image
image
image

19

image

اِنتهيت من مرحلة سماع الشَّهادات لأنتقل إلى مرحلة جديدة، وهي كتابة وتقديم التَّلخيصات من كلا الطَّرفين، الدِّفاع وَالاِدِّعاء، مع استمرار اعتقالـي وإقامتي الجبريَّة، ورفض طلباتـي ومحاولات الـمحامية جابي لاسكي لإطلاق سراحي الكامل، من كُلّ ِالقيود الـمفروضة عليَّ حَتَّى نهاية الإِجراءات القانونيَّة، إِلَّا أَنَّني وفي كُلِّ طلب أفاجأ بتعنُّت أكبر من الَّذي سبقه وَلٰكِنْ بتخفيف بسيط مع كُلِّ طلبٍ أتقدَّم به.

مع جلسات محكمتي الكثيرة وَالَّتي تعدَّت الثَّلاثين جلسة، تأكَّدت مِن أَنَّ الـمؤسَّسة الأَمنيَّة في إسرائيل هي الَّتي تحكم، وهي الَّتي تقرِّر وتملي الأَوامر على القضاة بإعطاء القرارات لِكُلِّ جلسة، بعد أن جرَّبت سبعة قضاة، ثلاثة منهم كانوا عربًا بدوا لي وبكلِّ وضوح أَنَّهُمْ لا يملكون أيَّة صلاحيَّة من اسمهم، فَالقاضي مجرَّد صورة في مثل هٰذِهِ الـمحاكم، وفي إسرائيل بالذَّات، وبعد اعتقالي اتَّضح أكثر أَنَّ الأَمن هو الَّذي يتصرَّف في كُلِّ مفاصل الجلسات، حَتَّى لو كانت محكمة مدنيَّة في محاكم الصُّلح، وبالذَّات معنا نحن الفلسطينيِّين، فَالقاضي وضعفه وجبنه وتسلُّط الجهات الأَمنيَّة عليه، أصبح هو الإِشكاليَّة الأَكبر في محاكمتي أيضًا، لِأَنَّهُ الجزء الَّذي يمثِّل فصول الـمسرحيَّة الـمكتوبة مسبقًا من قبل جهاز الأَمن في هٰذِهِ الدَّولة.

بعد قرابة العامين من الاِعتقال تلقَّيت تخفيفًا إضافيًّا على ظروف اعتقالي، حيث صادقتْ الـمحكمة على السَّماح لي بِالخروج من البيت من السَّاعة التَّاسعة صباحًا حَتَّى السَّابعة مساءً، وَلٰكِنْ فقط مع وجود أحد الكفلاء، وإبقاء القيود الأُخْرى كما هي، لٰكِنَّ وقت الكفلاء الـمحيطين بي من العائلة لم يكن متناسبًا مع الوقت الَّذي منحوه لي للخروج، فَكُلُّ واحد منهم منشغلٌ بأعماله وبيته وعائلته. فاِستمرَّت معاناتي بعدم الخروج، حَتَّى جاء الاِقتراح لاستغلال هٰذا التَّخفيف بإضافة كفلاء جدد، وبِالفعل قدَّمت الـمحامية الطَّلب بإضافة ثلاث من الصَّديقات الـمُتابعات لقضيَّتي، واللَّواتي تطوَّعن لهٰذِهِ الـمَهَمَّة الشَّاقة بحبٍّ وتفانٍ، وبرغم أَنَّ الـمُدَّعِيَة رفضت الطَّلب إِلَّا أَنَّ المحكمة صادقت على إضافة ثلاثتهنَّ بعد التَّحقيق معهنَّ مِن قِبَلها ومِن قِبَل القاضي، والتَّأكُّد من قدرتهنَّ على حراستي، وَمِن أَنَّ بإمكانهنَّ منْع نشر قصائدي وَالحدَّ مِن خطورتها! وهنَّ: عوفرا لايت، بيلها جولان، عديت بارسيلور.

وقد كان وجود عوفرا ضمن الكفيلات الثَّلاث الحدث الأَبرز في هٰذِهِ الـمرحلة وَالأكثر تأثيراً عليَّ وعلى تخفيف ملموس لظروف اعتقالي، وفي الحال وبعد نهاية الجلسة مباشرة منحتني مِن وَقتِها يوماً خاصًّا لي وهو يوم الثُّلاثاء من كُلّ أسبوع، لتخرجني من هٰذا السِّجْن البيتي الَّذي عَرفْتُ بدايته ولا توجد أَيُّ بادرة تشير إلى اقتراب نهايته.

سنة وعشرة شهور مرَّت على اعتقالي، لم أر العالم الخارجي خلالها إِلَّا عبر نافذة غرفتي، أو عبر الطَّريق الـمؤدِّية إلى مبنى الـمحكمة في النَّاصرة، أَيَّام عقد جلسات الـمحكمة. نسيت خلال هٰذِهِ الفترة مشهد السَّماء، مشهد البحر، مشهد الشَّارع، والنَّاس والطُّرقات والسَّيَّارات، نسيت معنى الشعور بِالبرد وَالحر خارج البيت، كنت أنظر من نافذة غرفتي إلى الخارج وأتلهَّف لرؤية العالم، وَكَأَنِّي لم أره قبل الاِعتقال.

يوم الثُّلاثاء الثَّامن من آب عام 2017 هو اليوم الأوَّل الَّذي أخرج فيه مع عوفرا، غبَّ قرار التَّخفيف على ظروف اعتقالي، وبعد كُلِّ هٰذِهِ الفترة من الاِعتقال، استيقظت في الثَّامنة صباحًا، جهَّزت نفسي لخروجي الأوَّل ولمكان غير مبنى المحكمة، المكان الوحيد الَّذي كان يسمح لي بالخروج إليه في الأيَّام الَّتي يتمُّ تعيين الجلسات لي، عند اللَّحظة التي طرقت عوفرا الباب  قرابة السَّاعة التَّاسعة، تبادلنا العناق، لم يكن باستطاعتنا الخروج قبل السَّاعة التَّاسعة، جلست عوفرا لاحتساء القهوة مع أمِّي، وما إن دقَّت السَّاعة وأشارت عقاربها للتَّاسعة تمامًا، خرجنا معًا باتِّجاه السَّيَّارة. قبل الرُّكوب في السَّيَّارة بلحظات أوقفت عوفرا وقلت لها: "هل أنت متأكِّدة أنَّك تريدين اصطحاب امرأة خطرة مثلي في سيَّارتك، ما زال أمامك فرصة لتغيير رأيك؟" ضحكت عوفرا، وأكملتُ: "حسنًا هٰذا قرارك وأنت المسؤولة عنه، فقط انتبهي ألَّا أكتب قصيدة ونحن في طريقنا فتعرِّضك للخطر" هنا لم تستطع عفرا أن تتمالك وانفجرت بالضَّحك. بدأت السَّيَّارة بالتَّحرُّك نحو يافا. كان الخروج الأوَّل معها في هٰذا اليوم شبيهاً بِاكتشاف الأَجواء الـمحيطة بي من جديد، فلِكُلِّ شيء أراه وأصادفه تعريف ومعنى مختلف عن ذاك الَّذي عهدته وألفته قبل الاِعتقال. كنت مختلفة في اليوم تمامًا، فتحت نافذة السَّيَّارة، لأشعر بالهواء الَّذي يضرب وجهي، وكأنِّي طفلة وأريد اكتشاف الأمور لأوَّل مَرَّةٍ في حياتي، أغمضت عيوني واستنشقت الهواء إلى رئتي بقدر ما أستطيع، كم اشتقت لطعم الهواء ورائحته، عوفرا لا تحبُّ السَّفر والشَّبابيك مفتوحة، تعرَّفت على طباعها من خلال السَّفريَّات من وإلى المحكمة في النَّاصرة حين كنت في كريات أونو، لم أرد أن أضايقها، أغلقت النَّافذة بعد لحظات، بعد أن عشت هٰذِهِ اللَّحظة الَّتي تمنَّيتها طويلًا خلال هٰذِهِ الفترة. الأسيرات يقبعن في ذاكرتي، أراهنَّ أمام عيوني في كلِّ لحظاتي، مع كلِّ الفرح الَّذي أعيشه الآن إِلَّا أَنَّ غصَّة ملأت قلبي، هٰكَذا، فجأة شعرت بحزن شديد يحتلُّ مشاعري وكلَّ تفاصيلي، كم هو صعب هٰذا الإحساس أن أتنفَّس أنا الهواء الطَّلق وهنَّ ما زلن مقيَّدات في سجني الدَّامون والشَّارون، حاولت الهروب من التَّفكير فهنَّ إِلَّا أَنَّني لم أستطع، لقد دخلن كلَّ تفاصيل حياتي.

