![]() | ![]() |
اِستمرَّت جلسات محاكمتي، وبدأت القضيَّة بمرحلة الاِستماع لشهود النِّيابة، وهٰؤُلاءِ الشُّهود هُم الـمحقِّقون الَّذينَ حقَّقوا معي والضَّابط الَّذي ترجم قصيدتي إلى العبريَّة، أَمَّا الـمفاجأة غير الـمتوقَّعة فكانت استدعاء أخي الأَصغر أحمد، وصديقتي الـمقرَّبة سميرة جمعات لتقديم شهادتهما ضدِّي، كونهما أيضاً صديقين لي في الفيس بوك وصديق آخر قام بتنظيم أمسية شعريَّة في ذكرى مجزرة كفر قاسم، ودعاني لألقي فيها قصائدي، ما أن بدأتْ جلسات الاِستماع حَتَّى تحوَّلت الشَّهادات كلُّها إلى مسرحيَّة كوميديَّة، ضحك معها كُلُّ من كان في القاعة وحضر الجلسة وسمع تحقيق النِّيابة معهم.
مترجم القصيدة، لم أقابله قبل هٰذِهِ اللَّحظة الَّتي طلبتْ منه الـمُدَّعِيَة الصُّعودَ إلى منصَّة الشَّهادة، كان ضابطًا خدم في محطَّة شرطة النَّاصرة ثلاثين عامًا، وكان يجيب على أسئلة الـمُدَّعِيَة بخوف وَارتباك، بدا غير واثق من نفسه، ليعترف من تلقاء نفسه بأَنَّهُ لأوَّل مرة يقوم بترجمة نصٍّ شعري مِن اللُّغَة العربيَّة إلى اللُّغَة العبريَّة، وَأَنَّ التَّرجمة ليست مهنته، وَأَنَّ الاِختيار وقع عليه لترجمة القصيدة فقط لِأَنَّهُ محبٌّ للُّغة العربيَّة، وتعلَّم حَتَّى الصَّفِّ الثَّاني عشر هٰذِهِ اللُّغَة! وأضاف أَنَّهُ خلال ترجمته للقصيدة، وقع في بعض الأَخطاء الظَّاهرة له الآن وَالَّتي لم ينتبه لها من قبل، وَأَنَّ هٰذِهِ الأَخطاء سقطت سهواً منه! فقد نسي ترجمة سطر بأكمله سهواً! وهناك كلمة كتبها بطريقة خاطئة دون قصد منه! وَأَنَّ هناك كلمات تضمنتها هٰذِهِ التَّرجمة مِن جرّاءِ بعض الأَخطاء الـمطبعيَّة وَالإملائيَّة التي لم يقصدها أيضاً! وَأَنَّ بعض الكلمات تداخلت ببعضها فجهل هو نفسُهُ معناها الحقيقي ولم يستطع الوصول إلى مكنون القصد من ذكرها في القصيدة، فكتبها كما هي بِالعربيَّة وَلٰكِنْ بحروف عبريَّة!
هل حقًّا كان يترجم القصيدة أم تراه كان يكتب رسالة واتس آب لأحد أصدقائه في محادثة ألكترونيَّة «تشات»؟ هٰذا السُّؤال الَّذي سألته لنفسي كثيرًا، وأنا أضحك مِمَّا أراه وأسمعه أمام عينيّ!
اِنتهت جلسات شهود النِّيابة، وقدَّم الـمحامي أخيرًا طلبًا لإكمال فترة إقامتي الجبريَّة في بيتي في الرِّينة، وَاستمر الدَّعم لقضيتي بالتَّوسع حَتَّى قام 250 شخصيَّة، بينهم أدباء وشعراء معروفون، فنَّانون وشخصيَّات ثقافيَّة أخرى، ومنهم أيضًا من الحائزين على جائزة «بوليتيزر» بنشر رسالة مفتوحة تطالب بإطلاق سراحي، وبين الـموقِّعين كان: نعوم تشومسكي، نعومي كلاين، دايف إيجرز، أليس ووكر، كاترين شولتس، وريتشارد فولك، جاكلين وودسون، كلاوديا رانكين، كيم جانسون...وَالمئات من توقيعات النُّشطاء وَالمتضامنين مع قضيَّتي، حَتَّى وصل عددها لأكثر من 7000 توقيع، من البلاد ومن كُلِّ دول العالم ومن شَتَّى الـمناطق.
هٰذِهِ الرِّسالة الـموقَّعة من هٰذِهِ الشَّخصيَّات، وهٰذا الكمُّ الهائل من الدَّعم وَالـمساندة، بعثت في قلبي آمالًا كثيرة، وكان لها تأثيرٌ كبيرٌ عليَّ وعلى مشاعري، بعدها بفترة قصيرة وغبّ أن انتهت جلسات الـمحاكم الـمخصَّصة لسماع شهود النِّيابة وفي 26 تموز 2016، قبلتْ الـمحكمة طلب الـمحامي بنقل إقامتي الجبريَّة من كريات أونو إلى بيتي في الرِّينة، حيث لم يعد بمقدوري الصُّمود أكثر، وقرَّرتُ عدم العودة إلى الـمنفى في تل أبيب بأيِّ ثمن، حَتَّى لو كان بعودتي للسِّجن مَرَّة أخرى، وَهٰذا ما حصل فعلاً، حيث اضطررتُ أن أمكث ليلة في سجن الجلمة برغم أَنَّ الـمحكمة وافقت على الطَّلب، انتهت الجلسة عند السَّاعة الرَّابعة عصرًا وقام القاضي بتعيين جلسة أخرى ليوم غدٍ، عند السَّاعة التَّاسعة صباحًا، فبعد تحقيق طويل مع كلِّ أفراد عائلتي وتعيينهم كأوصياء جدد عليَّ، وقَّعت الأوراق ودفعت الكفالات المطلوبة. وَلٰكِنْ تأخير إصدار بعض الأَوراق مِن قِبَلِ شركة الحراسة وَالأمن التَّابعة لجهاز القيد الأَلكتروني مِن جهة، وتقصيراً مِن الـمحامي من جهة أخرى، عطَّل إتمام ذٰلِكَ في الوقت الـذي حدَّدَهُ قاضي الـمحكمة، وذلك ما جعلني أعود إلى السِّجن حَتَّى يتمَّ إرسال كُلِّ الأَوراق كما يجب.
قضيت هٰذِهِ اللَّيلة الدِّراماتيَّة في الجلمة مع إحدى أسيرات سجن الشَّارون، حيث كانت تقضي ليلتها في الـمعبر بِانتظار محكتمها في اليوم التَّالي، لم أشعر بِالوقت أبدًا، بل على العكس، كانت ليلة مثيرة ومليئة بِالمشاعر وَالكلمات وَالمحادثات والنِّقاشات معها، فتحدَّثنا مع بعضنا طوال اللَّيلة عن كُلِّ أمور السِّجْن وظروفه وَالمستجدَّات، وأخبار الأَسيرات عامَّة وعن مسار يّ قضيَّتها وقضيَّتي، وفي الصَّباح ودَّعْتُها، وبعد التَّفتيش من قبل السَّجَّانة نُقِلْتُ بسيَّارة البوسطة إلى سجن الدَّامون. اعتقدت أَنَّني متوجِّهة إلى المحكمة إِلَّا أَنَّ ذٰلِكَ لم يحصل، ولأُفاجأ بوجودي في سجن الدَّامون، حين سألت عن الموضوع قيل لي إِنَّ الجلسة تمَّ إلغاؤها، الملفَّات ما زالت غير جاهزة، إدارة سجن الدَّامون رفضت إدخالي لقسم الأسيرات، لم يعرفوا كيف يتصرَّفون بحالتي، مع أنَّني وفي نفسي تمنَّيت أن يحصل ذٰلِكَ وأن يتمَّ إدخالي إلى القسم لأطمئنَّ على صديقاتي الأسيرات، وبسبب وجود لائحة اتِّهام ضدِّي لا يمكن إبقائي أيضًا في معتقل الجلمة، كوني لست موقوفة حسب القانون، انتظرت قرابة السَّاعة في زنزانة صغيرة، بعد ذٰلِكَ أخذوني إلى مكتب الضَّابط المسؤول عن استقبال الأسرى والأسيرات، تعرَّف عليَّ فورًا بعد أن تذكَّرني، قرأ أوراقي وسألني وهو يقلب في أوراقي: "ما الَّذي تفعلينه هنا؟" "لماذا أحضروكِ إلى هنا؟" ثمَّ طلب من السَّجَّانة أن تفكَّ قيودي، وجعلني أوقِّع على ورقة الإفراج عنِّي. وقال لي: "أنت مفرج عنك، يمنع علينا أن نبقيك هنا في السِّجن. هل معك مال لتعودي إلى البيت؟ هل يوجد معك هاتف؟ اتَّصلي بأهلكِ ليأتوا ويأخذوك". ابتسمت وقلت له: "من أين سيأتيني الهاتف؟ لقد جئت من معتقل الجلمة؟ منذ متى تسمحون للمعتقلين أن يحملوا الهواتف؟" أخذ منِّي رقم هاتف أخي، الرَّقم الوحيد الَّذي أحفظه عن ظهر قلب، اتَّصل به وأخبره أنَّني مفرج عنِّي وأنَّ باستطاعتم أن يأتوا ويأخذوني. فتح بوَّابة السِّجن الرَّئيسيَّة لي وطلب مني الانتظار بالخارج حَتَّى مجيء أهلي.
