image
image
image

22

image

كانت الكتابة هي الحبل الوحيد الَّذي تعلَّقت به، في كُلِّ مَرَّة واجهت خطر السُّقوط في بئر الوحدة وَالإحباط وَالألم، لتنجيني من انهيار أكيد. كانت القصائد الَّتي أدوِّنها وأكتبها مع كُلِّ شعور إحباط أعيشه، هي اليد الوحيدة الَّتي تنتشلني، في الوقت الَّذي أفلتت صديقاتي القديمـات يدي، وتخلَّين عَنِّي كلِّيًّا في هٰذِهِ الـمعركة الطَّويلة.كانت خسارتي لِكُلِّ علاقاتي القديمة، هي أكثر ما أثَّر بي في حياتي الاِجتماعيَّة، وخصوصًا مع اقترابي من النِّهاية، فَكُلَّما اقتربتُ أكثر من جلسة النُّطق بِالحكم، بدأت أفكِّر في بداية الحياة الجديدة بِكُلِّ تفاصيلها، فَكُلُّ شي تغيَّر وتبدَّل مع هٰذا الاِعتقال.

بتُّ أعلم علم اليقين أَنَّني وبعد نيلي الحرِّيَّة سأكون وحدي، وسأنطلق مُجَدَّدًا إلى الحياة كمولود جديد، لأبدأ البحث عن علاقات وصداقات جديدة، وبناء حياة بأسلوب مختلف عَمـَّا عشته قبلًا، لِأَنَّ كُلَّ معارفي وصديقاتي القديمات لن يكنَّ معي، بعد أن اختفى مُعظَمُهنَّ مع بداية اعتقالي، أَمَّا مَن تبقَّى منهنَّ وهنَّ ثلاث فقط، فبعد إدانتي بِكُلِّ التُّهم أيضًا، لم أعد أسمع منهنَّ أَيَّ كلمة، تخلَّين عَنِّي أيضًا، قلَّت اتِّصالاتهنَّ معي بعد أن كنَّا نتحادث يوميًّا عبر الهاتف، وإن اتَّصلت أنا بِأَيِّ واحدة منهنَّ أتلقَّى ردًّا جافًّا وتذرُّعاً منهنَّ بِأَيِّ سبب لإنهاء الـمكالمة بأسرع ما يمكن، ومع الوقت لم أعد أتلقَّى منهنَّ أَيَّ ردٍّ بتاتاً على مكالماتي، عندئذٍ قرَّرت أن لا أعاود الاِتصال بهنَّ، لِأَنَّني أكره أن أكون عبئاً على أحد، أو أن أفرض وجودي عليهنَّ، قرَّرت أن أحترم قرارهنَّ بِالاِبتعاد عَنِّي، برغم أَنَّهُ كان طَعْناً لمشاعري. لم تستطع السُّلطات الإِسرائيليَّة بهٰذا الاِعتقال تخويفي، وَلٰكِنَّها استطاعت أن تفعل ذٰلِكَ مع الـمحيطين بي، حيث نجحوا في تخويف معارفي وصديقاتي من نشاطي وكتاباتي، وَلٰكِنَّهُمْ في الوقت نفسه تسبَّبوا بطريقة أو بأخرى بفتح الـمجال أمامي لـمعرفة عالم آخر مختلف أيضًا. هٰكَذا مع اقتراب النِّهاية تلاشى الأَمل الوحيد الـمتبقِّي من المـاضي الجميل الَّذي عشته قبل الاِعتقال، وَانتهى كُلُّ شيء كان يربطني بصديقاتي، هٰذا الاِعتقال تسبَّب بإنهاء كُلِّ صداقاتي القديمة، وَلٰكِنِّي ومع ذٰلِكَ لم أستطع أن أحذف وجودهنَّ من قائمة مشاعري أبدًا، فالحنين إلى الصَّداقة الَّتي جمعتني بهنَّ عقدا  بأكمله، لم نفترق خلاله يومًا منذ الْتقينا وتعارفنا، يجعلني أفتح ألبوم صورنا الكثيرة الَّتي تجمعنا ببعض، أتأمَّل ذكريات الحب الَّذي كان بيننا والنِّهاية الَّتي وصلها اليوم، وكيف أَنَّ كُلَّ شيء بات ذكرى فقط، فأبكي مرارة الواقع وأتألَّم بصمت، لا  يسمع صداه سوى قلبي، مع كُلِّ صورة تمرُّ أمام عيني كانت قد جمعت بيننا وتركت ذكرى جميلة في داخلي، كنت أتقطَّع من شدَّة الأَلم وَالحسرة وَالفقد وَالحرمان وَلٰكِنْ بصراخٍ صامِت. لم أندم لحظة على الطَّريق الوعرَة الَّتي اخترتها، وبرغم الاِعتقال بنيت لي صداقات جديدة وفريدة أيضًا، منحتني الحبَّ الحقيقي الَّذي أحتاج وأتمنَّى، وَالاِهتمام وَالأمل والتَّضحية، إِلَّا أَنَّني لا أستطيع إنكار حقيقة أَنَّني أتألَّم من هٰذا الواقع وأشعر بوجع في داخلي، لا أستطيع أن أخفيه عن نفسي وإن استطعت إخفاءه عن الآخرين، فألمي من ذكريات الـمـاضي مع صديقاتي القديمات، بقي يدقُّ في ذاكرتي مع أَيَّام الاِنتظار الأَخيرة، ويقلقني ويشعرني بالحسرة والشَّوق. ومجرَّد أن أتخيَّل أياميَ الآتية خاليةً مِن وجودهنَّ، كنت أشعر بألم يعتصر جسدي وروحي، كان من الصَّعب عليَّ أن أنام على شيء وأستيقظ في صباح اليوم التَّالي، لأجد نفسي فجأة في واقع آخر مختلف عَمَّا اعتدته لفترة طويلة من عمري، وبعد ثلاث سنوات من انقطاع تامٍّ عن البيئة الَّتي عشت فيها.

