أخي وخطيبته تعديلات على نمط حياتهما، ليتناسب مع موجبات تنفيذ الحكم وقسَّمـا الوقت بينهما ليخرج أحدهما ويبقى الآخر معي لحراستي! يمنع تركي وحيدة منعًا باتًّا حَتَّى للحظات قصيرة، وكأنَّني طفلة رضيعة.

بعد دقائق من دخولنا الشّقَّة برجلي الـمكسورة، دقَّ بابها ودخل أربعة مجنَّدين يلبسون لباس خدمة السُّجون وَاثنان آخران بلباس الشُّرطة. ربطوا في رجلي اليسرى حلقة بلاستيكيَّة ألكترونيَّة موصولة بجهاز آخر كبير، يشبه الهاتف وأوصلوا إليه خطَّ الهاتف.

طلب مِنِّي أحدهم أن أسير في كُلِّ حدود الشّقَّة، وأصل إلى كُلِّ زاوية فيها لكي يحدِّد الـمساحة الَّتي يسمح لي بالتَّنقُّل فيها. اِنتهوا من تركيب الجهاز ومن تحديد تحرُّكاتي ورصْدِها، ثُمَّ خرجوا، وأنا بدوري بدأت أرسم لسجني الجديد مخطَّطاً يُساعدني على كيفيَّة مواجهة ما ينتظرني في هٰذا الـمنفى وضمن هٰذا الـمكان الـموحش وَالغريب عَنِّي وعن كُلِّ شَيْءٍ يتعلّق بي.

بعد خروجهم، في الحال قمت بتغطية رجلي المكسوَّة بالجبص بكيس بلاستيكي ودخلت لأستحمَّ. أخيرًا ها أنا أستحمُّ مجدَّدًا بماء نظيف، في السِّجن كان لون ماء الاستحمام أصفر، غمرت جسدي بالصَّابون وبقيت تحت الماء لأكثر من نصف ساعة. تخيَّلت الحنفيَّة الَّتي كنت أستحمُّ تحتها في السِّجن، تذكَّرت الأسيرات وكلِّي أسف أنَّهنَّ لا يملكن ماء نظيفًا للاستحمام الآن. دهنت جسمي بالمرطِّب ووضعت مرهمًا خاصًّا لعلاج القروح، فقد كان جلدي مليئًا بالتَّقرُّحات ولدغات البعوض والبقِّ الَّتي عانيت منها طوال فترة اعتقالي ووجودي في الزَّنازين، تذكَّرت حين طلبت علاجًا مناسبًا  لها سخرت السَّجَّانة منِّي مستهزئة، لتقول لي إِنَّ ما أعاني منه هو الجرب فقط، ولا يوجد علاج لِهٰذِهِ التَّقرُّحات عندهم، لتتركني وهي تضحك وتذهب، ارتديت بيجامتي، رميت نفسي على السَّرير وأنا لا أصدق أنَّني أنام على فراش نظيف، سميك، مريح ومغطَّى بأغطية جميلة ذات رائحة لطيفة، ولا تنبعث منها رائحة الرُّطوبة، نظرت إلى الجدران حولي وتذكَّرت الصَّراصير وحشرات البقِّ على جدران الزَّنزانة الَّتي كنت أعيش فيها، وأحيانًا أمرِّر يدي على الجروح الَّتي حفرتها القيود في رسغيَّ وعلى قدمي. أصوات طرقات الأبواب والسَّلاسل والكوابيس منعتني من النَّوم،  وضعت سمَّاعة الأغاني على أذني وأخذت أستمع لأغاني صديقتي وصوتها وهي تغنِّي. لم يكن من السَّهل عليَّ أن أنام وأغفو، كانت أفكاري تأخذني لعدَّة أماكن ومراحل عشتها في السِّجن، وأحيانًا تلاحقني الأفكار مع سجني الجديد هٰذا، وكيف سأتأقلم مع ظروفي الجديدة، أخيرًا انتصر صوت صديقتي العذب على كلِّ أصوات النَّشاز الَّتي اخترقت ذاكرتي، صوتها أراحني، فاستطعت أن أغفو وأن أمنح جسدي وأفكاري بعض الهدوء والطُّمأنينة. 

مرَّت ثلاثة شهور على وجودي في هٰذا الـمنفى، أعيش وحيدة مع أفكاري، وأشارك أخي وخطيبته الجلوسَ إليهما ساعة أو أقلَّ يوميّاً، لم أستطع التَّأقلم معهما أبدًا، فنمط حياتي مختلف عن نمط حياتهما اختلافاً كُلياًّ، فكانت الكتابة وَالقراءة ملاذي الوحيد لتمرير الوقت. ممنوعة من الخروج مطلقاً من هٰذا البيت، لا ساحة، ولا شرفة، ولا هواء طلق أشتمُّ رائحته، لا سماء ولا شمس ولا بشر، لا إنترنت ولا أجهزة ألكترونيَّة متطوِّرة، ولا حَتَّى هاتفٌ عادي أتحدَّث به مع من أحبِّهم. ليس لي إِلَّا بعض الكتب والدَّفاتر وَالأقلام، وتلفاز، مذياع وموسيقى، ونافذة صغيرة تطلُّ على عمارات وبنايات تثقل العين، كُلَّمـا وقفت ونظرت من خلالها شعرت بِغمٍّ شديد، يُشعرني بضيق نَفَس فأُغلقه حالًا وأعود لكنوزي الـممتعة والثَّمينة.