خرجت، ووقفت بجانب مدخل السِّجن، أنظر لكلِّ ما يحيطني، رأيت قفص الكلاب الخاصَّة بمصلحة السُّجون بعيدة بعض الأمتار منِّي، عرفت الآن فقط مصدر أصوات النُّباح الَّتي كنت أسمعها والأسيرات ونحن في زنازين القسم، نظرت بعيدًا فرأيت لوحة كتب عليها "صالة أفراح"، فورًا اكتشفت أيضًا أنَّه كان المصدر لسماعنا أغاني في اللَّيل تتسلَّل من بعيد إلى آذاننا ونحن في الزَّنزانة، في الأفق رأيت جبل الكرمل مليئًا بالأشجار الخضراء. كنَّا نعلم دائمًا أنَّه موجود حولنا، لٰكنَّنا لم نتمكَّن من رؤيته أبدًا. كان القيد الألكتروني لا يزال على ساقي. ما مدى سخافة هٰذا النِّظام ، يقولون إنَّني خطيرة، سجنوني في اعتقال بيتي ولم يتركوني لحظة واحدة مع نفسي دون رقابة، والآن أطلقوا سراحي فجأة إلى الشَّارع وأنا وحدي! مشيت بقلق ذهابًا وإيابًا بالقرب من البوَّابة، وأنا أتساءل عمَّا إذا كانوا يخفون من وراء هٰذا التَّصرف فخًّا خبيثًا ويريدون إيقاعي فيه.
وصل والدي وأخي، وركبت السَّيَّارة، باتِّجاه المنزل. عندما وصلنا، تلقى أخي مكالمة هاتفيَّة من الشَّركة المسؤولة عن القيد الإلكتروني ومن مصلحة السُّجون أيضًا. وبالرَّغم من أنَّهم أعلنوا مسبقًا أنَّهم هم من سيقومون بأحذ القطعة الثَّانية من القيد الألكتروني الموجودة في كريات أونو، إِلَّا أنَّهم الآن غيَّروا رأيهم فجأة، أصرُّوا الآن على ضرورة السَّفر إلى هناك وإحضار القطعة إلى بيتي في الرِّينة، حيث سأقضي بقيَّة المدَّة في اعتقال بيتي. ومن ثمَّ يقومون هم بإرسال مندوب من الشَّركة لتفعيلها وتحديد تحركاتي وحصرها على حسب حدود المنزل. تمَّ قطع الاتِّصال بالإنترنت عن البيت وتوصيل القيد الألكتروني إلى الشَّركة ومجدَّدًا ها أنا ممنوعة من تجاوز المساحة المسموح لي بها، هٰكَذا منعت من قطف حبَّة اللَّيمون عن شجرة في حديقة منزلنا. هٰكَذا تَمَّ إطلاق سراحي من سجن الدامون، بعد أن تمَّت عمليَّة تسليم الأَوراق وبذات الشُّروط الـمقيِّدة، وَلٰكِنْ بتغيير الـمكان فقط.
أخيراً أنا في غرفتي، وَمُجَدَّداً مع القطَّتين كادي وسيمبا، ومع أسرتي، أخيراً وبعد كُلِّ هٰذِهِ الـمعاناة والصَّبر أصبح بإمكاني أن ألتقي الآخرين وأستقبل الزَّائرين، وأتحدَّث مع النَّاس بحرِّيَّة، أصبح بإمكاني أخيراً أن أمارس أبسط حقٍّ لي في هٰذا الاِعتقال، وأن أعيش وأبادل النَّاس الـمشاعر وأتحدَّث معهم بحرِّيَّة مطلقة.
عِدَّةَ أسباب جعلتني أصل مُجَدَّدًا إلى طريق مسدودة مع محامي الدِّفاع الَّذي يترافع عني، فبعد تراكم الأَخطاء لم يعد بوسعي التَّغاضي أكثر، وكان الخطأ الأَعظم الَّذي قصم صبري وفكَّكه، عندما تَمَّ تأجيل جلسة سماع شهادتي الَّتي كنت أنتظرها بفارغ الصَّبر لشهور إضافيَّة أخرى، لم أستطع تحمُّل أَنَّ خطأ تافهاً جِدًّا كهٰذا تسبَّب بتأجيل هٰذِهِ الجلسة، والَّذي كلَّفني ثلاثة شهور إضافيَّة من الاِعتقال البيتي، عندها قرَّرت قراراً نهائيّاً تغيير الـمحامي.
بدأتُ مرحلة البحث عن محامٍ جديد، وأصررت هٰذِهِ الـمَرَّة على أن تكون محامية، أصررت على أَنَّني لن أقبل إِلَّا بِامرأة تدافع عَنِّي، وبعد الاِستشارة ومساعدة عوفرا وأخي بهٰذا الشَّأن استطعتُ الوصول إلى الـمحامية جابي لاسكي[15]الـمختصَّة بقضايا حرِّيَّة التَّعبير عن الرَّأي وحقوق الإِنسان، وبعد الحديث معها وَاطِّلاعها على كُلِّ أوراق قضيَّتي وَاقتناعها بِها سلَّمت لها ملفَّ القضيَّة باقتناع تامّ وبقرار شخصي، لم أترك لأحد التَّدخل به هٰذِهِ الـمَرَّة، برغم معارضة الكثيرين في العائلة لاتِّخاذي هٰذا القرار، كان من ضمنهم أبي الَّذي كان متمسِّكًا جِدّاً بِالـمحامي السَّابق.
بسبب أنَّني ممنوعة عن الخروج من البيت، في شهر آب جاءت محاميتي الجديدة جابي لاسكي لزيارتي في بيتي برفقة عوفرا ومحامٍ آخر يعمل معها في مكتبها، كانت هٰذِهِ المرَّة الأولى الَّتي يتسنَّى لي الجلوس مع محاميّ الخاصِّ والحديث معه بشأن قضيتي. عند السَّاعة الحادية عشرة صباحًا كانوا في بيتي، كنت في هٰذا اليوم مريضة جِدًّا، كلَّما أردت الذَّهاب للعيادة القريبة من بيتي من أجل العلاج، كان موظَّف إدارة السُّجون والقيد الألكتروني يحيكان منها قصَّة طويلة ويجعلان من هٰذِهِ الزِّيارة شيئًا مستحيلًا. دومًا طلبوا أن أطلب طبيبًا خاصًا يأتيني إلى البيت، لم أكن أعمل وأتقاضى مالًا، ولم أرد أن تتكفَّل عائلتي بمصاريف زيارة الطَّبيب الخاصَّة وغالية الثمن، فضَّلت أن أعاني من المرض فقط.
