image
image
image

20

image

عانيت من تأجيلات متكرِّرة لجلسة النُّطق بِالحكم لأسباب مختلفة، تسبَّبت بها كُلُّ الجهات الـمرتبطة بمحاكمتي، مَرَّات كثيرة بطلب من النِّيابة ومرَّات أخرى من القاضية، ومرَّات قليلة من الـمحامية الَّتي تدافع عَنِّي أيضًا.كان التَّأجيل بِالنِّسْبَة إليهم أمرًا هيِّنًا وسهْلًا، كيف لا، وهُم ليسوا المعتقلين ويمـارِسون حياتهم الـمعتادة دون أَيِّ قيد أو شرط، أَمَّا أنا فكان التَّأجيل أصعب خبركنت أتلقَّاه في فترة الاِعتقال، كانت التَّأجيلات تضايقني كثيرًا، لٰكِنَّني ومع كثرة التَّأجيلات تعلَّمت الصَّبر أكثر، والتَّأقلم مع هٰذا الظَّرف أيضاً، وَالخروج منه خروجاً اضطراريّاً ينقذني من السُّقوط في بئر الإِحباط وَاليأس.

كنت كُلَّما تلقَّيت خبراً بتأجيل جديد، أدخل إلى غرفتي أضع سمَّاعات الأَذنين وأشغِّل الـموسيقى الكلاسيكيَّة بصوت مرتفع، وأستمع إليها بِكُلِّ حواسِّي ومشاعري، كانت الـموسيقى هي الوحيدة القادرة على امتصاص غضبي في هٰذِهِ اللَّحظات العصيبة، بل أصبحتْ هي متنفَّسي الوحيد مِمَّا أعانيه، من ضغوطات نفسيَّة وَاجتماعيَّة وعائليَّة، بِالإضافة إلى الكتابة، كانت الـموسيقى قادرة وبشكل غريب على أن تسيطر عليَّ، وتفرِغ قلبي وفكري مِن مشاعري الـمتوتِّرة وَالغاضبة على هٰذا الواقع الـمرير.

كان انغماسي مع ألحانها، كثيرًا ما يستمرُّ لساعتين وأحياناً لثلاث ساعات متتالية، أو رُبَّما أكثربدون ملل أو تعبٍ، وحين أنتهي من هٰذِهِ الـمرحلة أشعر بالرَّاحة والطُّمأنينة والتَّجدُّد، لتعود إليَّ هدأة النَّفس، فأدخل بعدها في مرحلة انتظار آخر للموعد الجديد الـمحدَّد مِن قبل القاضية.

أفْضَتْ كثرة التَّأجيلات إلى إطالة إقامتي الجبريَّة، وَاستمرارها لعامين وسبعة شهور.في 3-5-2018 عُيِّنَتْ جلسة النُّطق بالحكم إِمَّا بتثبيت التُّهم في ملف قضيَّة قصيدتي الخطرة، أو بتبرئتي منها.

وصلتُ إلى مبنى الـمحاكم في النَّاصرة فهالني كَمُّ الناس الموجودين والَّذين جاؤوا لحضور محاكمتي في هٰذِهِ الجلسة الفاصلة.

اِتَّسع التَّضامن الشَّعبي مع قضيَّتي بشكل غير متوقَّع، وَامتلأت قاعة الـمحكمة بالدَّاعمين لقضيَّتي، مِن كُلِّ الفئات الاِجتماعيَّة والسِّياسيَّة العربيَّة وَاليهوديَّة، اَلكلُّ ينتظر القاضية أن تنطق بحكمها النِّهائي؛ بدأتْ قراءة قرارِها بصوتٍ خافت غير مفهوم بِالكاد كنَّا نسمعه، نوَّهتُ لها بأَنَّني لا أسمع شيئًا مِمَّا تقوله، ثُمَّ بدأ الحضور بِالإشارة إليها بذات الملاحظة، توقَّفتْ عن القراءة للحظات وقالت إِنَّها مريضة ولا تستطيع أن ترفع صوتها أكثر، صَرَخ الحضور طالبين أن يتمَّ تشغيل مُكبِّر الصَّوت (المـايكرفون) الـموجود أمامها، فقالت إِنَّهُ معطَّل، وَالمضحك أَنَّ حدَّة صوتها ارتفعت عندما نطقت بتَيْنِكَ العبارتين وَاختفى مَرضُها فجأة لثوانٍ! عادت لقراءة قرارها بِالإدانة وبصوتها الـمنخفض جِدًّا حَتَّى بدَتْ كَمَنْ يهمس الكلام همسًا ولنفسهِ فقط، لم نسمع من كلامها شيئًا وَلٰكِنَّنا في النِّهاية وبعد أن تسلَّمنا أوراق بروتوكول الـمحكمة، عرفنا أَنَّها أدانتني بكافَّة التُّهم الـموجَّهة ضدِّي جـملة وتفصيلًا، وعيَّنت موعد 31/05/2018 للاِستمـاع لمداولة ونقاش مدَّة ونوعيَّة العقوبة الَّتي يجب أن أتلقَّاها مِن قِبَل النِّيابة والدِّفاع، بِالكاد استمرَّت الجلسةُ عشر دقائق وسُلِّمت لي 53 ورقة مطبوعة، فيها شَرْح وتفسير للأسباب الَّتي حثَّت القاضية على قرار الإِدانة هٰذا وَالأمور الَّتي اعتمدت عليها لاتِّخاذ هٰذا الحكم ضدِّي.