قرَّرت أن أكمل مسار صمودي الَّذي اخترته برغم كُلِّ شَيْءٍ، قبلت بِالوضع القائم وبدأت أخلق من اللَّاشيء أشياء. فَالحياة وَالأرض ومَن عليها عندي في كفَّة، وَالكتابة في الكفَّة الأُخْرى، ولن أقبل أن يساومني أحد عليها. لٰكِنْ ومهما كان عشقي للكتابة وَالقراءة، فقد كنت أحتاج في هٰذا الـمنفى وَالاِعتقال البيتي وَالإِقامة الجبريَّة، إلى أن أقابل النَّاس وإلى الشُّعور بأَنَّني أحيا ضمن هٰذا الوجود الإِنساني وَلَو بين هٰذِهِ الجدران الصَّمَّاء، فمشاركة النَّاس وَالحديث معهم وَالعيش في إطار اجتماعيٍّ وإن كان محدودًا وصغيرًا، سيساعدني على الاِستمرار أيضًا، وعلى تبادل شَتَّى الـمشاعر الإِنسانيَّة الَّتي  ستشكِّل لي منافذ وأفكارًا للكتابة بعمق أكبر.

كانت سعادتي، لا تُوصف، مع بدء مجيء المتضامنين وَالمساندين لزيارتي في هٰذِهِ الـمحنة، حين بدأت قضيَّتي تتخطَّى الحدود وتتحوَّل إلى قضيَّة رأي عامٍّ، وذلك بعد أن كتب عنها النَّاشط السِّياسي يوآﭪ حيفاوي[13]لأوَّل مَرَّة في مدوَّنته الخاصَّة «حيفا الحرَّة» فأخرجها من هٰذا الصَّمت القاتم والتَّعتيم الإِعلامي إلى النُّور، ليهتمَّ بها أصحاب الشَّأن وتصبح حديث السَّاعة وتتنقَّل على ألسنة الكثيرين.

بدأ الإِعلام يتوافد عليَّ للزِّيارة والدَّعم، وَللحديث عن معاناتي وَالقضيَّة الَّتي أحملها خلف هٰذِهِ الإِقامة الجبريَّة/الـمنفى، مدى تمتُّع الفلسطينيين بحق حرّيَّة التَّعبير عن الرَّأي وكذبة الدِّيمقراطيَّة في إسرائيل، فاِعتقالي والتُّهم الـموجَّهة ضدِّي في لائحة الاِتِّهام، أكَّدت أَنَّ الدِّيمقراطيَّة عند السُّلطة الإِسرائيليَّة، ليست إِلَّا ديمقراطيَّة محدودة لفئة واحدة ووحيدة، ويصحُّ القول إِنَّها ديمقراطيَّة لليهود فقط. تعدَّدت الزِّيارات، كُتَّاب وشعراء وفنَّانون، ناشطون وسياسيُّون ومثقَّفون، عرب ويهود، زيارات مِن كُلِّ الـمحاور وَالأوساط الاِجتماعيَّة، والسِّياسيَّة وَالإعلاميَّة وَالفنيَّة والثَّقافيَّة الَّتي أحبُّ وأنتمي إليها قلبًا وقالبًا، بِالإِضافة إلى النَّائبة حنين زعبي ومجموعة من الشَّباب في التَّجمُّع الوطني الَّذينَ تناوبوا على الزِّيارة بين الحين وَالحين، لتخفيف وطأة هٰذا السِّجن/الـمنفى وصعوبته عَنِّي ولو بِالقليل.

يوآﭪ حيفاوي وإيريس بار، وعوفرا يشوعا لايت[14]كانوا أكثر الـمتابعين لقضيَّتي، وتواصلت زياراتهم لي ولم تتوقَّف وعادوا لزيارتي مرَّات كثيرة، توطَّدت العلاقة بيني وبينهم وتعدَّت الـمعرفة العابرة وتحوَّلت إلى صداقة قويَّة. أصبحت زياراتهم هٰذِهِ متنفَّسي الوحيد بينما انْقَطَعَ أهلي عن زيارتي كلَّ هٰذِهِ الفترة. بِالكاد بدأت أشعر بِالحياة مُجَدَّدًا معهم، حَتَّى أخَذَ السَّجَّانان وَالحارسان الوصيَّان عليَّ أمام الـمحكمة، أخي وخطيبته، يتقمّصان شخصيَّة السَّجَّانين الحقيقيِّين وينفِّذان مهمَّتهما على أتمِّ وجه فيضيِّقان الخناق عليَّ أكثر بهٰذا الحبس، ويضيفان لشروط حبسي وقيوده الـمعيَّنة من قبل النِّيابة وَالـمحكمة شروطهما الخاصَّة، أصبحا لا يحوِّلان إلي أَيَّ مكالمة تأتيني من أصدقائي وأهلي، ويرفضان الزِّيارات ويمنعانها عَنِّي لأغراض خاصَّة بهم، لا تمتُّ بصلة لأفكاري وقناعاتي، صحيح أَنَّهُما مقيَّدان معي ويعانيان أيضًا من هٰذا الحبس، إِلَّا أَنَّهُما صعَّبا الأَمور أكثر فأصبحا جزءًا من هٰذِهِ القيود عليَّ وعليهما، فزادا على سجن الإِقامة الجبريَّة سجنًا جديدًا، لم أتخيَّل نفسي أَنَّني سأعيشه معهما للحظة، ما عدت أدري هل هما مَن جَعلا حياتي معهما مستحيلة، أم أَنَّني أنا التي جعلت حياتهما معي مستحيلة؟ فَمَع الإِقامة الجبريَّة وضمن كُلِّ هٰذِهِ الشُّروط الـملقاة عليَّ من الجميع تعاظم الغموض في داخلي. بدأ الاِختلاف بيننا يظهر ويزداد مع الوقت ومع القيود وَالـمنع وَالخنق أكثر فأكثر، أخذت الفجوة تتَّسع وتكبر حَتَّى أصبحت منافذ الصَّبر تنفدُمن قلبي ومشاعري، وما عدت قادرة على احتمال المزيد مِن تحكُّمهما بي وبأبسط شؤوني الخاصَّة، إِلَّا أَنَّني كتمْت كُلَّ شَيْءٍ وَواصَلْتُ مشوار صمودي.