وجهك مصفرٌّ ما الَّذي جرى لك؟ قالت لي جابي بعد أن نظرت إلى وجهي للمرَّة الأولى. حدَّثتها عن ظروف اعتقالي القاسية الَّتي أعاني منها، وكلِّ الإذلال الَّذي أتلقَّاه من أجل الحصول على موافقة للخروج للعيادة، عدَّة مرات اعتذرت من الضُّيوف وتركت اللِّقاء ذاهبة إلى الحمَّام لأتقيَّأ، لسوء الحظِّ أننا التقينا في يومٍ كنت أعاني من حالة صحِّيَّة صعبة،. استمرَّ لقاؤنا على هٰذا الحال حَتَّى السَّاعة الرَّابعة عصرًا. طلبت جابي أن تسمع منِّي مباشرة عن قضيَّتي وتفهم قصَّة اعتقالي وكل ما جرى معي، لم تكتفِ بالأوراق الكثيرة الَّتي حصلت عليها من المحكمة والشُّرطة والنِّيابة العامَّة. حَتَّى هٰذِهِ اللَّحظة بدَّلت محاميين وجابي كانت الثَّالثة الَّتي اخترتها بنفسي، الأوَّل استمرَّ في قضيَّتي فقط لثلاثة أسابيع والثَّاني لعشرة أشهر. الاثنان معًا بالكاد جلسا معي ساعة واحدة، كنت ألتقي بهما فقط في المحاكم أو قبل التَّحقيق، جابي الوحيدة الَّتي طلبت الإنصات لي وسماع الحكاية عن اعتقالي منِّي فقط. كان ذٰلِكَ كفيلًا بأن يمنحني الطُّمأنينة والأمان ويشعرني أنَّني بأيدٍ أمينة الآن.
أخيراً وجدت امرأة تدافع عني في هٰذِهِ القضيَّة وحسب القناعات الَّتي تتطابق مع أفكاري، أخيرًا وجدت مَن تمثِّلني وتقدِّم أطروحاتها الـمبنيَّة على مبدأ حرِّيَّة التَّعبير، وعلى كوني امرأة شاعرة ومن حقِّي أن أمارس الكتابة بحرِّيَّة تامَّة وبلا أيِّ قيود، كأيِّ فنَّان دون تمييز عنصري أو قومي، أخيراً وجدتُ مَن يفهم معنى أحلامي وأفكاري ويقدِّرها ويدافع عنها في أروقة الـمحاكم بدون فكر أو تَسَلُّطٍ ذكوريّيْن، مِن هٰذِهِ اللَّحظة شعرت أَنَّني تحرَّرت من السُّلطة الذُّكوريَّة وهيمنتها على قضيَّتي، لأبدأ بِاكتشاف معنى جديد للحرِّيَّة، كنت أفتقده في هٰذِهِ الفترة.
عام مرَّ على اعتقالي، سنة بأكملها مرَّت عليَّ بآلامها وأوجاعها ومنفاها القسري وتحدِّياتي لِكُلِّ ما فيها، ولا زلت رهن الاِعتقال وأعاني ظروفًا قاسية في بيتي.
اَلـمحاكمات لا زالت مستمرَّة في محكمة الصُّلح في النَّاصرة، تعالت الأَصوات الـمطالبة بإطلاق سراحي، وبهٰذِهِ الـمناسبة وقَّع 170 كاتبًا، أديبًا وشاعرًا ومفكِّرًاعلى عريضة باللُّغة العبريَّة تطالب بِالإفراج عَنِّي وإلغاء التُّهم الـموجَّهة ضدِّي، منهم: طال نيتسان، داﭬﻴﺪ جروسمان، طوﭬﻴﺎ رﻳﭭﻨﻴﺮ، إبراهيم جبريل، سامي ميخائيل، أﭬﻴﺸﺎﻱ مارﭼﺮيت، ﺗﺴﻴﭙﻲجيفا.... ونشرت صحيفة هآرتس المطبوعة وَالمرئيَّة بِالعبريَّة وَالإنجليزيَّة أخبارًا عن هٰذِهِ العريضة، ومقالًا افتتاحيًّا للصَّحيفة بِاسم كُلِّ العاملين فيها تطالب بإطلاق سراحي.
أما منظَّمة القلم الدَّوليَّة فقد تبنَّت هي الأخرى قضيَّتي واتَّخذتها رمزًا يعبِّر عن الـملاحقات الَّتي يتعرَّض لها الكُتَّاب وَالفنَّانون وعن سياسة تكميمِ أَفواههم وقمع حرِّيَّة التَّعبير، وعقدت مؤتمرًا في مدينة غاليسيا بحضور مئات الـممثِّلين عن عشرات الـمراكز التَّابعة لها من كُلِّ مدن العالم. وخلال هٰذا الـمؤتمر، وفي اليوم العالمي للتَّرجمة 30 أيلول 2016، تُرجِمَت قصيدتي «شاعرة من وراء القضبان» إلى إحدى عشرة لغة، وحصلت على عِدَّة جوائز مِن مختلف الـمنظَّمات وَالجمعيات الدَّاعمة للفنِّ وَالإبداع والشِّعرمن الـمنظَّمة نفسها ومن مؤسَّسة الشَّاعِر كارل شارنبرغ في الدَّانمارك، وجمعيَّة النَّبع «مَعْيان» في البلاد.
وخصَّص ناشطو منظَّمة صوت يهودي من أجل السَّلام (JVP) ومنظَّمة عدالة نيويورك، حملة تضامن معي عبر مواقع التَّواصل الاِجتماعي تدعو إلى إطلاق سراحي، والَّتي لاقت استجابة واسعة بلغت أكثر من مليون ونصف المليون تغريدة، في كُلِّ أرجاء العالم، ونشاطات أخرى مختلفة كَالـمظاهرات وَالأمسيات والتَّظاهرات وإرسال عشرات الرَّسائل الـمكتوبة إليَّ مِن قِبلهم عن طريق البريد العادي.
أَمَّا روتي هيلير، عوفرا لايت، بيلها جولان، فقد أطلقن حملة لجمع التَّبرعات لصالـحي بنداءٍ عامٍّ وشامل إلى جميع النُّشطاء وَالأحرار من كُلِّ العالم، جمعوا خلالها كُلَّ الـمبلغ المطلوب لتغطية تكاليف مكتب الـمحامية جابي لاسكي وأجرها، وتخفيف بعض الأَعباء الـمـاديَّة الكبيرة الَّتي صُرفت ولا زالت تُصرَف على هٰذِهِ القضيَّة، والَّتي تكبَّدتُها أنا وَالعائلة منذ اليوم الأوَّل لاعتقالي وحتى اللَّحظة، وَالَّتي ستستمرُّ مع استمرار هٰذا الاِعتقال من أجل الوقوف في وجه هٰذا القضاء الظَّالم، ومع منعي من الخروج للعمل وَالـمساهمة في تسديد بعضها. كان لهٰذِهِ اللَّفتة وقع خاصٌّ على قلبي أيضًا، تركَ وسيترك أثرًا لن أنساه ما حييت.
صارت قضيَّتي مصدر إيحاء للكثيـر من الكُتَّاب والشُّعراء وَالفنَّانين في مختلف الـمجالات للتَّعبير عن فنِّهم أيضاً، وأصبحت صوتاً وصرخة مؤثِّرة ومسموعة مِن الأَحرار وَالمناضلين في العالم كلِّه لأجل الحرِّيَّة، صرخة أطلقوها في وجه سياسة إسرائيل العنصريَّة وَالاِستبداديَّة القامعة لحرية الرَّأي والشِّعر وَالفنِّ.
كان لهٰذِهِ الأَحداث الـمختلفة أثرها الأَكبر على حياتي خلال هٰذِهِ الفترة، وكانت مُفارَقة مؤلمة، أنْ أتلقَّى الدَّعم وَالمساندة العظيمة وَالكاملة من الـمجتمع اليهودي وَالغربي، بأشكال شتّى أَدبيَّة وفنيَّة وَإعلاميَّة وَمادِّيَّة وشَّخصيَّة، وفي الـمقابل لم أتلقَّ شيئاً يمـاثله أو جزءاً بسيطاً يقابله من الوسط العربي إِلَّا في حالات قليلة، ومن أشخاص معيَّنين فقط وبمبادرة شخصيَّة منهم. أَمَّا من بين الـمنظَّمات وَالجمعيَّات الرَّسميَّة العربيَّة، فقد جاءني الدَّعم من جهتين فقط، وبطريقة متواضعة جِدّاً ومخيِّبة للآمال والتَّوقُّعات، حيث قام اتِّحاد الكُتَّاب الفلسطينيِّين بنشر بيان تضامني مع قضيَّتي، وزارني وفد من كتَّاب وشعراء اتِّحاد كُتَّاب الكرمل في البلاد، وعبَّروا عن تضامنهم معي ومع قضيَّتي وَاختفى أثرهم بعد هٰذا الإِنجاز!
