الرحلة التاسعة

الإرهاب لا دين له

سان فرانسيسكو أكتوبر 8102

كنت أنتظر سائق أوبر خارج مطار مدينة سان فرانسيسكو، جئتُ لحضور مؤتمر في مدينة كوبرتينو، التي تضم المقر الرئيسي لشركة آبل، المدينة مشهورة أيضًا بتواجد العديد من شركات التكنولوجيا الشهيرة الأخرى فهي جزء من واحة التكنولوجيا في ولاية كاليفورنيا والمعروفة بأن سكانها غالبيتهم من الشباب والمهاجرين العاملين في مجال هندسة الحاسب الآلي وتكنولوجيا المعلومات، كان اسم السائق كما يوضحه التطبيق “مو” مثل اسم الشهرة للاعب الكرة المصري المعروف عالميًا محمد صلاح، هو اختصار متعارف عليه لمن يكون اسمه محمد في العالم الغربي.

وصل السائق تعرفت عليه من رقم السيارة، كان شابًّا في مقتبل العمر تبدو عليه الملامح الشرق أوسطية، يعرج قليلًا في مشيته، ساعدني في وضع أغراضي في الحقيبة الخلفية ثم جلست بجانبه في المقعد الأمامي وبدأت الحديث.

وجدت نفسي أسأله رغم معرفتي الإجابة: هل «مو» هو اسمك الحقيقي أو اسم شهرة؟

- اسمي الحقيقي «محمد» ولكن أستخدم هذا الاسم المختصر لسهولته.

- من أين أنت يا محمد؟

- أفغانستان.

- وأنا من مصر.

ألقى السلام عليّ باللغة العربية «السلام عليكم» بلكنة ثقيلة شبيهة بلهجة أهل الهند عند تحدثهم العربية.

سألته: منذ متى وأنت في الولايات المتحدة؟

- هذا عامي السادس هنا.

- هل جئت مباشرة من أفغانستان؟

- نعم لقد كنت أعمل مترجمًا للقوات الأمريكية في كابول والمناطق المحيطة، قبل مجيئي إلى أمريكا انفجر لغم في قدمي وكدت أموت ولكن تم علاجي، ما زلت أعرج قليلًا عند استخدام قدمي اليسرى، لكن الحمد لله ما زلت أستطيع أن أتحرك بها.

- أوه، لا بد وأن عملك مع القوات الأمريكية كان في غاية الخطورة، كونك من أهل البلد وتساند المستعمر بالطبع لم يكن شيئًا هينًا.

- نعم تلقيت العديد من التهديدات من حلفاء طالبان بالقتل، ومن أجل ذلك ساعدتني الحكومة الأمريكية على الهجرة إلى أمريكا عندما أصبح الأمر يشكل تهديدًا حقيقيًّا على حياتي، بالطبع لم يكن هدفي هو المجيء إلى هنا، كنت أتمنى أن تخرج أفغانستان من دوامات التطرف والحروب الأهلية التي استمرت لعقود طويلة.

- وهل تشعر بالاستقرار هنا في أمريكا؟

- الوضع في أفغانستان أصبح لا يُحتمل؛ في أي وقت أو مكان تجد من يفجر نفسه في حشد من الناس، وقد تفقد حياتك أو أحد أعضائك لمجرد تواجدك في الشارع في ذلك الوقت، ولكن الوضع هنا ليس مثاليًا أيضًا.

- كيف؟

- للأسف هناك بعض الناس عندما يدركون أن أصولك تعود إلى الشرق وأني من أفغانستان تكون ردود أفعالهم سخيفة، لقد ركب معي حديثًا شخص أمريكي وسألني نفس سؤالك عن اسمي ومن أين أتيت وعندما علم أني من أفغانستان طلب من الوقوف وإلغاء الرحلة فهو لا يريد أن يركب مع إرهابي؛ بالرغم من أني كنت أساعد الجيش الأمريكي في أفغانستان.

