![]() | ![]() |
يوم 31/05/2018 السَّاعة الحادية عشرة صباحًا، القاعة ممتلئة بِالحضورأكثر مِن كُلِّ الجلسات السَّابقة. اِمتلأت القاعة ولم يعد ثمّت أماكن فارغة، أراد الحرَّاس إخراج من لم يجد له مقعدًا، إِلَّا أَنَّ الـمحامية جابي لاسكي، طلبت من القاضية السَّماح للحضور بِالجلوس في الـمقاعد الأَماميَّة الـمخصَّصة للمحامين، وافقتْ القاضية وجلس الجميع عربًا ويهودًا ومِن خلفيَّات حزبيَّة سياسيَّة مختلفة جنبًا إلى جنب، ومن الأَطر الاِجتماعيَّة كافَّة، جلس الجميع في مشهد لصورة ستبقى خالدة في ذهن كُلِّ مَنْ حضر هٰذِهِ الجلسة، ورأى هٰذِهِ الوجوه النَّاظرة وَالـمنتظرة وَالقلقة وَالـمترقِّبة للقرار الَّذي ستنطق به القاضية، صورة نقلت معنى السَّلام الحقيقي الَّذي لم نعشْه جميعنا مِن قَبْل، وأكثر ما ميَّزه أَنَّهُ كان صادقًا مِن الجميع قلبًا وقالبًا، صورة بقدر ما هي جميلة، إِلَّا أَنَّها تحمل في معناها رسالة سامية وعظيمة، وخاصَّة أَنَّني وقصيدتي مدانتان بالتَّحريض ودعم الإِرهاب، حسب القضاء العنصري، إِلَّا أَنَّها في الواقع نشرت الحبَّ وَالأُلفة وَالـمودَّة بيننا جميعاً. كانت هٰذِهِ الجلسة في عيني، كصورة نقلت للعالم كلِّه معنى الحبِّ الَّذي لم يعشه أحد، ولم يفهم معناه إِلَّا من حضر هٰذِهِ اللَّحظة الـمؤثِّرة؛ فقصيدتي الخطرة وأنا الشَّاعرة «الإِرهابيَّة الـمجرمة»حسب ميري ريجيف، حقَّقنا حبًّا وسلاماً سيذكره القلب دائمـًا.
تميَّزت النِّيابة، وكعادتها، بإحضار المفاجآت في كُلِّ جلسة، كانت الـمفاجأة في هٰذِهِ الـمَرَّة، أَنَّها قدَّمت مرافعتها وادِّعاءاتها لنوع وفترة العقاب الَّذي تطلب من الـمحكمة الحكم به، بنصٍّ مكتوب على الورق. لم نعرف هٰذِهِ الـمدَّة التي تقترحها النيابة إِلَّا بعد أن أخذت الـمحامية جابي لاسكي، فترة استراحة امتدَّت لأكثر من نصف ساعة، قرأت فيها ما كُتِبَ في الأوراق لينكشف الـمستور أخيرًا، ونعلم أَنَّ النِّيابة تطلب حبسي لفترة تتراوح بين 15 شهرًا إلى 26 شهرًا، لِأَنَّ السِّجْن هو الرَّادع الوحيد الـمُجدي لأمثالي. اَلسِّجْن هو الرَّادع الوحيد الـمناسب للحدِّ من الجرائم الَّتي أقدمتُ على ارتكابها، وَكَذٰلِكَ دفع غرامة لم تحدَّد قيمتها، وطلبت مِن القاضية أن تحدِّدها هي حسب ما يُناسب قضاء الـمحكمة في مثل هٰذِهِ التُّهم، وَكَذٰلِكَ تقييدي بعد قضاء الحكم، بسجْنٍ مع وقْف التَّنفيذ، إن قمتُ بِارتكاب الـمخالفات نفسها في الـمستقبل.
أَمَّا الـمضحك في مرافعتها الـمكتوبة، فكان قولها إنَّني لم أُظْهِرْ حَتَّى الآن أَيَّ ندم على ما فعلتُه، والدَّليل على ذٰلِكَ هو عدم ندمي على نشر القصيدة وَالاِعتذار عن ذٰلِكَ، وَالاِعتراف بأَنَّني ارتكبت خطأ بنشري لها. أَمَّا التَّفاهة التي بلغت ذروتها، حين ذكرت أيضاً أَنَّني لم أظهر هٰذا النَّدم، بدليل أَنَّني لم أقم بحذف الـمنشورات من صفحتي، ولم أبادر لفعل ذٰلِكَ. ليس هناك أمرٌ يمكن أن يضحكني أكثر من هٰذِهِ الأَقوال، كوني أصلًا منذ أن تَمَّ اعتقالي لم يُسمَحْ لي باستعمال الإِنترنت، وكون جهاز الكمبيوتر خاصَّتي وهاتفي النَّقَّال، محتجزين في الشُّرطة منذ اعتقالي وَحَتَّى اللَّحظة!
أَمَّا الأَمر الَّذي أضحكني أكثر فكلامها مُجَدَّدًا عن خطورة قصيدتي وكلماتي، وَزعمها أَنَّ تحريضي على العنف وَالإِرهاب لم يتوقَّف حَتَّى اليوم، لأَنَّ الـمنشورات لا تزال موجودة في صفحتي، فهل هناك شيءٌ يمكن أن يكون مضحكًا أكثر من هٰذا الكلام البائس، الَّذي يبدي مدى تفاهة تعامل الشُّرطة والنِّيابة مع قضيَّتي، منذ بداية الاِعتقال وَالقبض عليَّ حَتَّى اليوم، فحين تعتقلني الشُّرطة وتقيِّد حرِّيَّتي، وبِالـمقابل تترك قصيدتي الخطرة حرَّة طليقة، يسمعها ويراها جميع البشر في هٰذا العالم، فإنَّهم بهٰذا العمل لم يوقفوا هٰذِهِ الخطورة المزعومة، بل ساهموا بنشر ها أكثر فأكثر، فالشُّرطة في قضيَّتي وقضيَّة قصيدتي الخطرة، تعتقلني وتحرض فضولَ كل الناس على قراءة القصيدة "التحريضيّة"! إِنَّ هٰذِهِ المسألة من أتفه الـمسائل الَّتي عشتها أو قرأت عنها في حياتي، ولا أظنُّني سأقرأ أو سأتعرَّف على شيءٍ، يتفوَّق عليها تفاهة طوال حياتي. ولربمـا يصح نعتها بنكتة العصر.