بات الدَّعم من المنظَّمات اليهوديَّة والدُّوليَّة هو المصدر وَالمحفِّز الوحيد لي للكتابة وَالاِستمرار بعنادٍ على صمودي وحقِّي في ممارسة هٰذا الفنِّ أكثر، وتعاظم الشُّعور داخلي بأَنَّني حقًّا لست وحيدة في هٰذِهِ الـمعركة، فهناك الآلاف يحاربون معي من أجل نصرة قضيَّتي ويؤمنون ببراءتي ويدعمونني، وهٰذِهِ هي الحقيقة الجميلة الَّتي كانت تخفِّف عَنِّي وطأة ما أعانيه من استمرار اعتقالي.
في صباح الأَربعاء 14-09- 2016 بدأت يومي كأي يوم عاديٍّ من أيام اعتقالي البيتي، حيث أمارس طقوسي الرُّوتينيَّة في غرفتي بين القراءة وَالكتابة. خرجتُ مِن غرفتي لأستحمَّ وحين عدت افتقدت القطَّ سيمبا، بحثت عنه في كُلِّ أنحاء البيت وزواياه فلم أجد له أثرًا، وصلَ قلقي عليه درجةً لا تُحتمل بعدما تأكَّدتُ أَنَّهُ خرج مِن البيت على غير عادته ولم يَعُد، اَلقيد الأَلكتروني معلَّق في رجلي ويمنعني مِن التَّحرُّك بحرِّيَّة وَالخروج من البيت للبحث عنه وَاستعادته، كُلُّ ما استطعت فعله أن أتنقَّل من نافذة إلى أخرى في كل أنحاء البيت، وأصرخ منادية بِاسمه علَّه يسمع صوتي ويستدلُّ على طريق العودة إلى البيت مُجَدَّدًا، مرَّت ساعة وساعتان وثلاث ساعات، ولا أثر للقطِّ سيمبا! شعرت بقلَّة حيلتي ولعنت هٰذا الاِعتقال ألف مَرَّة، بدأتُ أفكِّر بحلولٍ من أجل أن أطمئنَّ على القطِّ بأيِّ ثمن، لدرجة أَنَّني اتَّصلت بِالـمكتب التَّابع للقيد الأَلكتروني ومصلحة السُّجونِ وأخبرتهم بما حصل، آملة أن يمنحوني ولو دقائق قليلة لأخرج وأبحث عنه بنفسي وأستعيده، إِلَّا أَنَّني تلقَّيت منهم ردّاً بارداً وقاسياً، ولم يحرِّكوا ساكناً تجاه القلق الَّذي أعيشه على القطِّ، حَتَّى أنَّ الـموظَّفة الَّتي ردَّت على مكالمتي استهزأت من طلبي، وضحكت ضحكة ساخرة مِنِّي ومنه. أنهيتُ الـمكالمةَ لأن لا جدوى لأي حديث أو نقاش معها، فكيف أنتظر تفهُّما إنسانيَّا من كائنات هٰذا الـمكتب لأجل استعادة قطٍّ ضائعٍ، وهم الذين سبَقَ وأن رفضوا خروجي لتلقِّي العلاج اللَّازم في الوقت الَّذي كنت فيه أتقطَّع من شدَّة الأَلم! أيرأف بمصير قط مَن يعبَثُ بِمصائر الناس؟! شعرت بأن اتصالي بهم صدر عن لحظة غباء، فكما يقال "صاحب الحاجة أرعَن"! لم أعد قادرة على تحمُّل غيابه أكثر، نفدَ صبري ووصل قلقي عليه إلى ذروته، أعدت النِّداء عليه بِكُلِّ قوَّتي ومن كُلِّ الجهات مَرَّات وَمَرَّات، صرتُ أدقّق النظر في الجهات كافّة وأخمِّن الـمكان الَّذي يمكن أن يكون مختبئاً فيه، أبحث بعينيّ وأنادي بصوتي، أرسلت أمِّي وأخي وطلبت منهما البحث في أماكن مختلفة من الحيِّ، بحثا بدورهما أَيْضًا وَلٰكِنْ دون جدوى، مع مرور الوقت بتُّ أفقد الأَمل بعودته إلى البيت، فهٰذِهِ هي الـمَرَّة الأُولى الَّتي يخرج فيها سيمبا من البيت، شَبَح القلق عليه مِن حادثة ما يمكن أن تصيبه سيطر على قلبي وفكري، وَكُلَّما شعرت بقلَّة حيلتي أكثر مع هٰذا القيد بكيت أكثر خوفًا عليه. اِتَّصلت بالطَّبيب البيطري وسألته عن الـمكان الَّذي يمكن أن تختبئ فيه القطط إن ضاعت فجأة، وإلى أيِّ مسافة يمكن أن تبتعد عن البيت، وعن الأُمور الَّتي يمكنني القيام بها لأجل استعادته، وَلٰكِنْ كُلّ الحُلول والنَّصائح الَّتي قدَّمها تحتاج إلى وجودي حرَّة وبلا أيِّ قيد، إِلَّا أَنَّني لم أستسلم، بدأت أفكِّر بِالحلول وَالإرشادات الَّتي أعطاني إيَّاها وأمشي حَسبَها، لٰكِنْ بجسد أخي الَّذي يستطيع التَّنقُّل بحرِّيَّة وبصوت ندائي من النَّافذة بِاسمه، وأعطيته جرساً خاصّاً أستعمله لأجل اللَّعب مع القطَّتين وتسليتهمـا برنينه، بدأ أخي يتنقَّل بِالجرس في أزقَّة الحيِّ الضَّيِّقة وأنا أنادي بصوتي متنقِّلة بين نوافذ البيت حَسَبَ مكان وجوده، وبعد مضيِّ ستِّ ساعات من البحث الـمضني الـمتعب استطاع أخي أن يجده مختبئاً خائفاً منزوياً في مدخل أحد بيوت الحيِّ.
عاد سيمبا إلى أحضاني، وما أن رأيته أمام عيني حَتَّى حضنته وقبَّلته كثيراً، وبدأت أتفحَّص جسده لأطمئنَّ إلى أَنَّهُ لم يُصَبْ بأيِّ أذى، وكان الشَّيء الوحيد الَّذي حصل له أَنَّ فروته البيضاء الجميلة قد اتَّسخت وَأَنَّ وجهه وملامح عينيه كانت مليئة بِالخوف، في الحال أدخلته إلى غرفتي ، نظَّفته وداعبته ولاطفته وقدَّمت له قطعة جبن من جبنة البقرة الضَّاحكة (la vache qui rit) طعامه الـمحبَّب، لأزيل عنه القلق وَالخوف، ويعود الاِطمئنان إليه مُجَدَّدًا.
بعد كُلِّ هٰذِهِ الأَحداث ومع استمرار النَّشاطات الدَّاعمة لي وفي 15 من تشرين الثَّاني لعام 2016، وبعد مضيّ شهر ونصف الشَّهر فقط على تحويل القضيَّة إلى مكتب محاميتي الجديدة جابي لاسكي، وَالَّتي استطاعت وبفترة قصيرة جِدًّا إعادة القضيَّة إلى مسارها ومكانتها في أروقة الـمحاكم، قدَّمت جابي لاسكي طلبًا بتخفيف شروط إقامتي الجبريَّة الَّتي أعاني منها ونجحت بِذٰلِكَ، حيث تمكَّنت في أوَّل مرافعة لها عَنِّي، وبطريقة دفاعها الناجعة، مِن إزالة القيْد الأَلكتروني والسَّماح لي بِالخروج من البيت من السَّاعة الحادية عشرة صباحًا حَتَّى السَّاعة الخامسة مساءً، وَلٰكِنْ فقط إلى مكان العمل وبوجود أحد الأَوصياء عليَّ فيه وبدون استعمال شبكة الاِنترنت بتاتًا، مع وجود ساعتين إضافيَّتين كُلَّ يوم يُسمَحُ لي خلالهما بالخروج إلى أيِّ مكان أريد، ولكن أيضًا مع وصيٍّ!
