الرحلة السادسة عشر
شحنة الآثار المسروقة
القاهرة يونيو 9102
كنت في غاية السعادة لأني أصطحب بناتي لرؤية عرض الصوت والضوء بأهرامات الجيزة، لم تكن المرة الأولى لهن التي يرين فيها الأهرامات ولكن هذه المرة أردت لهن أن يشاهدن عرض الصوت والضوء المبهر كما أتذكره عندما شاهدته في المرحلة الثانوية، كان سائق أوبر عم جمال في سيارته الأفيو الحمراء، متعاونًا للغاية فقد انتظر العائلة أمام مدخل الفندق ما يقرب من العشرين دقيقة وأخذنا في هذه الرحلة الطويلة من قرب مطار القاهرة إلى أهرامات الجيزة، كنت قلقًا ألا نلحق بداية العرض وخاصة عندما تراصت السيارات خلف بعضها في صف طويل يبدو كثعبان الأناكوندا.
- هل سنلحق بالعرض يا عم جمال؟
- إن شاء الله، هذا الجزء من الطريق دائمًا يكون مزدحمًا ولكن بعد ذلك سيتحرك الطريق، هل هذه أول مرة يرى فيها أطفالك الأهرامات؟
- لا، لقد رأوها قبل ذلك ولكن كان وقت الظهيرة وفي شهر أغسطس، كانت الحرارة شديدة ولم تكن التجربة مثالية، آمل أن يستمتعوا اليوم بعرض الصوت والضوء وخاصة أن الطقس ما زال معتدلًا ولن يعانوا من حرارة الشمس.
- وهل ذهبتم إلى المتحف المصري؟
- على قائمة الزيارات ولكن لم تتح لنا الفرصة لزيارته بعد، القاهرة مليئة بالمزارات السياحية والأثرية التي لا يوجد مثلها في العالم.
ضحك عم جمال وقال: آثارنا في كل مكان في العالم، إذا ذهبت إلى لندن ستجد حجر رشيد وغيره من الآثار الفرعونية وإذا ذهبت إلى فرنسا ستجد قسمًا كاملًا من الآثار المصرية في متحف اللوفر وكذلك نيويورك ومدن أخرى، كل ذلك بجانب الآثار الموجودة في مصر ومحفوظة في المخازن لم يرها أحد.
اندهشت من إلمام عم جمال بهذه المعلومات وسألته: هل لديك عمل آخر بجانب أوبر يا عم جمال؟
- أنا مفتش مخازن بهيئة الآثار.
- كلامك صحيح يا عم جمال، لقد قمت بزيارة متحف العلوم الطبيعية بهيوستن الذي يحتوي على طابق كامل من الآثار المصرية القديمة والعديد من المومياوات، ما أثار سخطي أنه عندما قرأت من أين أتت هذه الآثار كانت المعلومات توضح أنها إهداءات من متاحف أخرى في نيويورك ومونتريال ولندن لهذا المتحف في هيوستن، فالدول الغربية تقوم بإهداء آثارنا لبعضهم البعض.
- مصر مليئة بالآثار، حتى الآن هناك من يحفر أسفل منزله في صعيد مصر ويجد التماثيل والمومياوات القديمة ويقوم بالاتجار فيها، الوضع الآن أحسن حالًا حيث توجد قوانين تحرم الاتجار في الآثار ومن يقبض عليه يتم محاكمته، في السابق كان البلد مفتوحًا للأجانب وبعثاتهم الاستكشافية ومن يجد شيئًا يأخذه معه بلا رادع أو محاسبة.
- هل قرأت عن شحنة الآثار المصرية التي تم التحفظ عليها في إيطاليا منذ أسبوعين؟ من أين جاءت هذه الآثار؟ هل تم سرقتها وكيف لم يتم الإبلاغ عنها؟
- ليس بالضرورة، هناك آلاف من الآثار التي ما زالت مدفونة تحت الأرض ولم يتم اكتشافها، قد تكون هذه الآثار تم التنقيب عنها واستخراجها من قبل تجار الآثار وبيعها بدون علم الدولة وأيضًا هناك الكثير من مخازن الآثار التي قد يتم سرقتها أو تبديل الآثار فيها بواسطة بعض العاملين بهذه المخازن معدومي الضمير، لقد رأيت العديد من مثل هذه القضايا خلال فترة عملي التي تنتهي بسجن المسؤولين عن هذه المخازن، ما نسمع عنه هو القليل مما يتم ضبطه والكثير يتم تهريبه للدول الغربية فهناك إقبال كبير على اقتناء مثل تلك التحف الأثرية.
