image
image
image

23

image

31-07-2018 يوم الثُّلاثاء السَّاعة الحادية عشرة صباحاً، وسائل الإِعلام تحيطني من كُلِّ جهة، وَالإعلاميِّون والصَّحفيُّون بِالعشرات، دخلت قاعة الـمحكمة ومعي قافلة من جنود الدِّفاع عن حرِّيَّة التَّعبير، من مختلف الجنسيَّات وَالأعمار وَالفئات الثَّقافيَّة، الاِجتماعيَّة وَالقوميَّة، عرب ويهود وأجانب، كلُّنا جلسنا منتظرين أن تنطق القاضية بِالحكم وتقرأه على مسامعنا.

طلبت القاضية مِنِّي أن أقف أمامها لأسمع الحكم منها، تحرَّكت من مكاني وَابتعدت عن مقعدي الخشبي عدَّة خطوات، ووقفت بجانب محاميتي جابي لاسكي، منتظرة أن أسمع فصل النِّهاية لمسرحيَّة الشِّعْر الخطير وقصَّته. بدأت القاضية كعادتها، بِالهمس والصَّوت الـمنخفض، بقراءة الحكم، وأشارت إليَّ وإلى الحضور بكلمات مقتضبة، وبصوت مرتعش ومتخبِّط، بأَنَّ نصَّ الحكم الَّذي كتبتْه طويل جِدّاً، وَلٰكِنَّها ستختصر بقراءة السُّطور الأخيرة فيه. بصعوبة سمعت كما الجميع أَنَّهاحكمت عليَّ بالسِّجن الفعلي لفترة خمسة شهور، وستة شهور إضافيَّة إن قمت بنفس الـمخالفة مع وقف التَّنفيذ لثلاث سنوات. كما ذكرت أيضاً بنداً آخر لم أفهم منه شيئاً بسبب صوتها الـمنخفض. صراخ يعلو في داخلي، طغى على كُلِّ الأَصوات الأُخْرى الَّتي أسمعها حولي. لم أتفاجأ من الحكم عليَّ بالسِّجن أبداً، فقد كنت متأكِّدة مِن أَنَّني سأعود إلى السِّجن مَرَّة أخرى في هٰذِهِ القضيَّة وهٰذِهِ الـمعركة، وَلٰكِنَّ الـمدَّة الَّتي حدَّدتها القاضية كانت هي الـمفاجأة الحقيقيَّة بِالنِّسْبَة لي، خمسة شهور مع تخفيض الـمدَّة الَّتي قضيتها بداية الاِعتقال في السِّجن، وهي 97 يومًا، هٰذا يعني أَنَّني سأقضي في السِّجن فترة شهرين، كفترة متبقية  لإتمام مدَّة هٰذا الحكم الـمفروض عليَّ قسراً.

سألتني القاضية عن الـموعد الَّذي يناسبني للدُّخول إلى السِّجن، فطلبت منها أن تمنحني فترة أسبوع فقط، لتجهيز أموري وتوديع الأَصدقاء والرِّفاق، وَاخترت تاريخ 8-8-2018، موعداً لتسليم نفسي ودخولي السِّجن، لم يكن اختياري لهٰذا التَّاريخ مصادفة، إِنَّما لِأَنَّهُ ترك في قلبي بصمة لن أنساها أبدًا، فهو اليوم الَّذي خرجت فيه لأول مَرَّة من البيت مع الصَّديقة عوفرا يشوعا لايت، بعد منحي تخفيفًا على ظروف الاِعتقال قبل عام من هٰذا اليوم، وَلِأَنَّ هٰذا التَّاريخ له معزَّة خاصَّة في حياتي، وحرَّك في قلبي مشاعر غيَّرت الكثير من تفاصيلي وعواطفي، وَتَفَتَّحَتْ معها أحاسيسُ حبٍّ كبير ومختلف، ولد في فؤادي فجأة بدون أن أخطِّط له. اِخترت هٰذا اليوم بذكراه الجميلة الطَّاغية على أحاسيسي، لِأَنْ يكون هوذاته يوم دخولي السِّجن أيضاً، فَاخترته بِكُلِّ ثقة وثبات وأمل، كي تكون هٰذِهِ الذِّكرى الجميلة عنوانَ هٰذا اليوم، فتمحو ذكرى دخولي للسِّجن، فَالحبُّ أجمل من كُلّ شَيْءٍ، مقارنة مع كُلِّ لحظة أخرى عشتها وأعيشها، خصوصاً تلك الـمرتبطة بالسِّجن والدُّخول إليه مُجَدَّداً، وقساوة هٰذا الشُّعور.