لم يتسنَّ لي استغلال هٰذا التَّخفيف وممارسة حقِّي في العمل لعدم إمكانيَّة الوفاء بالشُّروط الـمعيَّنة من الـمحكمة وَاستحالته، فمن الصَّعب بقاء أحد من الأَوصياء عليَّ معي في العمل، وَلٰكِنْ إزالة القيد الأَلكتروني عن رجلي في هٰذِهِ الـمرحلة، وبعد كُلِّ هٰذا الوقت كان عندي الحدثَ الأَهمَّ، فإزالته خفَّفت عَنِّي الكثير من الضُّغوطات، وحرَّرتني من بعض القيود الَّتي أعاني منها في هٰذا الاِعتقال البيتي، أهمُّها التَّحرر من الشُّعور بِأَنَّ ثمَّة شيئًا معلَّقًا على جسدي، يلازمني في كُلِّ اللَّحظات ويتجسَّس على كُلِّ أنفاسي، أحاسيسي، مشاعري، حركاتي وأقوالي، تمامًا ككاميرات الـمراقبة الـمعلَّقة في السِّجْن، كان القيْد الأَلكتروني في رجلي يلاحقني كشبح الاِغتصاب، كيف لا وهو يغتصب بوجوده على جسدي كُلَّ لحظاتِ وُجوديَ الآن وَهُنا، فيكفيني الشعورُبأَنَّ ثمة شيئًا غريبًا يتجوَّل معي في كُلِّ مكان، وفي أَيِّ وقت غصبًا عَنِّي، ليذكِّرني دومًا بِالاِغتصاب وَالاِعتداءات الَّتي تَعَرَّضْتُ لها في عمر الطُّفولة.
اِستمر حبسي وَعدَم تمكّني مِن الذهاب إلى العَمَل، وعدم خروجي من البيت إِلَّا في حالات نادرة في هاتين السَّاعتين، لشراء حاجيات ضروريَّة من دكَّان قريب في البلدة وبصحبة أحد الأَوصياء فقط، وإلى أين يمكنني الوصول أصلًا في هاتين السَّاعتين في ظلّ اختناقات السَّير الَّتي تعاني منها شوارع بلدتي وطرقاتها وَالبلدات الـمحيطة بها!
كُلَّما ازداد تمسُّكي بِالكتابة أكثر ازدادت فترة اعتقالي، وَكُلَّما تألَّمت أكثر كتبتُ بغزارة أكبر، لم أكن أعلم قبلًا أَنَّني ومن أجل الدِّفاع عن حقِّي في الكتابة وجبَ عليَّ أن أدفع ثمنًا باهظًا إلى هذاالحدِّ. اَلسِّجْن لم يكسر قلمي ولم يخنق صوتي، صحيح لم يكن بوسعي النَّشر وَلٰكِنْ حَتَّى هٰذا القيد تحوَّل إلى دافع أقوى للتَّعبير عن ذاتي، متأكِّدة ومتيقِّنة مِن أَنَّ كتاباتي الآن وَالَّتي أكتبها في هٰذا السِّجْن وفي هٰذِهِ الفترة سأنشرها بعد الاِعتقال حتمًا، وستصل رسالتها ويكون لها صدى ومكانة أوسع مِمَّا كانت عليه في الماضي.
بقيت روحي وثَّابة ولم تنطفئ داخلي نار التَّمرُّد برغم التَّضييقات وَالقيود ومشاعر التَّوتر، القلق، الكآبة وَالخوفِ من مصير مجهول ينتظرني.
كانت أعصابي تحترق وَالقلم وحده مَن يُطفئ لهيبها في داخلي ويمتصُّ حمم غضبي، لأستعيد معه توازن أفكاري، وصمودي. قلمي وحرفي كانا الأَوفى وَالأصدق من كُلِّ ما يحيط بي.
أكثر ما آلمني تفاؤلي بصديقات فاجأنني دومًا بخيبات أمل متتالية! عيوب الجسم تغطَّى ويمكن سترها إن ظهرت ولو بقطعة قماش صغيرة، وَلٰكِنْ عيوب الصَّداقة الَّتي تُظهرها الـمواقف لن يسترها شيء بعد ذٰلِكَ، وكم مِن عيوب كثيرة تكشَّفت لي خلال هٰذِهِ الفترة، لصديقات كنَّ الأَقرب إلى حياتي وخلْتهنّ الأَوفى وَالأصدق! عندما كنت مُعتَقَلة ومُبعَدة في تل أبيب التمست لهنَّ العذر بعدم السُّؤال عَنِّي نَظَراً لظُروفي هناك، وَلٰكِنْ بعد خمسة شهور على وجودي في الاِعتقال البيتي في الرِّينة، وانتظاريَ عَبَثًا مجيئهنَّ لزيارتي أو محادثتي ومنحي ولو خمس دقائق من وقتهنَّ، بَعْدَ لحظات الانتظار القاتلة، لم يعد بوسعي التماس أي عذر لهنَّ!. كأنّ الاِعتقال كان فرصة لي أيضًا لأكتشف الصَّداقات الحقيقيَّة مِن الزائفة، فيبقى في غربال "وقْتِ الضِّيق" ثلاث صديقات من كل اللَّائحة الموجودة في قلبي. لا فرق بين لون الـملح والسُّكَّر، فلكليهما اللَّون الأَبيض نفسه، وَلٰكِنْ يكمن الفرق في الطَّعم، وبلسان تجربة الاِعتقال تذَوَّقْتُ معادنَ البشر وأدركتُ الفرق بين ثمينها وَرديئها. كانت فرصة اغتنمتُها لتنظيف ذاكرتي من غبار صداقات بالية لا يجدي رَتْقَ ما تَمَزَّقَ منها وهو كثير.
في السَّابع عشر من تشرين الثَّاني عام 2016، تحوَّلت محكمتي إلى صراع نسائي غريب لم أشهده قبل ذٰلِكَ عن قرب، فبعد انضمام محامية الدِّفاع عن قضيَّتي جابي لاسكي، أصبحت الـمعادلة تحوي عناصر أنثويَّة فقط، متَّهمة، محامية دفاع، مدَّعية، قاضية. حيَّرني كثيراً هٰذا الـمشهد، اِمرأة تقف ضدَّ امرأة أخرى! كم كان مؤلـمـاً أن أرى امرأة مثلي تمارس عليَّ جميع الضُّغوطات النَّفسيَّة وَالـمعنويَّة وَالـمادِّيَّة عساها في نهاية القضيَّة تحصل على ترقية، أو منصب أرفع في النِّيابة. أَمَّا أكثر ما أضحكني تشدُّقها في بعض الجلسات بِالـمبادئ الحقوقيَّة وزعمها أَنَّها تدافع عن حقوق الـمرأة، وتطالب بها عندما تخلع رداء ممثل النيابة وتتسربل بزي المحامية في النِّيابة العامَّة كما حدث في قضايا أخرى. لا أعرف عن أَيِّ حقوق كانت تتحدَّث! في هٰذِهِ اللَّحظة لا يفك هذه الطلاسم الشَّائكة، طلاسم اضطهاد الـمرأة للمرأة، إلاّ الانتباه إلى حقيقة أنها تُنَفِّذ ما تمليه عليها المؤسسة التي تجرّد المرأة الفلسطينيّة (حتى لوكانت تحمل الجنسية الإسرائيلية) مِن كامل الحقوق التي تتمتع بها نظيرتها الأخرى، بما في ذلك حق التعبير عن الرأي الذي كان ولا يزال من أبرز رايات نضال الـمرأة عبر التَّاريخ!. لا ألوم موقفها ، فقط أتعجَّب منه، فأنا أعلم أَنَّها تطيع الـمؤسَّسة الَّتي تخدم وتعمل فيها ليس إِلَّا، وهي ترى في طاعتها هٰذِهِ وفي موقفها المتعنّت إزائي واجبًا، ترى أنني بشعري، وبقصيدتي تلك خاصة، أشكّل خطراً كبيراً على "الدَّولة" وأمنها، وتعتقد أنَّ امتثالها لسياسة المؤسسة فضيلة وَاستقامة مع الخطاب الوجودي: أن تكون أو لا تكون، هٰكَذا درَّسوها وَهٰكَذا علَّموها!.
وقفت أخيراً على منصَّة المحكمة، بعد عِدَّة تأجيلات لهٰذِهِ الجلسة والتَّذرُّع دائمًا بأسباب مختلفة، كان آخرها عدم وجود مترجم إلى العربيَّة، ذلك أَنَّني أصررت على الإِدلاء بشهادتي بلغتي الأُمِّ فقط، اللغة العربيَّة. بدأت جلسة سمـاع شهادتي. أمامي القاضية، محامي الدِّفاع، الحضور، الـمحامية ضدِّي. اَلأنظار وَالآذان كلُّها مصوَّبة تجاهي وتجاه إجاباتي.
