الرحلة الخامسة عشر

العودة إلى الوطن

أوستـن مارس 9102

إيران بالنسبة لكثير من العرب مثل «الصندوق الأسود» وهو مصطلح إنجليزي يستخدم عند التحدث عن شيء نعلم بوجوده ولكن لا نعرف عنه الكثير، نعلم أنها بلد مثير للمتاعب لمعظم الدول الغربية وأيضًا لبعض الدول العربية، فهم أحد أطراف الصراع في كل من اليمن وسوريا، وأيضًا من البلاد المؤثرة في الوضع السياسي في لبنان من خلال مساندتهم لحزب الله.

في عام 2007 سافرت إلى طهران لتسليم أحد المشاريع لشركة «إم تي إن» الجنوب إفريقية التي تعمل في مجال شبكات الاتصالات. بنيت العاصمة طهران على منحدر جبل البرز، أتذكر هذه الليلة جيدًا عندما خرجت إلى شرفة غرفتي في الفندق ورأيت المدينة ذات الأنوار المنتشرة على سفح الجبل مغطاة بالثلج الأبيض وصوت أذان العشاء يملأ الأرجاء، كان المؤذن ذا صوت جميل يسحر العقول ويطرب الآذان، حُفر الموقف بأكمله في ذاكرتي ورغم برودة الجو ظللت أتأمل المدينة التي هي عاصمة واحدة من أعرق الحضارات القديمة حضارة الفرس.

كان اسمه كامل كما يظهره تطبيق أوبر، انتظرته أمام منزلي في أوستن؛ فسيارة أوبر التي يقودها هي وسيلة وصولي إلى المطار، بينما أنتظره حاولت أن أخمن من أين هو، كنت متحيرًا إن كان عراقيًّا أم سوريًّا، فالصورة لا تظهر الكثير من التفاصيل. ترجل كامل من السيارة كان كبيرًا في السن، شعره أبيض، في ظهره بعض الانحناء، ساعدني بوضع أغراضي في الحقيبة الخلفية للسيارة، شيء ما جعلني مترددًا أن أكلمه مباشرة بالعربية، فقلت له بالإنجليزية: أهلًا كامل؛ اسمك مألوف لدي من أين أتيت؟

- أنا من إيران، ولكني مستقر هنا في الولايات المتحدة ما يزيد على 40 عامًا.

- أنت أمريكي إذن أكثر من كونك إيرانيًا!

- لقد جئت هنا وأنا صغير السن للحصول على درجة الماجيستير في علوم الفيزياء والرياضيات وتزوجت من أمريكية وأنجبت ثلاثة أطفال لم أشعر بالحياة وهي تمر من أمامي، ما زلت أتذكر اليوم الذي أتيت فيه من إيران وكأنه البارحة.

- هل ما زلت مرتبطًا بإيران؟

- بالطبع، ما زال لدي أخت تعيش هناك، وحاليًا أفكر جديًّا بالانتقال والحياة معها، سيعتني كل منا بالآخر.

- ماذا عن زوجتك؟ وأبنائك؟

- لقد انفصلت أنا وزوجتي بسبب خلافات بعد الأزمة المالية العالمية في 2008، لقد استثمرت جزءًا كبيرًا من مدخراتنا في عقارات وعندما حدثت الأزمة خسرت غالبية مدخراتنا، حيث حجزت البنوك على العقارات، اتهمتني بتضييع أموالها وطلبت الطلاق.

- وماذا عن أبنائك؟

- لديّ ولدان وبنت، كل منهم انشغل في حياته وأسرته، أنت تعرف كيف هي الحياة في أمريكا، لا بد من العمل الشاق لكي تتمكن من الحصول على حياة مريحة، هم يتصلون في الأعياد وبعض الأحيان يأتون في زيارات قصيرة.

- ولكن كيف سترجع إلي إيران وأنت أمريكي؟ توجد مشاكل سياسية كبيرة بين البلدين.

