الرحلة السابعة
الشعب الألماني لا يريد أوبر
ميونـخ أبريل 8102
كانت الفتاة سائقة أوبر جميلة، خمرية اللون ذات شعر أسود طويل وناعم وتبدو صغيرة في السن، لا تشبه الفتيات الألمانيات اللاتي أراهن في مكتب الشركة في ميونخ أو في أنحاء المدينة، اعتقدت أنها إسبانية الأصل وخاصة عندما بدأت في الكلام تيقنت تمامًا أنها ليست ألمانية، فليس لديها اللهجة المعروفة للألمان عند تحدثهم الإنجليزية وإن كانوا من أكثر الشعوب إتقانًا لها كلغة ثانية، كان اسمها مكتوبًا في الأبليكشن الخاص بأوبر مارية، تعلق صليبًا فضيًّا على صدرها، كانت تقود سيارة مرسيدس من الطراز E 300 حديثة.
- أهلًا ماريا.
قابلتني بابتسامة خجولة ودافئة: مرحبًا بك.
- سيارتك تبدو حديثة للغاية.
- بالفعل، فهي موديل السنة ولم تقطع إلا القليل من الكيلومترات، ولكنها ليست سيارتي إنها ملك للشركة المتعاقدة مع شركة أوبر.
- أحتار كثيرًا في فهم كيفية عمل أوبر في ألمانيا وكيف تحقق الشركة أرباحًا؟ فغالبا ما تكون سيارات أوبر سيارات فخمة وحديثة وعادة ما أدفع بين 20-15 يورو في المشوار، أنا متيقن تماما أن التكلفة على السائق أو الشركة مالكة السيارة أكثر من ذلك.
ضحكت الفتاة ثم قالت: الخاسر هو شركة أوبر وليس الشركة أو الشخص صاحب السيارة.
- كيف؟ اشرحي لي.
- حسب القانون الألماني هناك حد أدني من الأجور لكل ساعة عمل، فصاحب السيارة لا بد وأن يحصل على هذا المبلغ عن كل ساعة خلال عمله مع أوبر، بجانب استهلاك السيارة والبنزين، فصاحب السيارة يحصِّل 35 يورو في الساعة من شركة أوبر بغض النظر إذا تمكن من تحصيل هذه الأجرة من زبائن أو لم يكن لديه الطلبات الكافية، هذا هو الاتفاق بين الحكومة الألمانية واتحاد العمال الألماني وشركة أوبر.
- هذا جنان، ولماذا تقبل أوبر بهذه الشروط المجحفة؟
- لكي تتمكن من الدخول إلى السوق الألمانية والأوربية بشكل عام، فالغرض هو تكوين قاعدة عملاء عريضة تعتاد خدمات أوبر، ومع مرور الوقت تستطيع أوبر تحقيق ربح والدفع بخدمات أخرى للعميل الألماني، لكن للأسف لم تنجح في هذا حتى الآن، وأستطيع أن أؤكد لك أن أوبر تدفع الكثير من الأموال لكي يستخدم المواطن الألماني أوبر ولكن بدون جدوى.
سألتها باستغراب: ولماذا بدون جدوى؟
- لأن المواطن الألماني يفضل استخدام المواصلات العامة كالترام والمترو، التي تغطي معظم أحياء المدينة وحتى الضواحي والمطارات، وإن اضطر لأن يأخذ سيارة أجرة فالمواطن الألماني يفضل مساندة شركات التاكسي المحلية على أن يعطي أمواله لشركة أمريكية مثل أوبر.
كنت مذهولًا من هذا المنطق وسألتها: من يركب أوبر إذن؟
ابتسمت ماريا وقالت: السياح ورجال الأعمال أمثالك، وخاصة القادمين من بلدان يكون استخدام أوبر فيها شيئًا مألوفًا.
- بالفعل أنا أستخدم أوبر لأن كل بياناتي مسجلة في التطبيق؛ أستطيع أن أدفع بعملات مختلفة بسهولة وعادة ما يكون هناك العديد من السيارات حولي عندما أحتاج إلى سيارة.