قرأتْ أيضًا في مرافعة النائبة العامة الـمكتوبة تضخيمًا لِكُلِّ ما اتُّهمتُ به، وأكاذيب وأضاليل، وإيراد أمثلة مزعومة لأشخاص، حوكموا بِتُهَم مُشابهة لما اتهمت به، وَأدينوا وحُكِموا بالعقوبة التي تُطالب بتسليط مثلها علي.
رغم كُلِّ الضَّحك وَالـمأساة وَالـمشاعر الـمتناقضة الَّتي انتابتني وأنا أقرأ مرافعة النَّائبة العامَّة، إِلَّا أَنَّني تأثَّرت كثيرًا بمرافعة محاميتي جابي لاسكي عَنِّي، على غير كُلِّ الجلسات الَّتي ترافعت فيها عَنِّي كإنسانة شاعرة، وعن حقِّي في التَّعبير عن رأيي، عبر فنِّ الشِّعْر الَّذي أجيده وأتقنه. تركت هٰذِهِ الـمرافعة أثرًا كبيرًا في نفسي وقلبي، فكلماتها وعباراتها كانت مليئة بمشاعر الـمحبَّة الصَّادقة، فهي لم تكن تترافع عَنِّي كمحامية تدافع عن موكِّلتها، إِنَّما كإنسانة مقتنعة بِالفنِّ والشِّعر واللُّغة وَالإبداع، دمعت عيني حين سمعتها تقول: «نحن نقف أمام شاعرة مُدانة، تقف في أروقة الـمحاكم لأكثر من سنتين ونصف، بسبب إنتاجها الإِبداعي، وحين نطلب من الـمبدع، الفنَّان، الشَّاعر أن يتنكَّر لإبداعه، فَالأمر شبيه بأن يتمَّ انتزاع قلبه من جوفه».
هٰذِهِ الكلمات منها اختصرت كُلَّ الـمشاعر الَّتي انتابتني خلال هٰذِهِ الـمحاكمة، وأسكتت صدى الصَّوت الَّذي كنت أسمعه، في كُلِّ مَرَّة سمعت فيها كلام عتاب وتأنيبًا لي على كتابتي ونشر قصيدتي هٰذِهِ، مِن أفواه الكثيرين مِن الـمحيطين بي، مِن أفراد عائلتي وأصدقائي، قالتها ونقلتني معها إلى مشاعر مليئة بِالحياة وَالأمل والطُّمأنينة، كلماتها أشعرتني بثقة إضافيَّة وزادت عزيمتي عزماً وصبري صبرًا وإصرارًا، على الأَقلِّ في هٰذِهِ اللَّحظات العصيبة الَّتي أشهدها وتشهدها قصيدتي معي.
اِنتهت الجلسة، وسألتني القاضية إن كنت أوافق على الجلوس مع ضابط سلوك، وأعطتني الحقَّ بالرَّفض أو القبول لهٰذا الطَّلب، مع تنويه منها أَنَّ قبولي لهٰذِهِ الخطوة يتطلَّب الاِنتظار فترة، لا تقلُّ عن ثلاثة شهور لتحديد موعدٍ للنُّطق بِالحكم، حين سألتني محاميتي عن الـموضوع رفضت الفكرة رفضًا تامًّا، لإدراكي أَنَّ هٰذا الأَمر لن يضيف إلى القضية جديداً، إِنَّما هو شكل من أشكال زيادة مدَّة العقاب بتمديد وجودي رهن الإِقامة الجبريَّة، أشهرا لا تُحتسب من مدَّة العقاب، في حال حُكِم عليَّ بالسَّجن الفعلي لِأَيِّ مدَّة كانت.
قبلت القاضية قراري بالرَّفض وقالت موجِّهة كلامها لكلا الطَّرفين، الدِّفاع والنِّيابة:
أبلغوني فقط إن تغيَّر رأيكم بشأن هٰذا الـموضوع.
وحددت جلسة الحكم بتاريخ 24/06/2018، على الساعة الحادية عشرة صباحاً.
تنفَّست الصُّعداء مع سماعي تاريخ النُّطق بِالحكم وموعده، وشعرت براحة، كوني سأنهي صراع الاِنتظار الَّذي أعيشه داخلي، بعد أن عشت معه طوال هٰذِهِ الفترة، بدون رؤية ضوء في آخر النَّفَق.
عشت حياتي كلَّها وأنا أكره الاِنتظار ولحظاته، ما أصعب أن أعيش الاِنتظار، وأنا أعلم أَنَّ ما أنتظر حصوله ليس بيدي، إِنَّما بقبضة سلطة قوَّة أخرى تتحكَّم بوقتي، أنتظر وأتنفَّس الصُّعداء مع كُلِّ يوم يمرُّ، ولا أتلقَّى فيه أَيَّ مكالمة يخبرونني بها عن تأجيل جديد.
مع كُلِّ يوم يمضي رغم بطئه، يقترب موعد النُّطق بِالحكم أكثر، وأشعر بالرَّاحة بعض الشَّيء، راحة مشوبة بأحاسيس الترقب والخوف والقلق، لكوني بتُّ قريبة من النِّهاية الَّتي انتظرتها كثيراً، بغضِّ النَّظر عن السيناريو الذي وضعوه لها.
ما أصعب ساعات الاِنتظار، وأنا جالسة في مناخ هٰذا الاِعتقال، وحيدة منعزلة ، أحدِّق في فضاء غرفتي وفي كُلِّ أشيائها، أمارس فيها كُلَّ طقوسي الـمعهودة الَّتي ملَّتني ومللتها، ألاعب القطَّتين الفارسيَّتين، وأتأمَّل كُلَّ تحرُّكاتهما ونظراتهما ومداعبتهما لبعضهما البعض تارة، ومداعبتي تارة أخرى، ليس هناك شيءٌ خطر في بالي، إِلَّا ومارسته أوجرَّبته أو حاولت القيام به، لأمرِّر وقت انتظاري القاتل هٰذا، أصبحت غرفتي حقل تجارب لأفكاري ومشاعري وأحاسيسي. تطول السَّاعات أكثرمع نظراتي إلى الهاتف بمشاعر عتاب، وأنا أقلِّب في رأسي أسماء اشتقت رؤيتها، تضيء على شاشة هاتفي القديم والصَّغير. عشت مع الاِنتظار ولوعته أمنياتٍ مع نبضات حنيني، لسماع أصوات صديقات لي اختفت أصداء أصواتهنَّ عن أذني منذ بَدْءِ اعتقالي، أنتظر وأنا أستعيد ذكريات الأَمس الجميل، لأصحو على واقع آخر، أرى فيه أشباحًا لخيالات لن تتحقَّق، أنظر وأنتظر وأحاول أن أبعث في نفسي الأَمل الكاذب الَّذي أراه يذوب أيضًا مع الأَيَّام والسَّاعات واللَّحظات، لأقرِّر مُجَدَّدًا أَلَّا أنتظر واحدة منهنَّ أكثر من ذٰلِكَ، وأن أرمي قصَّة الحبِّ والصَّداقة الَّتي كانت، وأنظر فقط في حياتي الحاليَّة والصَّداقة الَّتي تحيطني في وقت ضيقي، وهي الأَصدق وَالأَكثر جمالًا في قلبي، كونها أنبتت قصَّة حبٍّ جديدة ومن نوع آخر لم أعرفه مِن قبلُ.