كان قرار القاضية، بِالنِّسْبَة لي، يلخِّص كُلّ شَيْءٍ في هٰذِهِ الـمحاكمة الَّتي استمرَّت ثلاث سنوات متتالية، فقط أثبتت إسرائيل وحكومتها وسياستها أَنَّها مَحْضُ دولة عنصريَّة، على الـملأ وعلى مرأى ومسمع من كُلِّ العالم أيضاً، أثبتت الـمحكمة الإِسرائيليَّة في هٰذا اليوم بالذَّات، أَنَّها فاقدة للعدالة وَالمنطق والدِّيمقراطيَّة وَالمساواة، برغم أَنَّ هٰذِهِ الحقيقة ليست جديدة، وَلٰكِنْ الصَّدى الإِعلامي الَّذي خلَّفته قضيَّتي جَعَلَ مُجدداً هٰذِهِ السِّياسة مكشوفة للجميع، وأسقط مرة أخرى كُلَّ الأَقنعة عَمـَّا تسمِّيه إسرائيل بالدِّيمقراطيَّة، وأثبت وبكلِّ جدارة أَنَّ الدِّيمقراطيَّة موجودة فقط لليهود، وَأَنَّها ديمقراطيَّة فئويَّة فحسب، أو ديمقراطيَّة مزيَّفة وخدَّاعة، مع كُلِّ ما تنتهجه في سياستها ضدَّ كُلِّ ما هو غير يهودي، هي ديمقراطيَّة العنصريَّة حَتَّى في أبسط مبادئ الديمقراطية وأهمِّها، وهو حرِّيَّة التَّعبير عن الرَّأي وحرِّيَّة الفنِّ والشِّعر.

خرجت من الـمحكمة  أحمل معي حكمًا مكتوبًا على 26 ورقة من قبل القاضية، أوراق كتبت عليها تحليلها للقرار والدَّوافع الَّتي جعلتها تقرِّره وتحكم به عليَّ، حكمت، كتبت وأنهت الـمسرحيَّة بمسرحيَّة أخرى جديدة، حين اختتمت القول بهٰذا الكلام: «أخيراً، وبعد فحص دقيق لادِّعاءات مدَّة وطريقة العقاب من قبل الطَّرفين، ومع موازنة جميع الاِعتبارات الَّتي تَمَّ تفصيلها وَالأخذ بها، أجد أَنَّهُ من الضَّروري أن أضع العقاب الـمناسب لهٰذِهِ الجريمة، سواء على صعيد خطورتها أو مكانتها ووجودها، سأفرض على الـمدَّعى عليها العقوبات التَّالية:

الحُكم عليها بالسَّجن لمدَّة خمسة أشهر، مع تخفيض الـمدَّة الَّتي قضتها أَيَّام الاِحتجاز وراء القضبان.

اَلسَّجن لمدَّة ستَّة أشهر مع وقف التَّنفيذ، وهٰذا مشروط لمدَّة ثلاث سنوات، إن ارتكبت أيًّا من الجرائم الَّتي أدينت فيها».

بدأت أتحدَّث للإعلام وأصرِّح بتعقيبي على الحكم، حَتَّى سألني أورن زيـﭫ، وهو أحد الصَّحفيِّين الـمتواجدين في الـمحكمة والدَّاعمين لقضيَّتي:

ما هو أَوَّل الأَشياء الَّتي ستقومين بها بعد تحريرك من الاِعتقال البيتي؟

نظرت إليه وَاستغربت من سؤاله، وبعدم اكتراث وَاهتمام، وبدون أن أجيب على السُّؤال أبداً، قلت أخاطب نفسي: ما هٰذا السُّؤال؟ أنا لم أتحرَّر بعد! تركت اللِّقاء وأخذت أبادل الأَصدقاء بعض الكلمات حَتَّى قال لي أورن مُجَدَّداً:

أين ستذهبين الآن؟

نظرت إليه نظرة أخرى، ثُمَّ إلى كُلِّ مَنْ يحيطني وفي داخلي حيرة أكبر وأجبت:

ليس لديَّ مكان أذهب إليه سوى البيت لأنتظر فيه موعد دخولي السِّجن.