مِن هٰذِهِ اللَّحظة ما عدتُ متَّهمة بالتَّحريض على العنف وَالإرهاب وتأييد تنظيم إرهابي، بل بتُّ الآن مدانةً رسميًّا بهٰذِهِ التُّهم وعليَّ انتظار نطقهم بنوع العقوبة ومدَّتها في نهاية الشَّهر، لي ولقصيدتي الخطرة!

لم أفاجأ بالإِدانة لِأَنَّني توقَّعتها، بل كنت سأتفاجأ لو تَمَّت تبرئتي في هٰذِهِ القضيَّة، فمنطق الاِحتلال لا يعرف إِلَّا الظُّلم وَالاستمرار في مسلسله العنصريَّ الذي ابتدأت وقائع حلقته الأولى يوم احتلاله لهٰذِهِ الأَرض، كيف أفاجأ وأنا أعلم أَنَّني أخضع لمحاكمة تديرها سياسة الاِحتلال، ودولة أقيمت على حساب حقِّ أبناء شعبي الفلسطيني؟ فسياسة وسلطة دولة أقيمت بعد أن صادرت من أبناء شعبي كُلَّ حقوقه، وَاستوطنت على كُلِّ هٰذِهِ الأَرض الَّتي هي من حقِّنا، لن يكون من الصَّعب عليها مصادرة حقِّ إنسانة شاعرة في التَّعبير وَالكلام وَالكتابة، ومصادرة آخر أمل لي بِالحريَّة القريبة.

برغم كُلِّ الأَلم الَّذي ينتابني من هٰذِهِ الإِدانة، إِلَّا أَنَّني كنت أشعر أيضًا ببعض السَّعادة، لِأَنَّني بتُّ ألمس وأرى النِّهاية تقترب مِنِّي، وأسمع تصفيقًا يعلن انتهاء هٰذِهِ الـمسرحيَّة الَّتي استمرَّ عرضها قرابة الثَّلاث سنوات، عبر التَّمثيل الممنهج الـمليء بِمشاهد العنصريَّة وَالاِضطهاد، مِن قبل هٰذِهِ الـمنظومة السُّلطويَّة السِّياسيَّة، الَّتي تدير البلاد تحت شعارات الدِّيمقراطيَّة وَالعدالة وحقوق الإِنسان وكرامته.