يأكل الاِنتظار قلبي كما تأكل النَّار فتيل شمعة، وتذيبها قطرة بعد قطرة، حَتَّى أصبح حِمْلًا ثقيلًا عليه وعليَّ مع مرور الوقت، خاصَّة مع توقُّعاتي غير الـمُطَمْئِنَةِ بشأن الحكم الَّذي ينتظرني. حاولت بِكُلِّ الطُّرق استغلال هٰذا الوقت بشيء يفيدني، وَلٰكِنْ لا مهرب من تلك الـمشاعر الَّتي تصاحبني مهما حاولت ذٰلِكَ.
يوم الخميس 21/06/2018 أفقتُ في الثَّامنة صباحًا، نظرتُ في السَّاعة وتأمَّلت التَّاريخ طويلًا، وَابتسمتُ ابتسامة طويلة، حين خاطبتُ نفسي أطمئنها بأَنَّ هٰذا اليوم سينتهي، وبما أَنَّني وصلت إلى نهاية الأَسبوع، فلن يكون هناك تأجيلٌ هٰذِهِ الـمَرَّة. تنفَّست الصُّعداء، وشعرتُ أَنَّني أقترب شيئًا فشيئًا مِن لحظات الحسم الحقيقي، لأنهي أخيرًا معركتي مع الاِنتظار. تلقَّيتُ مكالمات كثيرة لأشخاص معنيِّين بحضور الجلسة، ويدعمون موقفي ويساندونني بهٰذِهِ الـمحاكمة، ليتأكَّدوا مِن وقتها وتاريخها وموعدها، وَمِن أَنَّه لن يتغيَّر.
السَّاعة الثَّالثة بعد الظُّهر، يرنُّ الهاتف، وعلى شاشته الزَّرقاء الـمضيئة، يظهر اسم الـمحامية جابي لاسكي، أخذت نفسًا عميقًا وأجبت على الـمكالمة، ليأتيني منها الخبر القاتل بقرار القاضية تأجيل الجلسة.
شعرت بدوار شديد، وَبأَنَّ العالم كلُّه يدور مِن حولي، اِرتميتُ على السَّرير ولم أستوعب خبر التَّأجيل دون كُلِّ الـمَرَّات الَّتي تلقَّيت فيها كُلَّ التَّأجيلات السَّابقة. كانت هٰذِهِ الـمَرَّة كرصاصة غير متوقَّعة أصابتني فجأة وأنا في حفلة عرس، شعرتُ بأَنَّ قلبي سيتوقَّف عن النَّبض في أَيِّ لحظة، لم أعد قادرة على الكلام ولا على سماع أَيِّ كلمة من أَيِّ إنسان. أحسستُ بأَنَّ كُلَّ مباني الصَّبر الَّتي عملت على ترميمها وبنائها، طوال هٰذِهِ الفترة انهارت عليَّ انتقامًا مِنِّي، انتابني كرْهٌ لِكُلِّ شيء حولي، لعنت كُلِّ الأَشياء وكل الأَفكار الَّتي آمنتُ بها، لعنتُ صبري، قوَّتي، قراراتي، حظِّي، قدري... لم يعد ثَمَّتَ مكان للإيمان بهٰذِهِ الأَشياء في قلبي، تكسَّر داخلي كُلُّ شَيْءٍ جميل تعلَّمته وتحطَّمتْ كُلُّ أفكار الـمنطق، وما عاد لها أَيُّ وجود في رأسي، صدمت، صدمة حقيقيَّة حَفَرَتْ في قلبي وفكري.
ما عدتُ قادرة على استيعاب ما يحصل، كأنّ الـموت يقترب مِنِّي، بل تمنَّيته أن يخطف روحي ويخلِّصني مِن هٰذا العذاب. ضعفت وأحسست أَنَّ الجميع يتلاعب بمشاعري ككرة قدم، يركلونها بأرجلهم إلى جدار قاسٍ مليء بِالـمسامير ويتناوبون على ركلها بلا رحمة، وينتظرون فقط أن أنفجر قهراً وألـماً. خفت من ردَّة فعلي المصدومة وَالمتوتِّرة وَالغاضبة، خفت أن تكون هي الأَخرى نقمة مِنِّي على الآخرين، وهُم لا ذنب لهم بما حصل ويحصل. لم أرِدْ أن أقسو على أحد بمشاعري وكلماتي مثلما يقسو الآخرون على قلبي، فقرَّرت أن لا أتكلَّم مع أحد بشأن هٰذا الـموضوع، وأن أسكت عن هٰذا الخبر مع الآخرين، وبالذَّات مع الأَصدقاء الـمقربين مِنِّي، كي لا تنفلت مِنِّي أَيُّ كلمة تؤذي مشاعرهم! اتِّصالٌ واحدٌ ووحيدٌ فقط، قمت به مضطرَّة إلى عوفرا أعلمتها بِالخبر بكلام مقتضب جِدًّا، وطلبت منها أن توصله إلى جميع الرِّفاق وَالأصدقاء وأغلقت الهاتف.
