الرحلة السابعة عشر
أذكى طفل في العالم
الإسكندريــة يوليو 8102
لدي كامل الثقة أن كل من سيقرأ عنوان هذه القصة من مصر سيحدثه عقله بلا تردد أنه الطفل المصري (أذكى طفل في العالم)، وذلك دليل قاطع على أننا شعب عاطفي يتداول ما يقال له من أشياء تتوافق مع عاطفته وكأنها مسلمات، في المقابل إذا طرحت سؤالًا مثل من هو أذكى طفل في العالم في المجتمعات الغربية ستجد إجابات تشكك في فكرة اقتصار جنسية أو عرق معين بكونه الأكثر ذكاءً في هذا العالم، وهذا ما أقتنع أنا به شخصيًّا؛ فتقدم وسائل التكنولوجيا والسفر أتاح للناس الاختلاط وأصبحت جينات البشر مزيجًا من أعراق وجنسيات مختلفة ويجعل إلصاق صفات معينة مثل الذكاء بجنس معين صعبًا إثباته للغاية.
ولكن الأهم من ذلك اقتناعي بأن الذكاء كما يتحكم فيه العامل الوراثي يكون تأثير العامل البيئي فيه مهمًّا جدًّا، فالبيئة المحيطة بالإنسان هي التي تحفز مراكز الاستنباط والذكاء في العقل وتدفعه إلى الابتكار والتجديد، أصدرت جامعة شيكاجو بحثًا في عام 2015 أن الأطفال الذين تعرضوا منذ صغرهم للحديث بأكثر من لغة في منازلهم لهم قدرة أكبر على التواصل والتفاعل، والأطفال الذين تعايشوا في ثقافات مختلفة لديهم قدرة أكبر على فهم منظور الآخرين والتأقلم ومواجهة تحديات الحياة من هؤلاء الذين تقتصر معرفتهم على ثقافة معينة.
كثيرًا ما سمعت جنسيات مختلفة تسخر من كيف أن حياة الأمريكان تتمركز حول الولايات المتحدة الأمريكية فقط ومعلوماتهم عن الثقافات الأخرى ضحلة للغاية، وحتى الأمريكان نفسهم رأيتهم يعبرون عن خجلهم بعدم درايتهم عن الكثير من ثقافات ولغات وعادات البلدان الأخرى (فالإنجليزية باللهجة الأمريكية هي كل ما يستخدمه غالبية الأمريكان في التواصل داخليًّا وخارجيًّا) على عكس الكثير من الدول الآسيوية مثل الهند والفلبين وسنغافورة، والأوربية مثل ألمانيا وسويسرا والدول الإسكندنافية، حيث يتعلم فيها الأطفال من سن صغيرة العديد من اللغات.
لسد هذا العجز في التنوع الثقافي تجد سياسة الولايات المتحدة الأمريكية تشجع استقبال المهاجرين من جميع الجنسيات (ما عدا في عهد ولاية الرئيس ترامب) وتوفر الحوافز التي تساعد على اندماجهم في المجتمع الأمريكي لخلق مزيج من الأعراق والأفكار التي ساهمت في تفوق أمريكا الملحوظ، لم تكن أمريكا لتصل لهذه المكانة الريادية في العالم لولا إتاحتها الفرصة للمهاجرين للقدوم إليها والاستقرار فيها.
غالبًا ما يدرك سائقو أوبر في مصر أني قادم من الخارج عند رؤيتهم لرقم هاتفي المختلف، فالعادة أن يتصل بك سائق أوبر أو يرسل إليك رسالة لكي يستدل على مكانك بالتحديد أو ينبئك عن احتمالية تأخره أو معرفة وجهتك لكي يقرر إن كان سيلغي الرحلة أم لا وهو المخالف لقوانين شركة أوبر، ولكننا في مصر لدينا طرقنا الملتوية للوصول إلى ما نريد.