- أتذكر عندما كنت صغيرًا وأذهب إلى الشاطئ أمام منزل والدتي في الإسكندرية، كانت هناك سفينة غارقة في المياه العميقة على مسافة بعيدة من الشاطئ، في أحد الأيام أراني أحد الصيادين عملة ذهبية مرسومًا عليها السيد المسيح ومكتوبًا عليها الأرقام الرومانية وأخبرني أنه عثر عليها بالقرب من السفينة عند مطاردته لسمكة لاصطيادها ببندقية الصيد الهوائية.
- بالطبع، الإسكندرية مليئة بالآثار الرومانية واليونانية القديمة، هناك مدينة أثرية كاملة في خليج أبوقير تحت الماء، ولكن للأسف لا يعرف عنها الكثير، يمكن الاستفادة بهذه الآثار عن طريق تنظيم رحلات بواسطة غواصات مائية آمنة للسياح لمشاهدة هذه الآثار، سوف تكون عامل جذب لزيارة مدينة الإسكندرية.
سرحت قليلا في ما قاله عم جمال في محاولة لتذكر ما هي الأماكن الأثرية المشهورة التي يمكن زيارتها في الإسكندرية، تذكرت المتحف اليوناني الروماني الذي تم غلقه لفترة ومتحف المجوهرات الملكية والمتحف المتواجد في مكتبة الإسكندرية وقلعة قايتباي التي تأزمت كثيرًا في زيارتي الأخيرة لها للإهمال الذي أصابها، لماذا لا يتم تحديد أماكن الآثار الرومانية واليونانية القديمة وتنظيم رحلات لمشاهدتها سواء فوق الأرض أو تحت الماء؟
قطع عم جمال حبل أفكاري قائلًا: هل تعلم أن لدينا هنا في مصر معلمًا دينيًّا أثريًّا يضاهي الفاتيكان في أهميته وإن تم الاعتناء به وترويجه سوف يأتيه الحجاج من الطوائف المسيحية المختلفة.
- ما هو هذا المكان؟
- الكنيسة المعلقة التي تم بناؤها فوق كهف تحت الأرض ويحتوي على بئر مياه جوفية، أوت إليه السيدة العذراء للاختباء من الرومان عندما كانوا يبحثون عنها هي والسيد المسيح، ويوجد في هذه الكنيسة آثار لبعض الرهبان الذين قام الرومان بتعذيبهم وقتلهم مما وضعهم بعد ذلك في مرتبة القديسين.
- سمعت عن مجمع الأديان وعلى ما يحتويه من أماكن أثرية ذات تاريخ شيق ومؤثر في شعوب المنطقة.
- نعم، يوجد هناك أيضًا مسجد عمرو بن العاص الذي يعتبر من أول المساجد التي بنيت في مصر على يد الصحابة في العهود الأولى من الإسلام، تخيل إذا تم تحويل هذا المكان إلى منطقة سياحية ونقل كل المساكن الشعبية والنشاطات التجارية إلى أماكن أخرى، وتنظيم رحلات سياحية مؤمنة لزيارة هذه المنطقة، سوف تنافس هذه المنطقة أماكن أخرى لمكانتها التاريخية والدينية وستصبح مركزًا للسياحة الدينية مثل مسجد آيا صوفيا في أسطنبول، وكنائس عديدة في إيطاليا وإسبانيا التي هي أكثر حداثة بمئات السنين من مزارات مجمع الأديان.
قلت لنفسي لا بد أن هناك معوقات لا أستطيع أنا أو عم جمال معرفتها التي لم تُمكن الدولة من تنفيذ مثل هذه المشروعات السياحية المتميزة، أتفق مع عم جمال إذا تم التسويق الجيد لمشروع مجمع الأديان بعد تحديثه والاهتمام به قد يصبح هذا المكان أحد أهم المزارات التي تجذب السائحين من أنحاء العالم، تذكرت عندما زرت مدينة تورينو الإيطالية وقامت بزيارة المتحف المصري هناك، كان صف الزوار يمتد لخارج المتحف لمسافة طويلة، ولقد اضطررت للانتظار ما يقرب من الساعة في هذا الصف حتى أتمكن من دخول المتحف والذي كان رسم دخوله 12 يورو للفرد، كان المتحف ممتلئًا بالزوار من كل الأعمار يتجولون بين آثارنا المصرية القديمة من العصور الفرعونية المختلفة ويستمعون لشرح المرشدين المصاحبين لهم في انبهار وتأثر.
نظرت من نافذة السيارة، كانت السيارات لا تزال تسير ببطء، تساءلت هل سوف ألحق بداية العرض؟