تمنَّيت للحظة لو أنّ بِاستطاعتي ممارسة طقوسي القديمة الَّتي كنت أقوم بها قبل الاِعتقال في لحظات الضِّيق الَّتي تنتابني، كنشر قصيدة لي في مدوَّنتي أو عبر صفحتي في الفيس بوك، وَانشغالي بمتابعة وقراءة الرُّدود الَّتي تأتيني عليها، أو الخروج وحدي وَالوقوف أمام البحر الَّذي أعشق لساعات، أو ممارسة رياضتي الـمحبَّبة كالسِّباحة والرَّكض على الشَّاطئ، أو الـمشي وحدي لساعات في أحياء النَّاصرة وشوارعها، أو في أحياء عكَّا ومينائها وسورها بصحبة كاميراتي، وأنا أضع في أذني سمَّاعات الـموسيقى الَّتي أحبُّ أن أسمعها، لأنقِّي نفسي مِن كُلِّ هٰذا التَّعب الَّذي اجتاحني، تمنَّيتُ لو بِاستطاعتي الخروج وحدي لأنفثَ كُلَّ ما أشعر به من غضب، بشغفي بالتَّصوير الَّذي دائمًا كان مُنقذي من كُلِّ حالات التَّوَهان الَّتي يفرضها عليَّ القدر. تمنَّيت الكثير وَلٰكِنِّي استيقظت على واقع يفرض عليَّ أن لا أحقِّق شيئًا مِمَّا أتمنَّاه، بل هُو يمنعني من تحقيق أَيِّ شيء أحبُّه وأريده، لأغلق باب غرفتي عليَّ بِالـمفتاح وأغلق معه النَّافذة والسَّتائر فَيَسُود الظَّلام في غرفتي الصَّغيرة، وأضع السَّمَّاعات في أذني وأشغِّل موسيقى موزارت بأعلى صوت، على أمل أن تنجح هٰذِهِ النُّوتات بِامتصاص كُلِّ غضبي كما في الـمَرَّات السَّابقة.
هٰكَذا وبكلمات قليلة من القاضية، عدت من جديد إلى مُسلسل الاِنتظار الطَّويل وَالـممل وَالقاتل، لجلسة النُّطق بِالحكم، وكان السَّبب حسب ما كتبته في قرار التَّأجيل: «بعد النَّظر وقراءة ادَّعاءات الطَّرفين بشأن العقوبة، لا تزال صورة المتَّهمة غير واضحة بالنِّسبة لي، ومن أجل توضيح هٰذِهِ الصُّورة فإني بحاجة إلى تقرير ضابط السُّلوك عن المتَّهمة». وحدَّدت موعدًا بتاريخ 26/07/2018 كحدٍّ أقصى لتسليم هٰذا التَّقرير من قبل ضابط السُّلوك وتاريخ 31/07/2018 موعدًا لقراءة قرار الحكم.
بعد ساعات عشتها مع نفسي ومع رؤيتي للموعد الـمحدَّد الجديد، بدأت أشعر بِالاِمتعاض أكثر، وَبأَنَّ القاضية ومن خلال هٰذا القرار بالتَّأجيل، تمارس ضدِّي نوعًا جديدًا من التَّعذيب وبشكل متعمَّد، مثلها مثل كُلِّ الـمنظومة الَّتي تدير قضيَّتي.
شعرت أَنَّ الكلَّ يتعامل معي فقط كملفٍّ وكرقم، وَأَنَّ كُلَّ الجهات تنسى أَنَّ ثَمَّةَ إنسانة تقف وتنتظر، وتعاني بظروف قاسية جِدًّا. أَمَّا الـموعد الجديد الـمحدَّد أيضًا، فهو مصدر قلق آخر بِالنِّسْبَة لي، كونه تقرَّر بعد بداية عطلة الـمحاكم الرَّسميَّة، ومن تجربتي خلال فترة الاِعتقال، فقد تَمَّ تأجيل جلستين من القاضية نفسها في العامين الـماضيين، قبل موعدهما بيومين أو ثلاثة أَيَّام، وتحويلهما إلى موعد آخر بعد انتهاء العطلة في نهاية أيلول، وكان سَببُ التَّأجيل آنذاك، هوعدم موافقة النِّيابة على العمل في فترة العطلة، وإن رفضت القاضية طلب النيابة كانت تعلل رفضها بذريعة وجود تغيير أو طارئ يحتِّم تأجيل الـمحكمة، قبل يوم أو يومين فقط! خفتُ مِن تكرار السِّيناريو ذاته مَرَّة أخرى هٰذا العام أيضاً، بل بتُّ شبه متأكِّدة أَنَّ ذاك ما سيحصل فعلًا!
سيطرتْ على فكري وقلبي هٰذِهِ الهواجس، وفكَّرت بحلٍّ يختصر عليَّ الكثير مِن عذاب الاِنتظار، لأتَّخذ قراري بعد تفكير طويل، وأن أنهي بنفسي هٰذا الصِّراع، وألغي الاِعتقال البيتي بعودتي إلى السِّجن، لأبدأ بمرحلة العدِّ للفترة الَّتي سيحكمونني بها، وأختصر على نفسي شيئًا من وطأة هٰذا الزَّمن الَّذي يمشي بحركة عكسيَّة، وأنهي أيضاً مسلسل تفنُّنهم بتعذيبي بهٰذِهِ الطَّريقة اللَّاإنسانيَّة.
ما عدت قادرة على تحمُّل المزيد مِن هٰذِهِ الضُّغوطات، رأيت نفسي ضعيفة منهارة، لا حول لي ولا قوَّة، فكَّرت كثيرًا بحلولٍ أخرى وَلٰكِنِّي ما عدت قادرة على إيجاد طرقٍ محفِّزة لتخطِّي كابوس الاِنتظار الجديد، شعرت أَنَّهُمْ استنزفوا مِنِّي ومن جسدي كُلَّ الطَّاقة، وَأَنَّ هٰذا هُو الحلَّ الوحيد لإنهاء مسلسل الاِعتقال الـمنزلي، هٰذا الَّذي لن يحسب أصلًا من فترة العقاب الَّتي ستنطق بها القاضية. فَلْأكتبْ أنا هٰذِهِ الـمَرَّة الحلقة الأَخيرة له، وبالطَّريقة الَّتي تسهِّل عليَّ ولو قليلًا من أحاسيس العذاب الَّتي لا يشعر بها ولا يعيشها أحد سواي، قرَّرت أَلَّا أنتظر التَّعذيب القادم، وَأَلَّا أنتظر أن تكتب القاضية أو النِّيابة مَرَّة أخرى تأجيلًا جديدًا، وهما لا تنظران إلى قضيَّتي، إِلَّا كملفٍّ مرمي على أحد رفوف مكاتبهم، أو كرقم مهمَّش ومهمل في جهاز حاسوب أصمّ. ففي هٰذا الاِعتقال ووسط هٰذِهِ الظُّروف الـمقيِّدة وَالقاسية، أنا الوحيدة الَّتي أتعذَّب هنا، وَالكلُّ يمارس حياته بحرِّيَّة تامَّة، أنا فقط الَّتي يتمُّ التَّلاعب بمشاعرها دون رادعٍ إنسانيّ.