حدَّقت في كلِّ ما أراه حولي ويدخل في مجال رؤيتي؛ الأرض، السَّماء، الغيوم، الجبال، السَّيَّارات، وجوه السَّائقين، هٰكَذا، ومع كلِّ هٰذِهِ الأشياء الَّتي تمرُّ أمامي والَّتي تعتبر عاديَّة، كنت أشعر أنَّني أراها للمرَّة الأولى في حياتي. نعم كنت أشعر وكأنَّني لم أرها من قبل. أنظر للسَّاعة طوال الوقت، تمنَّيت أن يتوقَّف الوقت وأتمكَّن من البقاء خارج المنزل، أصبحت أرى الوقت كشيطان يطاردني. عندما مررنا من جانب معتقل الجلمة، وقرأت اللَّافتة عند المدخل شعرت بالاختناق، كتب على لائحة الاستعلامات "نقطة توقيف كيشون"، قرأت هٰذِهِ الكلمات وشعرت أنَّ يدًا تلتفُّ حول رقبتي وتحاول خنقي، عمَّ الغضب في داخلي،  عادت إليَّ كلُّ لحظاتي في هٰذا المكان، وعشت مَرَّةً أخرى لحظات الاعتقال كلَّها وبكلِّ تفاصيلها وكأنَّني موجودة داخل الزَّنزانة مَرَّةً أخرى. على اللَّافتة وبجانب اللُّغة العبريَّة كتبت التَّرجمة للمكان بالعربيَّة والإنجليزيَّة، ضحكت على التَّرجمة الخاطئة، فكلُّ قضيَّتي واعتقالي مبنيٌّ على أساس التَّرجمة الخاطئة. والَّتي عانيت منها وما زلت أعاني منها كثيرًا؛ للحظات أردت النُّزول من السَّيَّارة وتغيير ما كتب على اللَّافتة بالشَّيء الحقيقي الموجود  في هٰذا المكان: "معتقل كيشون للتَّعذيب". 

واصلنا السَّير ومررنا بجانب سجن شطَّة. ركَّزت عيوني على الجدران الَّتي تحيط هٰذا السِّجن، كان هناك ازدحام مروريٌّ، مررنا بجانبه ببطء شديد، دقَّقت النَّظر أكثر في كلِّ محاور وزوايا السِّجن البادية لعيوني، الجميع يمرُّ من أمام هٰذا السِّجن فيرى الجدران المحيطة به فقط، أمَّا أنا وفي هٰذِهِ اللَّحظات أرى وأعرف ما يوجد بداخله، وما يحصل بين زنازينه الموصدة وأبوابه الحديديَّة الضَّخمة. رأيت سيَّارات البوسطة مصطفَّة في موقف السِّجن،  شعرت وكأنَّ جسدي بدأ ينكمش كقطعة قماش. هٰذِهِ هي سيَّارة البوسطة مجدَّدًا أمام عيني!  عند اقترابنا لأقرب نقطة قريبة للسِّجن ودون أن أشعر بنفسي، طلبت من عوفرا بصوت عالٍ أن تطلق صفَّارة السَّيَّارة، "لماذا؟" سألت عوفرا،  أجبتها: رُبَّما يصل صوت الصَّافرة إلى داخل الزَّنازين ويسمعها الأسرى، هٰذا الصَّوت سيمنحهم الشُّعور بشيء يأتيهم من الخارج. أطلقت عوفرا بعض الصَّافرات وأنا أخاطب نفسي، وأدعو في قلبي بالسَّلام والحرِّيَّة القريبة لكلِّ الأسرى والأسيرات.

وصلنا إلى يافا، أوقفت عوفرا سيَّارتها في موقف موجود في يافا القديمة، تنقَّلت نظراتي بين الأبنية القديمة والَّتي تشهد على التَّاريخ لِهٰذِهِ المدينة الفلسطينيَّة القديمة جِدًّا، جئت إلى هنا كثيرًا مع كاميرتي، وصوَّرت هٰذِهِ الأزقَّة والأحياء والشَّارع والنَّوافذ الزَّرقاء، في أحد الأيَّام جئت للتَّصوير هنا في يافا من أجل صحفي صديق لي، لاجئ يعيش في مخيَّم جباليا شمال غزَّة، أهله وأصله من هٰذِهِ المدينة، هُجِّروا قسرًا في عام النَّكبة 1948، استطعت حسب مواصفات الجدِّ والأب أن أصل إلى بيتهم الَّذي لا يزال شاهدًا على المأساة وصامدًا رغم كلِّ شيء، اليوم يعيش فيه مستوطن يهودي، صوَّرت له البيت وأرسلت الصُّور، تحدَّثت مع جدِّه بمحادثة فيديو، عشت معه المشاعر الَّتي عاشها، شعرت بدموعه، وبكيت كثيرًا حين أظهر لي مفتاح هٰذا البيت عبر الكاميرا، حَتَّى اليوم لا أستطيع نسيان تلك اللَّحظة أبدًا، ولا الدُّموع الَّتي سالت من عيني هٰذا الكهل والشَّوق الَّذي تحدَّث واختصر الكثير في عيونه. في عام 2014 عندما قصف الإرهاب الإسرائيلي والاحتلال الصُّهيوني بيته فقدت صديقي واستشهد في هٰذِهِ الحرب مع كلِّ أبناء عائلته، ثمانية من نفس العائلة باتوا شهداء في لحظة. حاولت الهروب من هٰذِهِ الذِّكريات القاسية، سالت دمعة من عينيَّ فمسحتها وأكملت النَّظر إلى يافا عروس فلسطين، هٰذِهِ المدينة بقدر ما أحبُّها بقدر ما توجعني.

مشيت مع عوفرا حَتَّى وصلنا إلى مدخل ميناء يافا، وهناك دخلنا إلى قهوة "بسمة"، ما إن دخلت حَتَّى امتلأ قلبي بالمشاعر الدَّافئة، أحببت كلَّ ما يوجد في هٰذِهِ القهوة، رائحة القهوة والطَّعام، الأدوات الفلسطينيَّة التُّراثيَّةوالشَّعبيَّة  الَّتي جمعت ووضعت لتزيِّن جدران المكان. صور قديمة ليافا.

