الرحلة الثالثة
سائقة أوبر في القاهرة
القاهرة يوليو 7102
نظرت إلى شاشة هاتفي في تركيز أتحقق من اسم السائق والصورة جيدًا لكي أتأكد مما تراه عيني؛ اسم السائق كان مكتوبًا بالإنجليزية Azza والصورة توحي بأنها امرأة، لم تكن المرة الأولى التي أركب فيها سيارة أوبر تقودها امرأة؛ فهو أمر معتاد في أمريكا والعديد من الدول الأوربية، آخرها كانت امرأة مهاجرة من دولة مولدوفا في ألمانيا وهي قصة مثيرة سيكون لها حلقة خاصة قريبًا، لكن اندهاشي هذه المرة من كون أن تعمل امرأة سائقة أوبر في مجتمعنا الشرقي، الذي يصر على تحجيم دور المرأة في وظائف معينة وأدوار محدودة ليس منها سائقة التاكسي.
لقد رأيت سائقات التاكسي في دبي عندما عشت فيها لمدة 6 سنوات، ولكن كان التاكسي النسائي موجودًا فقط لخدمة السيدات التي لا تشعر بالراحة في ركوب السيارة مع سائق رجل. تملكني الفضول لأعرف قصة هذه السيدة وخاصة أني أستخدم أوبر بانتظام عند زيارتي لمصر، وهذه هي المرة الأولى التي أركب فيها سيارة أجرة تسوقها سيدة.
تعرفت على السيارة من أرقامها ولونها وتأكدت من شخصية السائق فهي امرأة في أوائل الأربعينيات ترتدي نظارة شمسية كبيرة الحجم.
سألتها من نافذة السيارة: هل ممكن أن أجلس بجوارك؟
- اتفضل.
بدأت هي الكلام معي: هل حضرتك من خارج مصر؟ حاولت أكلمك ولكن الرقم غريب.
ضحكت وأجبتها: أنا مصري أصيل من الإسكندرية، ولكن أعيش في الولايات المتحدة منذ فترة وهذا رقمي الأمريكي، على العموم أنا كنت أنتظرك وأتابعك على الخريطة.
ابتسمت ثم قالت: تمام، الواضح أنك متأثر بعادات الخارج، هنا لا بد أن نكلم العميل وننتظره إلى أن يتكرم وينزل.
دخلت في صلب الموضوع: اسمحي لي أسألك، كيف قررت العمل في أوبر؟ هذه أول مرة أشوف واحدة في مصر بتسوق أوبر، من كلامي مع سائقي أوبر سمعت منهم مشاكل كثيرة في المهنة وساعات تقابلهم مواقف خطيرة.
- أولًا، أنا أعمل في عطلة نهاية الأسبوع فقط، لأن عندي وظيفتي الأساسية، ولكن محتاجة فلوس لأن عندي التزامات أسرية والحياة بقت صعبة.
ثانيا، في اختلاف بين أوبر وسواق التاكسي العادي، في أوبر لديك معلومات عن الراكب ولو حصل حاجة تستطيع الشرطة الوصول إليه، ولو شعرت إني غير مستريحة من الطلب سواء من المكان أو الشخص ممكن ألغيه.
- ولكن الناس في مصر الناس تتبادل حسابات أوبر لبعضها، أنا مرة ركبت أوبر مع سواق وطلع مستخدم الأكونت الخاص بصاحبه، وفي أوقات كثيرة يعرض عليّ البعض طلب أوبر من حسابهم الخاص.
ابتسمت وقالت: صحيح، نحن في مصر نغير أي نظام سهل وسلس وآمن ونخترع أساليب ملتوية للتحايل على القواعد، ومع هذا، فإن أوبر أكثر أمانًا من التاكسي العادي، وهذا أحد أسباب انتشاره في المجتمع المصري.
- وهل المجتمع متفهم أن «واحدة ست» ممكن تبقى سواقة أوبر؟
- ليس كل الناس، مثلًا، أنا أولادي لا يعرفون أني أعمل في أوبر، أضطر أن أخبرهم أني محاسبة في مصنع آخر كعمل إضافي، لأني خريجة كلية التجارة وعملي هو الحسابات.
- لماذا؟ هل تشعرين أن عملك يسبب لهم إحراجًا؟
- أنا لا أعمل في وظيفة سيئة، لكن كما قلت أنت «نظرة المجتمع»، لا أريد أن يضايقهم أحد أو أكون مصدر إحراج لأولادي، خاصة أني تعبت في تعليمهم وتربيتهم، تحملت مسئوليتهم من صغرهم، أبوهم طلقني ولا يعرف عنهم أي شيء الآن، ابني مساعد مخرج في بداية مشواره ومبسوط في شغله، وابنتي مصممة جرافيكس، والاثنان يعملان معًا على مشروع برنامج كارتون للأطفال.
- ما شاء الله. الوظيفتان من الأعمال غير التقليدية! وليس كجيلنا الذي حصر نفسه في طب وهندسة وتجارة.
- تفكير الشباب الجديد مختلف، وأنا شجعتهما على أن يفعلا ما يريانه صوابًا ومناسبًا لهما. الإنترنت كسر حواجز كثيرة، وقد شاهد هذا الجيل ما يحدث في العالم كله، وأصبحت هناك مهن لم تكن موجودة على أيامنا، وأنا على قناعة أنك لو درست شيئًا تحبه وغير منتشرفرصتك في النجاح ستكون أكبر.
أعجبني منطق سائقة أوبر؛ فهي سيدة مكافحة تبذل كل إمكانياتها لتعليم ومساندة أولادها كمعظم سيدات مصر، لم تيأس وفضلت أن تشتغل وظيفة إضافية عن طلب المعونة من الآخرين، بل قررت أن تعمل في مهنة غير تقليدية لسيدة في المجتمع الشرقي، قررت أن تخاطر ولكنها مخاطرة مدروسة، يمكنها أن ترفض طلب التوصيل إذا أحست بالخطر، كما أن أوبر بالنسبة لها هي عمل إضافي وليس مصدر الدخل الأساسي لها ولأسرتها، لكنها لا بد وأن تتعايش مع أن هذه المهنة لا بد وأن تظل سرية لا يعلم عنها أحد ممن حولها والصدمة التي قد تحدث إن اكتشف أحدهم ذلك في يوم من الأيام.
قامت بتربية أبنائها على الحرية في اختيار مستقبلهم المهني وساندت قراراتهم عاطفيًّا وماديًّا، لقد شرحت لي كيف أن الدراسة في مصر مكلفة للغاية للأسرة البسيطة وإن كان الشائع أنها مجانية ولكنها ليست كذلك، فبين الدروس والأدوات وأجهزة الكمبيوتر كلها أشياء مكلفة قد تقصم ظهر أسرة تعولها الأم فقط، رفضت سائقة أوبر الاستسلام وقررت العمل أيام الأسبوع كاملة لتحقيق حلم أولادها أملًا أن يكون لديهم مستقبل أفضل منها، هي قصة كفاح في مجتمع ما زال يحجم دور المرأة في وظائف محددة وإن تخطتها تصبح في وضع شاذ يجعلها تعاني من عدم القبول أو الاستقصاء ممن حولها.