الرحلة العاشرة

الفرار من الجحيم

أوستـن نوفمبر 8102

أخيرًا هبطت الطائرة في مطار أوستن بولاية تكساس بعد قضاء ما يزيد على نصف الساعة في انتظار إذن الهبوط من طاقم المراقبة، فلقد كانت الأمطار كثيفة للغاية، لكن السبب الرئيسي لتأخير الهبوط كان العواصف الرعدية، التي لا يُسمح بهبوط الطائرات خلالها لتجنب أخطار الصواعق الكهربية وتعريض حياة الركاب للخطر، العواصف الرعدية هي ظاهرة منتشرة في هذا الجزء الجنوبي من الولايات المتحدة نتيجة هبوب الرياح الساخنة القادمة من خليج المكسيك، التي تصطدم بتكتلات الهواء البارد والسحب فتتولد الشحنات الكهربائية وقد تستمر هذه العواصف لعدة أيام متواصلة.

بعد فترة من التحليق تحدث كابتن الطائرة إلينا ليخبر الركاب إن لم تتحسن الأحوال الجوية في خلال الـ15 دقيقة القادمة فسوف يضطر لتحويل مسار الرحلة إلى مدينة هيوستن قبل أن يصل مخزون الوقود إلى المرحلة الحرجة. تمنيت ألا يحدث ذلك فبعد أسبوع شاق من العمل في مدينة دنفر في ولاية كولورادو كنت أتطلع لبعض الراحة خلال عطلة نهاية الأسبوع بعيدًا عن السفر والتوتر.

أحسست براحة عندما لامست عجلات الطائرة أرض المطار وذهب عني هم قضاء ليلة أخرى في فندق في مدينة هيوستن، ففي خلال ساعة من الزمن سأكون في منزلي أنال قدرًا من الراحة وأستمتع بعطلة نهاية الأسبوع مع الأسرة.

أسرعت الخطى في ردهات المطار لكي ألحق بسائق أوبر، الذي على غير المعتاد كان متاحًا في وقت قصير، لا بد وأن العاصفة الرعدية جعلت العديد من سائقي أوبر ينتظرون الركاب خارج المطار لقلة الزبائن.

كان اسم السائق خوزيه وهو اسم دارج في تكساس لقربها من الحدود مع المكسيك، تعرفت على سيارة أوبر من رقمها ولونها الأسود الموضح على التطبيق، فتحت باب السيارة وجلست بجانب السائق وبدأت معه الكلام: آسف على التأخير.

- لا عليك، فالسماء تمطر منذ الصباح ولقد زادت العاصفة الرعدية الوضع سوءًا.

- هل أثرت العاصفة على طلبات التوصيل اليوم؟

- بالطبع، فالكثير من الناس فضلوا البقاء في منازلهم بدلًا من النزول في هذا الجو العاصف، كما تم تحويل وإلغاء العديد من رحلات الطيران، رحلتك هي أول رحلة يسمح لها بالهبوط منذ عدة ساعات.

- بالفعل أنا أعتبر نفسي محظوظًا اليوم.

ابتسم السائق وقال: لكل منا نصيب من الحظ يأتيه في ميعاد محدد، أكثرنا حظًّا هو من ينجده هذا المخزون من الحظ في المآزق الكبيرة.

نظرت إلى الرجل في دهشة وقلت له: اشرح لي ماذا تقصد؟

- لقد استهلكت جزءًا من حظك اليوم ولم تضطر لقضاء يوم بعيدًا عن منزلك، لكن قد تقابلك مصاعب أكبر في المستقبل وتتمنى أنك قد ادخرت المزيد من الحظ لذلك اليوم.

أرعبتني الفكرة أن يكون لكل منا مقدار معين من الحظ وإن لم تستهلك حظك بحكمة قد يأتي الوقت الذي تحتاجه ولا تجد لديك الرصيد الكافي.

قلت للسائق: وهل تعتقد أن لدى الإنسان القدرة على التحكم في أي وقت يمكنه استخدام مخزونه من الحظ؟

ابتسم خوزيه: كلا، فنحن لا نعلم متى تصيبنا المصائب الكبرى، لكن الإيمان بذلك يقوي عزيمتك ويمنحك الصبر عند مواجهة المصائب الصغيرة، لعل هذا يدخر حظك لما هو أسوأ في المستقبل.

ضحكت وسألته: هل ما زال لديك رصيد من الحظ؟

- أعتقد أني استهلكت معظمه، أتمنى أنه لا يزال لدي القليل من الحظ.

- هل تسمح لي أن أسألك فيم استهلكت حظك؟

- هل تعرف بلدًا يسمى الهندوراس؟

- نعم، إنها إحدى مدن أمريكا الوسطى لكني لا أعرف الكثير عن ظروف البلد.

