الرحلة التاسعة عشر
أهل سوريا
القاهــرة يناير 0202
بعد حضوري معرض الكتاب ذهبت مع بعض الأصدقاء للعشاء في محل كبابجي مشهور في مدينة نصر، كانوا هم من اقترحوا الاسم لسمعته الطيبة وتوصية العديد من الأصدقاء بتجربته، وافقت لرغبتي في تجربة ومعرفة أماكن جديدة لم أزرها من قبل.
الغريب في مصر أنه كل بضع سنين يظهر اسم جديد في عالم الكباب والمشويات يأخذ الصيت في هذا المجال بعد أن يعتاد الناس على هؤلاء المتواجدين منذ فترة، خاصة أن جودة الطعام في هذه الأماكن (التي أصبحت مشهورة) تقل تدريجيًّا مع الزمن عادة، فكثرة المكسب ونمو معدلات الطلب يصيبهما بالغرور والترهل، خاصة أن في مصر الطلب على الأطعمة والوجبات الجاهزة يزداد بمعدل تسارعي كبير، وغالبا ما يعجز أصحاب هذه الأماكن على الحفاظ على نفس مستوى الجودة لفترة طويلة، مما يشجع على ظهور اسم جديد منافس يثير اهتمام محبي المشويات خلال بحثهم عن منتج أفضل.
هذا التفسير يضاد تماما نظريات الاقتصاد العالمية التي تقوم بتفسير التأثير المباشر لمعدلات الطلب على معدلات العرض في السوق المفتوح، فنظريات الاقتصاد تثبت أنه بزيادة الطلب على المنتج يزداد رأس المال مما يساعد صاحب المكان على الاستثمار في مؤسسته والتحسين من جودة المنتج لضمان استمرار معدلات النمو وزيادة الربح، هكذا انتشرت سلاسل المطاعم العالمية المشهورة والتي تمكنت من الحفاظ على نفس جودة المنتج والتوسع في بلدان متعددة للوصول إلى عملاء جدد.
أثناء تناولنا الطعام دار حديث عن تردي مستوى الخدمة في المكان، وخاصة أنه لم تكن هناك منضدة فارغة واضطررنا للانتظار أكثر من ساعة حتى أتى الطعام الذي لم يكن بالجودة المطلوبة، وبدأ أحد الأصدقاء في الحديث عن تجربته في أحد المطاعم ذات الإدارة السورية وكيف كانت التجربة مختلفة من حيث تميز الخدمة ونظافة المكان وجودة الطعام في مقابل السعر.
أثار هذا الحديث غضب زميل آخر الذي رأى أن السوريين في مصر أصبحوا خطرًا على العمالة المصرية؛ فهم متواجدون في كل مكان ويحترفون جميع الأعمال من نقاشة وسباكة وصناعة الأطعمة والمخبوزات في المنازل، كنت أستمع للحوار بينما أنظر إلى كم الطعام الذي وضع على الطاولة فهو يكفي لإطعام ثمانية أشخاص وليس أربعة، وكذلك الطاولات من حولي يوجد عليها كميات ضخمة من الطعام تزيد على حاجة طالبيه. نظرية أخرى في الاقتصاد أراها تتحطم أمامي فلا بد أن سعر هذا الطعام متوافر للجميع وإلا ما طُلبت كل هذه الكميات. لماذا يحرص الناس في مصر على طلب كميات مبالغ فيها من الأطعمة؟ فذلك أحد أهم أسباب ارتفاع الأسعار.
في الصباح (بتوقيت مصر، الظهيرة بالتوقيت العالمي) طلبت أوبر لمقابلة أحد الأصدقاء، كان السائق اسمه أحمد كما يظهره التطبيق، جاء وأقلني من أمام الفندق، جلست بجواره كان شابًّا صغير السن، حسن المظهر، بدأ هو الكلام.
- صباح الخير، أهلًا بحضرتك.
من هذه الكلمات القليلة أدركت أن هناك شيئًا غريبًا في هذا السائق، هو يحاول محاولة جاهدة تقليد لهجة وأسلوب المصريين في الكلام، ولكن هناك بطئًا في خروج الحروف، مما يجعل لهجته غير مطابقة لأي من اللهجات المصرية التي يمكن لعقلي أن يتعرف عليها، كما أن أسلوبه الودود والابتسامة الواسعة ليست من العلامات المميزة للشخصية المصرية في هذا الوقت من اليوم، شيء ما في عقلي أنبأني أنه ليس مصريًّا.
- صباح الخير، لهجتك غريبة قليلًا هل تسمح لي أسألك من أين أنت؟
نظر إليّ وقد تبدلت ابتسامته قليلا وسألني في جدية: وما الغريب في لهجتي؟
شعرت بالذنب أني قد أكون سببت له حرجًا فقلت: أنا آسف، ولكني مغترب عن مصر لفترة طويلة ولم أتعرف على لكنتك.
عاود الابتسام مرة أخرى وسألني: في رأيك، من أين أنا؟
ما زالت لهجته الغريبة تثير ريبتي، قلت: صراحة عندي شك أنك مصري ولكني لست متأكدًا.
- شكك في محله، أنا من سوريا، من حلب.