فأجابني:

وَلٰكِنَّك تحرَّرت من الاِعتقال البيتي.

لم أصدق ما قاله لي أورن في هٰذِهِ اللَّحظة، وأسرعت إلى محاميتي وسألتها عن الأَمر، وأكَّدتْ لي أَنَّني تحرَّرت من الإِقامة الجبريَّة، فما شعرت إِلَّا وأنا أقفز فرحًا وأرقص بين الجميع، بحركة تلقائيَّة وأقول بصوت عالٍ:

أنا حرَّة الآن، لقد تحرَّرت من الاِعتقال البيتي، ما عدت خطراً على أمن الدَّولة الآن.

وأضحك...مِمَّا جعل كُلَّ من حضر هٰذا الـمشهد يصفِّق فَرِحاً بفرحي، لحصولي على أسبوع حرِّيَّة قبل دخولي السِّجن مُجَدَّداً. لقد كان البند الَّذي لم أسمعه، كان هو الَّذي أقرَّت به القاضية أيضاً إعفائي من الاِعتقال البيتي، مع الإِبقاء على بقيَّة الشُّروط الأُخْرى كَاستعمال شبكة الإِنترنت وَالمشاركة في فعاليَّات سياسيَّة، والدُّخول إلى مناطق الضَّفة وحدود فلسطين الـمحتلَّة عام 67.

كان يمكن استيعاب كُلّ شَيْءٍ في هٰذا الحكم، في ظلّ عنصريَّة هٰذِهِ السُّلطة تجاه كُلِّ ما هو فلسطيني، إِلَّا أَنَّ قرار القاضية بإطلاق سراحي من الاِعتقال الـمنزلي وَالإقامة الجبريَّة، حَتَّى موعد تسليم نفسي ودخولي السِّجن، هو الشَّيء الَّذي لم أستطع فهمه أو تحليله، هٰكَذا، وفجأة عند السَّاعة الحادية عشرة صباحًا من هٰذا اليوم، لم أعُد خطيرة على الجمهور وعلى أمن الدَّولة، وسمح لي بالتَّنقُّل بحرِّيَّة ووحدي مع إبقاء تلك الشُّروط! في هٰذِهِ اللَّحظة بالذَّات، وبعد ثلاث سنوات من التَّقييدات والادِّعاءات بِأَنَّني أشكِّل خطراً على الجمهور وَالأمن والدَّولة وَالعالم أجمع، وبعد النُّطق بِالحكم ضدِّي بالسَّجن لخمسة شهور، تلاشت هٰذِهِ الخطورة ولم تعد موجودة أبداً. كانت مفارقة هٰذِهِ النِّهاية أكثر ما يثير الضِّحك والسخرية في هٰذِهِ الـمحاكمة العنصريَّة الهزليَّة، فشرُّ البليَّة ما يضحك.

بعد تأكدي مِن قرار خلاصي مِن الاعتقال المنزلي ضحكتُ كثيراً وفرحت أيضاً، فأخيراً سأتذوَّق طعم الحرِّيَّة لأسبوع فقط، بعد سجن وَاعتقال طويل، ومن جهة أخرى و أخيراً أيضا باتت نهاية هٰذا الاِعتقال مَعروفة المكان والزمان: بعد شهرين مِن موعد دخولي للسِّجن. حرِّيَّتي لأسبوع هي فرصة لي لأجدِّد الطَّاقة وَالحياة في داخلي وأشحن مشاعري بإكسير القوَّة والتَّحدي، لمواجهة الشَّهرين القادمين في ذاك السِّجن الَّذي أعرف كُلِّ ما ينتظرني فيه، من ظلم ووحشة وألم وظلام وعتمة وقيود ومعاناة.

بعد أسبوع من صكِّ قانون القوميَّة اليهوديَّة[21] والتَّوقيع عليه في الكنيست الإِسرائيلي، وبعد نقل السَّفارة الأَمريكيَّة إلى القدس، ومع استمرار مظاهرات ومسيرات العودة على حدود غزة، وعشرات الشُّهداء الَّذينَ نزفت دماؤهم ولا زالت تنزف، كُتِبَتْ النِّهاية لحكاية اعتقالي وحكاية القصيدة الخطيرة بالسِّجن لخمسة شهور، بعد ثلاث سنوات من الاِعتقال الـمنزلي وَالإقامة الجبريَّة وإبقائي لفترة إضافيَّة مهددة بالسجن ستة أشهر مع وقف التَّنفيذ خلال ثلاث سنوات.