كنت أحاول قدر استطاعتي أن أمنحهما حياتهما الخاصَّة كمرتبطين، وخصوصًا حين يكونان مع بعضهما البعض متفهّمة خصوصيَّتهما، فأغلق باب غرفتي عليَّ وأضع سمَّاعة الأذنين وأستمع للموسيقى، وأمنع نفسي من أَيِّ تلصُّص على حديثهما، كنت قادرة على تحمُّل كُلِّ شيء منهما إِلَّا التدخل في قضيَّة الزِّيارات، فقد كانت بِالنِّسْبَة إلي قضيَّة لا نقاش فيها، إِلَّا أَنَّني قسوت على نفسي وتنازلت كثيرًا، أيضًا بشأن هٰذِهِ القضيَّة وأقنعتهما إقناعاً كاذباً أَنَّني هنا الضَّيفة وهما أصحاب البيت، ويحقُّ لهما فعل كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى تعذيبي وَأَنَّني لست سوى السَّجينة وَالـمعتقلة، وكلّ ما عليَّ فعله هو القبول والصَّبر على كُلِّ شَيْءٍ.

حُرمت مَرَّة أخرى من الزِّيارات الَّتي كانت بِالنِّسْبَة لي في هٰذا الـمنفى الحياة بكلّ مَعانيها، كانت هي متنفَّسي الوحيد ومصدر شُعور بالانتماء إلى البشر، ومِن خلالها أمارس مع النَّاس أبسط حقٍّ لي وهوالكلام وَالحديث في شأن كلِّ الـممنوعات الـمفروضة عليَّ، فأنا إنسانة اجتماعيَّة جِدًّا، وأحبُّ الاِختلاط وأعشق النَّاس وَالعيش مع مشاعرهم وأحاسيسهم وأن أبادلهم كُلَّ شَيْءٍ، حَتَّى في السِّجن كان ثَمّتَ حياة اجتماعيَّة وكنتُ أعيشها مع الأَسيرات، لكنّ وجودي مع هٰذَيْنِ السَّجَّانين الفريدين وحديثي الطِّراز، حال بيني وبين ممارسة أصغر حقٍّ يمتلكه الإِنسان في مثل ظروفي، وهو أن ألتقي آخَرين، فمجيء النَّاس إليَّ هو الشَّيء الوحيد القابل للتَّطبيق في ظلِّ تقييد حركتي ومنعي من الخروج مَنْعاً باتّاً مِن هٰذا البيت.

منذ البداية كنت أعلم أَنَّني أسير في طريق وعرة جِدًّا، وَأَنَّ ما سأعيشه لن يكون سهلًا، وَأَنَّ خروجي مِن الـمعتقل والسِّجن إلى الإِقامة الجبريَّة لن يكون أمرًا هيِّنًا، وَلٰكِنَّني لم أفكِّر للحظة أَنَّ مَن سيزيد عليَّ وطأة سجني هُم أبناء جلدتي، بل وأقربهم إليَّ! مع أَنَّني لم أتصوَّر للحظة أَنَّني سأعيش سجنًا اجتماعيًّا، إِلَّا أَنَّ ما عشْتُهُ بِالفعل هٰذِهِ الفترة، كانَ أقسى، إِنَّهُ السِّجن العائلي.

بكيتُ، أَوَّل مَرَّة أبكي فيها مِن الاِعتقال كانت في هٰذِهِ الـمرحلة، تراجعتْ صحَّتي كثيرًا، أصبحتُ نحيلة، فقدْتُ مِن وزني الكثير، كنتُ أتقيَّأ كُلَّ ما آكله، وإن كان أكلي قليلًا جِدًّا، جلّ الوقت أقضيه في الحمَّام لأخرِج كُلَّ ما يخنق نفسيَّتي من الظُّلم وَالـمعاناة وقمَّة الـمأساة الَّتي أعانيها من جميع الأَطراف، ومن الذِّكريات الَّتي تشدُّ وثاقها على أنفاسي، ومن ظلم القدر وقسوته عليَّ، لا أرى أمامي غير الأشباح، أعيش وحيدة، تلاشى ظلِّي، صرت أتكلَّم مع الجدار ومع الـموسيقى ومع الدَّفاتر وَالكتب فقط، أقرأ بصوت عالٍ القصائد الَّتي أكتبها، أو أَيَّ كتاب آخرحَتَّى لا أنسى صوتي، أو ما يعنيه الصوت البشريّ! بدأت أبحث عن كُلِّ شَيْءٍ يُصدر صوتاً لأستمع إليه، حَتَّى أصبح لصوت الأَوراق وَالكتب معنى آخر، صُودر حقِّي بِالكلام مع الآخرين فقرَّرتُ العيشَ مع الـموسيقى الَّتي باتت هي ملجأ روحي ومسكّنة آلامِها، بالشِّعر وَالـموسيقى بدأت أكتشف أشياء لم أعرفْها من قبل، وكأنَّهما توأمان ولدا من رحم هٰذا السِّجن ليحرِّراني من استعباد الجراح، لأوَّل مَرَّة أكتشف أَنَّني كُلَّما تعمَّقت مع أنغام الـموسيقى تعمَّقتُ في الحياة وفهمتُها أكثر، كُلَّما سمعتُ الـموسيقى اكتشفت مشاعر جديدة في نفسي لم أكن أعلم أَنَّها موجودة عندي، كانت الـموسيقى تمنحني لحظات من الحرِّيَّة لم أعشها من قبل، برغم كُلِّ القيود الَّتي تحيطني من كُلِّ جانب.

