الرحلة الحادية عشرة
كورس مكثف في البيزنس
كوبرتينـو نوفمبر 8102
بعد انتهائي من المؤتمر الذي عقد في مدينة كوبرتينو في ولاية كاليفورنيا، التقيت أحد أصدقائي المصريين، الذي يعمل في شركة آبل الأمريكية، استعرضنا في لقائنا السريع العديد من الذكريات المشتركة والمبهجة، أنتظر هذه اللحظات التي تجمعني بالأصدقاء القدامى، التي تذكرني بأن الحياة ليست متمركزة فقط حول العمل، ومساوئ الانخراط في طاحونة الرأسمالية البشعة التي تبتلع أهم الأوقات في حياتك بحثًا وراء منصب أو مكافأة أو تقدير من رؤسائك، والنتيجة أنك تُفاجأ بالشعر الأبيض الذي بدأ في غزو شعرك، حركتك أصبحت أكثر صعوبة مصحوبة بآلام في الظهر نتيجة للجلوس أمام الكمبيوتر لأوقات طويلة، أطفالك أصبحوا مراهقين تربطك بهم علاقة سطحية يشوبها الخلافات من الوقت للآخر.
توقفت سيارة أوبر الليكساس أمام الكوفي شوب حيث التقيت صديقي المصري، ودعته متمنيًا أن ألقاه وأن نتمكن من قضاء المزيد من الوقت معًا في المستقبل القريب، أسرعت لاستقلال السيارة للحاق بطائرتي من مطار سان فرانسيسكو، كانت الرحلة طويلة تستغرق ما يزيد على الساعة، جلست بجانب السائق كعادتي، كان السائق أسمر اللون يرتدي ملابس رياضية من ماركة مشهورة وغالية ويضع نظارة شمس أنيقة، يبدو عليه أنه صغير السن قدرت أنه في أوائل العشرينيات، كان من الواضح أنه يعتني جيدا بسيارته وبمظهره، فالسيارة تنبعث منها رائحة ذكية، وفرشها الجلدي الأسود يلمع وكأنها موديل السنة.
- يبدو أنك تعتني جيدًا بسيارتك، تبدو في حالة جيدة.
- أشكرك، أنا أهوى السيارات وأحب أن أحتفظ بها في حالة جيدة.
- هل أوبر هو عملك الأساسي؟
- كلا، أنا أدرس إدارة الأعمال ولدي شركة صغيرة أقوم من خلالها ببعض الأعمال التي تدر دخلًا ثابتًا Passive income (في الحقيقة لم أجد ترجمة حرفية للمصطلح الإنجليزي، لكن هو الدخل المستمر الذي لا يستلزم الكثير من المجهود غير المبلغ المستثمر في بداية المشروع).
سألته: لقد أثرت اهتمامي، هل يمكن أن أعرف ما هي المشاريع الأخرى التي تدر عليك دخلًا ثابتًا؟
- ولاية كاليفورنيا ولاية سياحية، وهي تجذب السياح من الطبقات الغنية وفوق المتوسطة، فهم في كاليفورنيا يرغبون أن يعيشوا كنجوم هوليوود والمشاهير من رجال الأعمال، يصرفون الأموال على السلع الترفيهية كتأجير العربات الفارهة والليموزين.
- صحيح، فأنا أرى في المطار الكثير من الزوار قادمين من جميع أنحاء الولايات المتحدة لزيارة لوس أنجلوس وسان فرانسيسكو وسان دييغو، ولاية كاليفورنيا تعتبر وجهة سياحية مهمة لمعظم الولايات الأخرى.
- لذلك قمت بشراء 4 سيارات فارهة بجانب هذه السيارة وأقوم بتأجيرها عن طريق موقع تورو Turo لتأجير السيارات، هم يقومون بكل شيء بدءًا من إيجاد العملاء وتنظيم الحجوزات والتأمين على السيارة، كل ما عليك أن تفعله أنك تضع سيارتك على صفحتهم الإلكترونية.