عانقت كلَّ رفاقي وأصدقائي وعائلتي، الذين بدت الصَّدمة واضحة في وجوههم، عكسي تماماً، فأهديتهم ضحكتي وَابتسامتي الـمعتادة لأمدَّهم بالطُّمأنينة وَالهدوء والـمحبَّة.

خرجت من الـمحكمة وقد اتَّخذت قرارًا بعدم العودة إلى البيت، وإن كان ابتعادي سيكون لأيَّام قليلة وبعدها سأتَّجه نحو السِّجن مُجَدَّداً.

كانت عكَّا محطَّتي الأُولى من لقائي مع أسبوع الحرِّيَّة، فيها عانقت البحر الَّذي أعشق، وَالتهمت ذكرياتي القديمة وكتبت تاريخاً جديداً سأذكره، ثُمَّ ذهبت إلى طمرة، حيث تسكن صديقتي سميرة جمعات، وقضيت معها بضع ساعات، ثُمَّ ذهبت إلى يافا وقضيت فيها ثلاثة أَيَّام مع أصدقائي.

مشيت في شوارع يافا لأوَّل مَرَّة وحدي، بعد سنتين وعشرة شهور من الاِعتقال، وبدأت أكتشف معاني الحرِّيَّة من جديد وأعيش معها الكثير من الأَسئلة والتَّناقضات، خصوصًا أَنَّها حرِّيَّة لفترة قصيرة، وبعدها مباشرة سيكون مصيري السِّجن مُجَدَّداً.

جلست على شاطئ البحر أتأمَّل معه كُلَّ معاني الحياة الَّتي مَرَّتْ عليَّ، ثُمَّ بدأت أمشي وحدى، وفي رأسي تساؤلات كثيرة تبحث عن  أجوبة، بينما كنت هائمة مع نفسي وحيرتي، فجأة قطع تفكيري صوت أحد الشُّبان قائلًا لي:

ممكن نتعرَّف؟

ثُمَّ بدأ يسمعني كلامًا مشابهاً بغية لفت انتباهي، توقَّفت عن الـمشي، نظرت إليه، أزلت نظَّارتي الشَّمسيَّة عن عيني وقلت له وأنا أبتسم:

نعم يمكننا التَّعارف، أنا دارين طاطور.

نظر إليَّ ثُمَّ قال وقد تغيَّرت ملامحه فوراً:

أنت هي دارين الَّتي يتحدَّثون عنها في وسائل الإِعلام؟

نعم، أنا هي الشَّاعرة دارين طاطور، ويوم الأَربعاء سأسلِّم نفسي وأدخل السِّجن...!

نظر إليَّ وقد بدا عليه الاِرتباك وَالخوف وهمَّ بالتَّحرك بسرعة من الـمكان وهو يقول متلعثمـًا:

باي... باي... باي...

ضحكت كثيرًا وأنا أشاهد هٰذا الشَّاب يتلعثم بكلماته، ويفر من الـمكان كالملسوع، وقد تملَّكه الخوف بعد أن تعرَّف على هُويَّتي. كانت هٰذِهِ الحادثة اللَّطيفة، نكتة الاِعتقال الَّتي احتجتها كي ألوِّن مشاعري ببعض الطَّرافة، بعد كُلِّ الضُّغوطات الَّتي عشتها طوال هٰذِهِ الفترة، شكرت هٰذا الشَّاب من قلبي لِأَنَّهُ أهداني بضع لحظات من ضحك حقيقي كنت أحتاجها، ومنحني بعض مشاعر الفرحة الحقيقيَّة، ببساطة الحدث دون أن يقصد ذٰلِكَ، وأكملت سيري على شاطئ البحر باحثة عن معنى آخر جديد للحرِّيَّة.