وفي هٰذا اليوم التَقَيْتُ مجموعة من الأَصدقاء الدَّاعمين وَالمتضامنين معي ومع قضيِّتي، من بينهم مُحَمَّد قندس وخالد جبَّارين[16] عالْـما كاتْس[17] شوش كان، عيناتْ ﭬﺎيتسمان[18] ميسلون حمُّود[19]

جلست عينات بجانبي وعرَّفت عن نفسها كفنَّانة ومخرجة، وقالت لي إنَّها تجهِّز أمسية دعم لي في مسرح  السَّرايا– يافا في الثَّلاثين من آب. وبلا مقدِّمات توجهت إليَّ وقالت إنَّها تقوم بتحضير مسرحيَّة اسمها "أسرى الاحتلال"، وستكون سعيدة بسماع معلومات منِّي عن السِّجن وعن تجربتي. في اللَّحظة الَّتي سمعت اسم المسرحيَّة على لسانها تذكَّرت أنَّني سمعت عن هٰذِهِ المسرحية، وعن حظرها ومنع عرضها في مهرجان عكَّا لهذا العام، هٰذا ما قرأته في الأخبار المنشورة في الصُّحف قبل فترة وجيزة. خلال هٰذا اللِّقاء توجَّه إليَّ أيضًا باقي الأصدقاء وأرادوا الحديث معي وسماع أخباري، حاولت أن أعطي للجميع الاهتمام والفرصة بالحديث معي، وَلٰكِنْ لا أعلم لِمَ كان الحديث مع عينات مختلفًا، ومن قلبي تمنَّيت استمرار النِّقاش معها في الأمور الَّتي تحدَّثنا فيها. لقائي بها أعطاني إحساسًا بالطُّمأنينة والرَّاحة، امرأة أخرى يحاولون إخراس صوتها لأنَّ فنَّها يهتمُّ بالأسرى الفلسطينيِّين. شعرت أنَّها تفهمني. تحدَّثت معها بقدر استطاعتي وأعطيتها الوقت الَّذي يمكنني أن أعطيها إيَّاه، أخبرتها قليلًا عن الأسيرات في الوقت الَّذي سنح لنا، كم تمنَّيت أن تستمرَّ محادثتنا ولٰكنَّها اضطرَّت للذَّهاب وإنهاء اللِّقاء. "هل عندك مشكلة بمراسلتي؟" سألتني عينات لحظات قبل ذهابها. أجبتها: لا بكلِّ سرور، لٰكِنْ فقط مراسلة من  خلال رسائل عاديَّة لأنَّ هاتفي غبي. ابتسمت وابتسمت وقالت: إذن سنكون على تواصل. أعطيتها رقم هاتفي وتمنَّيت في قلبي أن نبقى حقًّا على تواصل وأن أتلقَّى منها مكالمة قريبًا.

كان من الصَّعب جِدًّا عليَّ العودة للبيت بعد هٰذا اللِّقاء الجميل والمليء بالمشاعر. خصوصًا أنَّني أعلم أنَّني سأعود إلى اعتقال وحبس منزلي صارم، وسأنتظر حَتَّى الثَّلاثاء القادم لكي أستطيع الخروج مجدَّدًا وأستنشق الهواء.

في صباح الغد أفقت عند السَّاعة الثَّامنة صباحًا وعشرين دقيقة، على رنين الرَّسائل في هاتفي. نظرت إلى الشَّاشة وإذ برسالة جديدة تصلني من رقم لا  أعرفه: "مرحبًا دارين، كيف حالك؟ هٰذِهِ أنا عينات. سعيدة جِدًّا بلقائنا القصير البارحة. أحاول أن أرتِّب أموري من أجل زيارتك في الأيَّام القريبة القادمة، سأقوم بإبلاغك بأيِّ جديد وإن كنت سأنجح في ذٰلِكَ. أتمنَّى أنَّك كنت سعيدة بلقاء البارحة". قرأت  الرِّسالة مرَّتين من كثرة تأثُّري وفرحتي بها. لم أفهم ما سرُّ سعادتي لهٰذه الدَّرجة ولمَ هي بالذَّات؟ طوال حياتي لم أشعر بِهٰذا الاندماج مع أحد لِهٰذِهِ الدَّرجة وبهٰذه السُّرعة. أجبت على رسالتها فورًا وكتبت لها: بصدق أشعر بسعادة كبيرة أنَّني تعرَّفت عليك، الاعتقال صعب وقاسٍ وَلٰكِنْ أنا مدينة له على أنَّه كان السَّبب بالتَّعرف عليك وعلى الجميع. معرفتكم كنز لكلِّ العمر.  في أيِّ  وقت ترينه مناسبًا ومريحًا لك يمكنك المجيء إليّ وسأكون سعيدة جِدًّا بِهٰذا، أنتظر اللِّقاء بشوق. شكرًا على كلِّ شيء". 

وجه عينات كان مألوفًا لي، واستغرقتُ وقتًا لأتذكَّر أين رأيتها قبل هٰذا اليوم. تذكَّرت أنَّني رأيتها مَرَّةً تمثِّل في إحدى المسرحيَّات في مسرح الميدان في حيفا، مسرحية اسمها "عامل سبت".  لم أحبَّها أبدًا، أذكر جيِّدًا تلك المشاعر السَّيِّئة الَّتي خرجت بها بعد المسرحيَّة لسوء القصَّة الَّتي تنقلها المسرحيَّة وضعفها، لست متيقِّنة إن كانت عينات هي نفسها الممثِّلة الَّتي تذكَّرتها أم أنَّني مخطئة، للأسف لم أكن قادرة على استعمال الشَّبكة من أجل التَّأكُّد من هٰذا. انتظرت حَتَّى تزورني ونلتقي مجدَّدًا  لكي أسألها وأتحقَّق من ذاكرتي. في الثَّاني عشر من آب كتبت لي مجدَّدًا أنَّها قادمة إليَّ في زيارة، من أجل أن تسمع منِّي عن السِّجن وعن تجربتي وقصَّتي. عند السَّاعة الخامسة عصرًا وصلت عينات إلى بيتي بصحبة زوجها يوآف وايريس. جلست بجانبي وبدأت تتحدَّث معي، كانت تسأل كثيرًا وتستفسر عن كلِّ شيء، استمتعت كثيرًا بالحديث معها، وفي نهاية اللِّقاء أهديتها نسخة من كتابي الغزو الأخير، وكتبت لها على صفحته الأولى إهدائي: الشِّعر هو البقاء الوحيد في عالم الإنسان ليبقيه إنسانًا. قبل مغادرتهم قلت لعينات وسألتها: أنت هي الممثِّلة الَّتي قامت بدور الممثِّلة الرَّئيسيَّة في مسرحيَّة عامل سبت؟ أجابتني نعم. وَلٰكِنْ كيف عرفتِ؟ أجبتها: شاهدت المسرحيَّة وَلٰكِنْ لم أحبَّها أبدًا، صراحتي وضعتني في موقف محرج، وَلٰكِنْ ابتسامتها أراحتني، لم تغضب من صراحتي. مشينا قليلًا معًا حَتَّى السَّيَّارة وكان أبي بصحبتي، لأنَّه يمنع عليَّ الخروج من غير المرافق، ودَّعتها،  حضنتها وحضنتني، ابتعدت عنِّي بضع خطوات باتِّجاه السَّيَّارة، نظرت إليّ مَرَّةً أخرى وعادت إليّ مجدَّدًاحضنتها مَرَّةً أخرى، ودون أن أشعر بنفسي ودون أن أعرف السَّبب بدأت الدُّموع تنزل من عيوني. 

