الرحلة الثانية عشرة
المصري غير المرحب به
لنــدن مارس 9102
كانت زيارتي الأولى للندن، بالرغم من زيارتي للعديد من الدول في العالم، التي تعدت الثلاثين دولة لم تتوفر لي الفرصة لزيارة أهم مدينة في أوربا لندن من قبل، كنت في ألمانيا قبلها وطُلب مني الذهاب إلى لندن لمقابلة عميل (إحدى الشركات المشهورة في مجال التأمين وإدارة المخاطر)، كانت تكلفة رحلتي من مدينة دوسلدورف الألمانية إلى لندن 47 يورو فقط على الطيران الاقتصادي ايزي جيت، قررت أن أقضي يومًا إضافيًّا في لندن لزيارة المزارات السياحية المشهورة وكنت سعيد الحظ أن واحدًا من أكثر أصدقائي المقربين في مصر كان في لندن أيضًا يحضر أحد المؤتمرات وتدريبًا من قبل شركته، اتفقنا على أن يصحبني في جولتي في لندن، بدأنا الجولة من لندن بريدج المشهور واتجهنا ناحية ساعة بيج بن، انبهرت بالتصميم المعماري لأبنية لندن وفي أحد الميادين وقفت أمام مبنى مبهورًا بعراقة التصميم وجماله وبدأت ألتقط الصور للمبنى من زوايا مختلفة، عندها أوقفني صديقي قائلًا: أتدري ما هذا المبنى؟
أجبته: كلا لا أدري. أشار بيده إلى لافتة معلقة في جانب المبنى، لم أصدق عيني فكانت اللافتة المعلقة مكتوبة باللغة العربية «البنك الأهلي المصري، فرع لندن» شعرت بالفخر أن البنك الأهلي المصري يحتل أحد المباني العريقة في هذه المدينة التاريخية، فلا بد وأنه كان لمصر شأن كبير في المملكة المتحدة عندما اتخذت من هذا المبنى مقرًا لأحد البنوك المصرية.
في الصباح طلبت أوبر متجهًا إلى مطار هيثرو عائدًا إلى أوستن، كانت السائقة اسمها ريبيكا والعربة فورد فوكس، ركبت السيارة في الخلف على غير العادة، فقد قررت أن أشاهد معالم المدينة من النافذة الخلفية بدلًا من الانشغال في الحديث مع السائقة.
بينما نحن في الطريق جاءتها مكالمة تليفونية، استأذنتني قائلة: هل تسمح لي بالإجابة إنها ابنتي الصغيرة وهي وحدها بالمنزل؛ أجبتها: بالطبع.
دار بينهما حديث جعلني أبتسم وأنا أسمع اللهجة الإنجليزية، التي تمتاز بمط وتفخيم بعض الحروف مما يجعل نطق الكلمات مختلفًا عن اللهجة الأمريكية، كانت الفتاة تسأل والدتها متى ستنتهي من العمل وأنها قد أنهت إفطارها وفي طريقها إلى المدرسة.
بعد انتهاء المكالمة قالت ريبيكا: أنا آسفة، ولكن هذه أصغر أبنائي هي في التاسعة وأشدهم ارتباطًا بي.
قلت لها: أعلم ما تقولين، عندما يصلون لسن المراهقة لا يكون لديهم أي رغبة في التحدث أو التواصل معك، استمتعي بها وهي في هذه السن على قدر المستطاع.
نظرت إليّ ريبيكا في المرآة وقالت: بالفعل لدي أربعة أبناء آخرون ما بين الـ 16 عامًا و28 ، استقل كل منهم بحياته ما عدا الصغيرة، أختها التي تكبرها وعمرها 16 عامًا نادرًا ما تتحدث معي وتقضي معظم الوقت في غرفتها على أجهزة التكنولوجيا.
- خمسة أبناء؟ إنك شجاعة لإنجابك خمسة أطفال في هذا الزمن.
- هم نتاج زيجتين، كما أن جذوري تعود إلى جامايكا، أهل جامايكا يعشقون الأسرة كبيرة العدد وكثيرة الإنجاب.
- كذلك لدينا في مصر حتى وقت قريب، وخاصة في الأرياف عدد الأبناء في الأسرة لا يقل عن خمسة.
- أنت من مصر؟
- نعم، أنا من مصر، لكني مستقر حاليا في الولايات المتحدة.
- إنك تعرف إذًا محمد الفايد؟
- بالطبع، فأنا من نفس المدينة الإسكندرية.
- هو رجل عظيم، لكنه غير محبوب من العائلة المالكة.
- هل تقصدين ما حدث بين الأميرة ديانا وابنه دودي؟
- نعم، وأيضًا التضييق عليه في أخذ الجنسية الإنجليزية وعلى أعماله، هو معروف بأعماله الخيرية؛ فلديه مؤسسة مشهورة للاعتناء بالأطفال ذوي الحالات الخاصة والأمراض النادرة وتقديم المساعدات الطبية لهم ولذويهم، ومساعدة المحتاجين وتقديم الأطعمة للمتسولين والفقراء، لذلك تخشى العائلة المالكة من ازدياد نفوذه.
