الرحلة الرابعة عشر

هدية من سائق أوبر

ميـونـخ مايو 9102

طُلب مني أن أقضي أسبوعين كاملين في ألمانيا للعمل، مما اضطرني لقضاء عطلة نهاية الأسبوع في مدينة ميونخ، في يوم السبت قابلت بعض الأصدقاء المصريين ممن استقروا في ميونخ وزرنا بعض المزارات السياحية في المدينة، في يوم الأحد قضيت معظم النهار في الفندق وفي الظهيرة قررت أن أتوجه إلى ميدان مارين بلاتز المشهور، الذي ترجمته بالعربية ميدان مريم (السيدة مريم العذراء) لقضاء بعض الوقت هناك، كانت خطتي لقتل الوقت هي الجلوس في الميدان على أحد المقاهي والتجوال بين المحلات المشهورة وتناول الغداء ثم العودة للفندق، انتظرت سائق أوبر أمام الفندق، كانت السماء ملبدة بالسحب الداكنة، توحي بقرب سقوط الأمطار، تبددت أحلامي بالاستمتاع ببعض الشمس في وقت الظهيرة، لكني أصررت على المضي قدمًا في خطتى بدلًا من الجلوس وحيدًا في الفندق، كان السائق اسمه رشيد توقعت أن يكون من أبناء إحدى الدول في شمال إفريقيا.

جاءت سيارة بي إم دبليو حديثة من السلسلة السابعة التي تتميز بكبر الحجم والفخامة، كثيرًا ما أتحير من كيف تتمكن أوبر من صنع الربح في ألمانيا (في الحلقة العاشرة تكلمت عن ذلك بالتفصيل)، ركبت بجانب السائق وبدأت بالحديث بالعربية: أهلًا رشيد.

ابتسم السائق ورد بالعربية: أهلًا بك.

- من أين أنت يا رشيد؟

- من المغرب، ومن أين أنت؟

- أنا مصري من الإسكندرية.

- لكن رقم هاتفك يظهر أنك من الولايات المتحدة الأمريكية؟

- بالفعل، فأنا مستقر في الولايات المتحدة لما يزيد على الثماني سنوات.

- وكيف الأجواء هناك، مستريح؟

- الحمد لله، لم أخطط للاستقرار في أمريكا فلقد كنت أتتبع خطوات عملي، تركت مصر وأنا في 24 من عمري ولم يكن لدي الكثير من الخبرة، وها أنا الآن مستقر في الولايات المتحدة.

- وكيف انتهى بك الحال في أمريكا؟

- عملت في السعودية لبضع سنوات ثم الإمارات وفرنسا ثم طُلب مني الذهاب لأمريكا، الاقتصاد الأمريكي هو الأقوى عالميا، هناك يوجد العديد من الفرص وأيضًا الكثير من الإخفاقات.

- إني أرغب في الهجرة إلى أمريكا.

- ألا تشعر بالراحة في ألمانيا؟

- لقد تركت المغرب صغيرًا مثلك وتوجهت إلى أوربا، بدأت حياتي في فرنسا لكن لم يكن هناك الكثير من الفرص ولم أتأقلم مع الشعب الفرنسي، نسب البطالة العالية والبيروقراطية في القوانين وكثرة العراقيل لكونك مهاجرًا وأيضا كونك عربيًّا، فهم لديهم الكثير من الحساسية تجاه انتشار العرب في فرنسا.

- عادة يكون من المجحف تعميم بعض الصفات على شعب بأكمله، ولكن أفهم ماذا تقصد فأنا أعمل في شركة فرنسية منذ سنوات طويلة.