ثلاث سنوات مرَّت ومعها تغيَّرت كُلُّ تفاصيل حياتي، الصَّغيرة منها وَالكبيرة، وأظنُّها ستتغيَّر أكثر مع نيلي الحرِّيَّة، ويترتَّب عليَّ من اليوم تدريب نفسي أيضًا على مواجهة هٰذِهِ الحقيقة الَّتي تنتظرني، والصُّعوبات القادمة الَّتي لن تكون مواجهتها أمراً سهلاً عليَّ، وذلك كي لا أصدم وأفسِد طعم النَّجاح الَّذي حقَّقته مِن هٰذا الاِعتقال، وعانيت كثيرًا من أجل الحصول عليه، كُلُّ شَيْءٍ سيتغيَّر قريبًا، أصدقائي، عملي، مكان سكني، أسلوب حياتي، تعاملي مع الآخرين، عاطفتي، أفكاري، مشاعري، وضعي الاِقتصادي...بِاختصار، سأبدأ حياتي من الصِّفر، حياة فيها كُلُّ شَيْءٍ مختلف عَمَّا اعتدته قبل الاِعتقال وخلاله، أَمَّا الشَّيء الجميل وَالـمخيف وَالـمثير الَّذي أحياه هٰذِهِ الفترة، ويسبِّب لي مصدر قلق وتفكير طويل، هو أَنَّني بتُّ اليوم شاعرة معروفة، وأن عددًا من قصائدي انتشرت وبعدَّة لغات، وَأَنَّ الكثيرين ينتظرون إنتاجي الإِبداعي الأَدبي القادم، فكيف أتصرّف وأكيّف حياتي مع هٰذِهِ الشُّهرة الـمفاجئة، وَالَّتي لم أخطِّط لها، ولم تكن يومًا في قائمة أهدافي، ولا في الحسبان، خصوصاً وسط هٰذِهِ الظُّروف الصَّعبة وَالغريبة الَّتي ألـمَّت بي.

إحدى ركائز مبادئي وصفاتي الَّتي أحبُّها في نفسي، أَنَّني لا أخيِّب ظنَّ الآخرين بي، وبِالأخصِّ حين يكون الأَمر متعلِّقًا بالشِّعر وَالفنِّ، لذا فقد قرَّرت أن أتعامل مع الحياة الجديدة بالطَّريقة الَّتي تخدم الشِّعْر ومستقبلي ورسالتي كشاعرة فقط. فالشَّيء الَّذي كان وبقي على حاله في حياتي ولم يتأثَّر بِاعتقالي أبدًا، هو كتابتي للشِّعر وتعلُّقي به.

هٰذِهِ هي حياتي الَّتي اخترت أن أحياها بعد الاِعتقال، وهٰذِهِ هي الـمهنة الَّتي اختارتني لأكون من أبنائها. أنا مع الشِّعْر وَالكتابة أحيا، وبهٰذه الطَّريق أحلِّق كما الطَّير، وبغيرها سأدفن نفسي في قفص الحياة بلا معنى.