- هو من أغنى أغنياء العالم بالفعل ولديه الكثير من النفوذ، وأعتقد أن هجرته إلى إنجلترا هي التي ساعدته للوصول إلى ما هو فيه.
- بالفعل ما دمت ملتزمًا بالقوانين ولا ترتكب أي جرائم مخالفة للقانون فعندك فرصة للنجاح لكن بحدود، أعتقد أن الفايد عندما بدأ يتخطى هذه الحدود بدأت الأسرة المالكة للتحرك ضده والتضييق عليه.
- إنه بالفعل من المضحك أن تري بلدًا مثل إنجلترا يزعم أنه يحمي حقوق الإنسان في العالم ويستضيف الكثير من الهاربين من بلادهم في قضايا إرهاب ويوفر لهم اللجوء السياسي، لكن عندما تتخطى حدودًا معينة تتبخر حقوق الإنسان في الهواء.
- بالفعل، لقد هاجرت أسرتي من جامايكا إلى المملكة المتحدة بحثًًا عن حياة أفضل لأطفالهم، لقد عمل والدي وأعمامي لسنوات طوال في المصانع أعمالًا لا يرغب أهل البلد في أدائها، وبعد فترة جاء قانون يقضي بترحيل المهاجرين من جامايكا إلى بلادهم الأم بدعوى كثرة عددهم ومزاحمة أهل البلد في العمل، لقد تم ترحيل الكثير من أهل جامايكا وتمكن والدي من الحصول على استثناء كون لديه أطفالًا ولدوا في إنجلترا، لكنه لم يتمكن حتى وفاته من الحصول على الجنسية الإنجليزية.
- هذا محبط للغاية.
- بالفعل، انظر على شمالك على بعد عدة مترات سترى محل هارودز الشهير الذي كان يمتلكه الفايد، لقد أخذت طريقًا فرعيًّا لكي تراه.
نظرت من نافذة السيارة لكي آخذ نظرة سريعة على المكان، كانت الواجهة الزجاجية للمحل معروضًا فيها هدايا من علب الحلويات وإكسسوارات للمنزل تبدو في غاية الفخامة، أيضًا رأيت في إحدى النوافذ قطع اللحم المعلقة من لانشون وسجق، قلت لربيكيا: يبدو أن بضاعتهم متنوعة توجد الأشياء القيمة من الكريستال والساعات وأيضا الحلويات واللحم.
- نعم، هناك تجد أي شيء تريده من الإبرة للصاروخ لكنه غالي الثمن، زبائنه عادة ما يكونون من الطبقات الغنية التي تبحث عن بضاعة مميزة مصنوعة من خامات فاخرة، إذا أردت أن تشتري شيئًا سريعًا يمكنني الوقوف وانتظارك.
- شكرًا على عرضك لكني أخشى أن تفوتني الطائرة، خاصة أن المكان يبدو مليئًا بالأشياء المغرية.
- هل تعلم إذا كان الفايد جاء من أسرة فقيرة؟
- هو من أسرة متواضعة لم يكن والده غنيًّا، مدرس في مدرسة ابتدائي، ولكن الفايد كان تاجرًا ورجل أعمال بالفطرة فقد نجح هو وأخواه في إنشاء شركة ملاحة واستيراد وتصدير ساعدته في بناء علاقات ناجحة والتوسع في مجال الأعمال، ولكن لماذا تسألين إن كان من أسرة فقيرة؟
- لكي يظل لدي الأمل أن هذا العالم ليس فاسدًا بالكامل وأنه ما زالت هناك فرصة لأبناء العائلات الفقيرة لتحقيق النجاحات وبناء مستقبل مبهر وأن النجاح ليس مقتصرًا فقط على أبناء الطبقات الغنية.
سرحت في ما قالته ريبيكا، لقد كانت خاطرة عميقة بالفعل، كأم لخمسة أطفال وهي أيضًا تعمل كسائقة أوبر لكي توفر احتياجات أسرتها تتمنى أن يكون لدى أبنائها فرصة في النجاح وأن يصلوا إلى مراتب أفضل منها، ولكنها في نفس الوقت تشعر بالخوف مما يدور في هذا العالم من ظلم وسيطرة الطبقات الغنية على معظم الفرص التي يتوارثها جيل بعد الآخر.
قلت لربيكا: لا تخافي، هناك قوانين إلهية تتفوق على قوانين البشر، من يجتهد ويصبر ويشقى لتحقيق حلمه مصيره النجاح، وإن اختلفت درجة التحديات والصعوبات التي قد يقابلها الأشخاص من مكان لآخر ومن زمن لآخر لكن تلك هي سنة الله في أرضه.