الرحلة الخامسة
الانتماء
طوكيــو مارس 8102
كانت رحلتي الأولى لليابان وكان يملؤني الشوق والرغبة لرؤية «كوكب اليابان» كما يسميه البعض، قرأت الكثير عن النهج التعليمي المتميز الذي تتبعه اليابان لإنشاء جيل من المثقفين والمبتكرين في العلوم والمجالات الإنسانية كافة، ويقوي لديهم روح الانتماء للدولة والاعتزاز بالثقافة التي تمكن اليابانيين من الحفاظ عليها منذ قديم الأزل.
بالفعل أبهرني كل ما رأيته في اليابان، فجميع الأماكن نظيفة للغاية ومرتبة، الشخصية اليابانية تتبع المنظومة الموضوعة والمدروسة للحفاظ على الهوية والثقافة اليابانية التي يشهد لها العالم بالسمو والتفوق؛ النظام هو السمة الأساسية للمواطن الياباني، قد يلزمني العديد من الحلقات لتغطية ما رأيته من سلوكيات حضرية في اليابان ولكني سأكتفي بقصة حدثت لي مع سائق التاكسي.
تجربة استقلال التاكسي في اليابان هي تجربة متفردة، فهي تشبه تمامًا ركوب السيارة الليموزين ذات السائق الخاص، جميع سائقي التاكسي الذين رأيتهم يرتدون بدلة سوداء وقميصًا أبيض مع قفازات بيضاء نظيفة وقبعة سوداء.
عندما يقف سائق التاكسي ينزل مسرعًا لفتح الباب لك والاطمئنان لجلوسك وراحتك، السيارة من الداخل نظيفة للغاية ذات رائحة عطرة جميلة، الفرش ذو لون أحمر مخملي يضفي على السيارة الإحساس بالفخامة والتميز، المساحة داخل السيارة واسعة ومريحة (وصفي هذا ينطبق على أي تاكسي ركبته في طوكيو).
ولأن الثقافة اليابانية هي ثقافة مغلقة (وقد يكون هذا أحد العيوب التي لاحظتها) فلا تجد التحدث بالإنجليزية منتشرًا بين العامة في اليابان فهم شعب يعتز بلغته وثقافته؛ تبادل معي سائق التاكسي بعض كلمات الترحيب البسيطة وأعطيته العنوان الذي أرغب في الذهاب إليه، أدركت من كلامه البسيط أنه لا يجيد التحدث بالإنجليزية ولكنه يعرف القليل من العبارات، احترمت ذلك وآثرت السكوت والفرجة على مباني طوكيو الشاهقة وشوارعها النظيفة الجميلة، شوارع طوكيو مزدحمة بالمشاة، معظم الناس تستخدم وسائل المواصلات العامة ثم تسير إلى محل العمل، الجميع يلبس بدلًا سوداء أو زرقاء والنساء ترتدي فساتين كلاسيك أو بدلًا نسائية بسيطة؛ لا يبدو على ما يرتديه أهل طوكيو من ملبس أنه من النوع غالي الثمن أو الغرض منه المباهاة والتكبر، ولكنه اتفاق بينهم على الحفاظ على شكل مميز لأهل البلد يجعل الجميع متشابهين في الذوق العام وينشئ تناغمًا محببًا للعين.
انتهت رحلتي وأخرجت بطاقتي الائتمانية ومررتها بالجهاز القارئ للبطاقات الائتمانية الموجود في المقعد الخلفي؛ ولكن لم تمر العملية بنجاح؛ جربت بطاقة ائتمانية أخرى، ولكن كذلك لم تنجح عملية الدفع، استأذنني السائق أن يجرب في الجهاز الأمامي؛ نفس الشيء لم تمر العملية بنجاح.
نظر إليّ السائق ثم أعطاني بطاقة الائتمان ثم قال: أنا آسف جدًّا يبدو أن إشارة الاستقبال في جهاز الدفع ضعيفة ولا يمكن إتمام العملية، يمكنك الذهاب فأنا لا أريد أن أعطلك عن عملك أكثر من ذلك.
لم أستوعب ما قاله الرجل وقلت: هل توجد ماكينة صرف نقود قريبة، سأقوم بسحب النقود منها وإعطائك الأجرة.
أجابني بنبرة جادة: شكرًا لعرضك ولكن هذا خطأ منا هنا في دولة اليابان أنك لم تستطع إجراء عملية الدفع بنجاح من أول مرة، وأنا أتحمل نتيجة هذه التجربة المؤسفة ولا يمكن أن أقبل أن أعطلك عن عملك للبحث عن النقود؛ آسف مجددًا وأتمنى لك يومًا سعيدًا.
ترجلت من السيارة وأنا في حالة ذهول، لقد قرر السائق ألا يأخذ أجرته كاعتذار عن عدم إتمام عملية الدفع التي تعتبر بالنسبة له فشلًا من جهته ومن دولته، وتجربة سيئة بالنسبة لسائح كان لا بد أن يمر بتجربة نموذجية أثناء تواجده في البلد.
لقد مررت بتجارب مماثلة في ألمانيا وإسبانيا وعادة ما كانت تنتهي بالبحث عن ماكينة صراف آلي ودفع الحساب، لم يعتذر لي أحد عن إخفاق ألمانيا كدولة في إتمام عملية الدفع وأن هذا خطأ
لا يغتفر تسبب عنه ضياع وقتي الثمين.
خلال تواجدي باليابان مررت بالعديد من التجارب التي أثبتت لي مدى انتماء هذا الشعب للحضارة والثقافة اليابانية وأنه لا يوجد مجال أن يتاجر أحدهم بسمعة بلده مقابل مبلغ من المال أو مكسب سريع؛ فكل شيء له نظام ويسير طبقًا لقواعد مدروسة، في محطات المترو المزدحمة طوال الوقت تجد الأشخاص يسيرون في خطوط محددة بأعداد كبيرة وكأنك في خلية نحل حتى يصل كل منهم إلى رصيف القطار ثم يقف وينتظر دوره للركوب القطار دون تأفف أو انزعاج، شاهدت فيديو قبل ذهابي لليابان يقوم فيه عامل محطة القطار بدفس الراكبين داخل القطار لكي تغلق الأبواب، كنت أعتقد أن هذا الفيديو مزيف، ولكن بالفعل رأيت هذا المشهد بعيني حيث يقوم عامل المحطة بدفع الراكبين برفق داخل القطار لكي يتم غلق الأبواب ولم أر أحدًا يعترض أو يرفع صوته اعتراضًا على فعل العامل، فمن أهم أولويات الإنسان الياباني الذهاب للعمل في الموعد المحدد.
ولأن اليابانيين شعب منظم ولديه انتماء عميق لبلده وثقافته، لم يعانوا من آثار الانفجار السكاني والفقر، فعدد سكان اليابان 125 مليون نسمة يسكنون مجموعة من الجزر تبلغ مساحتها 377 كم مربع أي مايقرب من 1/3 مساحة مصر. إنه فعلًا كوكب غريب تتحطم عنده القاعدة المألوفة من انتشار الفقر، وسوء الأخلاق والفساد وانعدام النظام عندما تعاني الدولة من الانفجار السكاني وقلة الموارد، لقد استطاعت اليابان الاستثمار في مواردها البشرية، وبإمكانياتها الطبيعية المحدودة أصبحت من أقوى الاقتصاديات في العالم؛ لقد نجحت اليابان في زرع روح الانتماء في أبنائها.