ابتسم ابتسامة واسعة وأدركت أني ما زلت أحتفظ بهويتي المصرية «وما بقتش خواجة».
- ولماذا تحاول أن تقلد لهجة المصريين؟ اللهجة السورية من اللهجات المحببة لكل العرب، أن شخصيًّا أحب أن أستمع للغة السورية واللبنانية فهما تمتازان بنغمة موسيقية وتعبيرات رقيقة.
- «يسلملي ذوقك»، أنا فقط أريد أن أصبح جزءًا من المجتمع المصري الذي أحبه كثيرًا، فلقد تركت كل شيء في حلب وهربت من الحرب وفضلت أن آتي إلى مصر على أن أخاطر بالذهاب مع مهربين إلى تركيا أو أستقل مركب مهاجرين للهروب إلى أوروبا، وأنا على أشد اليقين بأني اتخذت القرار الصحيح.
- وكيف ذلك؟
- لقد احتضنتني مصر مثلي مثل الكثير من السوريين، وقام أشخاص مصريون لم يكن بيني وبينهم سابق معرفة بمساعدتي وقاموا بمساندتي مثل الأهل وأكثر، لا أعتقد أني كنت سأحصل على نفس الاهتمام والمساعدة في البلاد الأخرى، أنا أسمع الكثير من القصص البشعة التي تحدث للسوريين في معسكرات اللاجئين في الدول المجاورة، ولكن هنا في مصر لم يضعنا أحد في معسكرات فنحن نعيش جزءًا من هذا الشعب الذي احتوانا وأعطانا فرصة البدء من جديد.
أحسست بالفخر أنه هكذا ينظر أبناء الجالية السورية لمصر وشعبها.
- ولكن هل يسمح لك كسوري بالعمل على أوبر؟
- هذه السيارة ملك لصديقي أحمد الذي يعمل عليها في الليل ويتركها لي في النهار.
نظرت سريعا للتطبيق، بالفعل صورة أحمد لم تكن مطابقة لصورة السائق الذي معي، سألته: ما اسمك؟
- باسل.
- ولكن يا باسل أنت تنتهك تعليمات شركة أوبر وقد تعرض نفسك وزميلك للمساءلة القانونية.
- الناس هنا في مصر متفاهمة «ومافيش حد بيرضى يقطع رزق حد».
- ولكن لا قدر الله إذا حدثت جريمة وقام البوليس بالتحقيق ستوجه إليك تهمة انتحال شخصية سائق آخر، وقد يتسبب ذلك في تعقيد التحقيقات وعدم تحقيق العدالة.
نظر إليّ باسل وقد فترت ابتسامته قليلًا وقال: هذا صحيح ولكن الناس هنا طيبون وربنا ما يوقع حوادث، يبدو أنك مسافر منذ فترة طويلة، مصر بلد الأمن والأمان.
ابتسمت وأنا أفكر، بالفعل لقد كان باسل موفقًا في اختياره لمصر، فلم يكن هناك الكثير من الدول الأخرى التي قد تعطيه مثل تلك الفرصة للانخراط في المجتمع وأن يصبح عضوًا منتجًا بمثل هذه السرعة، لقد قمت بالتطوع عندما قامت الحرب السورية للمساعدة في توطين القليل من المهاجرين السوريين الذين سمحت إدارة أوباما باستقبالهم قبل أن يغلق ترامب هذا الباب تمامًا، وأتذكر جيدًا الإحساس بالضياع الذي ينتاب هذه الأسر عندما تصطدم بمجتمع لا تعرف لغته أو عاداته وتقاليده، في إحدى المرات اصطحبت أبًا سوريًّا وابنه لحضور أول يوم في المدرسة، وكنت أنا المترجم الذي سيقوم بمساعدة الابن والأب إن كان لديهما أي أسئلة لإدارة المدرسة، عندما جاء الوقت لدخول الابن ذي التسعة أعوام لباب المدرسة أمسك برجل أبيه وأخذ في البكاء بهستريا، جلست على ركبتي وسألته لماذا تبكي يا محمود: قال سيرغمونني على أكل الخنزير في الكافتيريا وسأدخل النار!
كان الأب يبكي لبكاء ابنه، كان الوضع في غاية الصعوبة حاولت أن أشرح له أني سأظل معه وأن هذا لن يحدث، لم يخفف الوضع إلا مجيء المشرفة الاجتماعية والتي كانت مجندة في الجيش الأمريكي في العراق قبل التحاقها بالتدريس، حاولت بالقليل من العربية التي تعرفها أن تلعب مع محمود وأن تهدئه، ثم طلبت مني أن آخذ محمود إلي مطعم المدرسة والتحدث مع الشيف لمعرفة ما يحب أن يأكله محمود.
أخذت محمود الذي ما زال يرتجف من البكاء وأباه الحائر في ما يدور حوله وذهبنا إلى المطبخ! وأخبرت الشيف أن محمود قلق من أن يختلط طعامه بأي شيء فيه مشتقات الخنزير.
ابتسم الشيف إلى محمود وقال لي: لا توجد أي من مشتقات الخنزير في قائمة طعام المدرسة، لا تجعله يقلق.
كان إفطار محمود يومها الشوفان والحليب وتأكدت أن غداءه سيكون بيتزا الجبن.