بدأت أشعر أَنَّ أخي وخطيبته يتعمَّدان إذلالي، وأنهما لا يختلفان بشيء عن سجّانيّ السجون التي تنقّلتُ بينها قبل أن أوضَعَ تحت رقابتهما، الإذلال والظلم إيّاهما عينهما، وَعلى الرغم مِن هذه المشاعر التي تجرح الروح أنزع هٰذِهِ الأَفكار من رأسي وأضع لها حدًّا وألتمس لهما  الأَعذار، ربما ساعدني على ذٰلِكَ أَنَّني تعلَّمت في السِّجْنِ التَّأقلم والتَّحكُّم بمشاعري وتقبُّل العيش مع كُلِّ أصناف البشر، وَأَنَّني بطبيعتي إنسانة قنوعة أرضى بِالقليل.

تحوَّلَت الإِقامة الجبريَّة إلى زنزانة منفردة، أعيش فيها كُلَّ التَّفاصيل الـمؤلمة، صرت أتعمَّد النُّعاس على الرَّغم من أَنِّي لا أعرف النَّوم، أعيش في توهان وألم، وفوق كُلِّ هٰذا فراغ وَوَحدة قاتلة، أشعر بفراغ من الأَعماق، أحتاج من يشعر بي، بسجني، بآهاتي، أحتاج إلى البشر قبل كُلِّ شَيْءٍ، فَالجنَّة الخالية مِن البشر لا تداس ولا يطاق فيها العيش، تلكَ الجنَّة، فما بالك السجن الَّذي أعيش فيه!

بعد مُدَّة استطعت الحصول على هاتف قديم "غبي"، ورقم خاصٍّ بي، أرسله إلي أبي بعد استشارة الـمحامي بِذٰلِكَ، وَاستطعت مِن خلاله التَّواصل عبر الصَّوت مع مَن أحبُّهم وأشتاق إليهم، عساني أبدِّد بمحادثتي معهم ولو لدقائق  ثِقَلَ هٰذا الاِعتقال وأخفِّفَ شيئاً مِن معاناته، إِلَّا أَنَّ الكلام عبر الهاتف لم يعوِّض حاجتي لمقابلة النَّاس وجهًا لوجه. أوَّل من اتَّصلت به كان أمِّي وأبي، وبعدها اتَّصلت مع صديقتي سميرة رفيقتي في التَّصوير، بعدما تعلَّمت منِّي حبَّ  هٰذِهِ الهواية. حدَّثتها عن شوقي لملامسة الكاميرا، عن اشتياقي للخروج لساعات وأنا أصوِّر. في نهاية المكالمة وعدتني بزيارة قريبة. وأخيرًا اتَّصلت بصديقتي المغنِّية الَّتي أمضيت كلَّ اللَّيالي في اعتقالي هٰذا أستمع إلى صوتها من أجل الهروب من صوت الكوابيس، صوتها بدا مندهشًا مع سماع صوتي. "دارين؟ هل هٰذِهِ أنت؟ نعم أجبتها، نعم أنا هي دارين، وركضت تجاه مشغِّل الموسيقى ورفعت الصَّوت عاليًا، صوتك يرافقني في كلِّ اللَّحظات في اعتقالي، هل تعرفين حقًّا، أنت لم تفارقينني للحظة رغم البعد والمسافات، لا تتوقَّفي عن الغناء، استمرِّي ببثِّ هٰذا الصَّوت. جاءني صوتها وهي تقول لي مجيبة: "دارين... أنا أحبُّك كثيرًا وسعيدة جِدًّا بوجودك الآن في البيت، لٰكِنْ أنا آسفة، أعذريني... لا أستطيع أن أبقى معك بتواصل، لا أستطيع التَّحدُّث إليك والكلام معك، لا تتَّصلي بي مَرَّةً أخرى، لا أريد لعلاقتنا أن تستمرَّ أكثر".  سقطت كلماتها عليَّ كالجبل الثَّقيل، لم أعد قادرة على أخذ نَفَسي، رميت نفسي على السَّرير، رميت الهاتف على الأرض بعيدًا عنِّي، وصدى  صداقة الثَّماني سنوات،  لم نفترق عن بعضنا للحظة، تضرب بسرعة في رأسي، نظرت إلى صورنا مع بعض والَّتي أخذتها من غرفتي، أردت أن أمزّقها ولٰكنَّني لم أستطع. ما زلت أحبُّها ولٰكنَّني مصدومة. بكيت كثيرًا. بكيت وبكيت وبكيت. غطَّيت نفسي بغطاء السَّرير وبقيت لثلاثة أيام متتالية، لم  أستطع فيها لا الأكل ولا الشُّرب أو حَتَّى أن أغادر الفراش. 