هٰكَذا قرَّرت أن تكون محاكمتي في هٰذا اليوم وبقرار مِنِّي، على الرغم مِن صعوبته لِأَنَّ فيه الكثير من دلالات الاِستسلام والضَّعف، اللَّذَيْنِ جاءا نتيجة لانتكاسة في الـمشاعر وَفقدان الأمل بتوقُّع إنصاف وعدْل، من هٰذِهِ الـمحكمة العنصريَّة الفاشيَّة الكافكائيَّة، وعزمْتُ فعلًا على تنفيذ هٰذا القرار وبأسرع وقت، ودون أن أستشير أحدًا في الـموضوع لأنتظر الفرصة الـملائمة وَانتهاء عطلة نهاية الأَسبوع، وأخبر محاميتي بهٰذا القرار الصَّعب.
لم تعرف عيناي طعمًا للنَّوم لثلاثة أَيَّام، ولم يذق لساني سوى طعم الـمـاء، برغم كُلِّ ما أشعر به، إِلَّا أَنَّني ومع قراري الَّذي اتخذتُهُ، كتبت قصيدة جديدة، وكانت هٰذِهِ القصيدة الوحيدة الَّتي استطاعت أن تحرِّر الاِبتسامة من داخلي في صباح يوم الأَحد، بَعْدَ أن غابت عن وجهي طوال الأَيَّام الثَّلاثة الـمـاضية.
هٰكَذا، أخرجتني القصيدة مُجَدَّدًا من بئر مظلمة إلى سماء مضيئة ومنحتني السَّلام النَّفسي، وبعثت إليَّ الرِّسالة الَّتي انتظرتها، وهي الرِّسالة الأَهمُّ بِالنِّسْبَة لي، لتؤكِّد أَنَّني وبرغم قراري الصَّعب وَالمؤلم، لن أتوقَّف عن كتابة الشِّعر، حَتَّى في أسوأ وأقسى الظُّروف، وبرغم كُلِّ هٰذِهِ الضُّغوطات الَّتي أحياها، فالشِّعر هو الشَّيء الوحيد الَّذي لم تهتزَّ مكانته داخلي ولم تتحطَّم أركان إيماني به، وبقيت مكانته كما كانت، بل وزاد تأثيره عليَّ أكثر في هٰذا الوقت الصَّعب مِن حياتي، وبالذَّات في ظلّ هٰذا القرار القاسي.
يوم الأَحد 24/06/2018 بدل أن أقف أمام القاضية، ذهبتُ بصحبة عديت بارسيلور الـمرافقة الـمعيَّنة لي مِن قِبَلِ الـمحكمة ويوآﭪ حيفاوي، للقاء محاميتي، وَانضم إلى الجلسة عدد من الرِّفاق الـمتابعين للقضيَّة وَالـمقرَّبين جِدًّا منِّي .
أعلنتُ قراري أمام الجميع، وسمعت الرَّدَّ من محاميتي الَّتي لم توافقني أبدًا عليه، بل أبدت كُلَّ امتعاض مِن الفكرة ورفضتها، حَتَّى إِنَّها وصفتها بِالاِستسلام، خاصَّة ونحن مشرفون على النِّهاية، وضَّحت لي بعض النِّقاط وأكَّدت أَنَّ خطوتي هٰذِهِ ستضرُّ بِالقضيَّة، وتعطي الضَّوء الأَخضر للقاضية لاتِّخاذ الحكم بسهولة ضدِّي وبالسَّجن الأَكيد، وَإِنَّني بهٰذا القرارالـمتسرِّع ألغي الاِحتمال بعدم دخولي السِّجن، وإن كان احتمالًا نسبته ضئيلة جِدًّا، وَلٰكِنَّهُ وارد أيضاً ومعروض على طاولة القرار أمام القاضية. نظرتُ في عيون مَن حضروا، وأحسست كم شعروا بِالبؤس وَالحزن لأجلي، ورأيت أَنَّني أنانيَّة في اتِّخاذي هٰذا القرار، قتلتْني النَّظراتُ الـموجَّهة إليَّ مِن الأَصدقاء، وكلمات محاميتي، شعرتُ كأنّها سهام أصابت قلبي في الصَّميم، بكيتُ في داخلي حَتَّى ما عدت قادرة على حبس دموعي وَانهياري أكثر، فبكت عيناي أيضًا، بلَغَ ضعفي أمام كُلِّ هٰذا العبء أقصاه، وَانسحبتُ مِن الجلسة هاربةً مِن تلك النَّظرات إلى خارج الـمكتب، وقفت لدقائق وأنا أبكي حائرة ضائعة، عينات لحقتني وأخذت تنظر إليّ وأنظر إليها، ترقرقت الدُّموع في عينيها، عَلْما جاءت بعد ذٰلِكَ، اقتربت منِّي وحضنتني، حاولت الاثنتان أن تخفِّفا عنِّي الوجع الَّذي أعيشه، لم أستطع أن أكون سببًا في تعاستهما، نظرت إليهما وقلت لهما: "أنا بخير"، نظرت للسَّماء، تنفَّست نفسًا عميقًا، كنت حزينة ويائسة وَلٰكِنَّني أقنعتُ نفسي مُجَدَّدًا، إقناعًا رُبَّما كان كاذبًا هٰذِهِ الـمَرَّة، بأَنِّي مخطئة باتَّخاذي هٰذا القرار وبأنّهُ ليس مِن حقِّي الاِستسلام في هٰذِهِ الـمرحلة، فَعُدْتُ إلى الجلسة وعلى وجهي ابتسامة، رُبَّما أعيد بها الطُّمأنينة إلى الوجوه الـمنتظِرة وَالقلقة، عدْتُ لأعدلَ عن قراري بالتَّراجع عنه وسحبه، وقلت لكلِّ المجتمعين في المكتب: "سأكمل في الإقامة الجبريَّة الصَّارمة هٰذِهِ، وبالشُّروط القاسية الَّتي أعيشها، وَلٰكِنْ إن تأجَّلت جلسة المحكمة مَرَّةً أخرى فلا أستطيع أن أكمل". أخرج مِن الجلسة، لأستمرَّ في الإِقامة الجبريَّة الظَّالمة، وأنا أنتظر بمزيد من التَّرقب وَالخوف وَالقلق، مِن أَيِّ تأجيل جديد لموعد جلسة المحكمة الأَخيرة المتعلقة بمحاكمتي ومحاكمة قصيدتي الخطرة.