لم يتمكن قرار الإِدانة مِن تغييب ابتسامتي عن وجهي، برغم مشاعر القلق وَالإحساس العميق بالقهر وفظاعة الظَّلم الَّذي أتكبَّده في قلبي من كُلِّ ما يجري وسيجري، وَجَدْتُني أرَشقُ وجْهَ القاضية  ووجه النَّائبة العامَّة بسِهامِ ابتسامةِ تحدٍّ وقوَّة، فَابتسامتي في وجوههنَّ في هٰذِهِ اللَّحظات بالذَّات هي بمثابةِ انتصار. وابتسمت في وجه أصدقائي ابتسامة طمأنَةٍ وثبات وصمود لأشعرهم بحبِّي لهم أكثر، فَابتسامتي بوجه من أحبُّ، هي أسمى تعبير عن الحبِّ وَالوفاء الَّذي أكنِّه لهم في قلبي. وَابتسمت ابتسامة أهديتها لروحي، وأنا أخاطبها وأعطيها دفعة إيجابيَّة إضافيَّة لتواصلَ الصُّمود وَالفخر وَالاِعتزاز. ابتسمتُ في وجه الجميع بعفويَّة وبدون تخطيط مِنِّي، وَكَأَنَّ في ابتسامتي هٰذِهِ إجابة عن كُلِّ سؤال يوجَّه إليَّ، مِن قِبَل وسائل الإعلام الحاضر بكثافة  في هٰذِهِ الجلسة. ابتسمتُ وَاختصرت بِابتسامتي كُلَّ الكلام الَّذي يمكن أن يُقال، وبعثت عبرها أصدق رسالة يمكن أن تصل إلى العالم الـمنتظِر نتيجة هٰذِهِ الـمحاكمة. كانت ابتسامتي في هٰذِهِ اللَّحظة هي نشوة بِالاِنتصار وليس انتصارًا فقط، فيكفي أَنَّني بِهٰذِهِ الاِبتسامة البسيطة العفويَّة، لم أحقِّق غاية من أراد لي الشُّعور بِالحزن والنَّدم وَالبكاء. كانت ابتسامتي رسالة واضحة مفادها أن لا قوَّة على هٰذِهِ الأَرض، قادرة على إخراس صوتي وإحساسي وشِعري وكتاباتي، ورفضي لِكُلِّ من أراد وساهم في ذٰلِكَ، سواء من السَّلطات الإِسرائيليَّة أو مِن ذاك الَّذي يسمُّونه "ابن عمِّي"، والَّذي اعتقد وظنَّ أيضًا بدوره، أَنَّ مشاركته بحبسي وبهٰذِهِ الـمحاكمة سيُخرس صوتي نهائياً، لِأَنَّهُ سيُفاجأ بأَنَّ أوتاراً أكثر قوَّة قد وُلِدَتُ لِصوتي، وستترك وراءها صدى أكثر تأثيراً.

لم تكن ابتسامتي تعبِّر عن السَّعادة، وَعن أَنَّني كنت حقًّا سعيدة، وَلٰكِنَّها تقول إِنَّني مع قصائدي بتُّ أقوى من كُلِّ الظُّروف ومن كُلِّ التُّهم ومن كُلِّ السُّلطات. بِابتسامتي كنت الأَقوى حقًّا وبرفقتها ذهبت بعيدًا. مع كُلِّ ابتسامة خرجتْ مِن قلبي وارتسمتْ على وجهي، شعرتُ أَنَّني فعلًا قويَّة وَأَنَّني بصحبة هٰذِهِ الاِبتسامة ومعي الشِّعْر، يمكنني الذَّهاب إلى الأَبعد. فالسِّلاح الوحيد الَّذي بتُّ أمتلكه في هٰذِهِ الـمعركة هو فقط الشِّعْر وَالاِبتسامة. بِابتسامتي قلبت الهزيمة إلى نصر وَالإدانة إلى براءة، رأيتُ شعري ينتفض وينتصر على كُلِّ هٰذِهِ السُّلطات الـمحيطة به، شعرت أَنَّ ابتسامتي هٰذِهِ أبكت الأَعداء وأفقدتهم لذَّة انتصارهم الوهمي الَّذي سعوا إليه كُلَّ هٰذِهِ الفترة، وَكَأَنِّي أقول وأثبت عبر ابتسامتي أَنَّ سجَّانيَّ هم الـمدانون وَالمذنبون والسُّجناء، لا أنا.

قرأت حكم الإِدانة الَّذي كتبته القاضية الَّتي تحوَّلت معه بين ليلة وضحاها من عملها في دائرة القضاء، إلى باحثة في اللُّغَة والشِّعر، وأصبحت معلِّمة للُّغة ومحلِّلة للشِّعر وفنونه، شرحت القصيدة بمفهومها الخاصِّ وعبَّرت أيضًا عن الـمصطلحات الـمذكورة فيها وَالكلمات وفسَّرتها بقاموسها الخاص، وَحسب المنطق الَّذي اتَّخذته النِّيابة والشُّرطة جملة وتفصيلًا. أَمَّا الشَّيء الـملفت في تحليل إدانتها، أَنَّها اعتمدت ترجمة الدُّكتور يوني ماندل الـمختصِّ بالتَّرجمة مِن قِبَل هيئة الدِّفاع، وَلٰكِنَّها قالت إِنَّها لم تقتنع بتفسيراته لمعاني القصيدة، إِنَّما اقتنعت أكثر بتفسير الشُّرطي مترجم القصيدة، لكونه عربيًّا واللُّغة العربيَّة هي لغة الأُمِّ له، وترعرع في الـمجتمع العربي الَّذي أنتمي أنا إليه؛ وَلِأَنَّهُ يفهم هٰذِهِ الـمصطلحات وما القصد من وراء ذكرها في القصيدة، بعكس الـمترجم الـمختصِّ الَّذي درس التَّرجمة، وَلٰكِنَّ اللُّغَة العبريَّة هي لغة الأُمِّ له، وقد تربَّى وترعرع في مجتمع مُغاير وبيئة مختلفة عن الـمجتمع الَّذي أنتمي أنا إليه.