- لكن هذه السيارات مكلفة، خاصة أنها من الأنواع الفارهة.
- صحيح، لكن تلك هي الأنواع التي يقبل عليها السائحون القادمون لكاليفورنيا، فهم يرغبون ركوب السيارات غير التقليدية، إحدى السيارات هي سيارة ماكلارين اشتريتها مستعملة بما يزيد على 100 ألف دولار ولكنها دائمًا محجوزة لعدة أسابيع مقدمًا، بينما السيارة ليكساس التي أسوقها الآن متوفرة في كل مكان وتجد مثلها المئات على الطريق ولا يشعر فيها العميل بتميز، لا يوجد عليها نفس الإقبال ولذلك أستخدمها عندما تكون متاحة في توصيلات أوبر.
نظرت إلى سائق أوبر باندهاش وسألته: هل تسمح لي أن أسألك كم تبلغ من العمر؟
ابتسم ضاحكًا وقال: أنا في السادسة والعشرين.
- وهل تفعل شيئًا آخر بجانب تأجير سيارتك الفارهة والعمل بأوبر؟
- نعم، لا بد وأن تنوع استثماراتك، لا يجب أن تضع كل البيض في سلة واحدة.
- وما هي استثماراتك الأخرى؟
- لقد بدأت في سن مبكرة الاستثمار في أسهم شركات التكنولوجيا، وأيضًا مجال الاستثمارات العقارية؛ حالفني الحظ مع أسهم شركة أمازون ومايكروسوفت وتسلا مما وفر لي المال اللازم للاستثمار في المجالات الأخرى.
- لم تتلق أي مساعدة من والدك أو أهلك؟
ابتسم الشاب وقال: بل هم يعملون لدي الآن، أخي الأكبر يساعدني في بعض الأحيان بالعمل على إحدى السيارات كسائق خاص، ووالدي يساعدني في أمور الحسابات والبنوك والأعمال الإدارية.
- ولماذا تعمل إذًا بنفسك كسائق أوبر؟
- أقوم بها لكي أقابل أنواعًا مختلفة من الناس وأذهب إلى أماكن متنوعة أو في جولات حول المدينة، في بعض هذه الجولات تنشأ بيني وبين زبائني صداقات وأكتسب خبرات لم أكن لأكتسبها لو ظللت خلف المكتب.
انبهرت بما قاله لي الشاب فهو في السادسة والعشرين، يدرس إدارة الأعمال ولديه عدة مشاريع تدخل عليه دخلًا شهريًّا ثابتًا، وفي بعض الأوقات يعمل سائق أوبر لخوض تجارب جديدة مع أشخاص لم يرهم من قبل، يا لها من حياة مثيرة ومليئة بالأحداث.
عندما كنت في عمره لم أكن أمتلك ربع نضجه وتفكيره كرجل أعمال، هل هي إحدى سمات هذا الجيل الجديد والمحظوظ بامتلاكه وسائل التكنولوجيا الحديثة التي تسهل إتاحة الفرص وتدفق الاستثمارات، أم هي عادات وتقاليد الشرق التي تلزم الشاب أو الفتاة في سن صغيرة بالسير على خطى محددة نتوارثها عبر الأجيال؟ التعليم الجامعي، ثم الوظيفة، ثم الجواز، ثم الأولاد ونظل في دائرة مفرغة جيلًا بعد جيل لا يجرؤ أحد على الخروج منها أو تحدي الظروف المحيطة به والتفكير خارج الصندوق، غالبًا ما تكون محصورًا بمجموعة من الآمال والأحلام المحددة مثل إيجاد فرصة عمل في الخارج أو الهجرة أو إحدى الوظائف اللامعة التي قد تمنحك المال والمكانة الاجتماعية؛ دكتور أو مهندس أو وكيل نيابة، لا مجال للابتكار ومحاولة الخروج عن النمط المعهود، هكذا كان جيلي، أتمنى أن يكون الجيل الجديد مختلفًا ولديه القدرة على السعى وراء أحلام وطموحات مختلفة فيها بعض الابتكار والمغامرة.