عدت إلى البيت، وبدأ كابوس الاِنتظار يعيش معي مُجَدَّدًا، وَلٰكِنَّهُ في هٰذِهِ الـمَرَّة كان أصعب انتظار عشته، لِأَنَّهُ جاء بعد أن تنازلت عن قراري، ومع شعوربأَنَّني أنا من قيَّدت نفسي بقيود الإِحباط والضَّعف لثلاث مَرَّات مع هٰذِهِ الاِنتكاسة، مَرَّة حين قرَّرت عدم الاِستمرار بِالاِعتقال البيتي، وأعلنت الاِستسلام في هٰذِهِ الـمرحلة، وَمَرَّةً ثانية حين تراجعت عن قراري الَّذي اتَّخذته بنفسي، والَّذي كنت أراه أكثر قرار منطقيٍّ يخلِّصني من الحالة الَّتي أعيشها، مع يقيني التَّام بعدم إنصاف قضيَّتي في الحكم النِّهائي من قبل القضاء الإِسرائيلي، وَمَرَّةً ثالثة حين تسبَّبت بطريقة أو بأخرى، في بَثِّ مشاعر الأَلم في قلوب الأَصدقاء وَانهرت بِالبكاء أمامهم، دون أن أفكِّر بمشاعرهم وقلقهم وخوفهم عليَّ، هٰكَذا وفي الحالات الثَّلاث رأيت نفسي ضعيفة ومنهارة وأنانيَّة، كون القضيَّة لم تعد قضيَّتي الشَّخصيَّة، بل قضيَّة كُلِّ مَن وقف معي وساندني، ولم يتركني طوال فترة اعتقالي. شعرت أَنِّي هٰذِهِ الـمَرَّة قمْتُ بسَجْنِ نفسي بنفسي بقيود ومشاعر كنت قد تحرَّرت منها خلال فترة الاِعتقال، بعدَّة حالات مررت بها، بل وحاربت كثيرًا كي أتحرَّر من سلاسلها. كان خضوعي لهٰذا الضَّعف وتقييدي لنفسي، شبيهاً بتكبيلِ حرِّيَّتي من قبل السُّلطات الإِسرائيليَّة، وحرماني من نشر ما أكتب وممارسة حياتي الطَّبيعيَّة، برغم حاجتي ورغبتي لفعل ذٰلِكَ أكثر من أَيِّ وقت مضى، وتقييد آخر شبيه بِالخضوع لإرادة الـمجتمع وَالعائلة وحكم الذُّكورعليَّ مَرَّة أخرى، وهي الأغلال الَّتي حاربت كثيرًا في حياتي من أجل التَّحرُّر منها.
لم أستطع قتل خوفي مع هٰذا الاِنتظار الجديد، خارت قواي أمام هٰذِهِ اللَّحظات القاسية، شعرت أَنَّ الوقتَ أصبح بطيئًا جِدًّا. إِنَّ هٰذِهِ الـمَرَّة مختلفة عن كُلِّ سابقاتها فشجاعتي لم تعد كافية، لأبدأ معركة جديدة مع الوقت وَالاِنتظار، حاولت أن أفرض سيطرتي على الوقت وليس العكس، إِلَّا أَنَّ الاِنتظار هو الَّذي يطول وعمري هو الَّذي يقصر ويقلُّ، ولا شيء مضمون مع انتظاري هٰذا، حَتَّى إِنَّني بتُّ أشكُّ إن كنت حقًّا سأعيش حَتَّى اللَّحظة الَّتي سأسمع فيها النُّطق بِالحكم، فربَّما يباغتني الـموت قبل الحكم أيضًا، وتكون كلمته هي الأخيرة في حكايتي هٰذِهِ. تلك هي حقيقة الـمشاعر الَّتي صرت أعيشها، فلا يوجد شيءٌ مضمون في هٰذِهِ الحياة لِأَنَّ الحياة ذاتها أصلًا غير مضمونة مع هٰذا الاِعتقال. عدت مع كُلِّ هٰذِهِ الأَحاسيس، إلى محاولات إشغال نفسي بِالأمور الَّتي أحبُّها وَالـمسموح لي القيام بها، بغية عدم إهدار وقتي الـمرهون بقرار من القاضية، وتمضيته بأمور تفيدني وتضيف لحياتي شيئًا يترك أثرًا، سواء كان لي أو للآخرين أوحَتَّى للزَّمن.
في ساعات الظَّهيرة من هٰذا اليوم الكئيب، تلقَّيت اتِّصالًا بتحديد موعد مع ضابط السُّلوك ليوم الأَربعاء 27/06/2018 السَّاعة الحادية عشرة صباحًا.
لم أجهِّز نفسي لِأَيِّ سؤال أو أَيِّ جواب يأتيني مِن هٰذا الضَّابط، ولم أتلقَّ أَيَّ تجهيز أو تحضير أو تنويه مِن قِبَل محاميتي بشأن هٰذا اللِّقاء أيضًا، على الرغم مِن أَنَّها وعدتْني أن توجِّهَني التَّوجيه اللَّازم لتخطِّي هٰذا اللِّقاء بأفضل نتيجة ممكنة، إِلَّا أنها لم تفعل ذٰلِكَ، وأنا لم أبادِرْ بدوري بالاِتصال بها والسُّؤال عن الـموضوع، كنتُ غير مبالية وغير مكترثة بهٰذا اللِّقاء أصلًا، والشَّيء الوحيد الَّذي رسمته في رأسي، أَنَّني لن أنطق بِأَيِّ كلمة اعتذار وندم على ما فعلته مهما حصل، وأيًا كانت النَّتيجة الَّتي تنتظرني، لاقتناعيَ التَّامّ بأَنَّني لم أخطئ بشيء.
جلستُ على كرسي في غرفة انتظار، وبيدي كتاب أقرأ فيه مطمئنَّة وهادئة، منتظرة أن يبدأ هٰذا اللَّقاء مع ذاك الضَّابط، بعد ربع ساعة دخل شاب في الثَّلاثينات من عمره، تأكَّد مِن هُويَّتي وطلب مِنِّي الدُّخول معه إلى مكتبه.
