الرحلة السادسة
ابن الوز عوام
أوستـن أبريل 8102
هذه القصة واحدة من القصص التي تركت أثرًا ملحوظًا وعميقًا بعد أن سمعتها، فهي ملخص لكثير من الحكم والأمثلة المشهورة جميعها مطبقة في أحداث واقعية.
وقفت سيارة ليكساس ضخمة ذات دفع رباعي أمام المنزل، ترجل سواق أوبر لمساعدتي في تحميل حقائبي، يبدو عليه كبر السن، وسيم الشكل، حسن المظهر يبدو من حركته وحمله للحقيبة أنه رياضي ويتمتع بصحة جيدة.
جلست بجواره وقلت: لم أتوقع أن السيارة التي سوف تقلني إلى المطار ستكون بهذه الرفاهية؛ أخشى أن أكون قد أخطأت وطلبت المستوى الأعلى من السيارات بدلًا من النوع الاقتصادي.
ابتسم السائق وقال: لا تقلق، السيارة بالفعل تعتبر من الأنواع الفارهة ولكن عندما تكون الوجهة المطار لا أمانع أن آخذ الطلب حتى إن كان من النوع الاقتصادي، كما أن أثناء هذا الوقت من اليوم
لا توجد الكثير من الطلبات.
- ولكن استهلاك سيارة فارهة في توصيل طلبات اقتصادية قد
لا يحقق لك الربح؛ فسعر الميل في سيارة كهذه مكلف للغاية.
ضحك الرجل وقال: هذا صحيح ولكن الربح ليس من أهم أولوياتي، لقد كنت أحد مؤسسي شركة استثمار عقاري مشهورة ولقد تقاعدت منذ سنتين، بدأت في العمل بـ «أوبر» بعد أن أحسست بالملل والرغبة في مقابلة الناس والتفاعل معهم، حاولت أن أشغل نفسي في البداية بلعب الجولف ومقابلة بعض الأصدقاء من حين لآخر، لكني لم أقدر على الاستمرار على هذا المنوال لفترة طويلة، لقد بدأت العمل منذ الصغر ونجحت في أعمال كثيرة، وأمتلك ثروة تغنيني عن العمل لما تبقى من حياتي.
نظر لي وعلى وجهه ابتسامة واسعة وقال: لكني اكتشفت مؤخرًا أني لا أستطيع أن أتوقف عن العمل.
ضحكت ثم قلت: إنه واحد من أهم أحلامي يا رجل، عندما أبلغ سن التقاعد أتوقف عن العمل وأستمتع بما تبقى لي من عمري.
أجابني: لماذا تعتقد أن توقفك عن العمل سيعطيك القدرة على الاستمتاع أكثر بحياتك؟ إن التحدي والمثابرة للوصول إلى الهدف هو ما يعطيك الدافع لمواصلة الحياة واكتساب الخبرة والاستمتاع بها.
- ماذا عن السفر؟ وقضاء وقت مع العائلة دون التعرض لضغوطات العمل؟
ضحك السائق ثم قال: بعد تقاعدي سافرت إلى البهاما وتاهيتي وإيطاليا وغيرها من البلدان الأوروبية، ولكنك تقضي بضعة أيام في زيارة البلد ثم تعود إلى الوطن، لقد اعتدت على بيئة معينة وثقافة بلدي، فمن الصعب أن أظل لفترات طويلة في بلدان أخرى، قد يستطيع من هم أصغر مني سنًّا التأقلم على مجتمع وثقافة جديدة. لدي ابن وحيد وهو رجل أعمال ناجح مشغول بأعماله طوال الوقت، فقد صنع مليونه الأول في سن 28.
نظرت إليه في انبهار وقلت: هذا مذهل كيف تمكن من فعل ذلك؟
- هو شاب غير تقليدي في تفكيره، بعد أن انتهى من دراسته الثانوية بدأ في دراسة إدارة الأعمال، لكن بعد السنة الأولى قرر أنه
لا يرغب في دراسة إدارة الأعمال وقرر دراسة التمريض وتخصص في تمريض كبار السن.
- وأنت لم تحاول أن تثنيه عن هذا؟
- من حسن حظه أني لم أقم بذلك وإلا ما أصبح ناجحًا، لا بد أن تترك فرصة لأطفالك للتجربة والفشل، لا بد وأن تطلق لهم العنان لأن الأزمنة تختلف ولا يمكن أن تقيس تجربته والفرص التي أمامه في الحياة بما مررت أنت به.
- ماذا حدث بعد ذلك؟
- تخرج بعدها بثلاث سنوات وقام هو وزميل له بفتح دار للمسنين، قاما باقتراض أموال من البنوك وأعطيته مساعدة مالية بسيطة، بجانب منحة من وزارة الصحة كانت متاحة في ذلك الوقت، اكتسب المكان سمعة طيبة لحسن إدارته والمعاملة المتميزة لمرتاديه اجتماعيًّا وطبيًّا، كما قام بالاتفاق مع شركات التأمين المختلفة التي تقوم بدفع الفواتير الطبية لكبار السن ليصبح المكان متاحًا لشرائح مختلفة من المجتمع، خلال سنتين أصبح المشروع مربحًا حتى قامت شركة كبيرة متخصصة في مجال علاج كبار السن بتقديم عرض مغرٍ له هو وصديقه مع احتفاظه بإدارة المكان، فقام بالبيع وهكذا صنع مليونه الأول.
- ولماذا باع المكان إن كان مربحًا؟
ضحك الرجل وقال: هذه هي عقلية رجال الأعمال ولعله قد ورث ذلك مني. أي مشروع يمر بمرحلة ازدهار، ثم ثبات، وبعدها يبدأ المنحنى في الهبوط، لقد باع المكان في مرحلة الازدهار وأصبح معه رأس المال ليبدأ فكرة جديدة تعطيه المزيد من الشغف والطموح.
تأملت ما قاله سائق أوبر، بالفعل ابن الوز عوام، إذا نشأت في منزل، حيث تعقد بين جدرانه صفقات الأعمال وفيه المخاطرة جزء من الحياة اليومية، سيعطيك ذلك الدافع للتجربة والمخاطرة، وفي المقابل إذا تربيت في بيت يبحث من فيه عن الوظيفة المستقرة والدخل الثابت وعدم المخاطرة فسيكون أقصى أحلامك أن تدخل إحدى كليات القمة للحصول على وظيفة والمكانة الاجتماعية بعد التخرج، بغض النظر إن كانت هذه الوظيفة سوف تمدك بالشغف والطاقة للاستمرار في الحياة ومقاومة التحديات.
إنها ثقافة المجتمع المتقدم، فيها تتوفر البيئة المشجعة على حب العمل والمخاطرة والتفكير غير التقليدي، تقبل الفشل وإمكانية القيام والمحاولة مرة أخرى.
ليس معنى ذلك أن المجتمع لا يعاني من مشاكل إنسانية أو اجتماعية ولكنه مجتمع محب للمغامرة والتجربة.