ركبت بجانب السائق بعد أن تبادلنا الرسائل النصية وقررت أن أسهل الالتقاء به عن طريق الذهاب لشارع الكورنيش حتى لا أعاني من المزيد من التأخير.
- أهلًا يا مصطفى.
- أهلًا يا باشا، هو حضرتك عايش خارج مصر؟
- مظبوط.
- أصل رقمك غريب ولم أستطع الاتصال بك.
- الحمد لله، عرفنا نتواصل عن طريق الرسايل النصية.
- المصري لا يُغلب يا باشا.
أردت أن أقول له أن الأمر ليس له علاقة بشطارة الإنسان المصري، ولكن هو نتيجة دراسات قامت بها شركة أوبر في البلدان المختلفة التي تقدم فيه خدمة التوصيل، ومن المؤكد أنهم استقبلوا طلبات عدة لتحديث التطبيق بهذه الخاصية لتسهيل التواصل بين سائقي أوبر والركاب ولكني آثرت الصمت.
- أين تعيش حضرتك؟
- أمريكا.
- أنا عشت 6 سنين في قطر.
- ولماذا عدت!
- تغير الحال من زمان، ومع التوتر الموجود يوجد مصريون كثيرون فقدوا وظائفهم في الخليج، رغم أن الخليج معظمه تم بناؤه على يد المصريين.
- ليس الخليج فقط، دول عربية وإفريقية كثيرة كانت ترسل البعثات لمصر لتعليم أبنائها تعليمًا جامعيًّا متقدمًا ومتحضرًا، لقد قابلت دكاترة من الأردن والعراق وفلسطين تعلموا على يد أساتذة مصريين وتجدهم مرتبطين بالثقافة المصرية.
- المصري ينجح في أي مكان عندما يجد الإمكانيات والفرصة تكون متاحة أمامه.
- أي إنسان ممكن ينجح عندما تتوافر له الإمكانيات، وهناك مصريون فشلوا في الداخل والخارج رغم توافر الإمكانيات.
نظر إليّ مصطفى تلك النظرة والتي في باطنها السؤال «هو أنت مش مصري ولا إيه؟» ولكنه استطرد قائلًا: ولكني أختلف مع حضرتك، شخصية المصري مختلفة عن جنسيات كتير تانية قابلتها في الخليج، لا يوجد شيء يقف أمامه.
- «بيفتي يعني»؟
لم أكن أقصد التهكم بسؤالي هذا على مصطفى، ولكنه إقرار لحقيقة عاصرتها شخصيًّا، في بدايات حياتي العملية عندما التحقت بمشروع في المملكة العربية السعودية لتطوير الخدمات البنكية في ثاني أكبر بنك في المملكة، كان هناك العديد من فرق التطوير والمهندسين من جنسيات مختلفة تعمل معي في نفس المشروع، كان مدير المشروع من الجنسية الإنجليزية وكان دائمًا ينبهر أن لدي إجابة لأي سؤال أو مشكلة تواجهه بالرغم من صغر سني، في ذلك الوقت اعتقدت مثل مصطفى أن ذلك دليل على قوة وذكاء الشخصية المصرية. مع مرور الزمن ونضجي الفكري أيقنت أن المشكلة كانت في مدير المشروع الذي لم يكن يملك أي مؤهل للوظيفة سوى جنسيته الإنجليزية، فكان من الطبيعي أنه إذا قابل مشكلة سيقبل بأي حل حتى وإن لم يكن أحسن الحلول، لاحقًا تعاملت مع الكثير من الزملاء الإنجليز الذين كانوا في غاية الذكاء والمعرفة وتعلمت منهم الكثير وأثبتوا خطأي في الاعتماد على الإفتاء في حل الأمور.
جادلني مصطفى وعلى وجهه علامات الإصرار على إثبات وجهة نظره: الموضوع ليس إفتاء، الطفل المصري من صغره «غلباوي»،
ولا يوجد شيء يقف أمامه، ويجد الحلول للمشاكل التي تقابله بطرق غير تقليدية فهو من أذكى أطفال العالم.