اِعترفتُ أمام الجميع بأَنَّني أنا مَن نشرَ القصيدة، الصُّورة، وَالخبر، وباقتناع تامَّ مِنِّي ومن محاميتي، بأَنَّني أقف على هٰذِهِ الـمنصَّة وأدافع عن حقِّي في التَّعبير، و لايجب أن أخشى شيئًا.
اَلأسئلة لا تنتهي من الـمُدَّعِيَة، وإجاباتي شهدت كُلَّ أنواع الاِنفعالات الَّتي يمكن أن يشعرها الإِنسان في كُلِّ مسيرة حياته، في ساعات قليلة عشت مشاعر إنسانة بِالكاد يمكن أن تعيشها خلال سنوات عمرها كاملة! أفرح، أغضب، أحزن، أضحك، أتوتَّر، أهدأ، أشرب الـماء، لأجدِّد الطَّاقة، وأبلِّل حلقي الَّذي جفَّ من كثرة الرُّدود.
أربع ساعات متواصلة وأنا تحت الـمجهر، أقف هنا كشاهدة ومتَّهمة في آنٍ مَعًا! وأحيانًا أخرى أتحوَّل أيضًا إلى مترجمة، بعد فشل الـمترجم في ترجمة بعض الكلمات وَالجمل الَّتي أقولها وأجيب بها، وعدم قدرته على ترجمة قصدي في الإِجابة بالشَّكل الصَّحيح، لأتدخَّل فورًا وأوقف هٰذِهِ المهزلة. اَلقاضية لا تفهم العربيَّة ولا تجيدها أصلًا وما يقوله الـمترجم هو الَّذي يدوَّن في الـملفِّ، وهٰذا ما صعَّب الـمَهَمَّة أكثر فأكثر. لا نافذة تمنحني سبيلًا للتَّخلص من أسئلتها إِلَّا الإِجابة، أيضًا هنا مارست الهواية الَّتي علَّمني إيَّاها الاِعتقال، التَّحكم بانفعالاتي.
مع كُلِّ سؤال تسأله هٰذِهِ الـمُدَّعِيَة تُلَمِّحُ بعبارة إلى أَنَّها قاربت على إنهاء التَّحقيق معي، وعندما استمرت الجلسة إلى السَّاعة الثَّامنة مساءً، ولم يعد ثمّتَ مجال للاِستمرار، أغلقت الجلسة وعيَّنت القاضية موعدًا إضافيًّا لاستكمال التَّحقيق معي في 24 من تشرين الثَّاني، وفرضت حظر النَّشر على مجريات هٰذِهِ الجلسة، وأقرَّت منعي منعًا باتًّا من الحديث بِأَيِّ تفاصيل مع أَيِّ أحد تتعلق بموضوعها، وقرَّرت منعي من أخذ نسخة من البروتوكول الـمطبوع إذعاناً منها لطلب الـمُدَّعِيَة، بدون أَيِّ نقاش.
مرَّ الأُسبوع وجاء موعد الجلسة، وقفتُ مَرَّة أخرى على ذات الـمنصَّة، والـمُدَّعِيَة ترشقني بأسئلتها، وَمُـجَدَّدًا ينتهي الوقت والـمُدَّعِيَة لم تنهِ أسئلتها، لِتُعَيَّنَ لي جلسة إضافيَّة لاستكمال التَّحقيق معي، وَلٰكِنْ بعد شهرين وتحديدًا في 26/01/2017، لتعاد عليَّ الشُّروط السَّابقة عينها إيّاها بحظر النَّشر ومنع الحديث عن تفاصيل الجلسة وما جرى فيها.
أنغمس في الكتابة أكثر، أستعين على وقت انتظاري في هٰذا الاِعتقال، بالقلم وَالأوراق وَالكتب، ومع استمرار زيارات الدَّاعمين وَالأصدقاء أحاول تنفُّس بعض معاني الحرِّيَّة معهم، بالنِّقاشات وَالحوارات وَالأحاديث. فبحبسي مع هٰذِهِ القيود ارتبطت أكثر بأشعاري وكتاباتي وكتبي، وباتت شغلي الشَّاغل، وما عاد شيءٌ آخر يشغلني عنها وعن التفكير الَّذي لم يتوقَّف بالقضيَّة ومجراها وبشهادتي طبعًا، إلى أن جاء موعد الجلسة الثَّالثة وأكملت بها شهادتي أمام القاضية لعدَّة ساعات إضافيَّة، وأخيرًا وفي هٰذا اليوم جفَّت بئر أسئلة الـمُدَّعِيَة إليّ، وَانتهيت من هٰذِهِ الـمرحلة لأنتقل إلى المرحلة التَّالية، وهي سماع شهود الدِّفاع فعيَّنت القاضية الـموعد لِذٰلِكَ في19من آذار 2017 السَّاعة الحادية عشرة والنِّصف صباحًا.
جاء 19 من آذار، وبعد انتظار طويل استمرَّ لأكثر من ثلاث ساعات، وتأخير من قبل القاضية عن موعد الـمحكمة الـمقرَّر بدأت الجلسة أخيرًا. لم أكن أعلم مَن هُم الشُّهود الَّذينَ اختارتهم الـمحامية، لم يكن لديَّ أَيُّ معلومة عن هذه الشَّهادة قبل الإدلاء بها، وَكُلُّ ما عرفته أَنَّه سيتواجد في الجلسة باحثٌ في تاريخ الأَدب العبري، ومترجم مختصٌّ لترجمة القصيدة، وفقط في هٰذِهِ اللَّحظات تعرَّفت على الشَّاهدين وعلى اسميهما، اَلأوَّل هو البروفيسور نيسيم كالديرون، باحث في الشِّعر العبري ومحاضر في جامعة تل أبيب ومحرِّر لمجلَّة مختصّة بالشعر، والشَّاهد الثَّاني هو الدُّكتور يوناتان مانديل الـمختصُّ بالتَّرجمة من اللُّغَة العربيَّة إلى العبريَّة وَبالعكس.
صعد البروفيسور نسيم كالديرون على منصَّة الشُّهود، عرَّف بنفسه وأقسم على قول الحقيقة، وبدأت الأَسئلة تنهال عليه من الـمُدَّعِيَة كعادتها.
كانت الـمُدَّعِيَة تتحدَّث عن علاقتي بالشِّعر وتناقش البروفيسور نيسيم كالديرون إن كنت شاعرة أم لا؟ للحظات ومع هٰذا النِّقاش ذهبت أفكاري إلى الماضي، وتركت القاعة وما يدور فيها لأعود بذاكرتي إلى تلك اللَّحظة الَّتي لم أتردَّد فيها لثانية، في أن أنهي علاقة عاطفيَّة استمرت سنتين، من أجل الشِّعر وتمسُّكي بوجوده في حياتي، تذكَّرت كُلَّ شَيْءٍ حصل في هٰذا اليوم.
لم تكن لي أَيُّ علاقة عاطفيَّة حقيقيَّة غيرها، كانت تلك القصَّة الَّتي عشتها قلبًا وقالبًا هي الأَخيرة وشبه الوحيدة لي مع ما يسمُّونه الحبَّ، وَالَّتي حصلتْ قبل الاِعتقال بأربع سنوات. علاقة حبٍّ عاطفيَّة بدأت ككلِّ علاقات الحبِّ الَّتي تعيشها كُلُّ امرأة في حياتها، جميلة، ممتعة، مثيرة ومليئة بِالكثير من الـمشاعر، وَلٰكِنَّها انتهت بغرابة ودهشة أكبر، وبطريقة لم أتوقَّعها أبدًا، وَالأغرب أَنَّني مَنْ بادرت لأن أقطع نهائيًا علاقة متينة وقويَّة استمرت عامين، وكانت تتَّسم بحبٍّ كبير وعاطفة جيَّاشة وتفاهم وَاحترام ووفاء من كلا الطَّرفين، لكنّ الغريب في هٰذِهِ العلاقة أَنَّ وجود الشِّعر وَالكتابة في حياتي كان لها بالمرصاد.