أشار لي بيده إلى لمكان الـمحدَّد لجلوسي.جلس هو على مكتبه وجلست بِدَوري، فورًا وبنظرات هادئة تجوَّلت عيناي في جميع زوايا الغرفة وأنحائها، حَتَّى الْتصقت بلوحة فوتوغرافيَّة كبيرة عُلِّقت بِالقرب من مكان جلوسي وأمام عينيّ مباشرة، كان المصوِّر الفوتوغرافي ستيف ماكوري التقطَها للفتاة الأَفغانيَّة شربات جولا. نظرت إلى بريق عينيها الخضراوين السَّاحرتين، وتعمَّقت في نظرتها الحادة والثَّاقبة الـملهمة للقوَّة والتَّحدي بما تفيض عنه مِن ألم وَغضب وَمُعاناة، فرأيت فيها تناصّاً مع الـمشاعر الَّتي تنتابني أو سَبَقَ أن انتابتني في مراحل عديدة من حياتي، وخصوصًا منذ بداية قضيَّة محاكمة قصيدتي الخطرة، تلك الصُّورة الَّتي الْتقطت لشربات عام 1984وهي في مخيم للَّاجئين الأَفغان وقت الحرب، وأصبحت فيما بعد رمزًا لمعاناة أفغانستان تحت ما كان يصفه الغَرْبُ بالاِحتلال السُّوفييتي، تحوَّلت هٰذِهِ الصُّورة في عيني فجأة كصورة طبق الأَصل لحكايتي، مع معركتي الطَّويلة لاحتلال السُّلطات الإِسرائيليَّة حياتي، وسرقة حقِّي في التَّعبير عن رأيي ومصادرة حقِّي بكتابة الشِّعْر ونشره بحرِّيَّة.
تركت نفسي تحكي مع الصُّورة، والصُّورة تردُّ عليَّ، وللحظة شعرتُ أَنَّ مَن تقف أمامي هي صديقة مقرَّبة جِدًّا إلى قلبي، بل هي الأَقرب إليه وترسل إلي الرِّسالة الَّتي لم يستطع أحد أن يوصلها سواها، وتقرأ على مسامعي بيتًا من أبيات قصيدتي الـمتَّهمة:
لا تَرْهَبْ أَلْسُنَ "مِرْكافا" إِنَّ الحَقَّ بِقَلْبِكَ أَقْوى
خرجت بقرارٍ معها ومع نفسي فورًا، وهو أن نسجِّل من هٰذا اللِّقاء انتصارًا بطريقة أو بأخرى، بدون أَيِّ تنازل عن قصيدتي ومبادئي وموقفي، وبلا أَيِّ ضعف أو تراجع.
هٰذا اللِّقاء فُرض عليَّ فرضًا وهو قائم الآن، ووظيفتي أن أبرمجه وأحوِّله إلى مباراة كرة قدم، ألعب فيها دور الـمهاجمة وأسجِّل انتصارًا لصالحي وصالح فريقي، وَلٰكِنْ بهدف ذاتي قاتل وفي الوقت بدل الضَّائع أيضًا وفي مرمى كُلِّ من شارك في تعذيبي، من يوم اعتقالي حتى هٰذِهِ اللَّحظة الَّتي أعاني فيها بسبب التَّأجيل وَالاِنتظار الـمقيت.
كي أتصالح مع نفسي مُجَدَّدًا وأنسى ما حصل مؤخرًا، عليَّ حصد انتصار من هٰذا اللِّقاء بِأَيِّ طريقة ليتحوَّل إلى حافزٍ، يساعدني على الاِستمرار في ما تبقى مِن انتظار موعد جلسة النُّطق بِالحكم.
اِبتسمت ابتسامة عريضة وبادلت الفتاة الأَفغانيَّة شربات جولا نظرة كنظرتها وَكَأَنِّي بنظرتي هٰذِهِ أقف أمام تلك الرَّفيقة الـمحبَّبة إلى قلبي وَالـعزيزة على عيني، أعبّر عن تَلَهّفي للقائها ورؤيتها، تخيَّلتها تخاطبني وتقول لي: لتكن حكايتك كحكاية هٰذِهِ الصُّورة الَّتي دخلت التَّاريخ صدفة، ومن غير تخطيط. تخيَّلت أمامي لحظة الْتقاط ستيف ماكوري هٰذِهِ الصُّورة، بعد أن تفاجأ بهٰذِهِ الطِّفلة تسأله: «هل تأخذ لي صورة؟» اِلْتقط هٰذِهِ الصُّورة، وهو لم يفكِّر للحظة أَنَّ تلك الصُّورة الَّتي اختارَتْهُ هِي فَرَضَخَ لاختيارها تلقائيّاً، ستكون صورةَ حياته، لِأَنَّ هٰذِهِ الصُّورة الَّتي الْتقطها عام 1984 ونشرها كصورة غلاف في مجلة ناشيونال جيوجرافيك عام 1985، نقلته إلى مكان آخر ومنحته جائزة «الجولد كادا»، بعد أن أحدثت نظرة شاربات جولا تَيّارًا مِن الإعجاب بجماليّة الصورة أفضى إلى التعاطُف الإنسانيّ مع صاحبة الصورة ومعاناة شَعبها عبْر العالم إبّان نشرها، ولم يتلاشَ أثرُ الصَّورة حَتَّى اليوم. فكرتُ حينها أَنَّني وقصيدتي نستحقُّ صورة كهذه تليق بمعاناتنا طوال هٰذِهِ القضيَّة، لتبقى هي الأُخْرى في ذاكرتنا. وقرَّرت على الفور أن أصوِّر نفسي صورة، لا تقل بهاءً عن هٰذا البهاء الصَّامد أمامي طوال هٰذِهِ السَّنوات، صورة لنفسي لا أنساها أبدًا وتخلد في فؤادي، خلودَ هٰذِهِ النَّظرة الـمعلَّقة أمامي على هٰذا الجدار، صورة أهديها لصديقتي ورفيقتي الَّتي تنتظر بترقُّب مثلي سماع خبر مِنِّي وعنِّي، يريح قلبها ويسعدها ويقلِّل ولو شيئًا يسيرًا من قلقها وخوفها عليّ.
كانت هٰذِهِ الرِّسالة بمثابة قرار ألزمْتُ به نفسي، وطلبت منها أن تبدأ بتحقيقه الآن، لأجل بلوغ الاِنتصار الَّذي أرجوه، والَّذي وضعته هدفًا أمام عيني، وهو أن أدير أنا هٰذا اللِّقاء وبالطَّريقة الَّتي أريدها. على ضوء هٰذا القرار بادرت بفتح الـمحادثة فورًا مع الضَّابط، كي أجرده مِن فرصة طرح أسئلته الرُّوتينيَّة عليَّ، و أجعله يسمع قصَّة قصيدتي الخطرة الحقيقيَّة، الَّتي لم ولن يقرأها في أوراق القضيَّة، وَالَّتي دوَّنتها النِّيابة وَالمحكمة، وأن أعطيه الـمعلومات الَّتي أريد أنا أن أوصلها له وبأفكاري ووجهة نظري، قبل أن يكوّنَ أفكاره عَنِّي مِن أوراق القضيَّة ولائحة الاِتِّهام وملفِّ الإِدانة. فَالاِنتصار الحقيقي في مثل هٰذِهِ الـمباراة لن يأتي إِلَّا بمباغتة الفريق الـمنافس، وتسجيل الهدف كما خطَّطت له بالتَّفصيل.