- تماما مثل الطفل الروسي.
لم أكن أعلم أي شيء عن الطفل الروسي، لكني أردت أن ألقن مصطفى درسًا أنه لا يمكن تعميم أن الطفل المصري الأذكى في العالم من غير إحصائيات عن باقي الدول، فما يقوله هو ترديد عاطفي لمقولة موروثة عبر الأزمان، حتى وإن استند من قالها على ملاحظات شخصية أو شائعة في زمن ما عن الطفل المصري فهذا الشخص غالبا لا يدري أي شيء عن الطفل الروسي مثلي أنا ومصطفى.
أجابني مصطفى وقد ظهرت على وجهه علامات الحيرة: في الحقيقة أنا لا أعرف أي شيء عن الطفل الروسي.
أردت أن أرجع الثقة مرة أخرى لمصطفى بدلا من أن ينتهي بي المطاف في الشارع دون أن أصل لوجهتي: هناك مقولة مشهورة(1) تقول «الأوقات الصعبة تنشئ رجالًا أشداء، الرجال الأشداء يصنعون الرخاء، الرخاء يصنع جيلًا ضعيفًا، الجيل الضعيف يجلب الأوقات الصعاب» هي مسارات تدور فيها الحضارات المختلفة عبر الأزمنة ولعل الأوقات الصعبة الحالية قد تنشئ جيلًا من الأشداء يعيدون لمصر مكانتها مرة أخرى.
(1)(1) نظرية العمران لابن خلدون واستخدمها الكاتب الأمريكي مايكل هوبف في روايته post apocalyptic.
عندما تركت مصطفى دفعني الفضول إلى إجراء بعض الأبحاث عن إحصائيات حول مستوى ذكاء الأطفال في العالم، وعادة ما أبحث عن دراسات إحصائية وتجريبية تمت بواسطة مراكز أبحاث موثوق فيها، وجدت ضالتي في بحث عرضته منصتا Business Insider
وForbes المشهورتان وتستدلان فيه ببحث قام به المركز القومي الأمريكي للإحصاءات التعليمية عن تطور التعليم في البلدان المختلفة وتأثيره على معدلات الذكاء والابتكار، واستخدموا 3 معايير لتحديد البلاد التي تنتج أكثر الأطفال ذكاء في العالم (لاحظ التعبير تنتج الذي يدل على شيء يحدث في الوقت الحالي وليس مطلقًا للأبد) البحث لم يربط النتيجة بجنسية معينة ولكن ربط النتيجة بثلاثة معايير:
1- تطوير التعليم عن طريق إجراء اختبارات تحديد مستوى تقدم التعليم.
2- اختبارات ذكاء لعينة من الأطفال IQ test.
3- عدد جوائز نوبل التي حصل عليه البلد والتي تعتبر مقياسًا للابتكارات الفعلية التي أفادت الإنسانية.
قام البحث بصنع مقياس مركب من هذه المعايير الثلاثة وكان ترتيب البلدان في مقدمة القائمة: اليابان، سويسرا، الصين، أمريكا، هولندا، روسيا، بلجيكا، إنجلترا، كندا، كوريا الجنوبية، هونج كونج، ألمانيا، تايوان، النمسا وفنلندا.
تمتد القائمة لـ 25 دولة ولم تكن مصر فيها، مع تحفظي على هذا المقياس الذي أضر بكثير من الدول المتقدمة الناشئة مثل سنغافورة التي تحتل المركز الأول في التعليم ولكن لافتقارها للكم كبير من جوائز نوبل الذي توفر في دول أخرى أصبحت في المركز الخامس والعشرين.
أغلقت متصفح الإنترنت ولدي أمل أن يأتي جيل من الأشداء يضع مصر على هذه القائمة في يوم من الأيام.