يَتَواصَلُ الدَّعم لي وتتَّسع دائرته مِن الوسط اليهودي، ومِن الـمتضامنين الأَجانب في مختلف دول العالم، وفي الـمقابل يتقلَّص أكثر فأكثر من الوسط العربي، مع هٰذا فبين الحين والحين كانت  تقع أحداث مثيرة وغير متوقَّعة؛ ذات يوم بينما كنت جالسة في غرفتي، سمعت صوت رجل ينادي باسمي، "دارين!" نظرت من النَّافذة ورأيت رجلًا عجوزًا يتعكَّز على عصا خشبيَّة. أجبته بصوت مرتفع، "أيوه يا حجّ، أنا دارين!" طلبت فورًا من والدي أن ينزل إليه ويساعده على الصُّعود إلى البيت. دخل المنزل ووجهه مليئ بالتَّأثُّر،  نظر إليَّ ثمَّ قال: "أنا فخور جِدًّا بك وبموقفك، أتيت خصِّيصًا  لكي أدعمك. أريد كتاب الشِّعر الخاصِّ بك." جلسنا في غرفة الضُّيوف وأحضرت له نسخة من "الغزو الأخير" من غرفتي.

أخرج كيسًا ورقيًّا من جيبه وطلب منِّي أخذه. ثمَّ قال: "قرأت عن قضيَّتك وأريدك أن تستمرِّي في كفاحك ضدَّ الاحتلال. إنَّه ليس تبرُّعًا أقدِّمه لك، بل هو واجب عليَّ، أعلم أنَّه ما زال الطَّريق أمامك طويلًا في هٰذِهِ القضيَّة الشَّائكة، وكي تستمرِّي في محاربة ومواجهة هٰذِهِ المؤسَّسات ستحتاجين الكثير من المال. هٰذا مبلغ بسيط منِّي من خلاله أشعر أنَّني ساعدتك ولو بالقليل. واعلمي أنَّك لستِ وحيدة، الكثيرون من الأشخاص يقفون وراءك ويساندونك". أثَّرت كلماته بي كثيرًا حرَّك كلَّ مشاعري وأعاد لروحي الحياة والأمل، كانت كلماته كآلة ضخٍّ أدخلت في قلبي المزيد من القوَّة والتَّحدِّي والثَّبات على موقفي، شكرته على كلماته وعلى الدَّعم، وعلى القوَّة الَّتي منحني إيَّاها. كتبت إهداء على الكتاب وأعطيته إيَّاه. قال وهو يغادر المنزل: "استمرِّي في الكتابة وازعجي الجميع، فأنت الحرَّة في سجنهم وهم السُّجناء، إنَّك تدافعين عنَّا جميعًا.  وتحميننا جميعًا". ملأتني كلماته بقوَّة لا أستطيع تفسيرها. شعرت بالعدالة الَّتي أنتظرها، العدالة الَّتي أريد أن أسمعها من أبناء شعبي. ومع هٰذا يتمكَّنُ الضغطُ الدّاعِمُ لقضيَّتي مِن كسر كُلِّ القيود الـمفروضة عليَّ، كتحدٍّ من الداعمين لِكُلِّ السُّلطات الاِستبداديَّة، ورسالة واضحة بأَنَّ الشِّعْر ليس جريمة حتى يُحاسَب عليها الإِنسان.

أتت عينات لزيارتي مرَّتين إضافيَّتين واستمرَّت بالكتابة لي والتَّواصل معي عبر الرَّسائل، أعطيتها بعض البروتوكولات لجلسات محاكمتي والكثير من المعلومات الَّتي ساعدتها في عملها، كانت دومًا تخبرني بالمستجدَّات بشأن الأمسية الَّتي عيَّنت تاريخها في الثَّلاثين من  آب في مسرح السَّرايا في يافا.

تفاصيل جلسات محاكمتي، وما يجري داخل أروقة الـمحكمة من نقاش وحديث وأسئلة، وخصوصًا جلسات الاِستماع لشهادة البروفيسور نيسيم كالديرون والدُّكتور يوناتان ماندل، وشهادة الشُّرطي الـمترجم للقصيدة، تحوَّلت إلى مصادر إيحاء للإبداع وَالفن وَالكتابة، فأفاجأ بأَنَّ نصَّ بروتوكولات هٰذِهِ الجلسات، تحوَّل إلى عرْض مسرحيِّ للمخرجة وَالممثلة عينات ﭬﺎيتسمان، وقد تقرِّر عرض عَمَلِها بمساهمة مجموعةٍ مِن الدَّاعمين في مسرح السَّرايا بيافا، وبأمسية مخصَّصة لدعم قضيَّتي، ومواصلةِ التَّضامن معي في هٰذا الاِعتقال، وكان عنوان المسرحية "دولة إسرائيل ضدُّ الشَّاعِرَة دارين طاطور".

في 30 من آب 2017 أقيمت الأَمسية، وبسبب القيود الـمفروضة وَالحبس الـمنزلي وظروف الاِعتقال، تعذَّر عليّ أن أحضرها. ذهب إلى الأمسية كلٌّ من والدي وأخي الصَّغير أحمد وَكَذٰلِكَ ابن أخي، توفيق البالغ من العمر سبع سنوات، أصرَّ كثيرًا على الانضمام لهما، "أريد أن أذهب لأصوِّر الأمسية لدودو!" هٰذا ما قاله وهٰكَذا وَبِهٰذا الاسم يحبُّ أن يناديني. أخذ معه الكاميرا الَّتي قدَّمتها له كهديَّة في عيد ميلاده الَّذي احتفل به قبل اعتقالي بشهرين فقط. خلال هٰذِهِ الفترة علَّمته التَّصوير وكيف يلتقط الصُّور، وقد أحبَّ ذٰلِكَ، "سأصوِّر لك كلَّ الأمسية حَتَّى تتمكَّني من مشاهدتها"! سعادتي بما قاله كانت كبيرة وَلٰكِنْ كانت في نفس الوقت مؤلمة أيضًا. فبقيت قلقة متضاربة المشاعر أنتظر نهاية الأَمسية، لأسمع بشَغَفٍ تفاصيل وقائعَ مجريات الأَمسية وما حصل فيها.

تضمَّنت الأَمسية كلمة لأبي، وَكلمة المحامية جابي لاسكي، وقراءات لعدد من قصائدي تَمَّت ترجمتها أيضًا إلى العبريَّة، ومداخلات شعريَّة وفنِّيَّة من فنَّانين وشعراء ونشطاء يهود وعرب، وَكان الحيّز الأكبر من العرض الـمسرحي لقراءات بعض بروتوكولات جلسات محاكمتي، كما وعرضت قصيدتي الـمتَّهمة على مسمع ومرأى كُلِّ مَن حضر.

السَّاعة الحادية عشرة  مساءً، رنين هاتفي لا يتوقَّف، أنهي مكالمة  لأبدأ غيرها، اتِّصالات الأَصدقاء الَّذينَ حضروا الأَمسية لم تتوقَّف حَتَّى ساعة متأخِّرة من اللَّيل، اَلكثير من كلمات الدَّعم وَالمساندة، أمسية ناجحة بِكُلِّ الـمقاييس، ورسالتها وصلت وفاقت كُلَّ تَّوقُّعات القائمين عليها وتوقعاتي أيضًا، فَالحضور كبير وبِالعشرات، قراءة البروتوكولات وعرضها بطريقة فنِّيَّة وبإخراج درامي وإبداعي مسرحي، وضع حقيقة الـمحاكمة الَّتي أتعرَّض لها تحت مجهر يوضِّح للحضور، حقيقة ما يجري في محاكمتي، أخبرتني عينات بَالمفاجأة الأَكبر أَنَّ القصيدة وبعد عرضها حظيت بتصفيق كبير من الحضور، لتتَّسع دائرة الدَّعم لي أكثر.