قرأت الإِدانة عدَّة مَرَّات وفي فترات مختلفة، وفي كُلِّ مَرَّة أجدني تائهة أكثر، وأبحث عن قصيدتي الَّتي ضاعت وسط كُلِّ هٰذِهِ التَّفسيرات والتَّحليلات والتَّرجمات الخاطئة، لدرجة أَنَّني كثيرًا ما كنت أضحك مع قراءتي لتحليل القاضية، وما استندتْ إليه لأجل تثبيت الاِتِّهامات عليَّ وإدانتي بِكُلِّ التُّهم الـموجَّهة ضدِّي.

لم تُخِفْني الإِدانة بقدر ما أثارتني وحفزتني على التَّفكير بالمرحلة القادمة، وَالـمدة الَّتي يمكن أن تطلبها النِّيابة لمثل هٰذِهِ الإِدانة، وضرورة البدء بالتَّخطيط لمواجهة القادم أيًّا كان، لِأَنَّني أخيرًا سأقرأ  بعينيّ نهايةً ما باتت قريبة جِدًّا منِّي.

بعد نشر خبر الإِدانة مباشرة خرجت وزيرة الثَّقافة والرِّياضة ميري ريجيف، بتصريح مصوَّر عبر صفحتها في الفيس بوك، وعبَّرت فيه عن فرحتها بقرار قاضية محكمة الصُّلح في النَّاصرة لإدانتي بِكُلِّ التُّهم، وهي تضحك مبتسمة، ثُمَّ صرَّحت أَنَّها تبارك هٰذا القرار الصَّائب وَالحكيم بعد أن وصفتني بِـ «الإرهابيَّة الـمجرمة»، لتحرِّض مِن جديد عليَّ وعلى مُعاقبة مسرح يافا لعرضه الـمسرحيَّة، الَّتي تَضَمَّنَتْ أيضًا عرْض قصيدتي وقراءتها، في أمسية الدَّعم الَّتي أقيمَت مِن أجل قضيَّتي، على الرغم مِن أنّ النِّيابة أقرَّتْ في وقت لاحق، بأَنَّ هٰذِهِ الأَمسية وهٰذِهِ الـمسرحيَّة الَّتي تَمَّ عرض قصيدتي فيها، هما عمل فنِّي وجزء لا يتجزَّأ من حرِّيَّة التَّعبير عن الرَّأي، ولا يمكن معاقبة الـمسرح على ذلك العرض وتلك الأَمسية.

تذكَّرت وأنا أقرأ وأراجع أوراق الإِدانة، حضور أحد موظَّفي المجلس الـمحلِّي، في البلدة، بزيارة مفاجئة إليَّ، كانت زيارته كمحاولة منه لمساومتي على التَّنازل وعدم الاِستمرار بِالقضيَّة، والاِعتذار للسُّلطة بِأَنَّني مخطئة، والتَّوقيع على تعهُّد منِّي ووعد خطِّي بعدم كتابة القصائد السِّياسيَّة بتاتًا، بل بعدم التَّطرُّق للسِّياسة في كتاباتي أبدًا، ومقابل ذٰلِكَ سيتمُّ إغلاق هٰذِهِ القضيَّة! تشجَّع أحد إخوتي وهو صديق له ومعهما أبي لهٰذا العرض الـمغري، ظنًّا منهم أَنَّ هٰذِهِ الطَّريقة ستريحني وتريح العائلة مِن كُلِّ القلق، وَأَنَّهُمْ بهٰذا العرض يقدِّمون لي الـمساعدة. أَمَّا أنا فكان ردِّي الرَّفض كلِّيًّا وعدم النِّقاش بالـموضوع، لدرجة أَنَّني أهنته بكلماتي بطريقة أو بأخرى، وتقريبًا طردْتُ هٰذا الشَّخص من البيت، بعد أن استهزأت منه ومن كُلِّ من أيَّده ووافقه هٰذا الرَّأي وهٰذا الغباء. مساعدته الـمرفوضة هٰذِهِ منِّي، عادت ضدَّه برسالة منِّي له ولأمثاله، ولمن أرسله بقوَّة لم يتوقَّعوها، حين رأيت امتقاع وجهه وصدمته، مِن رفضي لهٰذِهِ الـمساومة القذرة من قبلهم. بعد مقاومتي لهٰذا العرض الجديد، ورفضي التَّنازل عن حقِّي وشعري وقصائدي، بدأتْ الضُّغوطات تنهال عليَّ من قِبَل العائلة أيضًا، كمحاولة منهم للتَّأثير على قراري، إِلَّا أَنَّني أفسدت لهم كُلَّ شَيْءٍ، ولم يؤثِّر ذٰلِكَ عليَّ أبدًا، بل على العكس، ازداد تشبُّثي برأيي وحقِّي وصمودي حَتَّى النِّهاية، موضِّحة للجميع أَنَّني لم أحتمل كُلِّ هٰذِهِ الـمدَّة من الاِعتقال وَالقهر والـمعاناة، لأجْل أن أوقِّع على هٰذا الخنوع وبهٰذا الشَّكل الجبان، وصمَّمت على أَنَّني سأستمرُّفي الطَّريق الَّذي بدأتْه وَاخترته، وسأواصِلُ الكتابةَ باللُّغة الَّتي أختارها وبِالكلمات الَّتي تحلو لي، وبالتَّعابير الَّتي تروق لجوِّ القصيدة الَّتي أكتبها حَتَّى رمقي الأخير، وإنْ كلَّفني ذٰلِكَ السِّجْن لسنوات، فلن أتراجع عن رأيي، كوني مقتنعة اقتناعاً تامَّاً بحقِّي في التَّعبير عن رأيي بالشِّعر، مثلي مثل بقيَّة الشُّعراء، وَأَنَّ هٰذا الفنَّ الَّذي أتقنه يجب أن يمتاز بحصانة مِن هٰذِهِ الدِّيمقراطيَّة الـمُدَّعاة.