- أنا في الثانية والسبعين من عمري أرغب في التقاعد في موطني إيران حيث عشت مرحلة طفولتي وشبابي، أنا لا أشكل أي مصدر للخطر أو المشاكل، على العكس فأنا سوف أصفي ما تبقى من ممتلكاتي هنا وسأرجع بها لإيران لكي تساعدني على مصاريف التقاعد، الحياة في إيران رخيصة جدًّا مقارنة بأمريكا.

- ولكن هل ستتمكن من التأقلم على الحياة في إيران بعد أن قضيت أربعين عامًا في الولايات المتحدة؟

- أتمنى ذلك، خاصة أنني تركت إيران قبل الثورة الإيرانية عام 1979، إيران الحالية تحت حكم ولاية الفقيه تعاني من القهر واستبداد الطبقة الحاكمة باسم الدين وقمع الحريات، قبل ذلك كانت طهران هي باريس الشرق، مركز الثقافة والفنون في المنطقة، انظر ماذا حدث لإيران بعد أربعين عامًا من سيطرة النظام الحالي الذي استهلك ثروات البلاد في حروب لا فائدة منها للشعب الإيراني، هم وحدهم الطبقة الحاكمة المستفيدة من فرض نفوذهم في العراق وسوريا ولبنان.

بدأ صوت كامل في الارتفاع وانتفخت عروقه وهو يشرح كيف تدهورت حالة الإيرانيين منذ سيطرة نظام الخميني على الحكم، أدركت في نفسي أن كامل لن يستطيع التأقلم مع الحياة في إيران، فهو بالفعل ساخط على أحد أساسيات الحياة في وطنه إيران ألا وهو نظام الحكم.

أنهى كامل كلامه قائلًا: ولكني كما قلت لك أنا لا أرغب في شيء سوى قضاء ما تبقى لي في هذه الحياة مع شقيقتي نعتني ببعض، نعيش في هدوء بعيدًا عن المشاكل.

انتابني إحساس أن هذا الرجل يمر بمرحلة متقدمة من الإحساس بالوحدة والاكتئاب ولهذا يفكر في الانتقال إلى إيران ظنًّا منه أنه سيلاقي هناك من يؤنس وحدته في أيامه الأخيرة، هذا شعور يمر به كل مغترب أو مهاجر عندما تقسو عليه الحياة في بلاد الغربة، ولكن هل فعلًا سيتمكن من التأقلم على الحياة في الشرق مرة أخرى بعد أن قضى أربعين عامًا كاملة في أحضان الحضارة الغربية؟

لقد تزوج من أمريكية وانخرط في المجتمع الأمريكي وأصبح جزءًا من المنظومة، كسب المال من الاستثمار في المجال العقاري وأصبح غنيًّا يعيش حياة مرفهة، ثم جاءت الأزمة الاقتصادية وخسر ماله ثم تركته زوجته وانفصل عنه أولاده وقلما يزورونه في الأعياد والمناسبات، لقد مر بدورة حياة كاملة في المجتمع الغربي التي غالبًا قد أنسته حياة الشرق بما فيها من تداخل بين أفراد العائلة والعشم الزائد والتوقعات المستمرة ممن حولك بمد يد المساعدة في أي وقت وحتى إن لم يكن ذلك بامكانك والذي عادة ما يتسبب في مشاكل بين أفراد الأسرة الواحدة، وغياب ثقافة الاختلاف وتقبل الرأي الآخر، فلكل مجتمع مميزاته ومشاكله فلا يوجد مجتمع خالٍ من العيوب.

قلت له: أتمنى لك حظًّا سعيدًا في تنفيذ خطتك للتقاعد، ولكن نصيحتي لك إن استطعت أن تجرب الحياة في إيران لعدة أشهر قبل تصفية كل أعمالك وممتلكاتك فلتفعل ذلك، لقد قضيت وقتًا طويلًا بعيدًا عن إيران وقد تتفاجأ أن الوطن الذي تبحث عنه لم يعد موجودًا.