صرت ضعيفة وأبحث عن الخلاص بأيِّ ثمن كان، ولكن بدون التَّنازل عن الكتابة والشِّعر، أسأل أين حبل النَّجاة، وأين رحمة الله بي، وأتساءل: ماذا قد فعلت لأعاقَبَ عليه مِن هٰذِهِ الحياة الَّتي ظلمتني كثيرًا ولا تزال؟ملايين الأَسئلة تهرول في دِماغي ولا يصل سؤال منها إلى جواب!.

واحدة فقط كانت شاهدة عيان على تفاصيل معاناتي هٰذِهِ مِن الإِقامة الجبريَّة في هٰذِهِ الشُّقَّة مع أخي وخطيبته، وكانت الوحيدة الَّتي استطعت رؤيتها برغم الحصار الـمفروض عليَّ مِن قِبَلِهما ومِن قِبَل السُّلطات الإِسرائيليَّة، بعد أن توصَّلت شاهدة العيان هذه إلى اتِّفاق مع أخي، وبعد حديث ونقاش طويل،  بأن تزورني أَيَّام الجمعة أو السَّبت من كُلِّ أسبوع، وهو الوقت الَّذي لا تتواجد فيه خطيبته في البيت. وشاهدة العيان هذه هي عوفرا يشوعا لايت، التي أصبحت لِيَ بمثابة الأُمَّ وَالأخت والصَّديقة والرَّفيقة، وحضورها عندي يُعَوّضني عن غياب كُلِّ البشر، حَتَّى إِنَّها هي مَن تطوَّعت لأن تأخذني وتعيدني، مِن وإلى جلسات الـمحاكم بسيَّارتها، وطبعًا بصحبة أخي.

16/04/2016 هو ذكرى يوم ميلادي، لأوَّل مَرَّة في حياتي أقضي هٰذا اليوم مع هٰذِهِ الـمعاناة وحدي، كنت سابقاً في يوم كهذا أخرج إِمَّا برفقة أربع من صديقاتي الـمقرَّبات جِدًّا في رحلة بين أحضان الطَّبيعة لنحتفل معاً، أو أخرج وحدي بصحبة كاميراتي لأقضي اليوم تصويراً في عكَّا وَالبحر، لم أستطع أن أفعل شيئًا مِمَّا أحبُّ فعله في يومي هٰذا، فصديقاتي لسن معي ولن يكُنَّ، وَكَذٰلِكَ خروجي أصبح تحقيقه مستحيلاً، أمسكت ورقة وقلم رصاص وحاولت الكتابة، إِلَّا أَنَّني لم أستطع أن أحرِّر مشاعري بِالكتابة، فجأة بدأت أصابعي تتحرَّك مع القلم في شخبطات عفويَّة، أفضت عن رسمة تعبِّر عن مشاعري في لحظات الوَحدة وَالفُقدان الَّتي أعيشها، تفاجأت من نفسي حين رسمت، ولو لم تكن الرسمة بين يديَّ لما صدَّقت أنني مَن رَسَمَها حقًّا!

منذ كان عمري 7 سنوات، أحببت الرَّسم وكنت دائمًا أرسم صورة لطفلة محبوسة، ومحاطة بمربَّعات ومستطيلات كثيرة، أو أكتب اسمي في مربَّع وكأنَّني محاصرة بشيء ما لا أعرفه، رُبَّما هو الخوف من الاِعتداءات الَّتي كنت أعيشها وأعاني منها آنذاك، وأذكر أيضًا أَنَّ معلِّمة الفنون طلبت مِنِّي ذات يومٍ في اختبار مادة الرسم أن أرسم رسمة تعبِّر عن فصل الشِّتاء، وكانت رسمتي تشبه هٰذِهِ الَّتي أمامي الآن، وَلٰكِنْ بمعالم أكثر طفوليَّة وحين رأتها هٰذِهِ الـمعلِّمة وتأمَّلتها قالت لي بقسوة:

هاي مش رسمة هاي هَبَل.

ثُمَّ أمسكت الورقة ومزَّقتها وصرخت بوجهي صرخة حادة، أشعرتني بخوف شديد، ثُمَّ صفعتني على وجهي صفعة آلمتني كثيراً، جعلتني أبكي ثُمَّ أعطتني ورقة جديدة وطلبت مِنِّي الرَّسم مُجَدَّداً، لا أذكر ماذا حصل بعد هٰذا، لا أعلم إن كنت رسمت شيئًا آخر أم لا، وَلٰكِنْ ما أذكره جيِّداً أَنَّني أصبحت أخاف جِدّاً من حصَّة الرَّسم ومن الـمعلِّمة، ولم تعد علبة الأَلوان تستهوي طفولتي فقد كرهت الرَّسم كثيراً. وأذكر أيضاً في تلك الفترة أَنَّ أبي ضربني بِالحزام الحديدي وأمِّي ضربتني بِالعصا بسبب انخفاض درجاتي، بعد أن حبساني في غرفتي ومنعا خروجي منها، كان ذٰلِكَ في الفصل الثَّاني من هٰذِهِ السَّنة ولا زالت كلماتُ أمُّي عالقة في رأسي وهي تضربني وتقول لي:

حَتَّى بالرَّسم مش نافعة.

ومن يومها لا أذكر أَنَّني أمسكت ألوانًا ورسمت شيئًا، إلى أن جاء هٰذا اليوم الَّذي أنا فيه، ولا أعلم من أين جاءتني القدرة على الرَّسم مُجَدَّدًا وفي هٰذا اليوم بالذَّات، مع مشاعر الفقد وَالحرمان وَالوجع الَّتي تنتابني!