أمر آخَر لايقلّ أهميّة عندي ، فخلال ثلاث سنوات من اعتقالي وبكلِّ الـمراحل الَّتي مررت بها، سواء في السِّجْن أو في الإقامة الجبريَّة وَالمنفى وَالاعتقال الـمنزلي ازداد تشبُّثي أكثر بِالحركة النِّسويَّة «الفيمينيزم / feminism»، وأصبحتُ شبه ناقمة على السُّلطات الإسرائيليَّة وَالأَبويَّة والذُّكوريَّة وَالقبليَّة جميعها، تلك السُّلطات الَّتي عانيت منها كثيرًا، وحاربت من أجل رفضها والحؤول دون تمكّنها مني  بكلِّ ما استطعت من طاقة طوال هٰذِهِ الـمدَّة، على الرغم مِن شحِّ السُّبل الـمتاحة لي . كنت وحدي أواجه منظومة متعدِّدة الأَطر، توحَّدت كلُّها بلسان ذكريٍّ، فقط لإخراس لساني، ومارست عليَّ الكثير من الضُّغوطات من أجل إضعافي، والتَّراجع عن حقِّي بِالكلام والتَّعبير بحريّة وبالطَّريقة الَّتي أريدها، إِلَّا أَنَّني ومع إيماني الـمتواصل بهٰذا الحقِّ، ومع كُلِّ الدَّعم الَّذي تلقَّيته من داعمي قضيَّتي، حوَّلت هٰذا الضَّغط الـموجَّه ضدِّي، إلى حليف ساعدني على النُّهوض بشكل أقوى، وتشبَّثت أكثر بآرائي ليفضي صمودي إلى نقمة على كُلِّ هٰذِهِ السُّلطات الَّتي شاهدتها أمام عيني، تخضع شيئاً فشيئاً لإرادتي وعنادي وقراراتي، وتتنازل هي عن مواقفها حين رفضت أن أكون مجرَّد شيء عابر بعد كل ما فعلوه بي، بل رفضت تعاملهم معي ومحاولاتهم الـمتكرِّرة لتشييئي «refication» وإلحاقي بسياق تشييء المرأة «objectification» الَّذي أرفضه رفضاً تامّاً.

أصبحت النِّسويَّة هي الفكرة الَّتي تشغل بالي أكثر من أَيِّ فترة مضت، وبدأت أخطِّط لحياتي القادمة بعد التَّحرُّر، ووضعت لنفسي برنامجاً من أجل تطوير هٰذِهِ الحركة وإحداث التَّغيير فيها، وَالمساهمة في فعل ذٰلِكَ بنفسي، قرَّرت أن لا أكون فقط تلك الأَنثى الَّتي توافق هٰذِهِ الـمبادئ وتنادي بها، إِنَّما أن أكون عنصرًا فعَّالًا من أجل النِّساء وحقوقهنَّ المسلوبة عامَّة، وخصوصاً النِّساء الفلسطينيَّات وَالأسيرات الـمهمَّشات في السُّجون، ويعانين كُلَّ أنواع الاِضطهاد الذُّكوري السِّياسي وَالاجتماعي وَالعائلي، إيماناً مِنِّي بِأَنِّي قادرة على صنع التَّغيير في الـمجتمع النِّسائي الفلسطيني وَالعربي، لأكمل الطَّريق الَّذي بدأتْه أيقونات النِّضال من أجل النِّساء، أمثال كريستين دي بيزان الإِيطاليَّة، وسيمون دي بوفوار الفرنسيَّة، وماريا بيا بوئيسوس السويديَّة، وبيتي فريدان الأمريكيَّة، وجيرمين غرير الأستراليَّة، وفاطمة الـمرنيسي المغربيَّة، ونوال السَّعداوي الـمصريَّة، وأمل الباشا اليمنيَّة، ومنجية السَّوايحي التونسيَّة، وأحلام مستغانمي الجزائريَّة، طامحة أن أنجح في كتابة تاريخ مغاير لفئة من النِّساء، على الأَقل على مستوى وطني في هٰذا العصر، وأن أعمل جاهدة لأسجِّل ولو بعض التَّغيير الَّذي أنشده، وأتمنَّاه لنفسي وحياتي، وحياة الأُخْرَيات وهو الأَهمُّ بِالنِّسْبَة لي.