بعد منتصف اللَّيل عاد أبي وأخي ومعهم توفيق الطِّفل، كان أبي سعيدًا ومندهشًا جِدًّا بكمِّ الدَّعم الَّذي شاهده بأمِّ عينه لي. اقترب منِّي  توفيق الصَّغير متأثرًا وصوته مليء بالحزن وقال: "آسف امتلأت ذاكرة الكاميرا  ولم أستطع أن أصوِّر لك كلَّ الأمسية، نسيت أن آخذ معي ذاكرة احتياطيَّة". حضنته حضنًا قويًّا وقبَّلته عدَّة قبلات ثمَّ قلت له: لقد قمت بعمل رائع، شكرًا لك حبيبي، سأشاهد كلَّ ما صوَّرته. 

مَرَّتْ ثلاثة أَيَّام على الأَمسية وبدأت قضيَّتي تتَّخذ منحًى آخر وجديدًا ومليئًا بِالمفاجآت الَّتي لم تكن في الحسبان أبدًا، إذ نشرت ميري ريجيف وزيرة الثَّقافة والرِّياضة، قصيدتي على صفحتها وبترجمة جديدة خاصَّة بها، مليئة بِالأخطاء وَالمفاهيم الـمغلوطة، كما وطالبت الحكومة معاقبة مسرح السَّرايا، لِأَنَّهُ وافق على عرض قصيدتي الـمتَّهمة بنشر الإِرهاب والتَّحريض على العنف، وَالمطالبة أيضًا بإلغاء الدَّعم الـمادِّي لمسرح السَّرايا في يافا، وتقليص الـميزانيَّة الـمعدَّة له من الوزارة، بتهمة عرض مسرحيَّات داعمة للإرهاب، وبثِّ عروض فنِّيَّة سياسيَّة أخرى ضدَّ إسرائيل، بذريعة خرق ما يسمَّى قانون النَّكبة.[20]

وفي ساعات قليلة وصل عدد مشاهدات القصيدة في صفحة ميري ريجيف إلى 75000 مشاهدة و 330 مشاركة، بِالإضافة إلى أَنَّه يوجد في صفحتها 312810 صديق.

لم تمرَّ هٰذِهِ الأَحداث على مجرى القضيَّة وجلسات محاكمتي مرور الكرام أيضًا، إذ قرَّرت محاميتي استخدام هٰذا الحدث أيضًا في الـمحاكمة كدعم لموقف الدِّفاع أمام القاضية، وعرض صفحة ميري ريجيف لقصيدتي، كدليل على براءتي من التُّهم الـمنسوبة إليَّ، وإن كانت القصيدة خطرة وتدعو إلى التَّحريض وَالإرهاب، كما تدَّعي الشُّرطة والسُّلطات الإِسرائيليَّة، فعليهم معاقبة ميري ريجيف أيضًا لِأَنَّها قامت بمـا قمتُ به عَيْنِه.

وخلال مباشرة محاميتي مع هيئة الدِّفاع بمكتبها كتابة التَّلخيصات، وجدوا خلال بحثهم أَنَّ صورة «أنا الشَّهيد الجاي» الَّتي نشرتُها عام 2014، لا تزال موجودة في صفحة الفيس بوك خاصَّتي ولم تحذف، فطلبت الـمحامية إضافة هٰذِهِ الصُّورة أيضًا مع  قصيدتي الَّتي نشرتها ميري ريجيف في صفحتها، كأدلَّة جديدة، إلى ملفِّ الدِّفاع، لكن النيابة لم توافق على ضمِّ هٰذِهِ الأَدلة، وبالتَّالي عيِّنت محكمة خاصَّة لمناقشة الطَّلب أمام القاضية، إِلَّا أَنَّ القاضية بدورها رفضت قبول هٰذِهِ الصُّورة كدليل جديد، يؤكِّد ويثبت أَنَّني نشرتها قبل أكثرمن عام من يوم اعتقالي، بينما قبلت كُلَّ الأَدلة الـمتعلِّقة بنشر ميري ريجيف لقصيدتي.

في الخامس من تشرين الأوَّل 2017 تلقَّيت دعمًا مميزًا وَليس له مثيل منذ اعتقالي على الصَّعيد العالمي والدُّولي، مِن منظّمةِ القلَمِ الدّوليّة، فَالكاتبة والشَّاعرة جينيفير كلامينت رئيسة الـمنظَّمة والشَّاعر كارلاس تارنير الـمدير التَّنفيذي لها، حضرا لزيارتي في البيت زيارة خاصَّة، لتدعيم موقف المنظَّمة، من تبنِّي قضيَّتي ودعمي ضدَّ هٰذا الاِعتقال، وكانت هٰذِهِ أعظم رسالة تلقَّيتها مع استمرار اعتقالي ووسام شرف حُفِرَ في قلبي للأبد.

أرغمني السِّجْن على محبَّة التَّجربة برغم قسوتها، لأجل الخروج منها بأقلَّ خسائر ممكنة، ومع هٰذا الدَّعم الكبير شعرتُ أَنَّني أنمو كنبتة في تربة الـمواقف، يغذِّيني الوقتُ بكمٍّ كبير مِن الحياة، لأولَدَ مِن جديد بجسدٍ مُفعمٍ بالذِّكريات وَالمتغيِّرات، وهٰذِهِ الزِّيارة كانت بحدِّ ذاتها رئة جديدة ملأى بأوكسجين الأَمل.

كنت أخرج مَرَّة في كل أسبوع بصحبة عوفرا، ومع كُلِّ خروج أتعلَّق بعقارب السَّاعة، أصبحت أسمع صوت تكتكاتها بوضوح وأدركت قيمة الزَّمن أكثر مِن أَيِّ وقت مضى عليَّ، أخرج وأعود بِالوقت الـمحدَّد لي، وأرسم بدقَّة خارطة الذَّهاب وَالعودة  قبل الخروج إلى أَيِّ مكان، أصبحت السَّاعة بِالنِّسْبَة إلي مَصدَرَ قلق في كُلِّ جولة أقوم بها.

عامان مرَّا على اعتقالي وما زالت مشاعري مقيَّدة، برغم الخروج بين الحين وَالحين، كوني لا أستطيع الخروج وحدي، وَالأكثر إيلامًا أَنَّني لم أستطع إطلاق سراح شغفي بتصوير الطَّبيعة الَّتي أعشق، عامان مرَّا ولم أستطع عناق كامرتي الَّتي اشتاقت أصابعي لملامستها، وَاشتاقت أذني لسماع تكتكاتها مع كُلِّ صورة ألتقطها، عامان وأنا ممنوعة من نشر أشعاري وكتاباتي، عامان ممنوعة من الاِشتراك بفعاليَّات سياسيَّة ونشاطات فنِّيَّة، عامان ممنوعة من العمل وتدبير معيشتي، عامان لم أستعمل شبكة الإِنترنت، عامان وأنا محرومة من رؤية مَن أحبُّ ولقاءهم خارج البيت ومتى أريد، عامان مرَّا وأنا محرومة من كُلِّ هٰذِهِ الأَمور ومن أشياء أخرى كثيرة، كانت تُسَيِّر حياتي قبل هٰذا الاِعتقال، عامان عانيت خلالهما اغتِصاباً متكرِّراً من قبل السُّلطات الإِسرائيليَّة، وتهمتي أَنَّني فَكَّرْت، وتجاوزت هٰذا الـمنطق ذي الطَّابع الذُّكوري، عامان حاولوا اغتصاب هُوِيَّتي وَانتزاعها مِنِّي، حاولوا انتزاع اسمي، شِعري، فنِّي، كتابتي فقط لكوني امرأة تجرَّأت على قول لا، لا للقهر الإِنساني، لا للظُّلم وَالاعتداء، لا للاِغتصاب، لا للاِحتلال، لا لتسلُّط الرَّجل، لا للصَّمت، ونعم للحرِّيَّة، نعم لحرِّيَّة شعبي الفلسطيني وللعدالة الاِجتماعيَّة.