- وهل قمت بالإبلاغ عنه لشركة أوبر؟

- أنا لا أرغب في المشاكل؛ فأنا أعمل لكي أستطيع أن أكمل دراستي وأدفع ايجار السكن؛ كما قلت لك من قبل الحياة في أفغانستان أصبحت في غاية الخطورة.

سألته: ولكني كنت أعتقد أن الوضع في تحسن في أفغانستان بعد اتفاق وقف إطلاق النار بين الحكومة الأمريكية وحركة طالبان؟

أجابني: حركة طالبان هم مرتزقة يهتمون فقط بالمال وبسط نفوذهم على القبائل لجبي الإتاوات، فهم على صلة بالمخابرات الروسية والباكستانية وآخرين مثل تجار المخدرات الدوليين ممن يمدونهم بالمال لخلق المشاكل في أفغانستان.

- ولماذا باكستان؟

ضحك الشاب ثم قال: 90٪ من التفجيرات الانتحارية يقوم بها عناصر من إقليم معين في باكستان (لا أستطيع أن أتذكر اسم الإقليم الذي ذكره الشاب)؛ هو إقليم في غاية الفقر وينتشر فيه الجهل؛ تقوم المخابرات الباكستانية بإغراء المعدمين من أهل هذا الإقليم بدفع 5000 دولار أمريكي ثمنًا للتفجير الانتحاري وهو مبلغ مغرٍ للغاية لأب لديه أسرة كبيرة لا يدري من أين ينفق عليهم.

في وسط ذهولي قلت للشاب: يقتل نفسه من أجل المال وليس من أجل مقاومة المحتل أو نصرة أيديولوجية يؤمن بها؟

ظل الشاب مبتسمًا ثم قال: عندما كنت أستجوب بعضهم وأسألهم ما هي أركان الإسلام الخمسة كانوا يعجزون عن الإجابة، أو حتى كيفية الصلاة أو قراءة الفاتحة، لم يكونوا يفقهون أيًّا من مبادئ الإسلام الأساسية، لقد وصل بهم اليأس من الحياة أن الواحد منهم على استعداد لقتل نفسه مقابل تأمين حياة كريمة لأسرته، هؤلاء من تستغلهم طالبان لنشر الفوضى ومساومة الأمريكان؛ لا يوجد منزل في أفغانستان إلا وفقد أحد أفراد العائلة في مثل هذه التفجيرات؛ فنحن ندفع ثمن الخلافات بين الدول المحيطة بنا، أو دول أخرى صاحبة المصلحة في نشر الفوضى في المنطقة وتقوم باستغلال الفقر والجهل المنتشرين في أنحاء البلاد لتحقيق أهدافها.

فكرت قليلًا في ما قاله لي هذا الشاب الأفغاني؛ لقد عاصر الأهوال في بلاده وكان على مشارف الموت عندما انفجر لغم في قدمه؛ جاء إلى بلد غريب يصارع فيه الكثير من التحديات (اختلاف اللغة والثقافة، العنصرية، غلاء المعيشة وعدم وجود أهل أو أصدقاء…) لكن ما زالت الحياة في المجتمع الأمريكي أفضل له من الرجوع إلى أفغانستان والذي قد يكلفه حياته.

من السبب؟ بلا شك الدول الغربية هي السبب في تأجيج الصراعات في منطقة الشرق الأوسط لبيع المزيد من السلاح وبسط النفوذ على دول المنطقة الغنية بالمصادر الطبيعية والبشرية، لكن أيضًا انتشار الجهل وفقدان الأمل جعل سكان هذه البلاد يكفرون ببلادهم ويتطلعون للهجرة منها والارتماء في أحضان الغرب.

سألته: هل ما زلت تأمل في العودة إلى أفغانستان في يوم من الأيام؟

نظر لي وعلى وجهه ابتسامة حزينة وقال: بالطبع يا أخي فأنا أشتاق لأهلي والشعور بالدفء بينهم، لكن لا أدري إن كان السلام سيعم البلاد مرة أخرى في وقت قريب، الوضع الحالي غير مبشر.

قلت له: تفاءل خيرًا، لعل الفرج يأتي قريبًا.

أجابني بلغته العربية الركيكة: إن شاء الله.