- نعم، أوبر وسيلة مريحة والفكرة ذكية للغاية فهي توفر فرصة عمل للكثير ممن يحتاج عملًا مؤقتًا مثلي؛ فأنا طالبة أدرس بالجامعة وأعمل سائقة أوبر لكي أُحصل بعض المال الذي يساعدني على تكاليف الحياة.
سألتها وأنا أعلم الإجابة مسبقًا: هل أنت من ميونخ؟
- كلا، أنا من بلد في أوروبا الشرقية اسمه مولدوفا، هل سمعت عنه من قبل؟
- نظرت إليها بدهشة وقلت لها: إنكِ ثاني امرأة ألتقي بها من مولدوفا.
- حقيقي، مولدوفا بلد صغير وفقير، غالبًا عندما أخبر أحدهم أني من مولدوفا لا يعرف أين هي.
- أنا أيضًا لم أكن أعلم أين مولدوفا حتى قابلت زميلًا في العمل من أصل أمريكي، قابل زوجته أثناء عمله في إسرائيل، هي هاجرت إليها من مولدوفا، بعد زواجهما ببضع سنين واستقرارهما في إسرائيل قرر زميلي العودة إلى أمريكا مرة أخرى حيث لم يشعر بالراحة هو وزوجته في إسرائيل.
- لماذا، ألم تحمل زوجته الجنسية الإسرائيلية؟
- بلى، ولكنها لم تكن يهودية، فلقد أتى بها زوج والدتها الإسرائيلي من مولدوفا بعد وفاة الوالدة وساعدها على الحصول على الجنسية، ولكن طوال هذه السنين لم تكن تشعر أنها جزء من المجتمع الإسرائيلي المنغلق بعاداته وتقاليده، حتى زميلي الأمريكي شعر بعد فترة من الحياة في إسرائيل أنه مواطن من الدرجة الثانية.
- وهل استقرا في أمريكا الآن؟
ابتسمت قائلًا: الزوجة لا تعجبها الحياة السريعة والعادات الأمريكية وتتمنى أن تعود لأوروبا مرة أخرى.
ضحكت ماريا وقالت: دائمًا ما يُصاحبنا الحنين إلى بلدنا الأم في الغربة، العشب يبدو دائمًا أكثر اخضرارًا عند الآخرين.
“The grass is always greener on the other side of the fence”.
تفكرت في ما قالته الفتاة صغيرة السن ماريا من مولدوفا، لقد أصابت الهدف بجملتها الأخيرة، فالجيل الأول من المهاجرين الذين تركوا أوطانهم سعيًا وراء الحياة الكريمة ومستقبل أفضل للأجيال القادمة يظل يعاني من أزمة الهوية والارتباط الوثيق بوطنه الأم، وذكريات طفولته وشبابه وعادات وتقاليد نشأ عليها، يقاوم محولات التأقلم والاندماج التام مع المجتمع الجديد الذي هاجر إليه، يحرص على نقل العادات والموروثات إلى الجيل الثاني (الجيل التالي) والذي يكون ارتباطه بالوطن الأم أقل، يقل حبل الوصال سماكة حتى يصبح كالشعرة الرقيقة في الجيل الثالث وينقطع تمامًا في الأجيال التالية التي قد لا تعرف أي شيء عن وطن الأجداد وتاريخهم.
في بلاد المهجر، نحن الجيل الأول، غالبًا ما نشتاق إلى الوطن بعد طول الغياب ويغزو العقل سيل جارف من أحداث وذكريات يجعلك تزداد حنينًا وشوقًا إلى تلك الأيام الماضية البعيدة ودائمًا ما يراودك حلم الرجوع إلى الوطن، ولكن إن أعملت عقلك بجد أكثر وبحثت بداخله في الغرف المغلقة ستتذكر لماذا كنت تتحين الفرصة للخروج والهجرة إلى وطن جديد، لقد صدقت المقولة المأثورة «العشب يبدو دائمًا أكثر اخضرارًا عند الآخرين».