قابلت أيضًا الصَّديقة عينات ﭬﺎيتسمان لأوَّل مَرَّة منذ أن تعارفنا، جلسنا وحدنا في أحد الـمقاهي، كانت هٰذِهِ اللَّحظات جميلة ومؤثِّرة، فقد كان هٰذا اللِّقاء حلمـًا أردت تحقيقه، إِلَّا أَنَّهُ كان مستحيلًا مع الحبْس الـمنزلي الطَّويل، لٰكِنَّهُ تحقَّق أخيراً، بدون أن أخطِّط له.

ليلة أخرى قضيتها مع الصَّديقة عوفرا في بيتها، إِلَّا أَنَّني لم أطق البقاء طويلاً في بيتها، كوني شعرت للحظات كثيرة أَنَّني لا زلت معتقلة وموجودة بإقامة جبريَّة، لم أستطع أن أصرِّح لها بحقيقة مشاعري هٰذِهِ حرصًا مِنِّي على عدم مضايقتها، خصوصاً بعد كُلِّ ما قدَّمته لأجلي، برغم يقيني أَنَّها ستفهم قصدي وتتفهَّمني، إِلَّا أَنَّني فضَّلت الخروج بصمت وترك رسالة مكتوبة لها، أعبِّر بها عن حبِّي وشكري، لأتوجَّه بعدها إلى الصَّديقة عالْـمـا كاتس وأقضي بصحبتها ليلة إضافيَّة مع شعور بطعم آخر للحرِّيَّة في بيتها ورفقة زوجها وَابنتها.

دخلت البيت، جلست على الكنبة، بدأت أسمع صوتاً غريباً،قريباً لهدير موج البحر وتلاطمه، صوت لطالما أحببته كثيراً وَاشتقت لسماعه، بدأت أفتِّش عن مصدر الصَّوت، فَاعتقدت أَنَّهُ صوت منبعث من جهاز تشغيل الأَسطوانات الَّذي أمامي، جاءت عالْـما وزوجها وطلبا مِنِّي التَّحرُّك معهما نحو الشُّرفة، فتحا النَّافذة أمامي وإذ بِالبحر يطلُّ في عيني وصوت الـموج يدغدغ مسامعي، فالصَّوت الَّذي سمعته كان صوت البحر حقيقة، وليس صوت الـموسيقى. ضحكت مِن سذاجتي وضحكا هما لفرحتي،حين شاهدا ردَّة فعلي وسعادتي من هٰذا الـمشهد، ومِن رقَّة الـمفاجأة غير الـمتوقعة وجمالها، والَّتي قدَّماها لي قبل ليلة واحدة من دخولي السِّجن مُجَدَّدًا، كم هو ممتع أن أغفو على صوت صديقي البحر بعد سجن طويل، وقبل سجن قادم آخر صعب أيضاً.

أردت العودة من رحلتي القصيرة مع الحرِّيَّة إلى البيت، فأصاب الأَصدقاء قلق عليَّ من تنقُّلي دون مُرافق، وعارضوا فكرة عودتي وحدي مستخدمة المواصلات العامَّة، خشية تعرُّضي لِأَيِّ مضايقات من قبل اليهود الإِسرائيليِّين الـمتطرِّفين، كون هُويَّتي باتت معروفة للجميع، وبعد أن انتشرتْ قضيَّتي، صورتي وَاسمي، في الإِعلام الـمسموع وَالمرئي وَالمكتوب، إِلَّا أَنَّني أصررت على فعل ذٰلِكَ وتحدِّي مشاعري ونفسي، وهٰذِهِ الظُّروف الَّتي أعيشها قبل أن أتحدَّى أَيَّ شيء آخر، برغم أَنَّني في الحقيقة أيضاً، كنت أعاين في أعماقي شعور الخوف الَّذي عاشه الأَصدقاء، إِلَّا أَنَّني أخفيته عن الجميع وعاندته كَذٰلِكَ مع نفسي، وأردت عيش اللَّحظة بِكُلِّ ما فيها دون أَيِّ استسلام لِأَيِّ خوف.