- جئت لألمانيا لقوة اقتصادها وسعيًا وراء فرص أفضل للعمل، لكني صدمت من العادات والتقاليد هنا، الشعب الألماني متحفظ في مشاعره وأحاسيسه ومن الصعب أن تبني صداقات أو علاقات طويلة الأمد، كما أنهم شديدو الالتزام بالقواعد وليس لديهم أي مرونة مما يجعل الاختيارات أمامك محدودة للغاية، بعد فترة من الزمن لم أعد أشعر بالارتياح أو الاندماج مع الشعب الألماني في عاداته وتقاليده، فأنا أبحث عن نمط الحياة السريع والفرص ومجتمع متعدد الأعراق كما في الولايات المتحدة، لي أصدقاء نجحوا بالهجرة إلى هناك، وكثيرًا ما يحدثونني عن توافر فرص العمل وأيضًا تواجد الجاليات من كل مكان، الكل متساوٍ في فرصته للنجاح وتحقيق هدفه.

- لكن هناك تحديًا كبيرًا يدعس المهاجرين الجدد الساعين وراء الحلم الأمريكي وهو طاحونة الرأسمالية، فإن لم يكن لديك المهارات المطلوبة في سوق عمل ضخم تأتيه الكفاءات من جميع أنحاء العالم ففرصتك على المنافسة واقتناص الفرص شبه معدومة، هنا في معظم الدول الأوربية تكفل القوانين الاشتراكية حدًّا أدنى للحياة الكريمة فلن ينتهي بك الحال من غير تأمين صحي أو التسول في الشارع، ولكن في أمريكا يمكن حدوث ذلك، قد تظهر تكنولوجيا أو منافس جديد يتسبب في توقف وإفلاس العمل الذي هو مصدر رزقك وتصبح مهاراتك وخبراتك قديمة وغير مرغوب فيها، لقد صادفت الكثير من الأمريكان ممن يبدأ الدراسة مجددا في الخمسينيات والستينيات لأنه لو لم يفعل ذلك لن يستطيع أن يؤمن عملًا ومصدر دخل يغنيه عن التسول.

وبينما نحن في هذا الحديث بدأت السماء تمطر مطرًا غزيرًا، اغتممت كثيرًا لأني لا أحمل مظلة تقيني من المطر وغالبا ما ستبتل ملابسي في طريقي إلى المقاهي في وسط الميدان، قلت لرشيد: إني سيئ الحظ اليوم؛ فالأمطار غزيرة وغالبًا لن أستطيع التسوق بدون مظلة المطر.

ضحك رشيد وقال: اليوم هو الأحد لن تجد أيًّا من المحال مفتوحًا.

تذكرت ذلك فأنا أعرف من فترات عملي في فرنسا أن يوم الأحد تغلق كل المحلات ما عدا المطاعم والمقاهي، التي تعمل لفترة محدودة، ولكن بعد قضائي فترة طويلة في الولايات المتحدة نسيت ذلك تماما، حيث تظل كل المحال مفتوحة يوم الأحد في أمريكا، ازداد غمي، وخاصة أن جولتي أصبحت محددة بالجلوس على المقهى وتناول الغداء ثم الرجوع للفندق.

وجدت رشيد توقف أمام إحدى سلاسل الفنادق العالمية المشهورة وأستأذنني قائلًا: لن أتأخر كثيرًا، سأعود خلال خمس دقائق.

بالفعل لم يتأخر رشيد وجدته يعطيني مظلة مطر فاخرة مكتوبًا عليها اسم الفندق قائلًا: هذه هدية مني لكي تتذكرني بها.

نظرت له وأنا في ذهول: أنا شاكر لك لكني لا بد وأن أدفع ثمنها.

- هي مجانية أعطاها لي صديق مغربي يعمل في الفندق، هم لديهم الكثير من المظلات التي يعطونها لنزلاء الفندق في مثل هذه الظروف.

عندما وجدني مترددًا في قبول هديته أكمل وقال: لا تخف لن يفلس الفندق بسبب هذه المظلة، لكنك لن تجد أيًّا من المحال فاتحًا لكي تشتري مظلة مطر، استخدمها ولا تحمل همًّا.