في تلك اللَّيلة، وفي ساعة متأخِّرة منها، كنت في حضرة الشِّعر، بصدد كتابة قصيدة جديدة، جاءني اتِّصال من هٰذا الشَّاب، أجبت على الـمكالمة وشرحت له أَنَّني مشغولة جِدًّا بِالكتابة وببساطة طلبت منه الحديث في وقت لاحق، لم يكن هناك شيءٌ مهمٌّ نتحدَّث فيه، كان الاِتِّصال محادثة عاديَّة لا تحمل موضوعًا مهمًّا. كنت أعلمته أَنَّني في لحظات الكتابة أكون مأخوذة كليًّا بها، ولا شيء يمكن أن يأخذني منها، ويعلم أيضًا أَنَّ الكتابة والشِّعر هما الأَهمُّ في سلَّم أولويَّات حياتي، وبعدهما يأتي كُلُّ شَيْءٍ بما في ذلك هو. سألني:
هل القصيدة أهمُّ مِنِّي الآن؟
أجبته وبلا تردد:
نعم، وعليَّ أن أنهي كتابة القصيدة وبعدها نتحدَّث ونكمل كلامنا بحرِّيَّة، فعقلي وتفكيري وقلبي الآن فقط مع القصيدة الَّتي أكتبها.
بعد هٰذِهِ اللَّيلة لم أسمع منه شيئًا رغم محاولتي الاتِّصال به عدَّة مَرَّات، فهمت أَنَّهُ منزعج مِمَّا حصل، وتفهَّمت موقفه بالرغم من أَنَّني لم آت إليه بِالجديد، فتفضيلي الشِّعر تلك اللَّيلة على الحديث معه لم يكن بالشَّيء الغريب، وما قلته له مُتَّفَقٌ عليه بيننا منذ بداية العلاقة، غاب ليومين ثُمَّ أجاب على اتِّصالاتي والْتقينا. تفاجأت به يقول لي وبصيغة الأَمر:
نحن سنتزوَّج قريبًا، وإن أردتِ الاِستمرار معي عليك ترك كتابة الشِّعر، بعد الزَّواج لن تكتبي الشِّعر! يجب أن تختاري الآن إِمَّا الشِّعر وَإِمَّا أنا.
كانت كلماته عن علاقتي بالشِّعر صادمة، لم أتخيَّل للحظة أَنَّني سأواجه مَن يخيِّرني بوجود الشِّعر بحياتي أو عدمه أصلًا، فهٰذا الـموضوع عندي لا نقاش فيه وقد حُسِمَ منذ أَوَّل قصيدة كتبتها، فَالكتابة في حياتي ليست خيارًا إِنَّما قدر، أنا شاعرة بالسَّليقة هٰكَذا أعرِّف نفسي، خُلِقت لأكون شاعرة شاء مَن شاء وأبى من أبى، وليس هناك أَيُّ قوَّة يمكنها أن تفرِّق بيني وبين الشِّعر، حَتَّى لو كانت هٰذِهِ القوَّة علاقة عاطفيَّة أو قصَّة حبٍّ. سألته:
هل هٰذا آخر كلام لديك؟
أجابني: نعم.
فورًا وبلا أَيِّ تفكير في الأمر سحبت من إصبعي خاتمًا، كان قد أهداني إيَّاه يومًا كعلامة لارتباطنا، أعدته إليه، وقلت له:
طبعًا أختار الشِّعر.
كان هٰذا آخر يوم ألتقي فيه هٰذا الشَّخص، ومع هٰذِهِ العبارة افترقت عنه وأنهيت كُلَّ شَيْءٍ بيننا. اَلحدُّ الفاصل بيننا كان تجرُّؤُه على التَّفكير بتخييري بينه وبين الشِّعر، ومحاولته ممارسة الضَّغط عليَّ بتيقُّنِهِ مِن حبِّي له، كان متأكِّداً مِن أَنَّني إنسانة حسَّاسة وعاطفيَّة جدّاً، فَاعتقد أَنَّ عاطفتي تجاهه ستجعل مني ما يريد، وَلٰكِنَّه لم يعلم أَنَّ عاطفتي تجاه الشِّعر هي الأقوى. أنهيت كُلَّ شَيْءٍ يربطني به، حَتَّى أنَّني لم أودِّعه، تركته، ولم أبكِ أو أحزن على فراقه، بل ضحكت كثيراً وفرحت أكثر بتحرُّري من هٰذا السِّجْن الَّذي كان ينتظرني، حينها وبرغم الفراق شعرت بِانتصار إرادة الشِّعر في داخلي على كُلِّ شَيْءٍ حولي، فزاد تعلُّقي بِالكتابة وتمسُّكي بهٰذا القدر أكثر فأكثر. ضحكي في ذلك اليوم وشعوري بِالاِنتصار شبيهٌ بضحكي على هٰذِهِ اللَّحظات الَّتي أسمع فيها حديث الـمُتنطِّعة عن علاقتي بالشِّعر، وادِّعاءَها أَنَّني لست شاعرة، أوقفت هٰذِهِ الذِّكريات وعدت إلى أجواء الجلسة بابتسامة عريضة.
من هو الشَّاعر؟ وما هي القصيدة؟ وهل أنا شاعرة؟ هٰذا ما كان يشغل بال الـمُدَّعِيَة، وَكُلُّ أسئلتها تتمحور في هٰذا النِّطاق، وَكَأَنَّها تريد أن تضع نظريَّة حصريَّة لتعريف الشِّعر والشُّعراء تحكّ على جَرَب معتقداتها وأفكارها، فمن خلال أسئلتها وَضَعَتْ أُسساً خاصَّة بها للشِّعر، وبنَتْ عليها أَنَّني لست شاعرة! أنا لست شاعرة حَتَّى لو أَنَّني أكتب الشِّعر بِكُلِّ أشكاله الإيقاعيّة الـمعروفة في اللُّغَة العربيَّة مذ كنت صغيرة، وبأغراضه ومناخاته وصوره البسيطة أو المركبة وبلغته المجازية أوالبلاغية! ولا يعنيها أنني كنت قد أخرجت للنُّور ديواني الشِّعريَّ الأوَّل سنة 2010، والَّذي يحتوي على عشرات القصائد المتنوعة! .
لو كنت أعلم مسبقًا أَنَّها ستدَّعي ذٰلِكَ، كنت أحضرت وقدَّمت لها في شهادتي كلَّ قصائدي الـمكتوبة حَتَّى اللَّحظة، سواء الَّتي نشرت وَالَّتي لم تنشر، وشرحت لها عن البناء الجمالي لكل قصيدة وعن علم العَروض الَّذي قضيت سنوات كثيرة من عمري من أجل تعلُّمه وإتقانه، ولكنت حلَّلت لها كُلَّ قصيدة كتبتها، بحرها ووزنها الخاصَّ مواطن الصنعة والطبع فيها إلخ، لو كنت أعلم أَنَّها ستتجرَّأ على فعل ذٰلِكَ، لقدَّمت القصيدة الـمتَّهمة وحلَّلت لها تفعيلتها قطعة قطعة وسطرًا سطرًا أيضًا، ولشرحت لها كَذٰلِكَ مواضع الزِّحافات وَالعِلل وَالحشو وَالعَروض والضُّروب فيها، وما الغاية من كُلِّ ذٰلِكَ!
أنا لست شاعرة بنظرها، لِأَنَّني إن كنت كَذٰلِكَ فَالـمحاكمة الَّتي تترافع فيها الآن ضدِّي، هي مسخرة وإهانة لها ولمن تمثِّلهم في هٰذِهِ الدَّولة الَّتي تدَّعي الدِّيمقراطيَّة، ففي الحكم الدّيمقراطي لا يُحضرون شاعرة إلى أروقة الـمحاكم ويزجُّونها في السِّجْن وَالاِعتقال بتهمة كتابة قصيدة! هي لا تريد أن ألقَّب بالشَّاعرة بأيِّ شكل من الأَشكال، هي لا تريد أن يُقال عن قصيدتي قصيدة. ينتفض البروفيسور ويبدأ بالشَّرح للمدَّعية أَنَّ القصيدة كتبت بأسلوب الشِّعر الوطني السِّياسي الفلسطيني وَأَنَّ هناك آلافًا من القصائد أمثالها، وَأَنَّ الشَّاعر هو الـمخوَّل الوحيد بتحديد نوع قصيدته، وإن عرَّفها كقصيدة فهي قصيدة، وَإِنَّ كلَّ من يكتب قصيدة هو شاعر، وَإنَّ القصيدة مبنيَّة مِن أبيات وسطور وفيها وزن ولحن وقافية.