- أنا من الهندوراس، ولقد جئت إلى أمريكا لاجئًا بعد أن كادت العصابات في الهندوراس تقتل ابني الأكبر وقامت بتهديدي أنا وأسرتي بالقتل.

انزعجت كثيرًا من سماع ذلك وقلت للسائق: وكيف حدث ذلك؟

- الهندوراس بلد ينتشر فيه الفساد والعصابات المسلحة، وهو واحد من أعلى دول العالم في معدلات الجريمة والانتحار، ويعيش الغالبية العظمى تحت خط الفقر، تقوم العصابات المسلحة بتجنيد الأطفال في مراحل صغيرة من العمر وتأخذهم لجمع الإتاوات من المزارعين وتوزيع المخدرات وأعمال أخرى مشينة، غالبًا ما ينتهي الحال بأطفال الطبقات الفقيرة بالانضمام لإحدى العصابات المسلحة وينتهي ببعضهم الحال بالقتل خلال الصراعات المسلحة فيما بينهم ومع الشرطة والجيش.

- هذا مريع.

- عندما بلغ ابني الأكبر السادسة عشر حدث ما كنت أنا وأمه نخشاه فقد أصبح جزءًا من تنظيم عصابي تعرف عليهم من خلال أصدقائه في المدرسة، وأصبح يحمل سلاحًا ويخرج ليلًا ولا نعرف أين يذهب، هم يستغلون طاقة المراهقين وتمردهم ويشجعونهم على عصيان آبائهم والتمرد على الأسرة.

- ولماذا لم تبلغ الشرطة؟

- لأن الشرطة لا تستطيع التصدي لهذه العصابات، فلقد أصبح البلد مباحًا لهم، وفي بعض الأحيان تلعب بعض هذه العصابات دور الشرطة، تذهب إليهم وتطلب مساعدتهم في إرجاع شيء سرق منك أو الحماية وكل ذلك في مقابل المال.

- وماذا حدث لابنك؟

- سرقت منه عصابة أخرى مالًا كان أوكل إليه توصيله لمكان ما ولم يتعرف على من سرقه، فظنت العصابة التي ينتمي إليها أنه سرق المال وقامت بتعذيبه وأحدثت فيه عاهة مستديمة في عينه وهددتني أنها ستقتل كل أفراد الأسرة الواحد تلو الآخر إن لم نرجع المال الذي فقده ابني الأكبر.

انتابني الذهول مما سمعت وظللت أنظر محدقًا في سائق أوبر، استطرد قائلًا: أشار عليّ شقيق زوجتي بالفرار شمالًا وترك البلدة، وبالفعل اتجهنا شمالًا إلى الحدود مع جواتيمالا حيث استضافنا بعض الأصدقاء لكن قابلتنا العديد من الصعوبات واتخذنا القرار بالاستمرار في الهروب شمالًا حتى وصلنا إلى المكسيك ثم الحدود مع الولايات المتحدة، وهناك في مكتب اللجوء تقدمنا بطلب أثبتنا بما نمتلكه من مستندات أن رجوعنا إلى الهندوراس فيه خطر على حياتنا وتم منحنا الفيزا للدخول إلى أمريكا بعد أن أمضينا 6 أشهر في انتظار قرار المحكمة المتخصصة.

- لقد نجوت بأعجوبة يا رجل.

ضحك خوزيه وقال: لهذا قلت لك أني أعتقد أني استهلكت معظم مخزوني من الحظ.

- وكيف تمكنت من الاستقرار هنا؟

- استضافنا بعض المهاجرين من أمريكا اللاتينية واشتغلت أنا وزوجتي في تنظيف المنازل وكنا ندرس الإنجليزية في المساء، أما الأطفال فالتحقوا بالمدارس وابني الأكبر يعمل في إحدى ورش الميكانيكا، مع الوقت استقررنا في أوستن وتمكنت أنا وزوجتي من فتح شركة تنظيف صغيرة وأعمل على أوبر في المساء.

لقد أنقذ القدر خوزيه وعائلته من مستقبل مأساوي كادوا أن يتعرضوا فيه للقتل في بلد لا ينال فيه القاتل العقاب وتسيطر العصابات الخطرة على التعاملات بين الناس وتنتهك حقوقهم في ظل غياب القانون ودولة المؤسسات.

تمكن خوزيه من الهجرة إلى أمريكا والاستقرار بعائلته بعيدًا عن المخاطر التي أحاطت به في الهندوراس وبذلك هو يعتقد أنه استهلك غالبية مخزونه من الحظ، تذكرت كم كنت مستاء من قضاء ليلة إضافية في هيوستن بعيدًا عن البيت منذ لحظات، ولم يكن لدي الصبر على التأخير الذي حدث بسبب العاصفة الرعدية، صدق المثل القائل «اللي يشوف بلاوي الناس تهون عليه بلوته».