بإلهام صديقتي وتذكُّري لشطر قصيدتي، عرفت أَنَّ البداية تبدأ مع حقيقة ما أشعره، وَالحقِّ الَّذي أحمله في قلبي، وبكلِّ ثقة فتحت الحديث معه وبدأته قائلة:
"فقط لتعلم من البداية، أنا الآن جالسة أمامك في هٰذا اللِّقاء غصبًا عَنِّي، فهٰذا اللِّقاء تَمَّ بدون إرادتي وبعدم موافقتي، أنا موجودة هنا فقط لِأَنَّ القاضية قرَّرت أَنَّها بحاجة للتَّقرير الَّذي ستكتبه عَنِّي، وأجَّلت محاكمتي بسببه، برغم أَنَّها سألتني إن كنت موافقة فأجبتها برفض ذٰلِكَ رفضًا باتًّا، والسَّبب أَنَّني لا أثق بِكُلِّ هٰذِهِ الـمنظَّمة الَّتي تدير محاكمتي، وبالتَّالي فهي أيضًا ذات المنظَّمة الَّتي تعمل أنت فيها".
دامت الـمحادثة ثلاث ساعات متواصلة، تحدّثت خلالها فقط عن علاقتي بالشِّعر والتَّصوير، وعن حقِّي بالتَّعبير عبر هٰذا الفنِّ الَّذي أجيده بحرِّيَّة، وتطرقتُ إلى تجربتي مع الكتابة فتحدثت عن بداية التجربة والجيل الشعري الذي أنتمي إليه، وعن أَوَّل قصيدة كتبتها وعن موضوعها. تحدَّثت عن الوضعيَّة الَّتي وصلت إليها قضيَّتي وَالَّتي وصفتها له بغير القانونيَّة وَالعنصريَّة، وَالَّتي لا تمتُّ بصلة للدِّيمقراطيَّة الَّتي تدَّعيها السُّلطات الإِسرائيليَّة، وشرحتُ له عن الدَّعم الَّذي أتلقَّاه من العالم أجمع، وأعطيته أسماء الجمعيَّات الَّتي دعمت ولا تزال تدعم قضيَّتي في عِدَّة دول من العالم، وذكرت على مسامعه بعضًا من أسماء الكُتَّاب والشُّعراء وَالفنَّانين الَّذينَ وقَّعوا على العريضة من أجل الـمطالبة بإطلاق سراحي، حدَّثته عن القضيَّة وأبعادها السِّياسيَّة وَالاِجتماعيَّة والثَّقافيَّة، وردَّات الفعل الَّتي جاءت منذ بَدءِ قضيَّتي حَتَّى خبر التَّأجيل الأَخير الَّذي تلقَّيته.
أَمَّا هو فحاول لأربع مَرَّات، أن يحصل مِنِّي على اعتذار على ما فعلته، وأن يجعلني أنطق بكلمات النَّدم على كتابتي لهٰذِهِ القصيدة، إِلَّا أَنَّني أصررت على موقفي، وقلت له إِنَّني لا أشعر بِأَيِّ شعور من مشاعرالنَّدم، وكلِّي اقتناع بأَنَّ ما فعلته هو الصَّحيح، كوني عبّرت عن شعور ألمَّ بي بكتابة قصيدة شعر ، أيْ حَوَّلتُ أحاسيسي الإنسانيّة إلى عَمَلٍ فَنيّ.
اِنتهت الـمحادثة بجملة منه اختصرت الكثير وقال لي: «لا أستطيع أن أرسل إنسانة مثلك إلى السِّجن، وسأخبرك بِكُلِّ صدق وأمانة، توصيتي للمحكمة ستكون، بطرح عقوبة الخدمة لصالح الجمهور وليس السِّجْن لِأَنَّ السِّجْن ليس لأمثالك».
شعرت أَنَّني حقَّقت هدفي من هٰذا اللِّقاء وإن كان غير مضمون النَّتيجة! كوني لا أستطيع الوثوق بأحدٍ تابع لهٰذِهِ الـمنظومة الَّتي أعاني بسببها منذ ثلاث سنوات تقريبًا، وَلٰكِنِّي شعرت براحة أعادت إليَّ السَّكينة والتَّوازن النَّفسي، وهٰذا هو انتصار ي الحقيقي، في هٰذِهِ الـمباراة الَّتي فرضت عليَّ فجأة وغصبًا عَنِّي. اِعتراف هٰذا الضَّابط بهٰذِهِ الكلمات كان انتصاراً لي أيضاً، حَتَّى وإن كنت لا أعلم، إن كان حقًّا سيكتب ما قاله لي في تقريره! لٰكِنْ يكفيني أن أشعر أَنَّني رُبَّما فرضت على الـمحكمة قراراً بتفاصيل مختلفة بطريقة كلامي مع هٰذا الضَّابط.
هٰكَذا وضَّحت صورتي الـمشوشة للقاضية ووفَّيت وعدي لصديقتي الَّتي أحبُّ، وأشبعت غريزتي بقراءة الصُّور الفوتوغرافيَّة وحبِّي لفنِّ التَّصوير. ثلاثة عوامل بثَّت فيَّ وألهمتني هٰذِهِ القدرة وَالقوَّة للوقوف أمام الضَّابط، وَالحديث معه بهٰذِهِ الثِّقة، بِأَنَّ قصيدتي ستنتصر على كُلِّ سلطات الظُّلم وَالقوة الغاشمة، حَتَّى لو طال انتظاري أكثر، لِأَنَّ شوقي إلى نيل الحرِّيَّة، أعظم وأقوى من أَيِّ جبروت على هٰذِهِ الأَرض، وَلأَنَّ الحقَّ نور يزداد في قلبي مع مرور الأَيَّام، ويضيءكُلَّ خليَّة في جسدي طارداً مِن داخلي وَمِن حوليَ قتامةَ الاعتِقال وَكَدَرَه، تلك العوامل الثَّلاثة المُلهِمَة هي حُبيّ لصديقتي وللشِّعر وللتَّصويرالفوتوغرافي.