كُلُّ معتقل حَتَّى نهاية الإِجراءات، يصبح أسيرًا ليس فقط للسِّجن  وللقيود الـمفروضة عليه، إِنَّما للزَّمن الـمجهولة نهايته! ففي واقعي أعلم أَنَّني معتقلة فقط، أعدُّ الأَيَّام الَّتي مَرَّتْ على اعتقالي، وَلٰكِنِّي لا أستطيع معرفة الوقت الَّذي تبقَّى لي فيه معتقلة، ولا أعرف متى ينتهي هٰذا الاِعتقال وكم سيستمرُّ، فَالوقت هو الشَّيء الـمجهول في ظروف اعتقالي هٰذِهِ.

للزِّنزانة في السِّجْن أربعة جدران، وباب أزرق ونافذة صغيرة، وقضبان حديديَّة، لٰكِنْ مع الإِقامة الجبريَّة أضحت هٰذِهِ الرُّموز أكثر اتِّساعًا، فأصبح كُلُّ ما يحيط بي شبيهًا بِالجدران وَالأبواب الـموصَدة وَالقضبان، كُلُّ البيت أصبح بعيني سجنًا رماديًّا، وَلٰكِنَّهُ يدرِّبني على الصَّبر وَالأمل، ونافذة الحروف هي النَّافذة الرُّوحيَّة المفتوحة على واحة الكتابة، اَلكتابة الَّتي كنت أفرُّ إليها وعبرها من كُلِّ هٰذِهِ القيود، كي أتنفَّس الحريَّة الحقيقيَّة وأتحمَّل صعوبة التجربة، فَالكتابة وحدها الَّتي فَتَحَتْ دواخلي على آفاق للتَّأمُّل، ووحدها من حقنت دمائي بِالعزم وَالإرادة، وَكُلَّما ضعفتُ وشعرت بقسوة العالم الَّذي يحيطني، أخاطب نفسي وأصرخ بها ليعود القلم إليَّ ويضيءَ نبراسي من جديد: هٰذا الواقع سيئٌ وَلٰكِنَّهُ سيكون أسوأ عندما لا أستطيع الكتابة.

بدأ المصوِّر أورين زيف بالانضمام لعوفرا في زيارتي كلَّ يوم ثلاثاء لتوثيق إقامتي الجبريَّة. أمَّا عينات فكرَّست يوم السَّبت من كلِّ أسبوع لزيارتي، خلال هٰذِهِ الفترة أصبحنا صديقتين مقرَّبتين، تحدَّثنا لساعات وساعات، شعرت أنَّه يمكنني التَّحدُّث معها عن كلِّ شيء أعيشه وأشعر به. كَذٰلِكَ يوآف وإيريس كانا يزورانني كثيرًا. كَذٰلِكَ الأمر بالنِّسبة لحنين زعبي الَّتي جاءت لزيارتي والاطمئنان عليَّ عدَّة مرَّات. عَلْـما جاءت أيضًا إلى منزلي لأوَّل مَرَّةٍ مع زوجها يوآف بيراش واثنين من أصدقائهما. كانت حاملًا في شهرها الأخير وضحكت كثيرًا على بطنها. قضينا المساء في منزلنا ونحن نتحدَّث. شعرت بالحبِّ الَّذي يربطنا وكان ذٰلِكَ إحساسًا جميلًا. بعد أن أنجبت عَلْما، زارتني مَرَّةً أخرى مع يوآف وابنتهما تمارا. حملت الطِّفلة بين ذراعيَّ وضحكنا معًا كثيرًا، كانت عَلْما سعيدة جِدًّا. قلت لها: عندما تكبر تمارا أخبريها بأنَّها جاءت لزيارة شاعرة محتجزة، أخبريها أنَّها غفت على ذراعيها الخطرتين. طرَّزت هديَّة لتمارا كما فعلت للأشخاص الَّذين أحبُّهم وأقدِّرهم وأعطيتها لعَلْما. أمَّا المغنِّية دانيال رافيتشكي الَّتي زارتني أيضًا عدَّة مرَّات، فطلبت منِّي  بعض قصائدي لتتمَّ ترجمتها إلى العبريَّة والإنجليزيَّة، لتقوم بتلحنيها وغنائها بصوتها، حَتَّى قصيدة قاوم الَّتي أنا الآن محتجزة بسببها.

يوم الثُّلاثاء 02/01/2018 اليوم الوحيد الَّذي أستطيع الخروج فيه مع عوفرا، خرجت ككُلِّ يوم ثلاثاء معها في جولة عاديَّة في منطقتنا، لم نحدِّد لنا وجهة ولم نعلم أين نذهب، فجأة قرَّرنا وفي اللَّحظة الأَخيرة أن نتوجَّه إلى حيفا، في الطَّريق بحثَتْ عوفرا في هاتفها عبر الإِنترنت عن الأَفلام الـمعروضة ووقت عرْضها لتقول لي وهي تضحك:

يا لها من صدفة ثمَّة فيلم وحيد سيُعرض عند السَّاعة الرَّابعة والنِّصف، وهو فيلم وثائقي فرنسي. هل تريدين الذَّهاب لمشاهدته؟

اِبتسمتُ وشعرت أَنَّني قد فزت بجائزة ثمينة هٰذا اليوم، وأجبت فورًا ودون أَيِّ تفكير: بالتَّأكيد.

كُلُّ ما فكَّرتُ به لهٰذا اليوم فقط، أن يتسنَّى لي استنشاق الهواء خارج غرفتي بضعَ ساعات، لٰكِنَّ الصُّدفة أوصلتنا إلى السِّينما ومشاهدة أحد الأَفلام الـمعروضة فيها. لم أستفسر عن الفيلم بِأَيِّ معلومة مِن عوفرا، حَتَّى إِنَّني لم أعرف اسمَه وما هي قصَّته، بالرغم من أَنَّها ألْقَتْ على مسامعي اسمه إِلَّا أَنَّني لم أركِّز فيه، كانت فكرة رؤيتي لفيلم في السِّينما بعد كُلِّ هٰذِهِ الفترة الطَّويلة، هي الـمتسلِّطة على قلبي وأفكاري، كان شوقي إلى الجلوس على مقعد في السِّينما وأمام شاشة كبيرة، وفي قاعة معتمة مُجَدَّدًا وبعد كُلِّ هٰذا الاِنقطاع، يسطو على كُلِّ مشاعري، وَكَأَنَّ جلوسي مُجَدَّدًا في قاعة السِّينما بات هدفًا في هٰذِهِ اللَّحظة وأريد تحقيقه، ولا شيء يعنيني غير ذٰلِكَ.

اِشترينا تذكرتين، دخلنا القاعة وَكانت شبه فارغة، ليس فيها غيري أنا وعوفرا وأربع نساء أخريات، يجلسن في صفِّ المقاعد الَّذي جلسنا فيه أيضًا.