في هٰذا اليوم ومع هٰذِهِ الرَّسمة أشعر أَنَّني ولدت من جديد، وولدتْ معي مشاعر تحدٍّ جديدة وتحرَّرت من ذكريات ماضٍ كانت تجثم على قلبي وتلدغه مَرَّات وَمَرَّات بِسُمِّ الوجع، في هٰذا اليوم اكتشفت قدرتي على التَّعبير عن نفسي من خلال الرَّسم أيضًا وليس فقط بِالكتابة، ووجدت لي أنيسًا جديدًا يمنحني شعورًا ببعض الحرِّيَّة الَّتي أحتاج، وسط هٰذِهِ الوحدة الَّتي أعانيها في هٰذا الاِعتقال /المنفى حَيثُ أصبح الرَّسم أيضًا وسيلة إيجابيَّة أفرغ بها غضبي وقلقي ووجعي، ومع الأَيَّام تطوَّرت طرق الرَّسم وأساليبه وأدواته، مِن قلم رصاص إلى ألوان خشبيَّة إلى باستيل إلى ألوان زيتيَّة، حَتَّى  وصل بي الأَمر إلى رسم لوحات بدهان الأكريليك.

السَّاعة السَّادسة مساءً، وجهي أشدُّ صفرة مِن حبَّة ليمون، ألم شديد في أحشائي يمزِّقني، صداع في رأسي، وآلام أخرى لا أستطيع احتمالها في كُلِّ أنحاء جسدي، أرتجف، ترتفع حرارتي، دوار  وشعور بِالغثيان، هزيلة ضعيفة لا أقوى على التَّحرك والإتيان بأي مجهود، وأعاني من تقيُّؤ مستمرٍّ لا يتوقَّف، يجب عليَّ التَّوجه للمستشفى لتلقِّي العلاج ولا أستطيع، فعليَّ أن أتَّصل بخدمات السُّجون الإِسرائيليَّة وشركة الحراسة، ليفتحوا لي نافذة للخروج من البيت حَتَّى لا يُسَجَّل خروجي كَانتهاك لبنود وشروط الإِقامة الجبريَّة.

بمساعدة أخي وخطيبته اتَّصلنا بهم، قدَّمنا لهم شرحًا مفصَّلًا لما أعاني منه، وكان ردُّهُم الوحيد والقاطع، أنّه ممنوع خروجي إلى المستشفى لتلقِّي العلاج بسيَّارة خصوصيَّة، وإن كنت أحتاج إلى العلاج في الـمستشفى فعليَّ طلب سيَّارة الإِسعاف فقط. عارضنا هٰذا الرَّدَّ ووضَّحنا أَنَّنا نملك سيَّارة ولا حاجة لدفْع أجرة سيَّارة الإِسعاف، وبعد ساعة من الحديث والنِّقاش مع الـمكتب وَالألم يزداد خلالها في جسدي، تلقَّينا ردًّا آخر منهم، وهو طلب طبيبٍ خاصٍّ إلى البيت، وإن أقرَّ الطَّبيب نقلي سيوافقون على ذهابي إلى المستشفى! لم يكن بوسعنا إِلَّا القبول بهٰذا العرض، فصحَّتي تزداد سوءًا وأحتاج علاجًا.

تمرُّ ثلاث ساعات لتصل الطَّبيبة إلى البيت، تفحص السُّكَّر والضَّغط فتجدهما منخفضين جِدًّا، تقيس حرارتي تجدها مرتفعة، تسألني عن ماهيَّة الآلام الَّتي أشعر بها، أشرح لها ما يدور في أحشائي من عراك مؤلم، وفي الحال تكتب مكتوبًا بضرورة نقلي إلى المستشفى لأتلقَّى العلاج وَالقيام ببعض الفحوصات.

عاودنا الاتِّصال بمكتب إدارة السُّجون، شرحنا أَنَّنا نملك مستندًا من الطَّبيب وتأشيرة منه لضرورة إحالتي إلى المستشفى، يطلبون منَّا إرسال الورقة وتحويلها عبر الفاكس لهم! لا يوجد فاكس في البيت، اِقترح أخي إرسال التَّأشيرة إليهم عبر الواتس أب فرفضوا أيضًا، وبعد نصف ساعة من الأَخذ والرَّدِّ والنِّقاش معهم، سمحوا بخروجي شرط أن نرسل لهم هٰذِهِ الورقة من الـمستشفى فور وصولنا، بِالإضافة إلى ورقة أخرى من الـمستشفى تبيِّن ساعة دخوليَ القسم، وَكَذٰلِكَ الأَمر بعد تلقِّي العلاج نرسل ورقة أخرى تبيّن وقت انتهاء علاجي وخروجي من الـمستشفى. عند لحظة خروجنا من الشُّقَّة المستأجرة، كانت سيَّارة شرطة تنتظرنا بجانب مدخل البيت، ما إن تحرَّكنا بسيَّارتنا حَتَّى تحرَّكت الأخرى وراءنا. عند وصولنا إلى المستشفى، كان بعض من رجال الشُّرطة قد انتظرونا هناك أيضًا، وكانوا يلحقوننا لكلِّ مكان نذهب إليه. فجأة  احتجت لاستعمال الحمَّام ، وحتَّى لا أُتَّهم بنقض شروط الاعتقال، دخلت خطيبة أخي معي إلى الحمَّام وانتظرتني عند بابه.