ظللت صامتًا لا أدري بماذا أجيبه، هل أقبل المظلة وأنا أعلم أن من أهداها لي لا يملكها، وكما قال جميع المحال مغلقة وسوف تبتل ملابسي من المطر الغزير في طريقي إلى المقهى، أم أرفض وأبتل ولا أقبل المظلة؟ أخيرًا توصل عقلي إلى حل سأقبل المظلة لكني سأتركها في فندقي أملًا أن تعود إلى أصحابها، لم يكن ضميري في راحة تامة من هذا القرار لكن إلحاح رشيد وغزارة المطر اضطراني لقبول الهدية.

أنقذتني المظلة من الأمطار الغزيرة، سرت مسافة لا بأس بها من حيث يُسمح للسيارات بإنزال راكبيها إلى المقهى، هناك جلست في شرفة المقهى الخارجية المغطى بمظلة بلاستيكية كبيرة، لم يكن الجو باردًا وكان الميدان خاليًا من السياح المعتاد تواجدهم بكثرة في هذا المكان الذي يعد من أهم المزارات السياحية في مدينة ميونخ؛ ففيه العديد من البنايات المبنية على الطراز البافاري القديم مثل مبنى البلدية ونافورة الميدان الضخمة ونصب السيدة مريم، وفي العادة تستخدم ساحة الميدان الضخمة في استضافة العروض الموسيقية أو الاحتفالية.

أخذت أفكر في ما قاله لي رشيد عن رغبته في الهجرة إلى أمريكا بحثًا عن الحياة السريعة والحلم الأمريكي وقارنته بما قاله لي أحد زملاء العمل الأمريكان أنه يتمنى الاستقرار في إحدى الدول الأوربية، حيث جودة التأمين الصحي ومجانية التعليم وعدم الحاجة إلى العمل حتى سن متأخرة.

في اعتقادي أن الاثنين مغفلان، يبحثان عن عذر لتفسير فشلهما في التأقلم مع التحديات التي قابلاها في المجتمع الذي يعيشان فيه، لا يدركان أن لكل مجتمع مميزاته وعيوبه وأنه لا توجد جنة على الأرض، مثلهما مثل الإنسان في مجتمعنا الشرقي الذي عندما تقابله العوائق في وطنه يكون الحل هو الهجرة، حتى وإن اضطر أن يلقي بنفسه في مركب متهالك معرض للغرق في أي لحظة في مياه البحر العميقة.

هذا الشخص نفسه لديه القدرة على الصمود لشهور عديدة في معسكرات اللاجئين غير الشرعيين تحت ظروف قاسية حتى يتم السماح له بدخول أوروبا، ثم يتنقل بين أشغال ما كان ليرضى أن يمتهنها في وطنه الأم مقابل القليل من الأموال أملًا في أنه في يوم من الأيام تتغير الأحوال ويصل إلى هذه الحياة المرفهة التي يحلم بها، يضيع عمره في محاولة التأقلم مع هذا المجتمع الجديد وعندها يدرك أنه ضحى بالكثير في مقابل وهم الهروب إلى المجتمع المثالي، أنا لا أقول أن كل الهجرات فاشلة لكن الاقتناع بأن الحل الوحيد لكل مشاكلك هو الهروب منها عن طريق السفر هو اقتناع زائف سرعان ما يتهاوى عندما يصطدم الإنسان بمشاكل المجتمعات الأخرى.

الذكي هو من يستطيع التأقلم مع ما يحيط به من تحديات ويستخدمها لصالحه بدلًا من البحث عن مكان آخر للهروب إليه، فالحياة سلسلة من التحديات نخوضها الواحد تلو الآخر، فنفشل، ثم نتعلم من التجربة، ثم تزداد التحديات صعوبة، وهكذا تدور الحياة بنا بين الكثير من الفشل والقليل من النجاح.