اِصطحبتني عالْـما إلى الـمحطة الـمركزيَّة في تل أبيب، وما أن دخلتها حَتَّى أصابتني نوبة خوف شديدة، لم أشعربها مِن قبل، وبدأت الذِّكريات تعود في مخيِّلتي وتذكَّرت مُجَدَّداً لحظة إطلاق النَّار على الشَّابة إسراء عابد في الـمحطة الـمركزيَّة في العفُّولة، خصوصاً عندما رأيت مجموعة من الجنود يقفون بِالقرب مِنِّي، وينتظرون حافلاتهم مدجَّجين بسلاحهم، ورأيتها أمامي وهي ملقاة على الأَرض بدمائها، ثُمَّ عادت مخيِّلتي للحظة اعتقالي ورؤيتي لعناصر الوحدات الخاصَّة والشُّرطة وهم يقتحمون غرفتي، ثُمَّ دار في رأسي شريط معاناتي فترة السِّجن، وما تلقَّيته مِن ظلم من قبل جنود النَّحشون، تخيَّلت الـمشاهد مُجَدَّداً تتكرَّر معي، اِرتجف فؤادي وَارتبكت مشاعري، إِلَّا أَنَّني ابتسمت وغيَّرت مسار نظراتي وأقنعت نفسي بأَنَّ الأُمور كلُّها ستتغيَّر، أمسكت يد عالْـمـا الَّتي كانت تقف بجانبي صافحتها بحبٍّ كبير وشكرتها على كُلّ شَيْءٍ، حضنتها، ودَّعتها، دمعت عيناي حَتَّى البكاء، وصعدت إلى الحافلة لأتحوَّل مَرَّة أخرى، وأعيش مع ذاكرتي القاسية وحافلة البوسطة، ومعاناتي فيها الَّتي لم تتوقَّف، إِلَّا عندما وقفت لأشتري تذكرة السَّفر، وتفاجأت أَنَّ امرأة تقود الحافلة، وتبهرني بالرَّدِّ عليَّ فور طلبي شراء تذكرة للنَّاصرة، في الوقت الَّذي انقبض قلبي حين رأيتها تنظر إليَّ بِاهتمام وتأمُّل، وأيقنت في نفسي أَنَّها تعرَّفت عليَّ وَأَنَّني سأسمع منها شيئًا يضايقني بسبب القضيَّة فقالت لي:

أنت جميلة جِدًّا، وعيناك جميلتان.

نظرت إليها وَابتسمت بوجهها طويلًا، رميت جانبًا كُلَّ قلقي وخوفي وشكوكي، شكرتها على لطفها وكلامها، ثُمَّ صافحتها وجلست على الـمقعد الأوَّل في الحافلة، وأنا أتابع بتأمُّل وحبٍّ مسار طريق العودة من رحلة أسبوع الحرِّيَّة، وفي مسامعي فقط تكتكات هواتف المسافرين الذَّكيَّة، بينما كنت أنا الوحيدة بينهم جميعًا التي لا تملك هاتفًا ذكيًّا.

اِنتهت إجازتي مع الحرِّيَّة، جهَّزت حقيبتي وأغراضي الَّتي سأغادر بها إلى السِّجن، وما أن أنهيت تجهيز كُلِّ ما أحتاجه، حَتَّى  خرجت من غرفتي لبضع دقائق وعدت إليها لأجد أَنَّ سيمبا أحد قططي يجلس فيها، وقد بال فيها ولطَّخ كُلَّ ما فيها من ملابس وأغراض، وكانت هٰذِهِ هي الـمَرَّة الأُولى الَّتي يقوم بمثل هٰذا التَّصرُّف الغريب، ضحكت طويلًا وتألَّـمت أكثر للرِّسالة الَّتي تلقّيتها مِن القطُّ الصَّغير، تأثَّرت بسبب فراقي القطَّتين وسارعت نحو سيمبا، أخذته بين أحضاني، لاطفته وقبَّلته كثيراً، ثُمَّ ركضت إلى كادي فحملتها هي أيضاً، وأكملت تقبيلي وَاحتضاني لهما، وأنا أعتذر لهما عن غيابي القسري عنهما في الأَيَّام القادمة. اِكتشفت أَنَّ قططي تفهم أيضاً ما يحصل، وترفض هٰذا الحكم وليس البشر فقط. كأنّ القطط كذلك ترفض ذهابي إلى السِّجن وتحاول تعطيله ومنعه، أو حَتَّى تأخيره قدر الإِمكان. أعدت غسل ملابسي الـمتَّسخة ونظَّفت الحقيبة ورتَّبتها مُجَدَّدًا، ثُمَّ أغلقتها منتظرة صباح اليوم التَّالي الَّذي سيشهد التحاقي بالسِّجن.