تتوقَّف الـمُدَّعِيَة لثوانٍ عن إطلاق أسئلتها بشأن هٰذا الـموضوع لتتحوَّل بعدها إلى دائرة أخرى، إذ بدأت بطرح أسئلة هي بمثابة إطلاق النار مِن زاوية أخرى ولكن على ذات الهدف، فقد أرادت أن توضِّح للقاضية من خلال إطلاق نيرانها على الشَّاهد الَّذي يقف أمامنا الآن، بأنّه ليس شاهدًا موضوعيًّا بهٰذِهِ القضيَّة ويجب ردُّ شهادته فيها وعدم اعتماد أقواله في الـمحكمة! كيف لا وهو يشارك في أمسيات أدبيَّة ذات طابع حزبي يساري في الدَّولة، وأقواله بالتالي ليست أقوالًا موضوعيَّة!
اِستمرَّ استجواب البروفيسور نيسيم كالديرون لساعتين متواصلتين، حاول بقدر استطاعته التَّوضيح للقاضية والـمُدَّعِيَة، أَنَّهُ في دولة ديمقراطيَّة لا يُحاكم الشَّاعر ولا تجوز محاكمته، حَتَّى لو كانت قصائدة عنيفة أو فجَّة أو معارضة للحكم، قدَّم البروفيسور للمحكمة عِدَّةَ أمثلة لشعراء يهود في أزمنة متعدِّدة كتبوا أشعارًا فيها عنف واضح وصريح أكثر مِمَّا كتبتُه في قصيدتي، ومع ذٰلِكَ لم يُحاسَبوا ولم يُسجنوا لِكَون الشِّعْر أحد ركائز وأعمدة الفنِّ، ويجب أَلَّا يخضع لأيِّ رقابة وخصوصاً في الحكم الدِّيمقراطي. ثُمَّ عادت الـمُدَّعِيَة وأعادت مراراً وتكراراً الزعم بأَنَّني لست شاعرة وَأَنَّ ما كتبته ليس شعراً، متناسية أَنَّها وفي كُلِّ الجلسات السَّابقة قالت بعضمة لسانها إنّ مكانتي كشاعرة معروفة ومُعتَرفٍ بي مِن قِبَلِ الـمجتمع العربي، تجعلني أُشكِّل خطورة بنسبة مرتفعة، لكوني ذات تأثير على الآخرين بالشعر الذي أكتبه!. ومرة أخرى عاد البروفيسور مُجَدَّداً ليفنّدما حاولت الذهابَ إليه اليوم، وأكَّد أَنَّ ما كتبتُه قصيدة وتتوفر على كل الشروط الجمالية في بناء القصيدة، وَأَنَّ من يكتب القصائد هو بالتَّالي شاعر.
اِنتهت شهادته، نزل البروفيسور عن الـمنصَّة ليصعد بعده الشَّاهد الثَّاني، الـمختصُّ في التَّرجمة، الدُّكتور يوناتان مندل.
بدأت الأسئلة، وجاءت الـمُدَّعِيَة بِالـمصطلحات وَالكلمات الَّتي استعملتُها في القصيدة، وترجمت من قبل الشُّرطي بأَنَّها تحريضٌ على العنف وَالإرهاب!عرضتها على الـمترجم وَانتظرت منه الإِجابة، من هو الشَّهيد؟ ما المقصود بكلمة قاوم؟ ما هي المقاومة؟ أَيُّ إجابة منه لا تناسب مفاهيمها ومفاهيم الشُّرطة، يصبح الشَّاهد بنظرها محلَّ شكٍّ ومتَّهمـاً في آنٍ معاً، وهكذا أصبح الدُّكتور ماندل هو الآخر غير موضوعيٍّ بنظرها، حيث أحضرت نصوصاً من كتابته قام بنشرها تعبِّر عن آرائه السِّياسيَّة اليساريَّة وَالـمناهضة للاِحتلال، وَالَّتي لم ترق لها أيضاً، فبالنِّسبة لها كتاباته كافية أيضًا لردِّ شهادته وعدم الأَخذ بها! لقد جاء هذا الـمترجم الـمختصُّ لعرض ترجمة كاملة للقصيدة، إِلَّا أَنَّ الـمُدَّعِيَة سألته عن بيت واحد منها فقط وهو: «وَاتبع قافلة الشُّهداء»، أكَّد الدُّكتور مندل أَنَّ القصد من ذكر كلمة الشُّهداء في القصيدة، هوإشارة واضحة إلى الضَّحايا الَّذينَ ذكرتهم في القصيدة، علي دوابشة، محمَّد أبو خضير، وهديل الهشلمون.
خمس ساعات استغرق استجواب الـمُدَّعِيَة للدُّكتور يوناتان مندل، حول مفهوم مصطلحات استعملتها في القصيدة، وسط فريق كان يدير الجلسة، ولا يعرف شيئًا عن اللُّغَة العربيَّة ومفاهيمها، بدءًا بِالموظفة الَّتي تقوم بطباعة الجلسة على الحاسوب وتضطرُّ لكتابة ألفاظ هٰذِهِ الـمصطلحات كما هي بِالعربيَّة، وَلٰكِنْ بحروف عبريَّة، مروراً بالقاضية وصُولاً إلى الـمُدَّعِيَة، اللتين يؤكِّدُ عدم معرفتهما اللغة العربية هٰذا الواقع الـمرَّ.
فكيف يدار نقاش باللُّغة العبريَّة عن قصيدة كتبت باللُّغة العربيَّة، من قبل أشخاص يفتقدون الحدَّ الأدنى مِن معرفة للُّغة العربيَّة كلغة ناهيكَ عن آدابها ومدوّنتها الشعرية القديمة والمعاصرة! ذٰلِكَ هو السُّؤال الَّذي أرهقني وأرهق تفكيري! فلو كان كُلُّ هٰؤُلاءِ يجيدون اللُّغَة العربيَّة أصلًا، ولو أَنَّ مداولات الجلسات كانت باللُّغة العربيَّة لما احتاج الأمر إلى مترجم لقصيدتي أصلًا، ولما تكبَّد الدُّكتور ماندل عناء الإِجابة على كُلِّ هٰذِهِ الأَسئلة.
خمس ساعات ولم يتمَّ نقاش ترجمة الدُّكتور ماندل الـمتخصِّص بالتَّرجمة لِكُلِّ القصيدة، بل ما جرى نقاشه، هو فقط معانٍ للبعض القليل من الـمصطلحات الواردة فيها، وَالَّتي وضَّحت بِالمنطق العام وأكَّدت ضعف وأخطاء الشُّرطي "الـمترجم" الكبيرة وَالفاضحة. وكانت النَّتيجة بعد سبع ساعات من الأَسئلة، أَنَّنا وفي نهاية الجلسة حصلنا على تعريفات جديدة لعدَّة مصطلحات في حياتنا، كالشَّاعر وَالقصيدة والتَّرجمة والشَّهيد والنِّظام، ومن منظورالـمُدَّعِيَة ورؤيتها وآلية تفكيرها فقط، وأيُّ تعريف لتلك المصطلحات من جهة مغايرة، هو تعريف خاطئ ومرفوض، ومن يتجرَّأ عليه أو يتمسّك به فهو بالتَّأكيد خارج على القانون ومحرِّض ومتَّهم. وَالأهمُّ من ذٰلِكَ أَنَّها خرجت بقرار حاسم مفاده، أَنَّني لست شاعرة وَأَنَّ ما أكتبه ليس شعرًا، حَتَّى لو كانت القصيدة تتوفرعلى الشروط الجمالية والإبداعية الـمتعارف عليها في الشِّعْرالعربي الحديث كافّة، فكلُّ هٰذا لا يهمُّ، فالشَّيء الوحيد الـمهمُّ عندها هو الإذعان لرأيها الذي يقوم على أساس "عنزة ولو طارت" !
اِستمرَّت الجلسة لسبع ساعات كاملة، ولو كان بِالإمكان تسجيلها صوتًا وصورة، لتزوَّد التَّاريخ بأهمِّ عمل مسرحي عَبَثي في هٰذا العصر أو رُبَّما ستُعْتَمَد كمحاضرة نموذجية في الجامعات بعنوان "السجالات السوريالية في علم الشِّعْر وفنونه ومقاربات القصيدة السجينة في أروقة الـمحاكم الإِسرائيليَّة"! كيف لا وهٰذِهِ هي الـمَرَّة الأُولى الَّتي يتمُّ فيها استدعاء خبراء في الشِّعْر وَالأدب والتَّرجمة، لمناقشة مثل هٰذِهِ الـمواضيع.