كانت عودتي بذاكرتي إلى هٰذا الـموقف، وقراءتي لملفِّ الإِدانة سببًا إضافيًّا للتَّصالح مع ذاتي مَرَّة أخرى تصالحًا تامًّا، شعرتُ بعدها بِاحترامٍ وتقدير كبير ين لنفسي، وبسلام داخلي لم أشعر به أبدًا من قبل، أحسستُ بتدفُّق الأَفكار، الأحاسيس في قلبي ومخيِّلتي لكتابة الشِّعْر أكثر.

هٰذا السَّلام الدَّاخلي الَّذي ينتابني مع كُلِّ حادثة تحصل معي في هٰذا الاِعتقال، ومع الإِقامة الجبريَّة وكلِّ ما يُحيط بي، بات يولِّد في داخلي انفجارًا ليصبح هو ذاته القضيَّة وموضوعًا أكتبه في قصائدي، وأدركت أَنَّ سلام الذَّات لا يأتي إِلَّا بعد أن تسمع النَّفسُ طبول الحرب، وَأَنَّ شعري كي يبقى حيًّا، يجب أن يحافظ على لونه الَّذي يمثِّلني ويحكي واقعي كما هو.

بعد تنوّع العناء مِن هٰذا الاِعتقال، استطعت أن أتخلَّص من كُلِّ الأَشياء الَّتي أرهقت روحي. لم أعد أتعلَّق بِالأشياء كما كنت سابقًا، أزلت عَنِّي حبًّا زائفًا لأشخاص كنت أعتقد أَنَّهُمْ أصدقاء أوفياء لي، وعرفت الحبَّ الحقيقي الَّذي يستحقُّ مِنِّي نزف مشاعري، تشبَّثت أكثر بأحلامي، عرفت نفسي أكثر وأعطيتها فرصة أكبر لاكتشاف الأَشياء الكامنة فيها، والَّتي لم أكُن أعلم أَنَّها موجودة فيها، تخلَّصت أيضًا من عادة قضم أظافري الَّتي كنت أمارسها قبل الاِعتقال بإفراط، في ظلِّ الضُّغوطات النَّفسيَّة الَّتي عشتها، كرهت هٰذِهِ العادة كثيرًا وحاولت الإِقلاع عنها مرارًا، إِلَّا أَنَّني كنت أفشل دومًـا، وَلٰكِنَّني استطعت تحقيق ذٰلِكَ أيضًا في هٰذا الاِعتقال، وفي خضمّ هٰذِهِ الضُّغوطات، ليمنحني هٰذا الإِنجاز انتصارًا آخر على نفسي وعلى ظروفي، ولتزداد ثقتي بإرادتي أكثر. تصالحت وتوافقت مع ذاتي وتحرَّرت مِن كُلِّ هٰذِهِ القيود، ولم يتبقَّ إِلَّا قيدٌ واحدٌ هو سجني هٰذا، ومعرفة موعد حرِّيَّتي لأتحرَّر من كُلِّ القيود وأحتفل بِالحرِّيَّة الكاملة.