أقام الأَصدقاء وَالعائلة أمسية لتوديعي أو لإعطائي زخماً إضافيًّا للصُّمود في السِّجن الَّذي سأقضي فيه فترة الحكم الـمتبقِّية، أمسية حضرها العشرات من الرِّفاق وَالأصدقاء والدَّاعمين لقضيَّتي، اِشترك فيها فنانون غنُّوا لصوت الحرِّيَّة، عازفون عزفوا رفضاً لهٰذا الحكم، وسياسيُّون ونشطاء، قدَّموا كلماتهم لي وللقضيَّة بشكل تلقائي وعفوي. في تلك اللَّيلة تحوَّلتْ ساحة منزلي إلى مسرح للفنون بِكُلِّ أشكالها وألوانها، وأنا أيضًا قرأت بعض القصائد الَّتي كتبتها في فترة السِّجن، وَالأهمُّ من كُلِّ هٰذا أَنَّني قرأت أيضًا قصيدتي الخطرة الَّتي سجنت وسأسجن بسببها، أمام كُلِّ من حضر، لأجدِّد ولائي للشِّعر وَالكتابة، وللمبدأ الَّذي لم أغيِّره أبدًا، أَنَّني لست نادمة ولن أندم يومًا على كتابتي لهٰذِهِ القصيدة ونشرها.

أمسية احتفت بِكُلِّ معاني الحرِّيَّة الَّتي أرادت السُّلطات الإِسرائيليَّة أن تحبسها وتمنعها وتصادرها مِنِّي، إِلَّا أَنَّ الدَّعم الَّذي أحاطني وَالمشاعر الصَّادقة الَّتي أضاءت عتم هٰذِهِ اللَّيلة الصَّعبة، بدَّدا الكثير من شعور الأَلم وَالوجع بذهابي إلى السِّجن صباح اليوم التالي.

يوم 2018-08-08 صباحًا، بصعوبة استطعت أن أغفو لدقائق متقطِّعة، حضر بعض الأَصدقاء الـمقرَّبين جِدًّا إليَّ، وبعض القادة السِّياسيِّين من حزب التَّجمع الوطني الدِّيمقراطي، نيفين أبو رحمون وعوض عبد الفتاح ليرافقوني إلى باب السِّجن مع أفراد عائلتي. قبل خروجنا طلبت من عينات المجيء إلى غرفتي للحظات قليلة، أعطيتها كل رسوماتي التي رسمتها، ملف صور من تصويري، كتاب مذكراتي الذي ترجم للعبرية، ملفين كبيرين يحويان كل بروتوكالات الجلسات التي أقيمت على مدار الثلاث سنوات، وأعطيتها أيضًا حجابًا أبيضًا، وقلت لها هذه الأشياء ستساعدك على كتابة المسرحية وستجدين الأجوبة التي تريدينها، لست أدري ما الذي يمكن أن يحصل لي في السجن، خذي كل هذه الأشياء لكي تنهي مسرحيتنا.  جررت حقيبتي من الغرفة ونزلت بها بعد أن ودَّعت غرفتي وقططي، كتبي ودفاتري، جيتارتي وعودي، صوري ورسوماتي، وَكُلَّ أشيائي الَّتي أحبُّها وَالَّتي سأشتاق إليها، ضمّخت جسدي وملابسي البيضاء بِالعطر الَّذي أحبُّه، وذهبت بخطوات مثقلة بِالألم نحو السِّجن. قبل ركوبي السَّيَّارة بثوانٍ تذكَّرت خاتمي الأزرق، نسيت أن أخلعه من إصبعي، أزلته من يدي ووضعته في إصبع عينات وقلت لها: "لن يسمحوا لي بإدخاله، حافظي عليه لأجلي".