أمضيت اللَّيلة كلَّها في الـمستشفى، تلقَّيت علاجًا يناسب حالتي، وأرسلتُ إليهم كل المستندات التي سبَقَ وأن طلبوها منِّي.

بعد مرور خمسة شهور على إقامتي الجبريَّة، وفي 13 من أيَّار عام 2016، وافقت النِّيابة وصادق قاضي الـمحكمة على تسهيلات لإقامتي الجبريَّة، فمنحوني ستَّ ساعات أسبوعيَّة للخروج لأجل التَّهوية والتَّنفس، وَلٰكِنْ برفقة أحد الحارسين! وقد سُمِح لي بِالخروج كُلَّ يوم خميس وجمعة وسبت، من السَّاعة الخامسة حَتَّى السَّابعة مساءً.

تظلُّ الإِقامة الجبريَّة وَالحبس الـمنزلي، كالحال الذي أنا فيه، مسألة معقَّدة وأقسى من السِّجن الفعلي، بظروفها ونظامها وتعمل بشكل جيِّد في خدمة السُّلطات الإِسرائيليَّة، وخدمة السُّجون، لكسر الإِنسان الفلسطيني وقتل العزيمة داخله. فَالجهتان المعنيّتان بها تُعانيان وتعاقبان معًا، اَلـمتَّهم وَالعائلة، هي نموذج جليّ لسياسة العقاب الجماعي ليس فقط بِالاِعتقال، وَإِنَّما بممارسة الضُّغوط الـماليَّة والنَّفسيَّة عليهما بِالإضافة إلى الضَّغط على التَّرابط العائلي ككلٍّ من خلال هٰذِهِ الـممارسات، وكم كنت حريصة على عدم تحقيق ما تهدف إليه السُّلطات الإِسرائيليَّة بحبسي هٰذا، وَلٰكِنَّ الظُّروف الَّتي أعيشها كانت كثيرًا ما تحبطني وتضعفني فأنا بَشَرٌ أيضًا، ومشاعري قابلة للتأثُّرِ بأَيِّ تغيير يطرأ على نفسيَّتي، وإن أقول إِنَّني أعاني وعانيت فهذا ليس ضعفًا مِنِّي إِنَّمـا هشاشة الفحم الإنسانيَّ قبْل تحَوّله تحت ضغط المُعاناة إلى ماسٍ صلْبٍ  ناصِعٍ مُشِعّ.

تعبت كثيرًا من هٰذِهِ الفترة، تهرأت أعصابي وتردّت صحَّتي، ووضعي النفسي أسوأ بكثير مما كان عليه في أَيِّ فترة سابقة مِن مراحل هٰذا الاِعتقال. كثيرًا ماراودني شعور النَّدم على قبولي بِالخروج إلى الحبس الـمنزلي بدلًا من السِّجْن، وكثيرًا ما بكيت وحدي على الرغم مِن أَنَّني لم أبكِ ولم أضعف طوال فترة السِّجْن الفعلي ولم تنزل لي دمعة واحدة، وكثيرًا ما فكَّرت بِالعودة إلى السِّجْن الفعلي لأقلِّص هٰذِهِ الـمعاناة، فشعور الوَحدة وخيبات الأَمل الَّتي تلقَّيتها مِمَّنْ يحيطونني كان قاتلاً وهادماً، وَلٰكِنْ عدت وضغطت مُجَدَّداً على مقبس أوجاعي وآثرت الصُّمود وَالاِستمرار، ودومًا كانت الكتابة هي دوائي الشّافي وَالوحيد من كُلِّ هٰذِهِ الاِنكسارات.

لا أحد يتفهَّم صعوبة الحبس الـمنزلي إِلَّا من جرَّبه. كثيرون تعاملوا مع الأَمر على أَنَّهُ طبيعي بِاعتبار أَنَّني أقضي الحكم مع أسرتي! وَلٰكِنَّ السُّؤال الَّذي كنت أسأله كثيراً لنفسي حين أسمع هٰذا الكلام، أَيُّ أسرة هٰذِهِ في هٰذا الـمنفى الَّذي أحياه؟ إِنَّها عقوبة أشدُّ عناء من السِّجن الفعلي، وَإِنَّهُ مجرَّد إجراء تعسُّفي وسياسي عنصري، يهدف إِلى إطالة العقوبة وَمُدَّة الحكم ضدِّي.

إِنَّ الإِقامة الجبريَّة في حالتي، كمن يحدِّد العيش لعصفور على شجرة، بعد أن أخرجوه من قفص حديدي ووضعوه عليها، هي شجرة مغلَّفة بزجاج شفَّاف يحيطها من كل الجهات، تظهر من خلاله حديقة واسعة وأفق مفتوح، لٰكِنْ حينمـا يحاول التَّحليق يرتطم بِالـمحيط الزَّجاجي فيدرك أن لا شيء تغيّر غير شكل القفص.

في الوقت الَّذي كنت فيه أتمزَّق وأعاني أكثر، كانت قضيَّتي تزداد انتشاراً وتتَّسع رقعتها، لتتخطَّى حدود المكان والزَّمان الَّذي أعيشه، وهكذا تمكنت قصيدتي الـمُتَّهمة بالتَّحريض مثلي، من عبور  حدود هٰذا السِّجن فتُرْجِمَت إلى عدَّة لغات مختلفة وَانتشرت، بِالإضافة إلى قصائد أخرى من ديواني «اَلغزو الأَخيـر» الَّذي خرج إلى النُّور عام 2010، فكُلَّما زادت معاناتي في سجني انطلق شعري نحو الخارج أكثر، وَهٰذا ما كان يزيد عزمي وإصراري على الصُّمود ومقاومة كُلِّ الظُّروف الَّتي أعانيها وعلى الصَّبر أكثر، صحيح أَنَّني أدفع الثَّمن غاليًا، مقابل علاقتي بالشِّعر وَالكتابة والدِّفاع عن وجودهما في حياتي، وَلٰكِنْ هٰذه العلاقة تستحقُّ أن تُشْتَرى بكُلَّ هٰذا العناء، لِأَنَّهُا الأَهم في حياتي.