رحتُ أتأمَّل القاعة بِكُلِّ تفاصيلها وزواياها وألوانها، لأوَّل مَرَّة يشدُّني اللَّون الأَحمر الطَّاغي على القاعة لأتذكَّر فورًا أَنَّ غالبيَّة دور العرض وَالمسارح الَّتي زرتها في حياتي قبل الاِعتقال، نُسِّقت بهٰذا اللَّون الأَحمر تحديدًا، سألت نفسي أسئلة لم أسألها قبل هٰذِهِ اللَّحظة أبدًا، وأسئلة لم أفكِّر بِالبحث عن أجوبة لها أصلًا، لِـماذا الـمقاعد في السِّينما حمراء اللَّون؟ لِماذا اللَّون الأَحمر يطغى على ديكور دُور العرض والسِّينما وَالمسارح في كُلِّ العالم بشكل عام؟ وما سر العلاقة الخاصّة بين اللَّون الأَحمر والسِّينما؟ هل هناك قانون متَّبع يحتِّم وجود اللَّون الأَحمر في السِّينما أم أَنَّها مجرَّد عادة؟ خلال فترة دراستي وتخصُّصي في الإِعلام وَالاخراج السِّينمائي في الجامعة، لم تخطر في بالي مثل هٰذِهِ الأَسئلة، ولم أفكِّر بالبحث عن تاريخ اللَّون الأَحمر هٰذا، أو عَن السّرِّ وراء اختياره ليكون اللَّون الرَّسمي الـمعتَمَد في صالات السِّينما. اِنقطعت حبال أسئلتي هٰذِهِ مع إطفاء الأَضواء وسماعي الخلفيَّة الـموسيقيَّة للفيلم، مُعلنةً بدء عرضه على الشَّاشة البيضاء الكبيرة الـممتدَّة أمامي، لتبدأ مشاعري مُواكَبَةَ دقائقه ومشاهده.

«وجوه أماكن/faces places»، فيلم حوَّل الصُّدفة الَّتي أحضرتني مع عوفرا لمشاهدته إلى لحظات انْحَفَرَتْ بماء الذَّهَبِ في  ذاكرتي. أن أشاهد فيلمًا يحكي عن التَّصوير وَالجداريَّات وأثر الصُّورة في حياة النَّاس، وفي هٰذِهِ الفترة الَّتي أعيشها بالذَّات مع الاِعتقال، ووسط كُلِّ هٰذِهِ الظُّروف الغريبة وَالقاسية وعدم قدرتي على ممارسة شغفي بالتَّصوير، هو قدَرٌ جميل ومثير بعث عنديَ الكثير مِن المعاني وَالأحاسيس.

كم كنت بحاجة لأن أعيش حياة جماعيَّة بشريَّة، لفئات اجتماعيَّة وطبقيَّة متعدِّدة الثَّقافات ورؤية حياة تعرض تآلُفَ الفرد مع الجماعة مِن جهة، وربْط الجماعة مع الفرد مِن جهة أخرى، لتصبح الهموم وَالمشاكل واحدة ومشتركة بين الجميع، كم كنت بحاجة إلى رؤية مشاهد تؤكِّد على وجود الإِنسان الحقيقي ومشاعره الإِنسانيَّة في هٰذِهِ الفترة بالذَّات، وَالفيلم مَنَحَني هٰذِهِ الفرصة.

عشت ساعة مع الفيلم وَلٰكِنَّها أكَّدت لي أَنَّني لم أخطئ حين اتَّخذت الكاميرا صديقة أبديَّة لي، أتبادل معها كُلَّ طقوس الوفاء، فأنا لم أخطئ حين كتبتُ يومًا: إلى أن أموت ستبقى الكاميرا أغلى رفيقاتي، وَالقلم أعزَّ حبيب.

مع جي آر وأنييس (أو أغنيس) فاردا، ومع تلك الوجوه وتلك الأَماكن اكتشفت طاقة الإِبداع الكامنة في روح المصوِّر الفوتوغرافي، وعرفت أَنَّ هٰذِهِ الطَّاقة لا تظهر إِلَّا من خلال قصص الأَشخاص الَّذينَ نقابلهم ونصوِّرهم، وننقل حكاياهم في تلك الأَماكن، ونحفر مشاعرهم عبر الصُّور. مع الفيلم شعرت بشوق كبير لاحتضان الكاميرا مُجَدَّدًا، وسماع صوت تكتكاتها في أذني، شعرت أَنَّني ظلمتها بهجراني لها كُلَّ هٰذِهِ الفترة بسبب هٰذا الاِعتقال، عدت إلى البيت وبداخلي طاقة مليئة بِالمشاعر وَالأحاسيس، أخرجت الكاميرا من الحقيبة، حضنتها ونظرت إليها طويلًا، عاتبتُ نفسي كثيرًا، وضحكتُ ضحكة طويلة قد تكون الأَطول في حياتي، شعرت أَنَّ لهٰذِهِ الضَّحكة صِلةً حقيقيّةً بالإبداع، ورسالة من الكاميرا تقول لي : هيَّا لنبدأ في تغيير هٰذا الـمكان وجدران هٰذِهِ الغرفة. أخرجت من الحقيبة كُلَّ أدوات التَّصوير، نظَّفْتُ العدسات وبدأتُ أفكِّر كيف يمكنني أن أصنع من لحظات اعتقالي في غرفتي الصَّغيرة هٰذِهِ، وبين تلك الجدران رسالة تمنح الآخرين فرصة للتَّفكير والتَّأمل، وكيف أحوِّلها من لحظات اعتقال إلى لحظات مطبوعة يلمس وجعها ويتأمَّل وجهها الآخرون، وتبعث لهم رسائل مضمونة الوصول عبر الزمن.

تأمَّلت صورًا معلَّقة على جدران الغرفة التقطتُها قبل الاِعتقال، وفجأة لمعتْ في رأسي وفي قلبي، فكرةُ التِقاط صور تحكي عن الإِقامة الجبريَّة الَّتي أعيشها، لتكون مشاهد توثيقيَّة في صور فنِّيَّة، تنقل الـمشاعر الَّتي أعيشها في هٰذِهِ الإِقامة الجبريَّة لِكُلِّ من سيراها يومًا، وتذكِّرهم وتذكِّر التَّاريخ بقصَّة اعتقالي وبوجع التَّجربة الَّتي أعيشها ومرارتها، عَسايَ بهٰذِهِ الصُّور، أثبت للمتلقِّي أَنَّ الاِعتقال البيتي وَالإقامة الجبريَّة للفنَّان هي أقسى طريقة تعذيب يمارسها الإِنسان على الإِنسان، وأبْشَع قمع لحرِّيَّته وحقِّه في الحياة والتَّعبير أيضًا.

واتَّخذتُ قرارًا وخاطبتُ نفسي: نعم سأصوِّر ليصبح لعيني صوتٌ أيضًا، يسمعه كُلُّ مَن حولي، وسأصرخ عبر هٰذا الصَّوت وأعبِّر من خلاله عن وجع اعتقالي، ووجع الكثيرين مِن أسْرى بلادي، لتبقى صرختي عالقةً في عيون الكثيرين.

بدأتْ أفكارُ التَّصوير تتوارد في رأسي فكرة وراء أخرى، قمتُ بتحويل زاوية مِن غرفتي إلى أستوديو صغير، يُساعدني على الْتقاط الصُّورالَّتي أريدها، وَهٰكَذا حرَّرْتُ أفكاري وعدت إلى التَّصوير وحطَّمت قيدًا جديدًا كان يخنقني، لأخفِّف به شيئًا مِن وطأة هٰذا الاِعتقال مع كُلِّ فكرة تخطر في بالي، وأحوِّلها بمعدَّاتي البسيطة إلى صورة تحكي وجعًا عشته خلال إقامتي الجبريَّة.