وقفنا في قافلة مصغَّرة كمجموعة على باب سجن الجلمة، وكنت متعبة جِدًّا، مِن كُلِّ ما ينتظرني، إِلَّا أَنَّ ابتسامتي لم تفارقني، لم أقصد أن أبقيها إِلَّا أَنَّها علقَتْ بي وعلقْتُ بها، حَتَّى في هٰذِهِ اللَّحظات الصَّعبة وَالقاسية. قرأت عوفرا قصيدتي مُجَدَّدًا أمام السِّجن، وتحدَّثتْ للحضور بكلمة مقتضبة وقصيرة، عانقتُ الجميع وحافظت على ابتسامتي في وجه كُلِّ من حضر، كي لا يتألَّـموا إن أظهرتُ تَجهُّم مشاعر الداخل إلى السجن فضلاً عن ألم الفراق ورهبة اللَّحظة، ثُمَّ مشيت نحو باب السِّجن لوَّحت للجميع بكلتا يديَّ، ودَّعتهم الوداع الأَخير وحضنتهم بعينيّ، نظرت إلى زرقة السَّماء الواسعة، أعدت النَّظر إليهم، نظرت إلى السَّماء مَرَّة أخرى، عدت لأرى وجوههم، تعلَّقت عيناي بهم، بدأتُ أتراجع للوراء بحركة خلفيَّة، وبقيت عيناي عليهم، فُتِح الباب الأَزرق الضَّخم، أُدخِلْتُ مِنْه، أغلق الباب وبقيت واقفة خلفَه، فتح الضَّابطُ الباب مَرَّة أخرى وكانوا لا زالوا يقفون قبالته، لوَّحت بيدي مَرَّة أخرى، رَشَقْتُ الجميع بنظرات خاطفة سريعة، وكانت الصَّديقة عينات ﭬﺎيتسمـان آخر من نظرت إليها نظرة الوداع، إلى اللّقاء الجديد، كانت هي الأَقرب إلى الباب وتلوِّح لي بيديها. أغْلِقَ الباب مُجَدَّدًا وحَضَرَتْ السَّجَّانَة، اقتربت مِنِّي وأخذت الحقيبة ووضعتها جانباً، وأخذتني معها نحو غرفة صغيرة جِدّاً، وبدأت تفتشني التَّفتيش العاري الـمقيت وَالقاسي، لأغرقَ مُجَدَّداً في ذكرياتي ووجعي، وَلٰكِنْ ممزوجة هذه المرة بذكريات إضافيَّة مع صديقتي عينات ﭬﺎيتسمان، عندما قصصت عليها حكايتي في السِّجن ومشاعري، وأستذكر مع كُلِّ هٰذا الوجع كلماتها لي، لأخفِّف عن نفسي سطوة هٰذا التَّفتيش الَّذي لن يفهمه أحد سواي وسواها في هٰذِهِ اللَّحظة، ثُمَّ وضعتْ السجانة قيدين في يديَّ وقيدين في رجليَّ، سألتها لماذا قيدان؟ فأجابت لِأَنَّك سجينة أمنيَّة وتشكِّلين خطرًا علينا وعلى الدَّولة، اِبتسمتُ مَرَّة أخرى في وجهها، ثُمَّ اقتادتني نحو الزِّنزانة، وفور دخوليَ الزِّنزانة اتَّجهت نحو الجدران أتفقّدُ نقوشي الَّتي تركتها على الجدار عام 2015، رأيتها، لا زالت محفورة عليها، تبسَّمت ابتسامة طويلة، صعدت إلى السَّرير  في الطَّبقة الثَّانية لامستُ الكتابات بيدي، رفعت رأسي نحو السَّقف وَابتسمت له؟، غرقت في أفكاري أسترجع كُلِّ ما سَبَقَ وأن عشته، ولم أفق إِلَّا على صوت السَّجَّانَة والضَّابط، وهما يصرخان بجانب الباب: "أفيقي عدد، عدد". أعلمتني السجانة أنه سيم نقلي لسجن الدامون وطلبت مني تجهيز نفسي.

عند الساعة السابعة صباحًا، فتحت السجتانة الباب الأزرق، أخرجتني من الزنزانة نحو نفس الزاووية التي أكرهها. عندما أنهت عملها حولتني لمجندة الناحشون والتي قامت بدورها بوضع قيدين  على يديّ وقيدين على رجليّ وجرتني مع مجند آخر إلى سيارة البوسطة، بعد ساعة ونصف الساعة في رحلة الموت داخل القبر المتحرك وصلت لسجن الدامون، أدخلت لمكتب ضابط المخابرات، سجلني مجددًا كأسيرة رقم 9022438 وأدخولوني إلى القسم رقم 61. فُتحت البوابة، الوقت هو وقت الفورة، الأسيرات في الساحة تجمعن بعض الأسيرات حولي وبدأن يصرخن ويعلمن البقية "بنات بنات دارين رجعت".