نعم استطاعت السُّلطات الإِسرائيليَّة سجن جسدي وزجِّي في اعتقال مليء بِالقيود، وَلٰكِنَّهُمْ لم يقدروا على سجن روحي الشَّاعرة، لم يستطيعوا سجن أفكاري وقصائدي، سجنت أنا جسدًا وتحرَّرت هي فعلًا من كُلِّ القيود وخرجت على الصَّمت، وأصبح لها صدى ليس محلِّيًّا فحسب إِنَّما عالميًّا، فَكُلَّمـا اشتدَّت القيود على كُلِّ شيء فيَّ شعرت أَنَّني حرَّة أكثر من أَيِّ فترة مضت، وما أسعدني بهٰذِهِ الحرِّيَّة.

أمسيات تضامنيَّة عديدة وتظاهرات ترفض اعتقالي، أقيمت لمساندة قضيَّتي ودعمها أمام السُّلطات الإِسرائيليَّة في البلاد وخارجها، كان أبرزها في يافا وحيفا، نيويورك وواشنطن، قُرئت قصائدي فيها بعد أن ترجمت إلى العبريَّة وَالإنجليزيَّة ولغات أخرى.

مع كُلِّ هٰذِهِ الـمشاعر وَالأخبار الَّتي كانت تتوافد عليَّ عن طريق عوفرا ويوآﭪ، بدأتُ أتأقلم مع الوضع وإن كان تأقلمًا سلبيًّا، مُحاوِلةً قدر استطاعتي إقناع نفسي أَنَّ البيت هو مكاني الطَّبيعي وليس السِّجْن، وَأَنَّني سأتمكَّن من الخروج والتَّحرر قريبًا من كُلِّ هٰذِهِ القيود بعد انتهاء الحكم، وأكمل الـمسير في طريق حياتي، لتحقيق أحلامي مع الكتابة والشِّعر والتَّصوير والتَّعليم، وَأَنَّني في سبيل تحقيق أحلامي والنَّجاح يجب أن أعاني، ولكي يصبح لهٰذِهِ الأَحلام والنَّجاحات طعمٌ حقيقيٌّ أبقى أستلذُّ به إلى الأبد، عليَّ أن أعيش الـمأساة وأتغلَّب عليها، فَالإبداع الحقيقي يخرج من عمق الأَلم، هٰكَذا علَّمتني حياتي في كُلِّ الفترات الَّتي مررت بها، ومع كُلِّ التَّحدِّيات الَّتي واجهتها منذ كنت في السَّابعة من عمري حَتَّى هٰذِهِ اللَّحظة.

كان هٰذا التَّضامن، وإن كنت فقط أسمع عنه، ولا أعيشه واقعاً ولا أراه بأمِّ عيني، هو الـمحفِّز الثَّاني لي بعد الكتابة، من أجل مواصلة طريق التَّحدِّي والنِّضال وَالـمقاومة الَّذي اخترته بنفسي ولنفسي.

أَمَّا دعم ومتابعة الأَحزاب السِّياسيَّة في الـمجتمع العربي لي في هٰذِهِ الفترة، فكان مرتبطاً بشكل كبير وأساسي مع كوادر وشباب وقادة حزب التَّجمُّع الوطني الدِّيمقراطي، خصوصاً النَّائبين حنين زعبي وباسل غطَّاس اللَّذَيْنِ تابعا وواكبا مستجدَّات قضيَّتي عن كثب، كانا يتَّصلان بي طوال الوقت ويطمئنَّان على أحوالي وظروفي، ويحضران جلسات الـمحاكم الـمستمرَّة، وكذلك بعض النُّشطاء في حركة أبناء البلد، ومُحَمَّد بركة رئيس لجنة الـمتابعة، وَقليلون جِدًّا من ناشطي حزب الجبهة الدِّيمقراطيَّة، كما بادر النَّائب يوسف جبَّارين بِالاِتِّصال بي مرتين طوال هٰذِهِ الفترة، أَمَّا بقيَّة عناصر القائمة الـمشتركة فلم أسمع منهم حرفًا، في الوقت الَّذي كنت أسمعهم فيه يطلقون الخطابات الرَّنانة لدعم الأَسرى وقضيَّتنا!

ستَّة وتسعون يومًا أمضيتها في السِّجْن تسبَّبت بقلب موازين حياتي، وستَّة شهور أخرى في الإِقامة الجبريَّة وَالـمنفى في تل أبيب، عرَفت بها معنى القسوة وَالوَحدة وَالفراق والتَّحدي.

ستَّة شهور مضت ولم ألتق خلالها بأهلي ولا بصديقتي الـمقرَّبة سميرة جمعات إِلَّا مَرَّة واحدة فقط، أَمَّا عوفرا فهي الوحيدة الَّتي استطعت رؤيتها كُلَّ يوم سبت من كُلِّ أسبوع، وكنت أنتظرها دوماً بشوق وحبٍّ وأمل.