مع كُلِّ صورة كنت ألتقطتها وأنظر إليها، كنت أبتسم ابتسامة مليئة بالسَّعادة وبِالألم، كون الصُّور تعبِّر عن سجن وتعابير أعيشها، وأنا ألقي كلمات الشُّكر لكاميراتي ولعوفرا، على منحي هٰذِهِ الفرصة لاستعادة روح التَّصوير في داخلي.

هٰذا السِّجْن الَّذي يخنق ضلوعي حرَّرني بِالفعل مِن قيودٍ نفسيَّة كثيرة أخرى، وأطلق العنان لأحلامي ومشاعري لأغنّيها قصائد وأسردها حكايا، ومع كُلِّ قصيدة جديدة تولد في هٰذا الاِعتقال كنت أكتشف قدرة جديدة على الرِّضا والسَّعادة وَالإلهام لأصبح أكثر إبداعًا من تلك الأَيَّام الَّتي كنت فيها قبل الاِعتقال.

بعد عامين من الاِعتقال الَّذي لم ينتهِ ولم تلح بوادر نهاية له، تغيَّرت مفاهيمي عن الحرِّيَّة تمامًا، فأصبح السِّجْن هو حرِّيَّتي، إذْ حقَّقت فيه أحلامي بِالكتابة  التي تفرَّغت لها. صحيح أَنَّني خضت هٰذه الطَّريق مجبرة وغصبًا عَنِّي، إِلَّا أَنَّني أنتجت وكتبت، ووضعت خطَّة زمنيَّة ألزمت نفسي بها رغم الـمجهول الَّذي ينتظرني. في هٰذا السِّجْن وجدت الحلول لِكُلِّ الـمشاكل الَّتي كانت تواجهني، وَلِكُلِّ الصِّراعات العالقة في مشاعري، اِكتشفت أَنَّ السِّجْن وَالاِحتمالات القليلة وَالوقت الـمقيَّد يجعلني أكثر تركيزًا وعزمًا وإرادة وتحدِّيًا، حَتَّى إِنَّني استطعت أن أوسِّع هٰذِهِ البقعة الَّتي وضعوني فيها، وأرادوني منزوية في زواياها الضَّيِّقة، كانت الـمفاجأة للكثيرين حولي ولنفسي أَنَّني تحرَّرت أكثر، عرفت ببساطة أَنَّني وفي هٰذِهِ الفترة الَّتي  رسموها لحياتي خطوطًا سوداء شديدة الظُّلم والصَّرامة، أصبحت حرَّة أكثر من أَيِّ فترة مَرَّتْ عليَّ في الـمـاضي.

كأنَّ السِّجْن بأنواعه وتجربة السجن بكلِّ فتراتها، حَلٌّ ينقلني من معركة إلى أخرى مع مشاعر يصعب تصوُّرها، رُبَّما كان السِّجْن للوَهلة الأُولى في داخلي محطَّة انتظار، إِلَّا أَنَّهُ في الحقيقة عبارة عن حرب مستمرَّة ومتجدِّدة، لم ولن أنسى أَيَّ لحظة فيها، فليس ثَمّت أسير يعود كمـا كان قبل اعتقاله، فتجربة الاِعتقال تغيِّر الإِنسان تغييرًا شاملًا.

في هٰذِهِ السَّنوات أحببت العزلة بعيداً عن العائلة وَارتبطت بِالكتابة أكثر، ليس لِأَنَّهُمْ لم يأتوني بِالجديد، بل لِأَنَّهُمْ لم يأتوني بِالمفيد، ومع عزلتي ورغم الفقد وَالحرمان وَالقيود الَّتي كانت تفتح داخلي أبواب يأسٍ كثيرة، اكتشفتُ أحاسيس جديدة، أنبتَتْ داخلي نكهة خاصَّة لتوطيد علاقاتي مع الآخرين، وخصوصًا علاقات الصَّداقة وَالمحبَّة، وأيقنت أَنَّ الحرمان وَالغياب وَالاِنتظار وَالحنين وَالمعاناة ركائز أساسيَّة لتدعيم هٰذِهِ العلاقات وَاستمرارها لأجلٍ غير مسمَّى، على العكس من تلك العلاقات السابقة الَّتي نشأت في أجواء اليُسْر والمَرَح، وآلت في أوّل امتحان إلى الذبول فاليباس، وعرفت مع اعتقالي أَنَّ سبب انتهائها الحقيقي، هو كونها علاقات قامت على مُجاملات الآخَرين الفارغة. بينما أصدقائي الجدد هم الأَصدقاء الحقيقيُّون، معهم عرفت الـمشاعر الحقيقيَّة فكنت أشتاق وأصاب بِالحنين الـمتكرِّر لهم، أدركت معهم، وبقناعة تامَّة، قيمة العيش وقيمة الوفاء والتَّضحية.

أنتظر أن تعلن القاضية بصافرتها، البداية الجديدة أو النِّهاية للاِعتقال البيتي، بِالحكم النِّهائي وَالأخير في قضيَّتي! لأدخل بعدها في مباراة نوعيَّة، مباراة من صنف آخر ومميَّز، مختلفة عن كُلِّ المباريات الَّتي خضتها سابقًا، ليست الإِثارة عنوانها بل الإِرادة، وَالقرار فيها أيَّا كان، عنوانه أَنَّني لا زلت موجودة وسأبقى، وَأَنَّ عهدي لم ينتهِ كما أرادوا له الاِنتهاء، أنتظر الحكم النِّهائي وأنا على يقين تامٍّ، بِأَنَّني قادرة على الاِستمرار وَالاِنتصار أيضًا، مهما كانت نتيجة هٰذا الحكم، سواء كان السِّجْن مُجَدَّدًا أو الحرِّيَّة!

في فترة الاِنتظار هٰذِهِ بدأت فعاليَّات إحياء ذكرى يوم الأَرض والذِّكرى السَّبعين للنَّكبة، لتقرِّر الهيئات الوطنيَّة امتداد الفعاليات وَالـمظاهرات من يوم الأَرض (30/3) حَتَّى ذكرى يوم النَّكبة (15/5)، وكان أشدَّها في غزَّة الـمحاصرة الَّتي شهدت أحداث قمع للمتظاهرين، من قبل جيش الاِحتلال بِكُلِّ الوسائل، والَّتي أدَّت إلى استشهاد 112 إنسانًا وإصابة 13190 آخرين، ذنبهم الوحيد أَنَّهُمْ رفعوا العلم الفلسطيني، ونادوا من أجل نهاية الحصار وَالعودة إلى بلداتهم الَّتي هُجِّروا منها قَسْرًا عام 1948.

اِستُشهد الصَّحفي وَالمسعف وَالمقعد والطِّفل وَالعجوز وَالفنَّان، تفنَّن جيش الاِحتلال في قنص هٰؤُلاءِ الأَبرياء، دون أَيِّ رادع من قبل أَيِّ جهة محلِّيَّة أو دوليَّة؛ فَكأنَّ قَتْلَ الأَبرياء بهٰذِهِ الصُّورة العلنيَّة وَالمباشرة الوحشيَّة ليس إرهابًا يجب أن يُحاسَب عليه الجناة، بينما كتابة قصيدة هي الإِرهاب حَسَبَ منطق سياسة الأَبرتهايد الإِسرائيلي. كان عليَّ أن أرى هٰذِهِ الـمشاهد وأتألَّم على صور الشُّهداء، لأعبِّر عن وقفتي مع أبناء شعبي، من خلال قصائدي ورسوماتي وكتاباتي، كطريقة أتَغَلَّبُ بها على قلَّة حيلتي وسط هٰذا الاِعتقال.